Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: قلوب و فنادق ..!

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2001
    الردود
    2,813

    قلوب و فنادق ..!

    موظف الاستقبال على الهاتف ...
    ينظر بعينه خلسة نحو آخر البهو ، ويصيب مقتلا من نفسه ، تتفتق جروح الترقب في صدره وينزف صمتا يخيم على كل المكان ليجعله فراغا .
    بيده مسبحة ذات خرزات من الكرستال المزيف، تتلامح إحدى الحبات بخجل وتكسر نورا تنتظر الأخرى بعضا منه .
    يخرج قلمه ويرسم قلبا أزرق ، يخربشه قليلا ليصبح مركبة فضائية . تحلق بخياله إلى المستحيل ، حيث مرآة لا تعكس نفسه . وتبعثرصورته على بقايا وجوه في منزله تنتظر منه الكثير .
    يرمي بمحفظته على الطاولة الرخامية ، كان يقصد أن يحدث ضجيجا ، ولكن حجمها المتفائل بحجم أحلامه يزفر نسمة خفيفة تلطم وجهه بالخيبة .
    قلبه الواجم بين ضلوعه ينبض . يتناغم على خطوات تطرق أذنيه ، يخفي وجهه في ظلال كتفيه . ويرخي رأسه انتظارا لتجاهله . تلعم أن يبدأ باقتراف عدم الاهتمام حتى يوقف وخز التجاهل نحوه .
    _ لدي حجز باسم العنود .
    صوت ينهمر باردا على جوانحه . يثقل قدميه ويجعله يخشى السقوط صارخا باسمها .
    يهز كتفه بالإجابة ويمسك بالمفتاح على أبعد نقاط أصابعه ، يخشى تلك اللمسات التي تؤرق أنامله ، يكره شعور النشوة ، وكيف له أن يبني سلسلة من الصور تنتهي به إلى وسادة خالية .
    - تفضلي .
    - لا إعطها ذلك الواقف هناك .
    يفكر قليلا ، يشك أنها قالت ذلك وهي تبتسم ، ترى كيف كانت أسنانها .؟ كحبات البرد كما يصف الشعراء ؟
    . كيف تلامست شفتيها ، كحبات الكرزالمتجاورة في عِرق واحد.؟
    يقطع تفكيره ظل ضخم تنير عيناه في مسطح وجه فارغ إلا من السواد ، يقترب ويرمي بيد خشبيه ، كأنها جذع أمطرته أشجار تنمو في السماء ،يقبض على المفتاح وبعض من راحة كفه . توقف قلبه وأرجف من خلف أحد الضلوع ، ويتسائل ، هل أبديت يا هذا الجسد المبتذل أي حركة خاطئة ؟
    ، يحقق مع حواسه ...!
    أين كنتِ أيتها الأعين الوقحة ، أما آن لك أن تتعودي النظر إلى طرف حذائي .!
    أنت يا لساني كيف ظهرت الحروف من فمك ، هل كانت مبتلة تثير الاشمئزاز كعادتها حين تتلمظ جوعاً ؟
    تمر اللحظات وكأنه يمارس النقر على جهاز الكمبيوتر ، الأضواء في المكان كانت كلها مسلطة عليه ، والعرق ينساب ملحا فوق حاجبه ، أو لعله تراب علق به حين كان ساجدا على قارعة الطريق .
    يختفي كل شيء من أمامه في فوضى من الأصوات والروائح تلحق شبه حلم كاد يخرج رأسه من عنق الزجاجة .
    ينفجر صدره بنفس الموشك على الغرق .
    لقد كان يكتم أنفاسه خلال كل ذلك الوقت الذي مر به . ثواني ، دقائق ، ساعات ، لا يعلم ، لو كان في البحر لأدرك الشاطيء الآخر دون أن يشعر .
    يرتاح قليلا وعقله المملوء بالخوف تشرق عليه بعض من نزوات الرجولة . كرامة ، وعزة ، وأنفة ، وامتناع ، مشاعر تأتي بعنف تعاقب قلبه الذي غرق قبل قليل .
    نعم لقد أحببتها ، ولو أني حاولت قليلا لأحبتني ، يبدو أنها مملة ، لعلها تشبه الدمى التي نفرح بها قليلا ثم نرمي بها على أحد رفوف الماضي ، بالطبع لا أريد فتاة كهذه .
    يحمد الله على رزانته وعقله الراجح ، لقد أفلت بإعجوبة من شباك إمرأة يترامى تحت أقدامها الرجال . لا تعرف الحب ، ولا شيء يملأ وقت فراغها سوى الرحيل من غرفة إلى أخرى .تلك المبررات التي تأتي بسرعة سيارة الإسعاف في وطنه ، تحاول أن تطبطب جروحا وصلت حتى عظم الكبرياء .

    يتساءل ...؟
    ترى كم فندق سكنت حتى .... ممممممممممم ؟
    وينظر في صورة الجواز على المكتب ...
    حتى بلغت سن الحادية عشر ....!
    كلـما أدبني الدهـر --- أراني نقص عقلي
    وإذا ما ازددت علما --- زادني علما بجهلي
    ـ ـ ـ ـ ـ

    "سـيرة عقـل"

    ibraheems@hotmail.com

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2001
    الردود
    2,813
    ( 2 )

    آخر الرواق ضوء خافت ، يفضح مخرج الطواريء .
    لا شيء يهرب من هناك سوى أثم خجول ، يمتزج بأنوار الشارع ، يتلثم بظاهر الطهر ، ويذوب في ظلال الذنوب .
    هكذا فكر وهو يقف بجوار الباب يسترق الراحة ، يتكيء بمستبقبل متهالك ، يُشعل روحه الباردة بدخان سيجارته ، يحسب قيمة يومه ، فكرة ساخرة يمارسها قلبه .
    - سأشتري بقيمة هذا اليوم حذاءاً ، ويغير اسم اليوم على الروزنامة، ويرى نفسه يجيب زميله ضاحكا ، اليوم هو يوم الحذاء .!
    تعود تخيل ما يدور في صف تلك الغرف على طول الممر . أرقامها الذهبية تثير في داخله الحسد ، لذلك يعاقب كل الساكنين بأقذر التوقعات . لا بد أن الرقم ( 415 ) رجل يملك مالاً يجفف به دموعه ؛ لا : إنه لا يعرف البكاء ، لانه لا يملك قلبا ، بل خزنة حديدية ، يكفيه أن منزله غرفة واحدة ، ويهم بالضحك . ولكن ابتسامة شامتة تتملص من شفتيه ، ويضج قلبه بأنواع العذاب . ما لا يملكه شيء يثير في داخله الكره تجاه كل الأغنياء . ويقسم : " متى أصبحت غنيا قرأت الغضب في عيون الفقراء " يريد أن يرى نفسه على الجهة المشرقة من القدر. ولولا ظلام قدري ما أشرقت أقدارهم ..!
    ينظر إلى ساعته .
    - لقد قاربت الساعة المنتظرة ، إنها السادسة صباحاً ، سوف تخرج الآن تتهادى في مشيتها ورأسها منكس إلى الأرض ، نعم إن سعادتها بالمال الذي دفعت جسدها ثمنا له لن يخفف من وطأة الشعور بالقذارة ، ستجرجر قدميها خزيا حتى تمر من أمامي ، وسأنظر إليها باحتقار ، فأنا املك شيئا لا تعرفه ولا يعرفه سيدها ، ويشد كتفيه علوا ، ويقرأ في داخله ( الشرف ) ، كنز الفقراء حين يعجزون عن بيع ضمائرهم . وما لا يقدر بثمن شيء لا يمكن شراءه .
    تخرج سيدة قصيرة ، يتابعها خلسة وهيء تلملم عبائتها وتغطي ردائها الأبيض.
    - عجباً ، كيف لها أن تتجرأ على البياض ، لم يعد لونا يعكس الطهر ، بل لونا يخفي العهر ويخدع البصائر . تباً ؛ كم يتمنى لو أنه ينزع عنها ثوبها ويعري فجورها . تقترب من المصعد وهي تحمل حقيبتها ، هناك أودعت قيمة لحمها الميت ، ثمن اللذة التي غادرت جسدها وصارت تفتعلها كإكسسوار إضافي .
    تتوقف وتلتف نحوه ، يشعر بأنها سمعت كل حديثه مع نفسه ، تنهار معالم الاشمئزاز والكره من ملامح وجهه، ويخفيها بقناع اللامبالاة، يمسك بعصا المكنسة ويبدأ في كنس الأرض ، يحاول تجنب نظراتها ، فهي قادرة على أن تجعل تعاسته مضاعفة بكلمة واحدة إلى شيطانها النائم في الغرفة . ماذا فعل ، إن قلبه الخائف يرتجف وينفض كل آثار الحقد والحسد ويبدأ بالتوسل ، يسمع خطواتها تقترب منه ، ويفكر بالهروب من مخرج الطواريء أو مخرج المذنبين كما تعود تسميته .
    _ لو سمحت .
    يسمعها ويتجاهل النداء ، لعلها تعتقد أنه لم يلاحظ شيئا ، تكرر النداء وهي تقترب أكثر وأكثر ، يشد على مكنسته ، ويحاول إخفاء خوفه ، لم يعد هناك أعمال كافية في البلد ، وهذه الوظيفة هي ما تبقى له ليكسب منها رزقه ، يدعو من الله أن تستلم للتجاهل وتذهب في حال سبيلها ، ولكنها تصر على نداءه .
    -نعم
    يجيب وقد وصل إلى العجز ، وهنا يصبح التحدي حيلة المتهم ، سوف يناضل حتى لو أدانته ، فهو أشرف منها ، ويكفيه هذا الدفاع ، سيحرجها حين يخبرها أنه يعلم تماما عن كل تحركاتها ، وسيهددها بإخبار الجهة المسؤولة . لن تفعها وساطة العهر أمام الجلاد الذي يطبق أحكام الشريعة . نعم الدين سألجأ إليه ، سينقذني ربي منها .
    يرفع رأسه متحديا ، ويجحظ عيناه محاولا إخافتها وردها عن التحدث ، يشعر بالغيض تجاهها وهي تقترب أكثر منه ، إن عينيها من خلف النقاب تبدو مبتسمة ، ما أوقح هؤلاء النسوة ، إنها باردة كالثلج ، إنها آلة للمتعة كيف يمكن أن تشعر بالخجل أو الخوف منه وهي التي لم تخجل ولم تخف ربها .
    -هل يمكن أن اطلب منك خدمة ؟
    ماء يغسله ويجعله فارغا من الدهشة ، الحد الأقصى من الانفعالات انتهى ، ولم يعد لديه ما يكفي لردة فعل مناسبة ، يحاول تجميع رباطة جأشه ويحافظ على وجهه المتزمت ، ويجيب بصوت حانق .
    -ماذا تريدين ...؟
    تفتح حقيبتها وتبدأ بالبحث ، تقلب الأغراض ، ونصف ابتسامة صفراء يلتوي بها فمه .
    - إنها تحاول رشوتي ، ما أجمل كشف ذنوب الناس ، بها نملكهم ونتحكم بهم ، لن أرضى بأي ثمن لصمتي ، فهي تكسب كثيرا وهي بحاجة لصمتي حتى تكسب أكثر ، سأشاركها الربح ، لا ؛ بل ساعدها بترتيب أمورها مع الغرف الأخرى ، يبدو أن حياتي ستصبح أكثر رخاءا . ويبادر بالحديث ولكنها تمد يديها بعلبة بيضاء ، يمسكها بتلقائية دون أن ينطق بحرف واحد ، ينظر إليها وهي تتحدث ولكن كلماتها تصدر دون معنى ، الغطاء يخفي فمها وشفتيها ، يريد أن يتأكد من أنها تتحدث إليه . ولكنها تستمر وتكرر كلماتها التي تبدأ بالاتضاح تدريجيا .
    _ الممرضة الأخرى ستحضر بعد نصف ساعة ولا أستطيع الانتظار ؛ اعطها هذه العلبة وأخبرها بضرورة اعطاءه الحقنة لأن حالته الصحية تتدهور .
    يغرق في عرقه وتلتصق ملابسه بجلده ، أنه يتقلص ويتطوى حول جوانحه ، إحساس الخجل يحفر حفرة في الأرض تهوي إليها روحه ، ويبقى كجذع خاوي تمخره رياح باردة . تغادره ونظراته تلتصق بها طلبا للمغفرة ، لسانه االمنعقد يثثقل فكيه ويترك فمه مفتوحا ، يتلمس الباب خلفه ، ولكن رجلاه متيبستان ولا تستجيب لصوت ضميره الذي يطالبه بالهروب من مخرج المذنبين .
    كلـما أدبني الدهـر --- أراني نقص عقلي
    وإذا ما ازددت علما --- زادني علما بجهلي
    ـ ـ ـ ـ ـ

    "سـيرة عقـل"

    ibraheems@hotmail.com

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2001
    الردود
    2,813
    ( 3 )


    على ضفاف البحر الأشقر ،انتظر البوصلة حتى تبكي ، ومتى رأيت الدمع فأدر دفتك نحوه ، وابحر بجسدك الفاني ، لا تخف الغرق ، فإن الطين لا يصدأ. ( 7 /6 / 2006 )
    كتب هذا ورمى بقلمه واخذ يترنم ويدندن :
    امسح الدمعة ترا دمعك قوي
    انهزم قدام ضعفك يا غلاي ..
    امسح الدمعة بعمري لو تبي
    عطني احزانك وخذ مني هناي ..
    وأمسك بالكأس أمامه واخذ يمسح عنه قطرات الندى ، وعاد إلى ورقته يطويها يريد بياضا يتسع لحزنه ، حرك بقلمه الثلج داخل كأسه . وكتب :
    "رحلة الأمس غدا تقلع ، وسأغادرني الآن ، سيكون في استقبالي أنا ، سأحبني وأعانقني ، واهدي نفسي بعض اللعب ، سأحتضنها وأقبلها وارمي بها في الهواء وهي تضحك " .
    ضحك قليلا وارخى مفاصله على الكرسي ، ينظر إلى النافذة ، يراقب النوافذ الأخرى المقابلة له ، يبحث عن شخص يشاركه الحضور لما تبقى من هذا الليل، ولكن لا أحد هناك سوى الستائر ، تحركها النسائم يمينا ويسار ، وفي كل حركة يجد نفسه يتمنى شقا صغيرا يسترق به الرؤيا ، ماذا يريد أن يرى ؟
    لا يهم ؛أي شيء ، يمر الوقت ويعترف بأن تلك الستائر سامرته طوال ليله دون أن يشكر لها فضلا .
    - إن الدنيا تدب فيها الحياة متى تحركت الأشياء ، ماحاجتنا للأشياء ، السيارة المتحركة تعني سائقا في الداخل ، النور فوق الأسوار تعني عائلة يتسامرون واطفال يلعبون ، نحن الأشياء التي نستخدمها ، ولم نعد نحن أشياءا تحيي الدنيا . شكرا لك أيتها الستائر . ويبتسم ويرشف قليلا من الكأس ويبتلعه بمرارة . ويعود ينظر إلى ورقته التي إمتلأت خطوطا ودوائر .
    الوحدة التي تسجنه التصقت به حتى أصبحت جلدا صلفا يقيد حركاته ويجعله حجرا ، والظلام ينزلق فوق جبينه ، بدأ يهبط من عقله ويمارس الركض في الشارع ، يشعر بنفسه عاريا والأرض من تحته تنزلق إلى الأمام ، إنه يمشي في مكانه ، والكل يلحق به ، يصرخون وتقذف أفواههم لهبا ، سيارته تشتعل وتدحرج وراءه ، لا أحد يحاول أيقافها ، والنيران ترسم وجها بريء يبتسم إليه وعينيه غارقة في الحزن ، يشتعل الوجه ويختفي ، يستمر في الجري ، يبحث عن منفذ ولكن نفقا من الزجاج يبقيه في مساره ، طيور بيضاء صغيرة تحلق بمحاذاته من خارج النفق ، إنها تبكي وتناديه باسمه ، نقطة سوداء تضيء في نهاية النفق ، يتجه نحوها يريد أن ينفذ إلى الطرف الآخر أيا كان ، إنه يقترب منها ، وتزداد بعدا ، تمتد إليه يد محروقة من داخل ذلك الثقب ، وقطعة من الجلد المتجعد تلتف حول عنقه وتسحبه إليها ، يهوي سريعا وهو يصرخ بصوت مكتوم ..... إنه يقترب من القاع وصراخه يرتفع في داخله ويفتق ضلوعه .. يصل أخيرا إلى القاع ويفتح عينيه يحاول إبعاد ذلك الجلد عن رقبته ، ولكن لاشيء .
    يسمع الباب يدق ، يرتعد وتجفل جوانحه ، إنه لا يرى غير جدران من النور تحيط به ، يقف بترنح ويرفع رأسه ويجلس على ركبتيه ، يتجه نحو الصوت وتبدأ الجدران تتضح أمامه ، يمر بالخزانة وينظر إلى رف تتدلى منه قدمي دمية صغيرة ، يمسكها ويعيدها إلى داخل أغلفة وردية مهترئة ، يمسح دمعة تغلي فوق جفنه .
    يفتح الباب قليلا وينظر إلى الخارج .
    - سيدي هل أنت بخير . لقد كنت بالجوار وسمعت صوت ارتطام . هل أنت بخير ؟
    يحس بأن صوته مازال مخنوقا في داخله ، يخشى إن هو فتح فمه تخرج صرخة لا يعلم كم بقيت في صدره .
    يبلع ما تبقى من الريق في حلقه :
    - أنا بخير
    يهم بإغلاق الباب ولكن يعود ويطلب بعض القهوة ، يخبره الرجل أن يتصل بخدمة الغرف وسيحضرونها له مباشرة .
    يتجه نحو الهاتف ويطلب الرقم :
    - أهلا بك أبو غادة
    - لو سمحت ، أريد أن ترسل لي بعض القهوة وأي فطور ممكن .
    - حسنا سيدي ، ولكن ماذا عن كعكة الصغيرة ، هل مازالت نائمة .؟
    يقفل الهاتف ، ويتذكر الورقة التي كانت على الطاولة ، يذهب إليها ويقرأ ما كتب ليلة البارحة ، يقرأ اسمها بصوت خافت تملأه العبرات ، وأنفاسه تتتقطع ألما، يقلبها ويقرأ :
    تقرير طبي : إلى من يهمه الأمر : نسبة الكحول في الدم كانت تتجاوز الحد المسموح به . إصابات طفيفة وحروق سطحية . ( 6 / 6 / 2005 ).
    كلـما أدبني الدهـر --- أراني نقص عقلي
    وإذا ما ازددت علما --- زادني علما بجهلي
    ـ ـ ـ ـ ـ

    "سـيرة عقـل"

    ibraheems@hotmail.com

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2001
    الردود
    2,813
    ( 4 )


    المساحات الشاسعة تعطي النظر أبعادا جديدة، تدركها الأعين كرؤية تنبعث عبر الأشياء دون تجسيدها
    والأسقف المرتفعة فرصة تستغلها الأفكار تبتعد فيها عن الواقع لتلقي نظرة مفصلة باتجاه العقل في الأسفل
    السواد يخفي تفاصيلها ويدمج أطرافها في كومة من الظل ، تحاول العبور بعينيها عبر فتحات الحاجز الخشبي لتتابع الجانب المكشوف من البهو . تحرك رأسها ببطيء نحو الأمام وتعود به مرة أخرى للخلف ، شيء ما يبقيها تتبع النور المتسلل عبر الحاجز .
    تتمنى في نفسها اقترابه ، وتدعوا من الله أن يرمي في قلبه الفضول ليأتي نحوها ، هذه اللحظات تعني لها نهاية حياة استمرت لمدة عشر سنوات ، تريد لنهايتها رونق الحزن ومعاني الوداع المبجلة ، تكره هذا الغطاء الذي امتص دموعها في طياته ومنع خديها من ملامسة طهر هذا الماء المالح ، سببه البريء يجعله مقدسا لو جف على جلدها ما تجرأت على مسحه ، حتى يحفر الملح أخدودا يذكرها به في كل مرة تمرر أصابعها عليه .
    يقترب النور منها ويخفي من حوله مظاهر الفوضى الأخرى، يصبح ذلك البياض الصغير وحيدا في امتداد نظرها وكأنه المخلوق الوحيد في هذا العالم.
    نحيب مشحوذ كأسنان الرماح يمخر صدرها ويقطع أحشائها، تحس به ينزع الرحم منها ويجتثه للخارج. يذكرها بلحظة أطلقت لهذه الدنيا صرخة بقدر ما أبكتها جعلتها مبتسمة رغم كل التعب والألم.
    يقترب منها ويرمي بوجهه الصغير مبتسما عبر طرف الحاجز
    - أمي
    - تعال حبيبي . تعال
    - أبي سيترك خالد يأتي للعب معي في المنزل
    فرح بكل هؤلاء الأطفال الذين بدأ بحفظ أسمائهم، يحسب أن والداه أمر مسلم به لا حاجة له بالتفكير فيهما
    تمسح على شعره الناعم والمترامي على طرف جبينه ، وتنظر إلى عينيه ، وتهم بمسح دموع تلمع في مقلتيه وتطفو على السواد ، تنسى للمرة الأخرى أن هذه الأعين الباكية لا تبكي ، تذكرت كيف أنها خافت عليه عندما أمسكته أول مرة بين يديها ، أخذت تسال لماذا عيناه غارقتان بالدمع ، طمأنها الطبيب ذاكرا اسم الله على ابنها الوحيد ، أن عيناه الواسعتان تظهر عملية الترطيب بشكل واضح تجعلها تشعر بأنه يهم بالبكاء .
    ابكي يا ابني واجعلني انهار متوسلة لأجلك. نادني وارمي بنفسك في حضني ، اجعلني قبل كل آثار اٌقدامك الصغيرة على الأرض .
    تمتد يد صلبة من خلف الحاجز ، وتمسك بكتف الصغير ، تسحبه بلطف وهو ينزلق من كفي أمه ، تمنت أن لديها فرصة تخلع فيها القفازين لتشعر بحرارة كفيه الصغيرتان في راحة يديها .
    - سأذهب مع أبي وأعود إليك ببعض الحلو ،
    يجري مبتسما يحسب أن كل هذا العالم خلق لإسعاده، هذا الفندق الجميل لا يتذكره، ففيه كانت أول مراحل قدره تحققا. تنظر إلى المرأة الجالسة بجوار شاب وسيم ، وتحزن من أجلها ، وتتمنى لو تخبرها أن هذا الحلم لن يطول أكثر من مدة هذه الليلة ، تعزي تلك الفتاة الصغيرة في ذهن تلك المرأة ، تبتسم لحلمها الذي دأبت على تخيله ، فستانها الأبيض وطرحتها البيضاء ، والهدايا والعطور ، كانت تمشي بخيلاء في كل مرة تلبسها أمها رداء الصلاة الأبيض ، وتغني زفافها لا تعلم أن هذا الفرح لا يكتب لها منه سوى تمثيل دور الضحية ، وهناك من يقتصر كل فرحته على استقبال أحلامها المتحققة لينهيها في لحظات ، لم تكن غبية ، ولا بلهاء ولا ساذجة ، كانت فتاة ، تعيش كبقية جنسها ، وتفكر كبقيتهم، زوج يبني لها كيانا وعالما يخصها ، ويجعلها تتحدث عن بيتها بخصوصية المتحكمة ، لطالما تمنت أن تشتري مزهرية معينة وأن تفرش المنزل بلون تحبه ، ولكن أمها في المقابل فتاة حققت حلمها لتملك هذا العالم وتتحكم به حسب خياراتها التي كببتها من قبل . وهكذا يتوارثن الأحلام ، ويتمنين منازل سعيدة .
    - يعود الصغير إليها لاهثا ويضحك.
    - اهدأ ، اهدأ . لا تركض كثيرا
    - أمي لقد حضر خالي. وهو هناك مع أبي يتحدث
    تحضن الصغير وتخاف النظر إلى حيث يقف الاثنان، لا يهمها من هذا الأمر سوى جسد طري تعتصره بذراعيها، تتمنى لو يذوب ليدخل في قلبها وتغلق عليه مغادرة هذا المكان.
    يتلوى الطفل ألما، ويحاول التملص منها، وتظل متشبثة به، تنتظر شخصا يخبرها بأن ليس عليها الابتعاد عنه، الأمل يجعل من جسدها صلبا، لا تحرك ساكنا مغمضة عينيها، الأصوات من حولها تمازجت حتى غدت كصوت عويل البحر داخل الصدفة.
    - أمي أمي ، أريد الذهاب
    تحاول تهدئة نفسها، تفرق الذهول من عقلها وقلبها الذي ينبض بقوة، يكاد صرخ نيابة عنها. تنظر إلى اليد التي تمتد من وراء الحاجز ، وتلحقها يد أخرى تشير إليها بالنهوض . لقد اتفق الرجال في عالمهم على قدري، ولم يبقى لدي سوى الإقرار بأنني امرأة اختارني احدهم والآن يقرر تركي، وبين كلا الاختيارين لم يسألني عن خياري، ولم يفكر بطفلي الذي انتزع أحشائي معه دون خيار مني.
    تقف محاولة التحدث، يشير إليها أخيها باللحاق به، يفلت الصغير ليسلم على خاله ويمسك بيدي والده مبتعدا، يحب ركوب السيارة والذهاب مع والده إلى أي مكان، يجهل أن أمه في هذه المرة لن تكون في انتظاره حالما يعود إلى المنزل. المطار على بعد ساعات من هذا الفندق ، تمشي في الممر باتجاه الخارج ، وترى الأخرى تعاكسها الدخول برداء أسود يكاد يسقط عن فستان زفافها الأبيض ، تنظر إلى عينيها الخجلة وخطواتها الزاحفة بحياء نحو بهو الفندق ، تهم بإيقافها لتخبرها أنها ستخرج يوما ما من نفس الباب وقد تركت ورائها قطعة من فؤادها . تبحث عن سيارة طليقها المبتعدة بابنها ، وتراه يلوح من الزجاج الخلفي بيديه الصغيرة ، عيناه حتى الآن لم تسقط الدمع ، وتفكر من سيكون بجواره حين تنهمر دموعه لعالقة منذ سبعة سنين ، لم تفهم هذه الدموع إلا الآن ، لقد كانت رسالة من القدر تخبرها بأن كل تلك السعادة التي حلمت بها ستصبح بكاءا لا ينقطع حتى حين . تعيد نظرها نحو الفتاة، لتجد نفسها واقفة أمام مرآة تعكس صورتها، تقبض على كفيها وتفكر بتهشيم تلك الصورة، يقطع أخوها تفكيرها ويناديها باتجاه سيارتهم،
    - هل رأيت تلك الفتاة التي دخلت للتو
    - أية فتاة
    - تلك التي تلبس فستان الزفاف. وتشير بيدها إلى حيث كانت الرؤية، ولا شيء هناك سوى ذكريات احتفظت بها أروقة الممر منذ ليلة زفافها، وكم من أثر يحتفظ به الرخام كوديعة يرجعها لنفس الخطوات يوما ما.
    تسقط على ركبتيها ، وتعلم أن الرحيل نحو عالمها القديم سيجعلها خيارا جديدا قابل للتفاوض من اجل حلم شخص آخر لم يكن حاضرا هنا اليوم ليعلم كم كرهت أن تكون أما ، هذه الحياة تعطينا من الأشياء التي نحب ولا تخبرنا بأننا سنخسرها يوما . لو كانت تعلم أن قدرها يخبئ لها كل هذا ما تجرأت على الحب ، فهاهو يرحل مودعا لها ، ويبقى مكانه في حضنها خاليا إلا من رائحته ، تقبل يديها وتشم رائحة عنقه الصغيرة ، شذى عرقه الطاهر كان يغرقها في هدوء يجعل كل العالم من حولها فارغا إلا منها وجنينها الذي تحتضنه
    كلـما أدبني الدهـر --- أراني نقص عقلي
    وإذا ما ازددت علما --- زادني علما بجهلي
    ـ ـ ـ ـ ـ

    "سـيرة عقـل"

    ibraheems@hotmail.com

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    الردود
    211


    "رحلة الأمس غدا تقلع ، وسأغادرني الآن ، سيكون في استقبالي أنا ، سأحبني وأعانقني ، واهدي نفسي بعض اللعب ، سأحتضنها وأقبلها وارمي بها في الهواء وهي تضحك "
    يهرول الصمت حافي القدمين في الممرات الفاصلة بين تلك الغرف الشائكة
    ثم لا يخرج منها بغير كسرة حرف لا تغني من دموع

    ابراهيم سنان
    لك أسلوب فريد في رقْم التفاصيل على أردية النصوص
    لم تغفل المصعد الذي ينطلق القارئ من خلاله ، ولا حتى المنعطف الأخير الذي يعيده من حيث أتى
    لتترك له مشيئة الانحدار صعوداً أو الارتقاء هبوطاً بين دور وآخر ..

    ننتظر البقية
    شكراً لك

    .


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    176
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة إبراهيم سنان عرض المشاركة
    ( 3 )


    على ضفاف البحر الأشقر ،انتظر البوصلة حتى تبكي ، ومتى رأيت الدمع فأدر دفتك نحوه ، وابحر بجسدك الفاني ، لا تخف الغرق ، فإن الطين لا يصدأ. ( 7 /6 / 2006 )
    كتب هذا ورمى بقلمه واخذ يترنم ويدندن :
    امسح الدمعة ترا دمعك قوي
    انهزم قدام ضعفك يا غلاي ..
    امسح الدمعة بعمري لو تبي
    عطني احزانك وخذ مني هناي ..
    وأمسك بالكأس أمامه واخذ يمسح عنه قطرات الندى ، وعاد إلى ورقته يطويها يريد بياضا يتسع لحزنه ، حرك بقلمه الثلج داخل كأسه . وكتب :
    "رحلة الأمس غدا تقلع ، وسأغادرني الآن ، سيكون في استقبالي أنا ، سأحبني وأعانقني ، واهدي نفسي بعض اللعب ، سأحتضنها وأقبلها وارمي بها في الهواء وهي تضحك " .
    ضحك قليلا وارخى مفاصله على الكرسي ، ينظر إلى النافذة ، يراقب النوافذ الأخرى المقابلة له ، يبحث عن شخص يشاركه الحضور لما تبقى من هذا الليل، ولكن لا أحد هناك سوى الستائر ، تحركها النسائم يمينا ويسار ، وفي كل حركة يجد نفسه يتمنى شقا صغيرا يسترق به الرؤيا ، ماذا يريد أن يرى ؟
    لا يهم ؛أي شيء ، يمر الوقت ويعترف بأن تلك الستائر سامرته طوال ليله دون أن يشكر لها فضلا .
    - إن الدنيا تدب فيها الحياة متى تحركت الأشياء ، ماحاجتنا للأشياء ، السيارة المتحركة تعني سائقا في الداخل ، النور فوق الأسوار تعني عائلة يتسامرون واطفال يلعبون ، نحن الأشياء التي نستخدمها ، ولم نعد نحن أشياءا تحيي الدنيا . شكرا لك أيتها الستائر . ويبتسم ويرشف قليلا من الكأس ويبتلعه بمرارة . ويعود ينظر إلى ورقته التي إمتلأت خطوطا ودوائر .
    الوحدة التي تسجنه التصقت به حتى أصبحت جلدا صلفا يقيد حركاته ويجعله حجرا ، والظلام ينزلق فوق جبينه ، بدأ يهبط من عقله ويمارس الركض في الشارع ، يشعر بنفسه عاريا والأرض من تحته تنزلق إلى الأمام ، إنه يمشي في مكانه ، والكل يلحق به ، يصرخون وتقذف أفواههم لهبا ، سيارته تشتعل وتدحرج وراءه ، لا أحد يحاول أيقافها ، والنيران ترسم وجها بريء يبتسم إليه وعينيه غارقة في الحزن ، يشتعل الوجه ويختفي ، يستمر في الجري ، يبحث عن منفذ ولكن نفقا من الزجاج يبقيه في مساره ، طيور بيضاء صغيرة تحلق بمحاذاته من خارج النفق ، إنها تبكي وتناديه باسمه ، نقطة سوداء تضيء في نهاية النفق ، يتجه نحوها يريد أن ينفذ إلى الطرف الآخر أيا كان ، إنه يقترب منها ، وتزداد بعدا ، تمتد إليه يد محروقة من داخل ذلك الثقب ، وقطعة من الجلد المتجعد تلتف حول عنقه وتسحبه إليها ، يهوي سريعا وهو يصرخ بصوت مكتوم ..... إنه يقترب من القاع وصراخه يرتفع في داخله ويفتق ضلوعه .. يصل أخيرا إلى القاع ويفتح عينيه يحاول إبعاد ذلك الجلد عن رقبته ، ولكن لاشيء .
    يسمع الباب يدق ، يرتعد وتجفل جوانحه ، إنه لا يرى غير جدران من النور تحيط به ، يقف بترنح ويرفع رأسه ويجلس على ركبتيه ، يتجه نحو الصوت وتبدأ الجدران تتضح أمامه ، يمر بالخزانة وينظر إلى رف تتدلى منه قدمي دمية صغيرة ، يمسكها ويعيدها إلى داخل أغلفة وردية مهترئة ، يمسح دمعة تغلي فوق جفنه .
    يفتح الباب قليلا وينظر إلى الخارج .
    - سيدي هل أنت بخير . لقد كنت بالجوار وسمعت صوت ارتطام . هل أنت بخير ؟
    يحس بأن صوته مازال مخنوقا في داخله ، يخشى إن هو فتح فمه تخرج صرخة لا يعلم كم بقيت في صدره .
    يبلع ما تبقى من الريق في حلقه :
    - أنا بخير
    يهم بإغلاق الباب ولكن يعود ويطلب بعض القهوة ، يخبره الرجل أن يتصل بخدمة الغرف وسيحضرونها له مباشرة .
    يتجه نحو الهاتف ويطلب الرقم :
    - أهلا بك أبو غادة
    - لو سمحت ، أريد أن ترسل لي بعض القهوة وأي فطور ممكن .
    - حسنا سيدي ، ولكن ماذا عن كعكة الصغيرة ، هل مازالت نائمة .؟
    يقفل الهاتف ، ويتذكر الورقة التي كانت على الطاولة ، يذهب إليها ويقرأ ما كتب ليلة البارحة ، يقرأ اسمها بصوت خافت تملأه العبرات ، وأنفاسه تتتقطع ألما، يقلبها ويقرأ :
    تقرير طبي : إلى من يهمه الأمر : نسبة الكحول في الدم كانت تتجاوز الحد المسموح به . إصابات طفيفة وحروق سطحية . ( 6 / 6 / 2005 ).

    حقا ادهشني قلمك اخي..>>
    اسلوب مشوق في سرد الاحداث..>>
    قصص جميلة..>>
    >>
    >>
    دمت بخير اخي الكريم..>>
    تحياتي..>>

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المكان
    ( هنا ) تحديداً بين الأقواس .!
    الردود
    369
    للرفع ، في انتظار البقية ، الباقيةُ من هذا الجمال ..!

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    الردود
    72
    في بهو فنادقك سأعتكف....

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •