Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 23
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099

    أثر الفراشة /محمود درويش

    ATHARALFARASHA.jpg


    يُثير كتاب «أثر الفراشة» (دار الريس) لمحمود درويش عدداً من الالتباسات لدى القارئ. لعل درويش نفسه حاول تجنّب التعددية التي تحكم نصوص الكتاب، فوضعها في خانة «اليوميات». لكنّ وسم النصوص بهذه الصفة لا يجعلها تنضوي، كلها، تحت هذه اللافتة. ثمة نصوص كثيرة في الكتاب تتجاوز فكرة اليوميات. بل إن معظمها يفتقد المعنى الدارج لليوميات والذي يتمثل في تدوين الوقائع أو المشاهدات العادية اليومية.
    السبب في كل هذا أن محمود درويش لا ينسى أنه شاعر. وإذا نسي هو أو شرد عن كونه شاعراً، فإن لغته، أو بالأحرى معجمه اللغوي ونبرته التي ربّى قصيدته عليها طويلاً، تتكفل بإعادته إلى الحقل الذي يتقن حرثه. الشاعر الذي في داخل درويش يطل برأسه حتى لو كتب نثراً عادياً. الشاعر موجود وإن توارى خلف تسميات أو أجناس أدبية أخرى.
    الكتاب، بهذا المعنى، ليس يوميات بالمعنى الحرفي والتقني للكلمة. الطريقة التي ينظر بها الشاعر إلى العالم تتدخل في صوغ كل ما يُستدرج إلى النصوص وشعرنته. لنقل إن ما نقرأه هو استراحة الشاعر من الانكباب المضني على الشعر. النصوص فسحة لكي يتنفس الشعر خارج المتطلبات الصارمة للإيقاع. إنها فرصة كي يستريح الشاعر من مطاردة الصور والاستعارات. لكن هل يمنع هذا تسرّب الشعر أو ما يشبهه إلى جملة درويش حتى وهي مشغولة بغير الشعر. الجواب هو لا بالطبع. فالشاعر لن يقوى على إدارة ظهره للغة التي اعتاد الكتابة بها.
    إذا سلّم القارئ بهذه البداهة، فسيكون سهلاً عليه أن يجد تصنيفاً خاصاً بـ«يوميات» محمود درويش. حينها لا يمكن أن يتفهّم فقط وجود شعر متوارٍ أو مدفون تحت سطح العبارات، بل وجود شعر حقيقي بعضه مكتوب بأبيات فراهيدية. لكن لماذا يضع درويش هذه القصائد هنا ولا ينشرها ضمن دواوينه؟ الجواب المرجح هو أن هذه القصائد أقل من الطموح الدرويشي الراهن، خاصة بعد المنعطفات والتطورات التي شهدها شعره في الفترة الأخيرة. الواقع أن بعض هذه القصائد لا يقل عن الشعر الذي نقرأه في دواوين درويش، لكن القارئ المتأني والمتمعن في شعرية درويش يلاحظ أن ثمة شيئاً يعصى على التحديد في هذه القصائد ولكنه كاف ليستبعدها الشاعر عن دواوينه.
    تفسح اليوميات مجالاً للتأمل في الموت والحياة ومشاغل العيش العادية. وتفسح للقارئ، في الوقت نفسه، مجالاً كي يعرف جانباً آخر من الشاعر الذي يسبقه شعره وتسبقه فلسطين إلى الجمهور. الشاعر الذي شكا من ربط شعره بالقضية لا يتوقف عن ذلك حتى في يومياته. ها هو يرفع شكواه موزونة هذه المرة: «يغتالني النقاد أحياناً/ يريدون القصيدة ذاتها/ والاستعارة ذاتها / فإذا مشيتُ على طريق جانبيٍّ شارداً/ قالوا: لقد خان الطريق / وإن عثرتُ على بلاغة عشبةٍ/ قالوا: تخلّى عن عناد السنديان/ وإن رأيتُ الورد أصفر في الربيع/ تساءلوا: أين الدم الوطني في أوراقه/ .... / يغتالني النقاد أحياناً/ وأنجو من قراءتهم/ وأشكرهم على سوء التفاهم/ ثم أبحث عن قصيدتي الجديدة».
    اليوميات، إذا استعرنا تعبير درويش في الاقتباس السابق، ما هي إلا طريق جانبي يقود في النهاية إلى الشعر.

    بقلم/حسين بن حمزة
    "ما أسهل الكلام..!"

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    البنتُ / الصرخة
    على شاطئ البحر بنتٌ. وللبنت أَهلٌ

    وللأهل بيتٌ. وللبيت نافذتان وبابْ…

    وفي البحر بارجةٌ تتسلَّى

    بصيدِ المُشاة على شاطئ البحر:

    أربعةٌ، خمسةٌ، سبعةٌ

    يسقطون على الرمل، والبنتُ تنجو قليلاً

    لأن يداً من ضباب

    يداً ما إلهيةً أسعفتها، فنادت: أَبي

    يا أَبي! قُم لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!

    لم يُجِبْها أبوها المُسجَّى على ظلهِ

    في مهب الغياب

    دمٌ في النخيل، دمٌ في السحاب

    يطير بها الصوتُ أعلى وأَبعد من

    شاطئ البحر. تصرخ في ليل برّية،

    لا صدى للصدى.

    فتصير هي الصرخةَ الأبديةَ في خبرٍ

    عاجلٍ، لم يعد خبراً عاجلاً

    عندما

    عادت الطائرات لتقصف بيتاً بنافذتين وباب!
    ................
    ليتني حجر

    لا أَحنُّ الى أيِّ شيءٍ

    فلا أَمسِ يمضي، ولا الغَدُ يأتي

    ولا حاضري يتقدمُ أو يتراجعُ

    لا شيء يحدث لي!

    ليتني حجرٌ – قلتُ – يا ليتني

    حجرٌ ما ليصقُلَني الماءُ

    أخضرُّ، أصفرُّ… أُوضَعُ في حُجْرةٍ

    مثل منحوتةٍ، أو تمارينَ في النحت…

    أو مادةً لانبثاق الضروريِّ

    من عبث اللاضروريِّ…

    يا ليتني حجرٌ

    كي أَحنَّ الى أيِّ شيء!
    ..................
    مَكرُ المجاز

    مجازاً أقول: انتصرتُ

    مجازاً أقول: خسرتُ…

    ويمتدُّ وادٍ سحيقٌ أمامي

    وأَمتدُّ في ما تبقى من السنديانْ…

    وثمَّة زيتونتان

    تَلُمّانني من جهاتٍ ثلاثٍ

    ويحملني طائرانْ

    الى الجهة الخاليةْ

    من الأوج والهاويةْ

    لئلاَّ أقول: انتصرتُ

    لئلاَّ أقول: خسرتُ الرهانْ!
    ...................
    ليت الفتى شجرة

    ألشجرة أخت الشجرة، أو جارتها الطيّبة.

    الكبيرة تحنو على الصغيرة، وتُمدُّها بما ينقصها

    من ظلّ. والطويلة تحنو على القصيرة،

    وترسل اليها طائراً يؤنسها في الليل. لا

    شجرة تسطو على ثمرة شجرة أخرى، وإن

    كانت عاقراً لا تسخر منها. ولم تقتل

    شجرةٌ شجرةً ولم تقلِّد حَطّاباً. حين صارت

    زورقاً تعلَّمت السباحة. وحين صارت

    باباً واصلت المحافظة على الأسرار. وحين صارت

    مقعداً لم تنسَ سماءها السابقة.

    وحين صارت طاولة عَلَّمت الشاعر أن لا

    يكون حطاباً. الشجرة مَغْفَرةٌ وسهَرٌ.

    لا تنام ولا تحلم. لكنها تُؤتمنُ على أسرار

    الحالمين، تقف على ساقها في الليل والنهار.

    تقف احتراماً للعابرين وللسماء. الشجرة

    صلاة واقفة. تبتهل الى فوق. وحين

    تنحني قليلاً للعاصفة، تنحني بجلال راهبة

    وتتطلع الى فوق… الى فوق. وقديماً قال

    الشاعر: «ليت الفتى حجر». وليته قال:

    ليت الفتى شجرة!

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    غريبان
    يرنو الى أَعلى

    فيبصر نجمةً

    ترنو إليهْ!

    يرنو الى الوادي

    فيبصر قبرَهُ

    يرنو إليهْ

    يرنو الى امرأةٍ،

    تعذِّبُهُ وتعجبُهُ

    ولا ترنو اليه

    يرنو الى مرآتِهِ

    فيرى غريباً مثله

    يرنو إليهْ!
    ..............
    ماذا… لماذا كلُّ هذا؟
    يُسَلِّي نفسه، وهو يمشي وحيداً، بحديث

    قصير مع نفسه. كلمات لا تعني شيئاً،

    ولا تريد أن تعني شيئاً: «ماذا؟ لماذا

    كل هذا؟» لم يقصد أن يتذمر أو

    يسأل، أو يحكَّ اللفظة باللفظة لتقدح

    إيقاعاً يساعده على المشي بخفَّةِ شاب.

    لكن ذلك ما حدث. كلما كرَّر: ماذا…

    لماذا كل هذا؟ أحسَّ بأنه في صحبة

    صديق يعاونه على حمل الطريق. نظر

    إليه المارة بلا مبالاة. لم يظن أحد أنه

    مجنون. ظنّوه شاعراً حالماً هائماً يتلقّى

    وحياً مفاجئاً من شيطان. أما هو، فلم

    يَتَّهم نفسه بما يسيء اليها. ولا يدري

    لماذا فكَّر بجنكيزخان. ربما لأنه رأى

    حصاناً بلا سرج يسبح في الهواء، فوق

    بناية مُهَدَّمة في بطن الوادي. واصل

    المشي على إيقاع واحد: «ماذا… لماذا

    كل هذا؟» وقبل أن يصل الى نهاية

    الطريق الذي يسير عليه كل مساء، رأى

    عجوزاً ينتحي شجرة أكاليبتوس، يسند

    على جذعها عصاه، يفك أزرار سرواله

    بيد مرتجفة، ويبوّل وهو يقول: ماذا…

    لماذا كل هذا؟. لم تكتف الفتيات

    الطالعات من الوادي بالضحك على العجوز،

    بل رمينه بحبَّات فستق أخضر!
    ..............
    ما أنا إلاّ هو

    بعيداً، وراء خطاه

    ذئابٌ تعضُّ شعاع القمرْ

    بعيداً، أمام خطاه

    نجوم تضيء أَعالي الشجرْ

    وفي القرب منه

    دمٌ نازفٌ من عروق الحجرْ

    لذلك، يمشي ويمشي ويمشي

    الى أن يذوب تماماً

    ويشربه الظلّ عند نهاية هذا السفرْ

    وما أنا إلاّ هُوَ

    وما هو إلاّ أنا

    في اختلاف الصّوَرْ!
    ...................
    يرى نفسه غائباً

    أنا هنا منذ عشر سنوات. وفي هذا المساء،

    أجلس في الحديقة الصغيرة على كرسيّ من

    البلاستيك، وأنظر الى المكان منتشياً بالحجر

    الأحمر. أَعُدُّ الدرجات المؤدية الى غرفتي

    على الطابق الثاني. إحدى عشرة درجة. الى

    اليمين شجرةُ تين كبيرة تُظَلِّل شجيرات خوخ.

    والى اليسار كنيسةٌ لوثريَّة. وعلى جانب

    الدرج الحجري بئر مهجورة ودلو صدئ وأزهار

    غير مرويَّة تمتصّ حبيبات من حليب أوَّل الليل.

    أنا هنا، مع أربعين شخصاً، لمشاهدة مسرحية قليلة

    الكلام عن منع التجوُّل، ينتشر أبطالها

    المنسيّون في الحديقة وعلى الدرج والشرفة

    الواسعة. مسرحية مرتجلة، أو قيد التأليف،

    كحياتنا. أسترق النظر الى نافذة غرفتي

    المفتوحة وأتساءل: هل أنا هناك؟

    ويعجبني أن أدحرج السؤال على الدرج،

    وأدرجه في سليقة المسرحية: في الفصل

    الأخير، سيبقى كل شيء على حاله…

    شجرةُ التين في الحديقة. الكنيسةُ اللوثرية

    في الجهة المقابلة. يوم الأحد في مكانه

    من الرُزنامة. والبئر المهجورة والدلو الصدئ.

    أما أنا، فلن أكون في غرفتي ولا في

    الحديقة. هكذا يقتضي النص: لا بد من

    غائب للتخفيف من حمولة المكان!
    ...............
    قال: أَنا خائف


    خافَ. وقال بصوت عالٍ: أنا خائف.

    كانت النوافذ مُحْكَمَةَ الإغلاق، فارتفع

    الصدى واتّسع: أنا خائف. صمتَ،

    لكن الجدران ردَّدت: أنا خائف.

    الباب والمقاعد والمناضد والستائر

    والبُسُط والكتب والشموع والأقلام واللوحات

    قالت كُلُّها: أنا خائف. خاف صوت

    الخوف فصرخ: كفى! لكن الصدى لم

    يردِّد: كفى! خاف المكوث في البيت

    فخرج الى الشارع. رأى شجرة حَوْرٍ،

    مكسورة فخاف النظر اليها لسبب لا

    يعرفه. مرت سيارة عسكرية مسرعة،

    فخاف المشي على الشارع. وخاف

    العودة الى البيت لكنه عاد مضطراً.

    خاف أن يكون قد نسي المفتاح في

    الداخل، وحين وجده في جيبه اطمأنّ.

    خاف أن يكون تيار الكهرباء قد انقطع.

    ضغط على زر الكهرباء في ممر الدرج،

    فأضاء، فاطمأنّ. خاف أن يتزحلق على

    الدرج فينكسر حوضه، ولم يحدث ذلك

    فاطمأنّ. وضع المفتاح في قفل

    الباب وخاف ألا ينفتح، لكنه انفتح

    فاطمأن. دخل الى البيت، وخاف أن

    يكون قد نسي نفسه على المقعد خائفاً.

    وحين تأكد أنه هو من دخل لا سواه،

    وقف أمام المرآة، وحين تعرَّف الى

    وجهه في المرآة اطمأنّ. أِصغى الى

    الصمت، فلم يسمع شيئاً يقول: أنا

    خائف، فاطمأنّ. ولسببٍ ما غامض…

    لم يعد خائفاً!

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    شخص يطارد نفسه

    كما لو كنتَ غيرك سادراً،

    لم تنتظر أحداً

    مشيتَ على الرصيف

    مشيتُ خلفك حائراً

    لو كنتَ أنت أنا لقلتُ لكَ:

    انتظرني عند قارعة الغروب

    ولم تقل: لو كنتَ أنتَ أنا

    لما احتاج الغريب الى الغريب.

    ألشمس تضحك للتلال. ونحن نضحك

    للنساء العابرات. ولم تقل إحدى النساء:

    هناك شخص ما يُكَلِّم نفسه…

    لم تنتظر أحداً

    مشيتَ على رصيفك سادراً

    ومشيتُ خلفك حائراً.

    والشمسُ غابت خلفنا…

    ودَنوْتَ مني خطوةً أو خطوتين

    فلم تجدني واقفاً أو ماشياً

    ودَنوتُ منك فلم أجدك…

    أكنتُ وحدي دون أن أدري

    بأني كنت وحدي؟ لم تقل

    إحدى النساء: هناك شخصٌ ما

    يطارد نفسَهُ!
    ...............
    لم أحلم

    متنبّهاً الى ما يتساقط من أَحلامي، أَمنع

    عطشي من الإسراف في طلب الماء من

    السراب. أَعترفُ بأني تعبت من طول

    الحلم الذي يعيدني إلى أوَّله وإلى آخري،

    دون أن نلتقي في أيِّ صباح. «سأصنع

    أحلامي من كفاف يومي لأتجنَّب الخيبة».

    فليس الحلم أن ترى ما لا يُرى، على

    وتيرة المُشتَهى، بل هو أن لا تعلم أنك

    تحلم. لكن، عليك أن تعرف كيف تصحو.

    فاليقظة هي نهوض الواقعي من الخياليّ مُنَقَّحاً،

    وعودةُ الشِعر سالماً من سماءِ لُغةٍ متعالية

    الى أرض لا تشبه صورتها. هل في

    وسعي أن أختار أحلامي، لئلا أحلم

    بما لا يتحقّق، كأن أكون شخصاً آخر…

    يحلم بأنه يرى الفرق بين حيّ يرى

    نفسه ميتاً، وبين ميت يرى نفسه حيّاً؟

    ها أَنذا حيّ، وحين لا أحلم أَقول:

    «لم أحلم، فلم أَخسر شيئاً؟!
    .................
    خيالي… كلب صيد وفيّ
    على الطريق إلى لا هدف، يُبَلِّلني رذاذ

    ناعم، سقطتْ عليَّ من الغيم تُفَّاحةٌ لا

    تشبه تفاحة نيوتن. مددتُ يدي لألتقطها

    فلم تجدها يدي ولم تَرَها عيناي. حدَّقتُ

    إلى الغيوم، فرأيتُ نُتَفاً من القطن تسوقها

    الريح شمالاً، بعيداً عن خزانات الماء

    الرابضة على سطوح البنايات. وتدفَّق الضوءُ

    الصافي على إسفلت يَتَّسع ويضحك من قلَّة

    المشاة والسيارات… وربما من خطواتي

    الزائغة. تساءلتُ: أَين التفاحة التي

    سقطت عليَّ؟ لعلَّ خيالي الذي استقلَّ

    عني هو الذي اختطفها وهرب. قلت:

    أَتبعه الى البيت الذي نسكنه معاً في

    غرفتين متجاورتين. هناك، وجدت على

    الطاولة ورقة كُتِبَ عليها، بحبر أَخضر،

    سطر واحد: «تفاحة سقطت عليَّ من

    الغيوم»، فعلمت أَن خيالي كلب صيد

    وفيّ!
    .................
    على قلبي مشيت
    على قلبي مشيتُ، كأنَّ قلبي

    طريقٌ، أو رصيفٌ، أو هواءُ

    فقال القلبُ: أتعبَنِي التماهي

    مع الأشياء، وانكسر الفضاءُ

    وأَتعبني سؤالُكَ: أين نمضي

    ولا أرضٌ هنا… ولا سماءُ

    وأنتَ تطيعني… مُرني بشيء

    وصوِّبني لأفعل ما تشاءُ

    فقلتُ له: نسيتُكَ مذ مشينا

    وأَنت تَعِلَّتي، وأنا النداءُ

    تمرَّدْ ما استطعت عليَّ، واركُضْ

    فليس وراءنا إلاَّ الوراءُ!


    يتبع

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    اغتيال
    يغتالني النُقَّاد أَحياناً:

    يريدون القصيدةَ ذاتَها

    والاستعارة ذاتها…

    فإذا مَشَيتُ على طريقٍ جانبيّ شارداً

    قالوا: لقد خان الطريقَ

    وإن عثرتُ على بلاغة عُشبَةٍ

    قالوا: تخلَّى عن عناد السنديان

    وإن رأيتُ الورد أصفرَ في الربيع

    تساءلوا: أَين الدمُ الوطنيُّ في أوراقهِ؟

    وإذا كتبتُ: هي الفراشةُ أُختيَ الصغرى

    على باب الحديقةِ

    حرَّكوا المعنى بملعقة الحساء

    وإن هَمَستُ: الأمُّ أمٌّ، حين تثكل طفلها

    تذوي وتيبس كالعصا

    قالوا: تزغرد في جنازته وترقُصُ

    فالجنازة عُرْسُهُ…

    وإذا نظرتُ الى السماء لكي أَرى

    ما لا يُرَى

    قالوا: تَعَالى الشعرُ عن أَغراضه…

    يغتالني النُقّادُ أَحياناً

    وأَنجو من قراءتهم،

    وأشكرهم على سوء التفاهم

    ثم أَبحثُ عن قصيدتيَ الجديدةْ!
    ....................
    الحياة… حتى آخر قطرة

    وإن قيل لي ثانيةً: ستموت اليوم،

    فماذا تفعل؟ لن أَحتاج الى مهلة للرد:

    إذا غلبني الوَسَنُ نمتُ. وإذا كنتُ

    ظمآنَ شربتُ. وإذا كنتُ أكتب، فقد

    يعجبني ما أكتب وأتجاهل السؤال. وإذا

    كنت أتناول طعام الغداء، أضفتُ إلى

    شريحة اللحم المشويّة قليلاً من الخردل

    والفلفل. وإذا كنتُ أُحلق، فقد أجرح

    شحمة أذني. وإذا كنتُ أقبِّل صديقتي،

    التهمتُ شفتيها كحبة تين. وإذا كنت

    أقرأ قفزت عن بعض الصفحات. وإذا

    كنتُ أقشِّر البصل ذرفتُ بعض الدموع.

    وإذا كنتُ أمشي واصلتُ المشي بإيقاع

    أبطأ. وإذا كنتُ موجوداً، كما أنا الآن،

    فلن أفكِّر بالعدم. وإذا لم أكن موجوداً،

    فلن يعنيني الأمر. وإذا كنتُ أستمع الى

    موسيقى موزارت، اقتربتُ من حيِّز

    الملائكة. وإذا كنتُ نائماً بقيتُ نائماً

    وحالماً وهائماً بالغاردينيا. وإذا كنتُ

    أضحك اختصرتُ ضحكتي الى النصف احتراماً

    للخبر. فماذا بوسعي أن أفعل؟ ماذا

    بوسعي أن أفعل غير ذلك، حتى لو

    كنتُ أشجع من أحمق، وأقوى من

    هرقل؟
    .....................
    أَثر الفراشة


    أَثر الفراشة لا يُرَى

    أَثر الفراشة لا يزولُ

    هو جاذبيّةُ غامضٍ

    يستدرج المعنى، ويرحلُ

    حين يتَّضحُ السبيلُ

    هو خفَّةُ الأبديِّ في اليوميّ

    أشواقٌ إلى أَعلى

    وإشراقٌ جميلُ

    هو شامَةٌ في الضوء تومئ

    حين يرشدنا الى الكلماتِ

    باطننا الدليلُ

    هو مثل أُغنية تحاولُ

    أن تقول، وتكتفي

    بالاقتباس من الظلالِ

    ولا تقولُ…

    أَثرُ الفراشة لا يُرَى

    أُثرُ الفراشة لا يزولُ!
    ...................
    العدوّ
    كنتُ هناك قبل شهر. كنتُ هناك قبل

    سنة. وكنت هناك دائماً كأني لم أَكن

    إلَّا هناك. وفي عام 82 من القرن الماضي

    حدثلنا شيء مما يحدث لنا الآن. حُوصرنا

    وقُتِلْنا وقاومنا ما يُعْرَضُ علينا منجهنم.

    القتلي / الشهداء لا يتشابهون. لكلِّ واحد منهم

    قوامٌ خاصْ، وملامحخاصة، وعينان واسمٌ

    وعمر مختلف. لكن القتلة هم الذين يتشابهون.

    فَهُم واحدٌمُوزَّعٌ علي أَجهزة معدنية. يضغط

    علي أزرار إلكترونية. يقتل ويختفي. يراناولا

    نراه، لا لأنه شبح، بل لأنه قناع فولاذيّ

    لفكرة … لا ملامح له ولاعينان ولا عمر ولا

    اسم. هو … هو الذي اختار أن يكون له

    اسم وحيد: العَدُوّ!


    يتبع
    "ما أسهل الكلام..!"

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    .
    .
    .
    أَنت، منذ الآن، أَنت


    الكرملُ في مكانه السيِّد… ينظر من علٍ إلى

    البحر. والبحر يتنهَّد، موجةً موجةً، كامرأةٍ

    عاشقةٍ تغسل قَدَميْ حبيبها المتكبِّر!

    *

    كأني لم أذهب بعيداً. كأني عُدتُ من

    زيارة قصيرة لوداع صديقٍ مسافر، لأجد

    نفسي جالسة في انتظاري على مقعد حجري

    تحت شجرة تُفَّاح.

    *

    كل ما كان منفى يعتذر، نيابةً عني،

    لكُلّ ما لم يكن منفى!

    *

    ألآن، الآن… وراء كواليس المسرح،

    يأتي المخاض الى عذراء في الثلاثين،

    وتلدني على مرأى من مهندسي الديكور،

    والمصوِّرين!

    *

    جرت مياه كثيرة في الوديان والأنهار.

    ونبتت أعشاب كثيرة على الجدران. أَمَّا

    النسيان فقد هاجر مع الطيور المهاجرة…

    شمالاً شمالاً.

    *

    ألزمن والتاريخ يتحالفان حيناً، ويتخاصمان

    حيناً على الحدود بينهما. الصفصافةُ العاليةُ

    لا تأبه ولا تكترث. فهي واقفة على

    قارعة الطريق.

    *

    أَمشي خفيفاً لئلاَّ أكسر هشاشتي. وأَمشي

    ثقيلاً لئلاَّ أَطير. وفي الحالين تحميني

    الأرض من التلاشي في ما ليس من صفاتها!

    *

    في أَعماقي موسيقى خفيَّة، أَخشى عليها

    من العزف المنفرد.

    *

    ارتكبتُ من الأخطاء ما يدفعني، لإصلاحها،

    إلى العمل الإضافيّ في مُسَوَّدة الإيمان

    بالمستقبل. من لم يخطئ في الماضي لا

    يحتاج الى هذا الإيمان.

    *
    جبل وبحر وفضاء. أطير وأسبح، كأني

    طائرٌ جوّ – مائي. كأني شاعر!

    *

    كُلُّ نثر هنا شعر أوليّ محروم من صَنعَة الماهر.

    وكُلُّ شعر، هنا، نثر في متناول المارة.

    بكُلِّ ما أُوتيتُ من فرح، أُخفي دمعتي

    عن أوتار العود المتربِّص بحشرجتي، والمُتَلصِّص

    على شهوات الفتيات.

    *

    ألخاص عام. والعام خاص… حتى إشعار

    آخر، بعيد عن الحاضر وعن قصد القصيدة!

    *

    حيفا! يحقّ للغرباء أن يحبُّوكِ، وأن ينافسوني

    على ما فيك، وأن ينسوا بلادهم في

    نواحيك، من فرط ما أنت حمامة تبني عُشَّها

    على أنف غزال!

    *

    أنا هنا. وما عدا ذلك شائعة ونميمة!

    *
    يا للزمن! طبيب العاطفيين… كيف يُحوِّل

    الجرح ندبة، ويحوِّل الندبة حبَّة سمسم.

    أنظر الى الوراء، فأراني أركض تحت المطر. هنا،

    وهنا، وهنا. هل كنتُ سعيداً دون أن أدري؟

    *
    هي المسافة: تمرين البصر على أعمال البصيرة،

    وصقلُ الحديد بنايٍ بعيد.

    *

    جمال الطبيعة يهذِّب الطبائع، ما عدا طبائع مَنْ

    لم يكن جزءاً منها. الكرمل سلام. والبندقية نشاز.

    *

    على غير هُدىً أمشي. لا أبحث عن شيء. لا

    أبحث حتى عن نفسي في كل هذا الضوء.

    *
    حيفا في الليل… انصراف الحواس الى أشغالها

    السرية، بمنأى عن أصحابها الساهرين على الشرفات.

    *
    يا للبداهة! قاهرة المعدن والبرهان!

    *

    أُداري نُقَّادي، وأُداوي جراح حُسَّادي على

    حبِّ بلادي… بزِحافٍ خفيف، وباستعارة

    حمَّالةِ أِوجُه!

    *
    لم أَرَ جنرالاً لأسأله: في أيّ عامٍ قَتَلتَنِي؟

    لكني رأيتُ جنوداً يكرعون البيرة على الأرصفة.

    وينتظرون انتهاء الحرب القادمة، ليذهبوا الى

    الجامعة لدراسة الشعر العربي الذي كتبه موتى

    لم يموتوا. وأَنا واحد منهم!

    *

    خُيِّل لي أن خُطَايَ السابقة على الكرمل هي

    التي تقودني الى «حديقة الأم»، وأَن

    التكرار رجع الصدى في أُغنية عاطفية لم تكتمل،

    من فرط ما هي عطشى الى نقصان متجدِّد!

    *
    لا ضباب. صنوبرة على الكرمل تناجي أَرزة

    على جبل لبنان: مساء الخير يا أُختي!

    *
    أعبُرُ من شارع واسع إلى جدار سجني

    القديم، وأقول: سلاماً يا مُعلِّمي الأول في

    فقه الحرية. كُنتَ على حق: فلم يكن الشعر

    بريئاً!
    "ما أسهل الكلام..!"

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    المنفى
    الردود
    763
    جميل حد الثمالة


    شكراً من القلب يا wroood

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    أثر الفراشة يورق في المكان
    فحيثما توجد اللغة
    يوجد القلب !
    حياك الله ورود ..

    أتابع معك

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    .
    .
    .
    أَبعد من التماهي


    أَجلسُ أمام التلفزيون، إذ ليس في وسعي أن أفعل شيئاً آخر. هناك،أمام التلفزيون،أَعثُرُ على عواطفي، وأَرى ما يحدث بي ولي.

    الدخان يتصاعد مني. وأَمدُّ يدي المقطوعةَ لأمسك بأعضائي المبعثرة من جسومٍ عديدة،فلا أَجدها ولا أهرب منها من فرط جاذبيّة الألم. أَنا المحاصَرُ من البرِّ والجوِّ والبحر واللغة. أقلعتْ آخرُ طائرةٍ من مطار بيروت ووضعتني أمام التلفزيون،لأشاهد بقيَّة موتي مع ملايين المشاهدين، لا شيء يثبت أني موجود حين أفكِّر مع ديكارت، بل حين ينهض مني القربان، الآن، في لبنان. أَدخُلُ في التلفزيون،أنا والوحش. أَعلم أنَّ الوحش أقوى مني في صراع الطائرة مع الطائر. ولكني أَدمنت، ربما أكثر مما ينبغي، بُطُولَةَ المجاز:

    التهمني الوحشُ ولم يهضمني. وخرجتُ سالماً أكثر من مرة. كانت روحي التي طارت شَعَاعاً مني ومن بطن الوحش تسكن جسداً آخر أَخفَّ وأَقوى، لكني لا أعرف أين أنا الآن: أمام التلفزيون، أم في التلفزيون.

    أما القلب فإني أراه يتدحرج، ككوز صنوبر،من جبل لبناني إلى رَفَح!



    ذباب أَخضر


    المشهد هُوَ هُوَ. صيفٌ وعَرَقٌ، وخيال يعجز عن رؤية ما وراء الأفق. واليوم أفضلُ من الغد. لكنَّ القتلى هم الذين يتجدّدون. يُولَدُون كُلَّ يوم. وحين يحاولون النوم يأخذهم القتلُ من نعاسهم إلي نوم ٍبلا أحلام. لا قيمة للعدد. ولا أَحد يطلب عوناً من أحد. أصوات تبحث عن كلمات في البرية، فيعود الصدى واضحاً جارحاً: لا أَحد. لكن ثمَّـةَ من يقول:

    من حق القاتل أن يدافع عن غريزة القتل . أمَّا القتلى فيقولون متأخرين:

    من حق الضحية أن تدافع عن حَـقِّها في الصراخ . يعلو الأذان صاعداً من وقت الصلاة إلى جنازات متشابهة: توابيتُ مرفوعةٌ على عجل، تدفن على عجل… إذ لا وقت لإكمال الطقوس، فإنَّ قتلى أخَر يتقادمون، مسرعين، من غاراتٍ أخرى. قادمون فُرَادى أو جماعات… أو عائلةً واحدةً لاتترك وراءها أيتاماً وثكالى. السماء رماديَّة ٌرصاصية، والبحر رماديٌّ أزرق. أَمَّا لون الدم فقد حَجَبَتْهُ عن الكاميرا أَسرابٌ من ذباب أَخضر!
    "ما أسهل الكلام..!"

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المكان
    في جدّة، السّعوديّة
    الردود
    1,119


    سُقيتُ هنا ...
    منَّ الله عليكِ بالسعادة وقرَّة العين يا غالية
    " لم أكن أريد إلاّ أن أعيش وفق الدّوافع الّتي تنبع من نفسي الحقيقيّة، فلما كان الأمر بتلك الصّعوبة ؟ "
    مدونتي

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    .
    .
    .

    كقصيدةٍ نثريّة


    صيفٌ خريفيٌّ على التلال كقصيدةٍ نثرية. النسيم إيقاعٌ خفيف أحسّبه ولا أَسمعه في تواضُع الشجيرات. والعشب المائل إلى الأصفرار صُوَرٌ تتقشَّفُ، وتُغري البلاغة بالتشَبُّه بأَفعالها الماكرة. لا احتفاءعلى هذه الشِعاب إلَّا بالـمُتاح من نشاط الدُوريّ، نشاطٍ يراوح بين معني وعَبَث. والطبيعة جسدٌ يتخفَّف من البهرجة والزينة، ريثما ينضج التين والعنب والرُمَّان ونسيانُ شهواتٍ يوقظها المطر. لولا حاجتي الغامضة إلى الشعر لَـمَا كنت في حاجة إلى شيء ـ يقول الشاعر الذي خَفَّتْ حماسته فقلَّت أخطاؤه. ويمشي لأن الأطباء نصحوه بالمشي بلا هدف، لتمرين القلب على لامبالاةٍ ما ضروريةٍ للعافية. وإذا هجس، فليس بأكثر من خاطرة مجانيّة. الصيف لايصلح للإنشاد إلّا في ما ندر. الصيف قصيدةٌ نثريَّةٌ لا تكترث بالنسور المحلِّقة في الأعالي.


    نيرون


    ماذا يدور في بال نيرون، وهو يتفرّج على حريق لبنان؟ عيناه زائغتان من النشوة، ويمشي كالراقص في حفلة عُرْسٍ: هذا الجنون،جنوني، سيِّدُ الحكمة. فلتُشْعلوا النار في كل شيء خارج طاعتي. وعلى الأطفال أَن يتأدَّبوا ويتهذَّبوا ويكُفُّوا عن الصراخ بحضرة أنغامي!

    وماذا يدور في بال نيرون، وهو يتفرَّج على حريق العراق؟ يُسْعِدُهُ أن يُوقِظَ في تاريخ الغابات ذاكرة تحفظ اسمه عَدُوّاً لحمورابي وجلجامش وأَبي نواس: شريعتي هي أُمُّ الشرائع. وعشبة الخلود تنبت في مزرعتي.

    والشعر؟.. ما معنى هذه الكلمة؟ وماذا يدور في بال نيرون، وهويتفرَّج على حريق فلسطين؟ يُبهجة أن يدرج اسمه في قائمة الأنبياء نبيّاً لم يؤمن به أَحد من قبل … نبيّاً للقتل كلَّفه الله بتصحيح الأخطاء التي لاحصر لها في الكتب السماوية: أنا أَيضاً كليمُ الله!

    وماذا يدور في بال نيرون وهو يتفرَّج على حريق العالم؟ أنا صاحب القيامة . ثم يطلب من الكاميرا وقف التصوير، لأنه لا يريد لأحد أن يرى النار المشتعلة في أَصابعه،عند نهاية هذا الفيلم الأميركي الطويل!


    البيتُ قتيلاً



    بدقيقة واحدة، تنتهي حياةُ بيتٍ كاملة. البيتُ قتيلاً هو أيضاً قَتْلٌ جماعيّ حتى لو خلا من سُكَّانه. مقبرة جماعية للموادّ الأولية الـمُعَدَّةِ لبناء مبنى للمعنى، أو قصيدةٍ غير ذات شأن في زمن الحرب. البيت قتيلاً هو بَتْرُ الأشياء عن علاقاتها وعن أسماء المشاعر. وحاجةُ التراجيديا إلى تصويب البلاغة نحو التَّبَصُّر في حياة الشيء. في كل شيء كائنٌ يتوجَّع… ذكرى أَصابع وذكرى رائحة وذكرى صورة. والبيوت تُقْتَل ُكما يُقْتَلُ سكانها. وتُقْتَلُ ذاكرةُالأشياء:

    الحجر والخشب والزجاج والحديد والإسمنتُ تتناثر أشلاء كالكائنات. والقطن والحرير والكتّان والدفاتر والكتب تتمزّق كالكلمات التي لم يتسَنَّ لأصحابها أن يقولوها. وتتكسَّرالصحون والملاعق والألعاب والأسطوانات والحنفيّات والأنابيب ومقابض الأبواب والثلَّاجة والغسَّالة والمزهريات ومرطبانات الزيتون والمخللات والمعلبات كما انكسر أصحابها. ويُسحق الأبْيَضَان الملح والسُّكَّر، والبهارات وعلب الكبريت وأقراص الدواء وحبوب منع الحمل والعقاقير الـمُنَشطة وجدائل الثوم والبصل والبندورة والبامية الـمُجَفَّفة والأرُزُّ والعدس، كما يحدث لأصحابها. وتتمزَّق عقود الإيجار ووثيقة الزواج وشهادة الميلاد وفاتورة الماء والكهرباء وبطاقات الهوية وجوازات السفر والرسائل الغرامية، كما تتمزّق قلوب أَصحابها.

    وتتطاير الصُّوَر وفُرَشُ الأسنان وأمشاط الشَّعْر وأدوات الزينة والأحذية والثياب الداخلية والشراشف والمناشف كأسرار عائلية تُنْشَرُ على الملأ والخراب. كل هذه الأشياء ذاكرةُ الناس التي أُفْرِغَتْ من الأشياء، وذاكرة الأشياء التي أُفْرِغَتْ من الناس… تنتهي بدقيقة واحدة. أشياؤنا تموت مثلنا. لكنها لاتُدْفَنْ معنا!

    الغابة


    لا أسمعُ صوتي في الغابة، حتى لو خَلَتِ الغابةُ من جوع الوحشِ …

    وعاد الجيشُ المهزومُ أو الظافرُ ، لافرق،على أشلاء الموتى المجهولين إلى الثكَنات أو العرشِ/

    ولا أسمع صوتي في الغابة، حتي لوحملته الريحُ إليَّ، وقال لي:

    هذا صوتُكَ … لا أَسمعُـهُ لا أسمع صوتي في الغابة، حتى لو وقف الذئب على قدمين وصفَّق لي:

    إني أسمع صوتك، فلتَأْمُرْني! /

    فأقول: الغابةُ ليست في الغابة يا أَبتي الذئبَ ويا ابني! /


    لا أَسمع صوتي إلّا إنْ خَلَتِ الغابةُ مني وخلوتُ أنا من صمت الغابة!

    .
    .
    "ما أسهل الكلام..!"

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المكان
    ليتني أعلم
    الردود
    445
    شكرا ورود

    لمسة رائعة

    طابت أوقاتك
    ....
    ......
    ........

    لم أر في حياتي شيئاً حراً يشفق على نفسه !!!!

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    .
    .
    .

    البعوضة

    البعوضةُ، ولا أَعرف اسم مُذَكَّرها، أشَدُّ
    فَتْكاً من النميمة. لا تكتفي بمصّ الدم، بل
    تزجّ بك في معركة عَبَثيّة. ولا تزور إلّا في
    الظلام كَحُمَّى المتنبي. تَطِنُّ وَتَزُنُّ كطائرةٍ
    حربية لا تسمعها إلّا بعد إصابة الهدف.
    دَمُكَ هو الهدف. تُشْعل الضوء لتراها
    فتختفي في رُكْنٍ ما من الغرفة والوساوس، ثم
    تقف على الحائط ... آمنةً مسالمةً كالمستسلمة.
    تحاول أن تقتلها بفردة حذائك، فتراوغك
    وتفلت وتعاود الظهور الشامت. تشتمها
    بصوت عال فلا تكترث. تفاوضها على هدنة
    بصوت وُدِّي: نامي لأنام! تظنُّ أَنك
    أَقْنَعْتَها فتطفيء النور وتنام. لكنها وقد
    امتصت المزيد من دمك تعاود الطنين إنذاراً
    بغارة جديدة. وتدفعك إلى معركة جانبيّة
    مع الأَرَق. تشعل الضوء ثانية وتقاومهما،
    هي والأرق، بالقراءة. لكن البعوضة تحطُّ
    على الصفحة التي تقرؤها، فتفرح قائلاً في
    سرّك: لقد وَقَعَتْ في الفخّ. وتطوي
    الكتاب عليها بقُوَّة: قَتَلْتُها... قتلتُها! وحين
    تفتح الكتاب لتزهو بانتصارك، لا تجد
    البعوضة ولا الكلمات. كتابك أَبيض!. البعوضة،
    ولا أعرف اسم مُذَكَّرها، ليست استعارة ولا
    كنايةً ولا تورية. إنها حشرة تحبُّ دمك
    وتَشُمُّه عن بُعْد عشرين ميلاً. ولا سبيل
    لك لمساومتها على هدنة غير وسيلة واحدة:
    أن تغيِّر فصيلةَ دمك!



    نسر على ارتفاع منخفض


    قال المسافرُ في القصيدة
    للمسافر في القصيدة:
    كم تبقَّي من طريقكَ؟
    ـ كُلُّهُ
    ـ فاذهبْ إذاً، واذهبْ
    كأنَّكَ قد وصلتَ ... ولم تصلْ
    ـ لولا الجهات، لكان قلبي هُدْهُداً
    ـ لو كان قلبُــكَ هدهداً لتبعتُهُ
    ـ مَنْ أَنتَ؟ ما اسمُكَ؟
    ـ لا اسمَ لي في رحلتي
    ـ أأراك ثانيةً؟
    ـ نعم. في قِمَّتَيْ جَبَــلَيْن بينهما
    صدىً عالٍ وهاويةٌ ... أراكَ
    ـ وكيف نقفز فوق هاويةٍ
    ولسنا طائِرَيْنِ؟
    ـ إذنْ، نغنِّي:
    مَنْ يرانا لا نراهُ
    ومَنْ نراهُ لا يرانا
    ـ ثم ماذا؟
    ـ لا نغنِّي
    ـ ثم ماذا؟
    ـ ثم تسألني وأسألُ:
    كم تبقَّى من طريقكَ؟
    ـ كُلُّهُ
    ـ هل كُلُّهُ يكفي لكي يَصِلَ الـمُسَافِرُ؟
    ـ لا. ولكني أرى نسراً خرافيّاً
    يحلِّقُ فوقنا... وعلى ارتفاعٍ منخفضْ!


    واجب شخصي



    هتفوا له: يا بطل! واستعرضوهُ في
    الساحات. نَطَّتْ عليه قلوب الفتيات
    الواقفات على الشرفات، ورششنه بالأَرُزِّ
    والزنبق. وخاطبه الشعراء المتمردون على
    القافية بقافية ضروريّة لتهييج اللغة:
    يا بَطَلْ! أنتَ الأَمَلْ . وهو، هو
    المرفوع على الأكتاف رايةً منتصرة، كاد
    أن يفقد اسمه في سيل الأوصاف.
    خجول كعروس في حفلة زفافها. لم أفعل
    شيئاً. قمت بواجبي الشخصي . في صباح
    اليوم التالي، وجد نفسه وحيداً يستذكر
    ماضياً بعيداً يلوِّح له بيد مبتورة الأصابع
    يا بطل! أنت الأمل . يتطلع حوله
    فلا يري أحداً من المحتفلين به البارحة.
    يجلس في جُحرْ العزلة. ينقِّبُ في
    جسده عن آثار البطولة. ينتزع الشظايا
    ويجمعها في صحنِ تَنَك، ولا يتألم...
    ليس الوجع هنا. الوجع في موضع آخر.
    لكن من يستمع الآن إلى استغاثة القلب ؟
    أحسَّ بالجوع. تفقَّد معلبات السردين والفول
    فوجدها منتهية الصلاحية. ابتسم وغمغم:
    للبطولة أيضاً تاريخ انتهاء صلاحية .
    وأدرك أنه قام بواجبه الوطنيّ!


    حَمَام


    رفٌّ من الحمام ينقشع فجأة من خلل الدخان.
    يلمع كبارقة سِلْمٍ سماوية. يحلِّق بين الرماديّ
    وفُتات الأزرق على مدينة من ركام. ويذكِّرنا
    بأن الجمال ما زال موجوداً، وبأن اللا موجود
    لا يعبث بنا تماماً إذ يَعِدُنا، أو نظنُّ أنه
    يعدنا بتجلِّي اختلافه عن العدم. في الحرب
    لا يشعر أَحد منا بأنه مات إذا أَحسَّ
    بالألـم. الـموت يسبق الألـم. والألـم هـو
    النعمة الوحيدة في الحرب. ينتقل من حيّ إلي
    حيّ مع وقف التنفيذ. وإذا حالف الحظّ أحداً
    نسيَ مشاريعه البعيدة، وانتظر اللا موجود
    وقد وُجِدَ مُـحَلِّقاً في رفِّ حمام.
    أرى في سماء
    لبنان كثيراً من الحمام العابث بدخان يتصاعد
    من جهة العدم!
    [/B]
    .
    .
    "ما أسهل الكلام..!"

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    محمود درويش من ضمن الأشخاص الذين أمقتهم جداً.. ولكن عندما أقرأ درويش أشعر باستنزاف بطيء لروحي ووجع في أقصى اليسار..الذي يتمعن في شعر ونثر درويش ويقرأه بعمق يحتاج الى فترة من الزمن للخروج من دوامة ألم حقيقي واختناق يتنفسه وراء الكلمات..ربما لأن درويش كان استثنائياً بتوظيف اللغة والعبارة ببراعة لصياغة الوجع ودوزنة الألم الفلسطيني بكل تفاصيله الدقيقة العميقة والعابرة..

    هنا سأتوقف...وهذا لا يعني اني انتهيت..فربما أعود يوماً ما وأكمل ما تبقَّى من أثر الفراشة إن بقي في العمر بقية.
    .....................

    تيماء القحطاني:
    شكراً لك ولجميل حضورك..
    دمتِ بقرب.

    داليا الهواري:
    أهلاً بك
    وشكراً لمتابعتك.

    احسان بنت الأحمد:
    لك وحشة يا بنت محمد
    اقر الله عينك بما يحب.

    عطا العلوشي:شكراً لك..
    وطابت أوقاتك.


    وشكراً لكل من مر من هنا..
    "ما أسهل الكلام..!"

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    سلطنة عُمان، و قلب الحُب
    الردود
    91


    لستُ في حاجةٍ إلى الانغماسِ في ( دروشَةْ / دردشة ) محمزد درويش فحسبْ..

    بل أنا بحاجةٍ إلى معاودةِ انغماسٍ جديدة مع :
    المُهَلهِلْ
    البُحتري..
    أبي الطيب المتنبي
    وابن الرومي
    /

    فـمعَ الشَّربْ.

  16. #16
    درويش
    مايزال باذخا كأوله


    شكرا لك
    على هذا النقل الجميل الذي ربما سيرغمني على لخبطة ما اسميته ترتيبا
    أثر الفراشة لدي منذ المعرض
    وأراك هنا تحرضني على القفز إليه مباشرة

    شكرا .. مرة ثانية
    مـــلـــك ..أنــــا

    لو تصبحين...(حبيبتي)!

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    الردود
    93
    جميل جداااا

    تصفيق بحرارة ..

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المكان
    المملكة العربية السعودية- الرياض
    الردود
    234
    طرحٌ جميل..
    سلمتِ..
    .
    .
    .
    خالدة..

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    تحت الاحتلال!
    الردود
    2,512
    بدقيقة واحدة، تنتهي حياةُ بيتٍ كاملة. البيتُ قتيلاً هو أيضاً قَتْلٌ جماعيّ حتى لو خلا من سُكَّانه. مقبرة جماعية للموادّ الأولية الـمُعَدَّةِ لبناء مبنى للمعنى، أو قصيدةٍ غير ذات شأن في زمن الحرب. البيت قتيلاً هو بَتْرُ الأشياء عن علاقاتها وعن أسماء المشاعر. وحاجةُ التراجيديا إلى تصويب البلاغة نحو التَّبَصُّر في حياة الشيء. في كل شيء كائنٌ يتوجَّع… ذكرى أَصابع وذكرى رائحة وذكرى صورة. والبيوت تُقْتَل ُكما يُقْتَلُ سكانها. وتُقْتَلُ ذاكرةُالأشياء:
    أمام الحريق ننبهر ثم نموت ميتة مؤجلة!
    تذكرت أن هناك في الجهة الأخرى، على بعد خطوة من القلب، شرق الشريان الأيسر تنام مدينة تحت الانفجار.. قد يكون اسمها: غزة.. أو كل المدة التي ستحترق قريبا!
    فقد بُـشرنا بالقيامة !
    استمتاع كبير أمام فراشة الشاعر الخرافي المدهش و الرجل / الموقف " الغريب" !
    قد تعري القصيدة "شيزوفرانيا" الرجال !

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    Palestine
    الردود
    5
    لم أحلم

    متنبّهاً الى ما يتساقط من أَحلامي، أَمنع

    عطشي من الإسراف في طلب الماء من

    السراب. أَعترفُ بأني تعبت من طول

    الحلم الذي يعيدني إلى أوَّله وإلى آخري،

    دون أن نلتقي في أيِّ صباح. «سأصنع

    أحلامي من كفاف يومي لأتجنَّب الخيبة».

    فليس الحلم أن ترى ما لا يُرى، على

    وتيرة المُشتَهى، بل هو أن لا تعلم أنك

    تحلم. لكن، عليك أن تعرف كيف تصحو.

    فاليقظة هي نهوض الواقعي من الخياليّ مُنَقَّحاً،

    وعودةُ الشِعر سالماً من سماءِ لُغةٍ متعالية

    الى أرض لا تشبه صورتها. هل في

    وسعي أن أختار أحلامي، لئلا أحلم

    بما لا يتحقّق، كأن أكون شخصاً آخر…

    يحلم بأنه يرى الفرق بين حيّ يرى

    نفسه ميتاً، وبين ميت يرى نفسه حيّاً؟

    ها أَنذا حيّ، وحين لا أحلم أَقول:

    «لم أحلم، فلم أَخسر شيئاً؟!
    .................
    خيالي… كلب صيد وفيّ
    على الطريق إلى لا هدف، يُبَلِّلني رذاذ

    ناعم، سقطتْ عليَّ من الغيم تُفَّاحةٌ لا

    تشبه تفاحة نيوتن. مددتُ يدي لألتقطها

    فلم تجدها يدي ولم تَرَها عيناي. حدَّقتُ

    إلى الغيوم، فرأيتُ نُتَفاً من القطن تسوقها

    الريح شمالاً، بعيداً عن خزانات الماء

    الرابضة على سطوح البنايات. وتدفَّق الضوءُ

    الصافي على إسفلت يَتَّسع ويضحك من قلَّة

    المشاة والسيارات… وربما من خطواتي

    الزائغة. تساءلتُ: أَين التفاحة التي

    سقطت عليَّ؟ لعلَّ خيالي الذي استقلَّ

    عني هو الذي اختطفها وهرب. قلت:

    أَتبعه الى البيت الذي نسكنه معاً في

    غرفتين متجاورتين. هناك، وجدت على

    الطاولة ورقة كُتِبَ عليها، بحبر أَخضر،

    سطر واحد: «تفاحة سقطت عليَّ من

    الغيوم»، فعلمت أَن خيالي كلب صيد

    وفيّ!
    .................
    هناك دومـاً منطقية معينة في أثر الفراشات .. وتتعدد أشكالُ تلك وألوانها. وهناك كل شيء غير منطقياً .. في أثر الفراشة عند محمود درويش، هذا قد يسوِّغه البعض لشخصية الشاعر .. لكن من أساسٍ مـا .. لا يجوز القول بأن الشاعر يناطح السحاب في آثار الفراشات ! .. إنه يناطح غيوماً طبقية تسير "بلا ملامسةٍ لأرجلهـا على العشب"*(وصفاً جبرانياً)
    يعجبني فيه التمرد.. يعجبني فيه عدم الاكتراث لاغتيالاته (مع تحفظي على وصف "الاغتيال" الذي ربمـا وجهة نظر درويشية سلبية !) .. لكني أراه قد وصل في "أثر الفراشة" الى الدرجة المكسورة من السلَّم.

    شكراً wroood
    عُدّل الرد بواسطة P JMAN : 29-05-2008 في 10:07 PM

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •