Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 21
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533

    سيرة علي الزيبق

    سيرة علي الزيبق المصري


    ابن حسن رأس الغول


    مطابقة للسيرة الشامية الكبرى ومصححة
    وضع وترتيب
    محي الدين البديوي


    بسم الله الرحمن الرحيم


    يحكى أنه كان في زمن الخليفة هارون الرشيد، رجل يسمى: أحمد الدنف. وكان موصوفاً بالدهاء وعلو الهمة، لذلك فقد قدمه الخليفة على باقي الرجال وجعله مقدم درك مدينة بغداد..

    وكان تحت يده جماعة من المقدمين والعياق، أمثال : شحاده أبي حطب، وحسن شومان وغيرهم. وكانت محافظة البلاد في تلك الأيام، في إدارة الزعر، وهو يمتد بين بغداد وحلب والشام ومصر.
    وكان في مدينة أصفهان امرأة ذات قدر وشان، يقال لها: "دليلة المحتالة" وكان الشاه دومان، ملك فارس، يكرمها اكرماً زائداً، لما عندهم من المكر والاحتيال..

    وقد اتفق أنها جاءت إلى بغداد ، لقضاء بعض الأشغال، فطان لها السكن فيها، وقد سمعت باسم أحمد الدنف، وما هو عليه من رفيع المقام، فحسدته على ذلك، وقالت في نفسها: لا بد لي من أخذ المنصب منه بالألاعيب والحيل. وفعلاً لعبت عليه ألعاباً وجلست مكانه. وقد أحبها الرشيد وسلمها وجاق الزعر. وكان يستشيرها في كثير من أمور المملكة.

    وكان أهالي بغداد يخافونها، لأنها كانت تخرج الثعبان من وكره، بالمكر والحيلة. ولما تمكنت من قاعة الزعر، صارت صاحبة الأمر والنهي، فقررت في نفسها قتل أحمد الدنف، خوفاً أن يسترجع منها المنصب. ولما بلغ الدنف ما أضمرت له من الشر، خاف على نفسه وهرب إلى مصر، مع من يلوذ به من المقدمين، وسكن في ثغر الاسكندرية مسقط رأسه.

    وكان من جملة المقدمين، الذين انهزموا مع أحمد الدنف رجل مصري من الفحول يقال له حسن رأس الغول، وكان شجاعاً وهو أبو المقدم علي الزيبق صاحب هذه السيرة وقد أقام في مصر وتزوج بفاطمة اللبوة بنت الشيخ نور الدين قاضي مدينة الفيوم.

    وكانت فاطمة اللبوة على جانب عظيم من الشجاعة والجمال.. وهي التي وصفها الشاعر بقوله:
    مهفهفة الأعطاف فطاوية الحشا ... جميلة وجه يستنير به الفجر
    تغار غصون البان من لين عطفها ... ويحسدها من حسنها الشمس والبدر

    هذا وقد بارزت مرة أحمد بن البنا الذي كان أشجع أهل زمانه فقتلته وصارت تتزيا بزيه وتتلقب باسمه كلما حضرت حرب أو عراك، وكان بعلها حسن يحبها ويمتثل لأمرها نظراً لشجاعتها وجمالها.

    وكان مقدم درك مصر في تلك الأيام رجل يسمى صلاح الدين الكلبي وكان أحمد بن طولون عزيز مصر قدمه على جميع الرجال، وكان بين حسن وصلاح بغضة قديمة لأن صلاح الدين عمل على عزله حيث كان مقدم درك مصر، ولما وصل إلى صلاح الدين خبر قدوم حسن إلى مصر خاف على نفسه من غوائل الدهر وقال في نفسه إن أنا تركته أسترجع مني المقام، فلا بد من قتله قبل أن أقع في مكائد خبثه ودهائه، ثم أنه وضع عليه الأرصاد والعيون بعد أن استشار في قتله أحمد بن طولون ومن ذلك اليوم كثر عليه التفتيش، وكان حسن أيضاً قد حسب ذلك الحساب فصار لا يخرج من بيته إلا متنكراً لأنه يعلم ما في قلب صلاح الدين من البغض له، وكان كلما استفرد واحداً من أعوان صلاح قتله، فوقعت هيبته في قلوب الرجال، وكان له أصحاب وأصدقاء فتوسطوا له عند العزيز وأخذوا له منه الأمان، وقد قرر أن يستدعيه العزيز ويوظفه مع صلاح الدين لأنه كان مقدم درك هذه المدينة من قبل فاستدعاه العزيز واستدعى صلاح وقسم المقام بينهما، وكان المقدم صلاح يتمنى وقوم المقدم حسن في شراك المكائد.

    وفي هذه الأثناء، ظهر على زوجة المقدم الحمل، ولما قرب وقت ولادتها تأخرت عن قضاء أشغالها والقيام بخدمة زوجها فقالت له: يا مقدم أنت ناظر ما أنا فيه من الأثقال، والرأي عندي أن تشتري لك جارية وتتزوجها لتعينني، فقال لها: اذا فعلت ذلك أخاف عليك من الغيرة، فقالت له: كن مرتاح البال فإنني لا أغار مطلقاً ، فلما تقرر ذلك بينهما خرج في الصباح واجتمع بالمقدم صلاح الدين وأطلعه حسن على ما دار بينه وبين زوجته، فقال له صلاح: هذا أمر هين، فأنا لا أشتري لك جارية تكون من أجمل بنات عصرها، فشكره حسن ولم يعلم ما ضمر له صلاح من الشر! وكان المقدم صلاح الدين قد اشترى جارية يقال لها: (قوت النفوس)، وكانت على جانب عظيم من المكر والدهاء، وأتى بها إلى داره وأظهر لها المحبة وبالغ في اكرامها. وقد أوصى زوجته أن تظهر له الجفاء والمشاجرة وقال لها: لي في ذلك غاية. فامتثلت لأمره، وصارت تظهر له البغض. فلما رأت الجارية ذلك الحال، وما هي عليه من الاكرام أحبته ومالت إليه، وقد قالت له يوماً: إنني أرى زوجتك لا تطيع كلامك، ولا تحفظ مقالك، وأنت مقدم درك مصر. فقال لها: إن هذه الخبيثة أحبت رأس الغول وهو شريكي في المقام ، وقد أخذها الطمع ومرادها هلاكي حتى يكون المقام لأخيها من بعدي، والآن أريد أن أرسلك إليه على سبيل الهدية، حتى اذا تمكنت منه تعملين على هلاكه، واذا فعلت ذلك سعيت أنا في قتل زوجتي فأتزوج بك ونعيش في أرغد عيش وهذا يبقى سراً بيننا، فأجابته بالرضى، وذلك طمعاً منها في زواجها منه.

    وقد أقام صلاح الدين مدة، يتفكر في حيلة ليرسل تلك الجارية إلى حسن وبقي كذلك إلى أن جاء حسن وكلفه بشراء الجارية، فكانت تلك الخدمة أكبر منه عليه وقال: الآن بلغت من حسن ما أتمناه. ثم أرسل تلك الجارية إلى دار المقدم حسن، وقد أعطاها حُقٌ من السم المذاب، وقال لها: متى حانت لك الفرصة ضعي له هذا السم في الشراب.
    ولما رآها المقدم حسن، أعجبته جداً، كما أعجبت زوجته فاطمة اللبوة، فشكر صلاح الدين على ذلك ، ولم يعلم ما كتب في الشراب.

    وفي ذات ليلة دخل حسن على الجارية وهي في مقصورتها فاستقبلته وحيته بالسلام وأظهرت له كل بشاشة وابتسام، فراح يتحدث معها ويمازحها إلى أن صار وقت المنام، فقدمت له الشراب، وقد وضعت السم في الكأس فتناوله وشربه وهو لا يعلم ما فيه. ولم تكن إلا ساعات قلائل حتى لعب السم في جسمه وفارق الحياة، فحزنت عليه زوجته واستغربت أمره ووضعت يدها على شعره، فتساقط وانتشر فعلمت أنه مات مسموماً، فاستعظمت هذا الأمر وقالت: ما قتل زوجي إلا هذه الجارية، ثم أغلقت عليها الباب وجردت الحسام في يدها، وقالت لها: وحق الرب المتعال ما قتل زوجي يا خائنة إلا أنت، أخبريني بجلية الحال، وإلا علوت رأسك بهذا الحسام، فارتعب قلب الجارية من شدة الخوف، وحدثتها بالقصة من أولها إلى آخرها. ولما سمعت فاطمة كلامها، ضربتها بالسيف قطعت هامتها، ثم نادت على عبد عندها يقال له سالم. وحدثته عن كراهية صلاح لزوجها، وأوقفته على خبر الجارية ثم قالت الرأي عندي أن ننتقل من هذه الدار ونكتم الأمر عن الناس، فاستصوب رأيها وبكى على فقده مولاه ثم غسل مولاه ودفنه في بستان الدار، وأخذ الجارية وطرحها في القفار، ورجع واستأجر داراً لمولاته ونقلها إليها.

    هذا وقد شاع موت المقدم حسن فحزن عليه محبوه، وأما صلاح فكان عنده ذلك اليوم من أعظم الأعياد.
    وبعد أيام قليلة وضعت فاطمة غلاماً تلوح عليه الفروسية.. وكان جده يلاعبه في أكثر الأحيان ، وما زال كذلك حتى كبر وترعرع.. وشهدت له جميع الأقران بالعياقة والفروسية، وكان العبد سالم قد فرح به غاية الفرح وقال لمولاته: احمدي الله على هذه النعمة وإن شاء الله يكون خليفة أبيه ويأخذ ثأره من أعاديه وما زال الغلام ينمو حتى بلغ من العمر سبعة أعوام، فكان يسطو على الأولاد ويضربهم، فحدثت أباها بشأنه فقال لها: لا بد أن يكون لهذا الولد شأن.. وأي شأن، وكانت أمه تخفي عنه ذكر أبيه خوفاً عليه من الاعداء، وقد كان الولد يظن أن أباه الشيخ نور الدين.

    فاتفق رأيهما أن يرسلاه إلى المكتب لكي يتعلم القراءة والخط، فأخذته أمه إلى بعض الشيوخ وقالت له: أريد من فضلك أن تعلمه العلوم مع الأولاد، ثم مدت يدها وأعطته حفنة من دنانير فأخذها منها وقال: إن شاء الله سأعلمه جميع العلوم، فدخل علي إلى المكتب وقد رأى الأولاد يقرؤن فضاق صدره ولكنه تجلد وصبر أما الشيخ فقد اجتهد في تعليمه لأنه رأى فيه مالا يوصف من الحذاقة، وكان إذا عرضت له حاجة يقضيها في أسرع حال.

    وفي ذات يوم، قال له الشيخ: يا علي.. اذهب إلى السوق واشتري لوازم العشاء للبيت، فأجابه: سمعا وطاعة، وانطلق كلمح البصر واشترى ما يلزم وأرسله للشيخ، وفي المساء قالت له زوجته: ما جئتني بلحمة مثل هذا اليوم مع هذا الغلام، فقال الشيخ: لا بد لي أن أعتني بتهذيبه، لأن أمه قد أكرمتني.

    ولما صار الصباح جاء علي فقال له الشيخ: اذهب يا ولدي وخذ لوازم البيت لأن زوجتي تريد أن لا أرسل غيرك من الصبيان. فقال علي لنفسه: الظاهر أن هذا الشيخ يريد أن يجعلني خادماً له، وأنا لا أرضى بذلك، فلا بد لي أن أريه ملاعب الرجال، وانطلق إلى دار الشيخ ودخل على المرأة عابساً من غير سلام، فسألته قائلة: أين العشاء يا غلام؟ فأجابها: يا مولاتي.. قد حدث هذا النهار ما هو أعظم من العشاء، وقد جئت لأخبرك لكي تخلصي زوجك من الخطر!

    وقالت له: ويلك.. أخبرني ماذا جرى؟ فقال: إن شيخي قد اختلى في هذا النهار مع أحد الأولاد وصار ما صار، وذهب الولد وأخبر أباه وأتى ومعه جماعة من أقرباؤه وضربوه ضرباً مبرحاً وأخذوه إلى السجن، وأنا أخبرتك لكي تسرعي وتسعي في خلاصه..

    ولما سمعت زوجة الشيخ هذا الكلام قالت: خزاه الله، أما يستحي على لحيته الشايبة.. ثم انها ذهبت إلى السوق لتتحقق من الخبر، وكان علي قد سبقها إلى الشيخ وقال: يا مولاي.. لقد اشتريت الأغراض، ولما جئت بها إلى الدار وجدت زوجتك جالسة مع أحد الشبان، وهو يلعب معها، فلما رأيت ذلك عدت إليك لأعلمك لتكون على بينة من الأمر.

    ولما سمع الشيخ كلامه، جن من هذا الأمر وخرج قاصداً بيته، وقد دفعته الغيرة على قتل زوجته، ومن عجيب الصدف أنهما التقيا ببعضهما في السوق، فلما رأته زوجته هجمت عليه وأمسكته من لحيته وقالت له: أما تستحي من ارتكاب الفواحش، فلطمها على وجهها وقال لها: بل انت النجسة، فقالت له: أما أنت الذي ارتكتب الفاحشة مع أحد الأولاد، وأتوا أهله وضربوك وساقوك إلى السجن؟ فقال لها: أنت كاذبة لقد بلغني اجتماعك مع أحد الشبان، وما زالا في أخذ ورد وصوتيهما يعلو حتى اجتمعت عليهما الناس، وقد سألوا المراة عن سبب خصامهما فروت لهم القصة بالتمام، وكذلك فقد روى الشيخ للناس ما بلغه عنها!

    ولما سمع الناس أقوالهما، قالوا : هذه وشاية، والدليل على كذب الواشي هو أن زوجك واقف أمامك ليس فيه أي أثر للضرب، وقد أصلحوا بينهما وأعادوها إلى بيتهما. وقال الشيخ لزوجته: هذا الغلام الذي مدحتيه لعنة الله عليه، وغداً سوف أدبره على هذا الفساد.

    هذا ما كان من أمر الشيخ وزوجته، وأما ما كان من علي، فإنه بعد أن فعل تلك الفعال قال: لا بد للشيخ ما يعاقبني، وعليه يلزم أن أذهب إلى أمي، واخترع لها شيئاً من المكر والحيل. ومضى إليها وهو مظهر على نفسه الغضب، وقال لها: خذيني أتعلم عند غير هذا الشيخ، فقالت أمه: ولأي سبب؟ قال: إنه قليل أدب. فقالت له أمه: لا تزعل يا ولدي، فأنا غدا أذهب إليه وأرى.

    ولما أصبح الصباح نهضت فاطمة وأخذت ولدها وأرادت أن تعطي للشيخ بعض الدراهم، فلما رأى الغلام وثب قائماً وراح يشكو لها ما عمله ولدها، فلما سمعت فاطمة منه ذلك الخبر اندهشت وخافت على ولدها من عواقب الدهر، فما كان منها إلا أن طيبت خاطر الشيخ وأعطته ما حملته بيدها من الدنانير، فلما رأى الشيخ الدنانير ذهب ما كان عنده من الغيظ وقال لها: مرحباً به.. لأجل خاطرك سأعفو عنه، وعادت فاطمة وأخبرت أباها بما فعله ولدها من الحيل، فتعجب من ذلك جداً وانذهل لهذا الأمر.

    وفي أحد الأيام حضر الشيخ إلى مكتبه وهو يدبر حيلة لعلي يعاقبه عليها فقال الشيخ: يا علي. أريد منك الآن أن تذهب إلى السوق وتأخذ معك ثلاثة دراهم وتشتري لي بدرهم خوخ وبدرهم خي وبدرهم آخ، فقال علي: على الرأس والعين، فأخذ الدراهم وانطلق إلى السوق.. وقد علم أنها مكيدة عليه، فاشترى بدرهم خوف وبالثاني ياسمين وقال: بقي علينا الآخ، وأنا لا بد أن أكيد وأجعله ضحكة للأولاد.

    ثم عمد إلى وكر عقرب وأخذ منه عقرباً تشتعل لسعته كاشتعال النار فأخذه ووضعه في أسفل الزنبيل ووضع الياسمين فوقه وجعل الخوخ فوق الكل ودخل على شيخه وقال له:

    يا مولاي جئتك بما طلبته، فأخذ الشيخ الزنبيل فوجد الخوخ فأخرجه ووضعه في جيبه، ورأى الياسمين فأعجبه وأخذ منه باقة وشمها، ثم قال: أين الآخ يا علي؟ فقال: يا سيدي هو تحت الياسمين، فمد الشيخ يده إلى قعد الزنبيل فلسعه العقرب فوثب صارخاً.. آخ.. آخ.. آخ.. فقال له علي: هذا هو الآخ يا شيخي لقد أتيتك به، فسرى السم في جسم الشيخ فوقع صريعاً على الأرض كأنه ميت، فصار تارة يرقص برجليه، وتارة يضرب بيديه.. فلما رأى علي أن شيخه في حالة الخطر خاف على نفسه وهرب، وأما الأولاد فصاروا يصيحون حتى اجتمع عليهم الناس وسألوهم عن الخبر فقالوا شيخنا لسعه عقرب وها هو في السلة، فتقدموا إلى السلة ونفضوها فخرج العقرب فقتلوه ، ثم تقدموا إلى الشيخ ونضحوا عليه الماء حتى أفاق من غشيته، فحملوه وذهبوا به إلى داره ووضعوه في فراشه.

    ولما رأته زوجته على تلك الحالة أحضرت له طبيباً فشرط له يده وضمدها بالأدوية، ولما صار يقدر على الكلام سألته زوجته عن سبب إصابته.. فحدثها بما جرى بينه وبين علي فقالت: تستحق أكثر من هذا لأنني حذرتك ن هذا الداهية، فحلف لها بالطلاق أنه ما عاد يقبله على الاطلاق.

    أما علي فإن أمه أرادت أن ترسله إلى المكتب فقال لها: إن شيخي مريض فقد لسعه عقرب نهار أمس. فأرسلت جاريتها لتكشف حقيقة القضية، فوجدت ذلك أكيداً، غير أنها لم تعرف أن ولدها كان هو السبب، وأما الشيخ فإنه بقي عشرة أيام يتقلب على وسادته حتى شفي وخرج إلى مكتبه حسب عادته، فأمرت فاطمة ولدها أن يذهب إليه فقال لها: أرسليني إلى غيره لأنني منذ دخلت مكتبه لم استفد منه شيئاً، غير أنه يريد أن يجعلني خادماً له. فقالت له: لا بد أن تذهب اليه ثم اخذته من يده وخرجت به حتى دخلت على الشيخ، فلما نظرها قام وأخذ بيده العصا وأراد أن يضرب الولد فقالت فاطمة: ماذا فعل معك من الأذية؟ فأخبرها بالقضية، فاحتارت فاطمة من أعمال ولدها وقالت: الحق عليك أيها الشيخ لأنك جعلته خادم عندك حتى سببت لنفسك هذا الأذى، ولكن أرجوك أن تسامحه اكراماً لخاطري، وأخرجت له من جيبها خمسة دنانير، فكاد عقل الشيخ يطير، ونسي ما قاساه من الأوجاع والآلام، عندها التفت إلى ولدها وقالت له: قبّل يد شيخك واطلب منه السماح، فتقدم بكل احتشام وقبل يد شيخه وجلس على مقعده بين الأولاد.

    وفي اليوم الثاني، عرف علي أن شيخه لا بد أن يضربه على عمله معه بالأمس، فعزم في نفسه على حسن التدبير، فأخذ جرة الماء وتظاهر أنه يريد أن يملأها من البئر، فكسرها وعاد وهو يبكي ويلطم بيديه على خديه ويقول:
    هل تريدون يا أولاد أستاذا لكم غير شيخنا هذا؟ قالوا: كلا.. لا نرضى غيره أستاذاً، قال بينما كنت أملأ الجرة من البئر، ظهر لي رجل مثل شيخنا فقلت له من أنت وماذا تريد؟ قال: أريد أن أقتل شيخكم وأجلس مكانه وأكون أنا شيخكم الجديد فهلموا نتكاثر عليه ونخذله ولا ندعه يقتل شيخنا، فصدق الشيخ كلامه وخرج قاصداً ذلك البئر وتبعه الأولاد ولما صار هناك وضع رأسه في فم البئر وتفرس ليرى من هو ذلك الشخص الذي بدا له فرأى رجلاً مثله، وكان ذلك الرجل هو خياله فصاح ليه فجاوبه الصدى فتحقق عنده كلام علي، فقال للاولاد: اربطوني بالحبل وأدلوني حتى أنزل اليه ففعلوا كذلك، فلما صار في منتصف البئر عطس من البخار المتصاعد من الماء، فأرخوا الحبل من أيديهم وصاروا يصفقون فوقع في البئر فخافوا وراحوا يصرخون فسمع الناس أصواتهم فجاؤوا اليهم يسرعون ونزل بعضهم وانتشل الشيخ واذا به كالميت فعلقوه من رجليه قليلا حتى صفى الماء من بطنه ثم حملوه وجاءت بطبق مملوء بالماء ووضعته أمامه وقالت له: انظر أيها الغشيم، ونظر فرأى خياله فارتعد منه وقال: هذا الذي نظرته في البئر.. فمن أين أتى إلى هنا؟ أجابته: هذا خيالك، فإنك لا تزال أضحوكة هذا الولد الصغير. وأما علي فإنه ذهب إلى أمه وقال لها: إن شيخي وقع هذا النهار في البئر وهو رجل فقير فأريد أن تعطيني عشرة دنانير حتى أدفعهم له كإعانة فأعطته ما طلب فأخذ الدنانير وتوجه إلى دار الشيخ فلما رأته زوجة الشيخ تقدمت إليه وصاحت بأعلى صوتها عليه. أما هو فإنه أخرج الدنانير وقال لها: قد أتيته بنفقة يستعين بها على وقته العسير فلما رأت الدنانير سكتت وزال ما عندها من الغضب.

    وأخذت الدنانير ودخلت على زوجها بوجه بشوش وأعطته إياها وطلبت منه أن لا يعاتب الولد بشيء عما مضى.
    وبعد ذلك دخل الزيبق على شيخه وقبل يده واعتذر منه وأظهر نفسه أنه قد ندم على ما فعل وطلب منه أن يسامحه فسامحه، وعندها طلب علي من زوجة الشيخ وقال لها: أحضري له طبيباً وأنا أدفع كل ما يلزم من المصاريف، فلبست برقعها وذهبت إلى السوق لاحضار الطبيب وبقي علي عند شيخه وكانت قد حضرت كبة طعاماً في ذلك النهار.

    وكان الشيخ يحب الكبة فقال لعلي : لقد طبخت زوجتي هذا اليوم كبة ولم تطعمني منها خوفا علي من الضرر، وأنا الآن في غاية الجوع فقدم الصحن لي حتى آكل منه قبل أن تحضر، فناوله الصحن فصار الشيخ يأكل منه بشهية، وفجأة دخل الطبيب وكان في فم الشيخ قطعة كبيرة من الكبب فقال له علي اتركها في فمك لئلا يراها الطبيب فيغضب، وصدق كلامه وتركها. فتقدم علي من الطبيب وقال له: إن هذا الشيخ هو أبي وقد أصيب بنزلة قوية على حنكه حتى لم يقو على النطق فتقدم الطبيب من الشيخ فوجد انتفاخاً في حنكه يشبه الدمل فقال له: لا تخف وتناول من جيبه مشرطا وأخفاه في كفه وعلى حين غفلة منه شق له حنكه فصاح الشيخ فوقعت قطعة الكبة من فمه وقد تلوثت ثيابه بالدم.

    ولما رأت زوجة الشيخ ما حل بزوجها أقبلت على الطبيب وهي تشتمه وتلكمه. أما الزيبق فقد هرب وترك الشيخ يصيح وزوجته تولول فاجتمع الناس على صراخهم فأخبرتهم زوجة الشيخ بما فعله الطبيب بزوجها ثم شكته إلى المحكمة فحكم عليه القاضي بمداواته والانفاق عليه إلى أن يشفى. وراح يعالجه نحوا من سبعين يوماً ويقدم له جميع ما يلزمه من الأدوية والمعاش حتى شفي.

    وأما علي الزيبق، فكان قد أخبر أمه عن أستاذه . فلما بلغها أنه تعافى أخذت ولدها وسارت به إليه. فلما نظرها الشيخ ومعها ولدها وثب كالمجنون وطلب منها أن تأخذ ولدها وتنصرف وحدثها بجميع ما فعله معه ثم قال لها: إن لم تأخذي ولدك فسوف أشكوه للعزيز كي يؤدبه.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    العماء
    الردود
    120

    المزيد....

    شكرا
    شوقتنا للبقية..
    ننتظر المزيد

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533

    إليك المزيد..

    فلما سمعت فاطمة كلام الشيخ أخذت ولدها وسارت به وهي مدهوشة من أفعاله. وفي المساء طلبت من ابيها أن يأخذ ابنها معه كل يوم إلى دكانه، فأخذه معه وأجلسه إلى جانبه وقال له: إياك أن تتحرك من مكانك يا علي!.. وبقي على هذا الحال مدة سبعة أيام. وبعد ذلك ضجر علي وقال في نفسه: هذا أبي ما هو غريب عني حتى ألعب عليه. ولكن لا بد أن ألعب على أهل هذا السوق. وصبر إلى المساء واشترى بخمسة دراهم تمراً وأكله وأخذ النوى وحدد أطرافه بالسكين حتى صار للنواة رأساً جارحا.
    وفي الصباح ذهب مع أبيه (جده) إلى الدكان ولما انتصف النهار وازدحم السوق بالناس، غافل جده وأخرج نواة من جيبه ووضعها بين اصبعيه ونقف بها فخرجت من بين أصابعه كأنها حربة ووقعت في وجه رجل فجرحته جرحا بليغا فوقع الرجل علىالأرض، فركضت الناس اليه لتسد جرحه، واذا بالزيبق يأخذ نواة أخرى ويسددها على رجل آخر ورماه بها فجاءت في صدره فصاح الرجل فأسرع الناس إليه لينظروا ما أصابه واذا برجل آخر يصيح آخ بطني وآخر آخ ظهري وغيره كتفي، وما زال الزيبق يرمي بتلك النوى على الناس وصاروا يصيحون دون أن يعلموا من أين حل بهم هذا البلاء!؟

    وصار منهم من يشتغل في مداواة جروحه ومنهم من فر هاربا خوفا من أن يحل به ما حل بغيره، حتى شاع الخبر في الاسواق وضجت الناس في كل جانب، وراحوا يقولون إن هذا السوق قد رجمته الجان بالصواعق. وتعطل البيع والشراء في ذلك اليوم.

    وفي اليوم الثاني، أخذ نور الدين الزيبق وذهب به إلى الدكان وجلس قليلاً وإذا برجل ماراً في ذلك السوق يحمل زجاجاً فغافل علي جده وأخذ نواة ووضعها بين أصابعه ورمى بها ذلك الرجل فأصابت جبينه فجرحته ونفر الدم من وجهه فصاح بصوت عالٍ من ألمه فوقع الزجاج عن رأسه وتكسر، وفجأة حانت من جده التفاتة فرأى إن تلك الضربة كانت من يد ابن بنته الزيبق، فكتم الأمر وقام وجمع من أهل السوق إعانة لذلك الرجل، ثم أغلق دكانه وأخذ معه الزيبق وذهب به إلى البيت.

    وفي المساء قال لابنته فاطمة: إعلمي إن والدك هذا هو شيطان السوق، وداهية البلد، وأنا أخاف أن يحصل لي مصيبة على يده. ثم أخبرها عن نوى التمر وعن القصة بكاملها. فقالت: الأوفق أن لا تأخذه معك، وأنا لا بد لي أن آخذه إلى بعض المشايخ الأدباء، ولما نام علي مدت يدها إلى جيبه فوجدت فيها شيئا كثيرا من النوى فأخذته ورمته..

    وعند الصباح دعت العبد سالم وقالت له: خذ علي إلى الجامع الأزهر وسلمه إلى أحد المشايخ وقل له: أن يعلمه القراءة والكتابة ويحسن تربيته وأنا أدفع له في كل شهر عشرة دنانير، وأما أنت فلا تفارقه أبدا ولا تدعه يكلم أحدا.. فامتثل سالم كلامها وأخذ علي إلى شيخ أعمى، وطلب منه أن يعلمه ويحسن الالتفات إليه، ولم يزل على هذه الحال مدة خمسة أيام، فضجر الزيبق لأنه لم يتعود على القعود في المكتب، وفي صباح اليوم السادس نزل علي إلى البستان وقطع قضيبا من الرمان وكان له شعاب كأنها مخارز وكان سالم قد غلب عليه النوم، فتناول الزيبق القضيب وضرب به الشيخ على رأسه ضربة قوية ثم هرب واختفى فصرخ الشيخ صرخة قوية وتلمس بيديه فوقعت على سالم وهو نائم فقبض عليه، فاستيقظ مرعوبا وقال للشيخ ما الخبر يا مولاي؟ فقال الشيخ: قتلتني يا ملعون وتقول ما الخبر، وأخذ يضربه ويقول: يا عبد سوء لا بد لي من قتلك.. فلما تألم سالم من الشيخ قبض عليه ورفعه فوق رأسه وضرب به الأرض، ثم مضى وهو يقول: إن الزيبق ابن حسن رأس الغول هو من جنود الأباليس.. فكيف يرسل إلى المدارس!، ثم انطلق إلى الرميله، وكان الزيبق قد شاهده فتبعه من بعيد دون أن يشعر به سالم حتى وصل إلى ذلك المكان، وكان لا يعرف هذا الموضع. فجلس سالم هناك، وقد كانت تجتمع في ذلك المكان أرباب الشطارة والعياقة.. وكان يوجد هناك جميع أنواع الملاعب مثل لعب السيف والترس ولعب الحكم وضرب الرمح والدبوس وركوب الخيل وغير ذلك من الألعاب، فلما جلس سالم في ذلك المكان احترموه واظهروا له الكرامة لأنه على آثار المقدم حسن رأس الغول، وبعد انتهاء اللعب قام رجل من الحاضرين فأتى بشيء من الدراهم وألقاهم في حجر سالم.

    فلما رأى ذلك الزيبق غضب لأنه ظن هذا المال هو على سبيل الاحسان فتقدم إلى سالم وقال: رد المال إلى أصحابه فما نحن بمحتاجين.. فضحك سالم وقال: يا مولاي إنهم يعطوني هذا المال حتى أفرقه عليهم لأنهم يحترموني، وقد جعلوني استاذا لهم.

    وكان الزيبق قد أعجبه ذلك المكان فقال: ويلك يا سالم أيوجد في مصر مثل هذا المحضر وتخفيه عني وتأخذني إلى المكتب، فقال سالم: وهل تريد أن تتعلم هذه الملاعيب؟ قال: نعم . ثم ان سالم دعا مقدم الشطارة وقال له أريد أن تعلم ابن مولاي جميع الفنون التي عندك، فأخذ المقدم الزيبق يعلمه أبواب الحرب والصراع إلى أن أمسى المساء فرجعا إلى الدار، وكانت فاطمة تظن أن ولدها يتعلم عند الشيخ، وكان الزيبق يذهب كل يوم مع سالم الى الرميلة، وصار يبارز الأبطال والشجعان ويقهرهم في حومة الميدان، فصار الناس يهابونه، وقد اشتهر وشاع ذكره بالشطارة.. والشجاعة.. والعياقة.

    واتفق ذات يوم فقال لسالم: دعنا نتجول في الأسواق.. فخرجا يتمشيان في الحارات والأسواق.. حتى انتهيا إلى سراية العزيز، فحانت من الزيبق التفاتة فرأى رجلا ذو قدر واحترام، والناس واقفون لأجل السلام عليه: فقال الزيبق: من يكون هذا يا سالم؟ قال هذا صلاح الدين الكلبي.. مقدم درك مصر، وقد توصل إلى هذه الرتبة بالعياقة والشطارة.

    فلما سمع الزيبق كلام سالم قال: لا بد لي أن ألعب عليه مناصيف، لعلي أكتسب شهرة بذلك عند العزيز وآخذ منه المقام، فضحك سالم من مقاله لأنه يعلم أن الزيبق ليس من رجاله.

    وقد غضب الزيبق منه، وما عاد يرافقه أبدا وعاد إلى منزله في تلك الليلة مضطرب الأفكار، ونفسه تحدثه بمقاومة الشجعان، لينال بذلك علو الشان.

    وفي ثاني الأيام خرج الزيبق إلى السوق وقصد خراطاً وطلب منه أن يعمل له دبوساً لا يحمله إلا كل بطل عنيد. وبعد أن صنع الخراط له الدبوس أخذه الزيبق وسار حتى مر بجامع صغير وكان يوم الجمعة، فلم يجد أحداً يصلي في ذلك الجامع، فسأل خادم الجامع قائلا: مالي لا أرى أحدا يصلي في هذا المكان، رغم أن اليوم هو نهار الجمعة.

    فأجابه الخادم: إن الناس لا يرغبون الصلاة في هذا المسجد لأنه صغير وهم يقصدون المسجد الكبير، فوقف الزيبق على الباب وكان يعترض لكل من يمر من هناك ويقول لهم: ادخلوا وصلوا في الجامع والذي يخالف كلامي يلقي نفسه في الهلاك، فيخافون منه ويدخلون حتى صار في ذلك المسجد خمسة وعشرون شخصا فلما انتهوا من الصلاة وعزموا على الخروج وقف الزيبق على الباب وقال لهم:

    لا يمكن لأحد أن يخرج من هذا المكان إلا ويعطيني درهما فقال بعضهم: أما تستحي من هذه الوقاحة فضربه بالدبوس ضربة خفيفة على كتفه كاد يسقيه كأس حتفه فصاح الرجل آخ يا كتفي أنا في جيرتك خذ عوض الدرهم درهمين، وقد خاف بقية الناس وأعطوه ما طلب، فأخذ الدراهم وأعطاهم لخادم المسجد فأخذها الخادم وهو يدعو له بطول العمر، وأما أولئك الرجال فإنهم قصدوا قاعة الزعر ودخلوا على صلاح الدين وأخبروه بما جرى عليهم من ذلك الغلام فطيب خاطرهم ووعدهم أنه لا بد أن يقبض عليه ويعاقبه.

    وكان قد بلغ المقدم صلاح شيء من أخبار الزيبق، لأن ذكره قد شاع، فعزم على قتله كما قتل أباه لأنه خاف منه. فقام من وقته وأخذ معه عشرة أنفار من جماعته وسار بهم قاصدا ذلك المسجد. فلما وصل إليه لم يجد غير الخادم فقال له: أين الغلام الذي تمرد على القوم؟

    فقال الخادم: وحياة رأسك يا مولاي إني لا أعرفه ولم انظره إلا في هذا اليوم فتركه صلاح ورجع إلى قاعة الزعر واجتمع ببعض المقدمين وأخبرهم بما فعل ذلك الغلام وطلب منهم أن يبحثوا عنه ويقبضوا عليه لكي يلحق بأبيه.

    فأخذ الزعر في التفتيش عليه ليلا نهارا، أما الزيبق فانه كان كل يوم يطوف في شوارع مصر ليتعرف على أخبار الزعر، إلى أن كان يوم الجمعة، فأرسل صلاح رجلين إلى جهة ذلك الجامع ليكمنا له، وأمرهما أنهما متى نظرا الزيبق يقبضان عليه.

    فغير الرجلين ثيابهما وقصدا الجامع، وكمنا في بعض الزوايا وهما في زي التجار، ولما كان وقت الصلاة جاء الزيبق ووقف على الباب وفعل كما فعل في السابق.. فحانت منه التفاتة فرأى ذينك الرجلين، فما خفي عليه أنهما من جماعة الزعر يترصدان ليقضيا عليه، فقال في نفسه: لا بد لي أن أنكبهما في هذا النهار ثم ابتعد عنهما قليلا ووقف في بعض المواضع ، وصار كلما مر انسان يقول له: ادخل صلي في هذا الجامع.. فصار الناس يدخلون بين عاص وطائع، وعند انتهاء الصلاة وقف على باب الجامع وفعل كما فعل سابقا.. وما كان قصد الزيبق إلا أنه يرغب أن يشتهر ذكره عند صلاح الدين، وما انتهى من كلامه حتى انطبق عليه ذينك الرجلين لكي يقبضان عليه، فما كان من الزيبق إلا أن هجم عليهما هجمة الأسد وضرب احدهما بعصاه فقلبه على قفاه، ثم مال على الآخر ومسكه من بين أكتافه ورفعه إلى فوق رأسه وضرب به الأرض.. فرضت عظامه رضا، وبعد ذلك جردهما من ثيابهما وقال لهما:
    اذهبا واعلما مقدمكما الأحمق بما رأيتما من فعال الزيبق، ثم ان الزيبق ارتد وجمع الدراهم التي جباها واعطاها إلى الخادم ومضى إلى حال سبيله، واما ما كان من الرجلين فإنهما نكصا على أعقابهما يركضان حتى دخلا على المقدم صلاح الدين وهما عريانين...
    فقال لهما : ما الذي دهاكما؟ فقالا قد ظفرنا بالزيبق، فرأينا له همة الأسد، وعندما تقدمنا لنقبض عليه انثنى علينا واشبعنا ضربا ولكما.. ثم القانا على الأرض وجردنا من ثيابنا وقال لنا اذهبا واخبرا مقدمكما صلاح.

    فلما سمع مقالهما تأوه، وأرسل بعضا من المقدمين، واصطحب كل واحد منهم بجماعة من الزعر وطلب منهم التفتيش على الزيبق فامتثلوا أمره وسار كل مقدم من ناحية وهم كالأسود الضارية.

    وكان الزيبق بعد تلك الفعال قد ذهب إلى البيت.. ودخل البستان، وكان قد اتخذ له فيه مكانا ووضع ما يحتاج إليه من الثياب المختلفة الألوان فغير ثيابه وزيه وأخذ يجول في الشوارع فالتقى بجماعة من الزعر فعرفهم دون أن يعرفوه، فلم يعترضوه، وهو لم يعترضهم، وفي ثاني الأيام خرج الزيبق إلى السوق وكان لابسا زي تاجر وهو يدبر منصفا يعمله على صلاح، واتفق أن صلاح خرج ايضا في ذلك النهار مع جماعة الزعر فجال قليلا في السوق ثم قصد باب البلد واذا بجماعة من الفلاحين قد اقبلوا عليه ومعهم عجل سمين.

    وكان هؤلاء الفلاحون من بلدة الطينة، وكان صلاح الدين قد حول عليهم في طلب الأموال الاميرية، واذا لم يكن عندهم ما يدفعون وكان صلاح الدين يحب الهدية والبرطيل جاؤا اليه بذلك العجل وتعهدوا انهم يدفعون المال بعد شهر، فقبل ذلك العجل منهم وأمر برفع التحويل عنهم، ثم رجع صلاح الدين إلى قاعته وقد سلم العجل إلى أحد رجاله فالتقى بهم الزيبق في الطريق فعرفهم وقال: لا بد من أخذ هذا العجل واكوي عليه قلب صلاح. فمشي ورائهم حتى قارب الرجل الذي كان يمسك رسن العجل واتى من خلفه وقطع رسن العجل وركب عليه وسار من غير طريق واما الرجل الذي كان يقود العجل كان يظن أن العجل ماشي خلفه ولم يعلم أن العجل صار في يد علي الزيبق، وبينما هو كذلك التفت فلم يجد العجل فصاح لقد سرق العجل.

    وأما صلاح فانه لما اخبره الرجل بسرقة العجل طار الشرر من عينيه ولطمه على وجهه وقال له: أيؤخذ منك العجل في وسط النهار وأنت مثل الصنم؟ هذا وقد تعجب صلاح من تلك الجرأة وعلم أن الذي فعل تلك الفعال من أرباب الشجاعة والشطارة وخاف انه اذا تركه يتمادى أكثر من ذلك يخسر المنصب والمقام، ثم انه توجه إلى القاعة مع من معه من الأنفار وقال لهم مرادي أن أطوف وحدي لأكشف خبر الذي أخذ العجل منا في هذا النهار، فخلع ما عليه من الثياب ولبس زي التجار الاغنياء، وسار في الاسواق.

    وكان الزيبق قد سلم العجل إلى دلال في السوق وامره أن يبيعه له ووقف قريبا منه، وفي تلك الاثناء أقبل صلاح فوجد العجل في يد الدلال، وقد بلغ ثمنه خمسة عشر ريالا فزاد في ثمنه حتى صار خمسة وعشرون فصاح الدلال على صاحب العجل فحضر الزيبق ولم يعرف صلاح الدين لأنه كان بزي التجار، فقال إن الدراهم في منزلي فاذهب معي واوصل هذا العجل إلى الدار وهناك أعطيك الثمن، وكان قصد صلاح الدين أن يعمل عليه حيلة ويقبض عليه، فتبعه الزيبق وهو يقود العجل بين يديه حتى وصل به صلاح إلى باب كبير وكان ذلك الباب يوصل إلى جملة أسواق أو حارات. فقال صلاح الدين في نفسه ان أخذته إلى قاعة الزعر يعرف أنها حيلة عليه فيهرب ولكن الأوفق أن أجعله ينتظرني عند هذا الباب وأنا آخذ منه العجل وأدركه بجماعة من الزعر، فالتفت إليه وقال: هذا هو بيتي، فانتظرني قليلا حتى أحضر لك الثمن.

    وكان الزيبق جاهلا المكان، فاقام ينتظر ساعة من الزمان، وبينما هو كذلك اذ بجارية قد خرجت وعلى رأسها طبق من الطعام، فلما رآها الزيبق ظن أنها قادمة إليه فناداها ففرت شاردة ولم تلتفت اليه.

    وصدف أن رجلا مر من تلك الطريق فقال له: مالك ومال الجارية يا غلام؟ فقال: إنني بعت صاحب هذه الدار عجلا، وقال انتظرني هنا حتى أرسل لك ثمنه، فضحك الرجل من كلامه وقال:
    إن هذا الباب الذي تراه ليس هو باب دار، بل هو باب شارع يؤدي إلى حارات وأزقة، فحينئذ فطن الزيبق أن ذلك كان ملعوبا عليه، والذي اشترى العجل هو صلاح الدين، فترك ذلك المكان عاجلا وخاف على نفسه من الهلاك، وراح يلوم نفسه كيف سلكت عليه هذه الحيلة.

    أما صلاح فانه أخذ العجل وسار به إلى أن وصل إلى القامة، فاستدعى المقدمين ومن يعتمد عليهم من الجماعة، وأخبرهم كيف وجد الزيبق واشترى منه العجل بالدين وأوقفه على باب الشارع ينتظر الثمن..

    وقد أخذ صلاح معه جماعة من أعوانه وسار بهم قاصدا باب ذلك الزقاق، ولما وصل إلى هناك لم يجد أحداً، فقال لمن معه: إن الغلام قد هرب وأنا أعلم أنه قد عرفني، ولكن لا بد لي أن أدبر على هلاكه، ثم رجع بمن معه من الرجال إلى القاعة.

    وأما ماكان من أمر الزيبق، فإنه قد انزعج في نفسه فقصد المكان الذي استخصه لذاته في البستان فخلع ثيابه ولبس زي أولاد التجار وخرج قاصدا قاعة الزعر، وهو يريد أن يعمل منصفا في ذلك النهار، فلما أقبل على الباب وجد رجلا واقفا على باب المطبخ، وكان اسمه الاسطه رجب وهو رئيس الطباخين عند المقدم صلاح الدين، فلما نظر الزيبق قال له: ما حاجتك يا غلام؟ قال: أريد أن أخدم عند الذوات. فقال له: هل تخدم عندي وأنا أعطيك كل ما يرضيك؟ قال: نعم.. إنه يكون لي بذلك الشرف العظيم..

    وكان الزيبق يتمنى هذه الوسيلة، ليقف على أخبار صلاح وجماعته ، فأخذه الرجل وسأله عن اسمه فقال: اسمي حسن. قال: نهم.. وأنت مثل اسمك حسن، ومهما طلبت أعطيك، وكان قد أحبه لأنه رآه على هيئة المماليك.

    وبينما هما في الكلام، اذا بصلاح قد أقبل ومعه جماعة من تلك الزمرة فأدخله بيت الحطب وقال له: اجلس في هذا المكان حتى يدخل المقدم واعوانه، فدخل الزيبق ونظر فرأى طاقة صغيرة تشرف على قاعة الزعر، ففرح بذلك وعلم أنه سينال ما يتمناه، وبعد قليل دخل صلاح إلى القاعة هو ومن معه وجلس في صدر ذلك المكان، فأمر باحضار الأسطه رجب فلما دخل عليه قال له: إذبح ذلك العجل واصنع لنا منه طعاما لنأكل مع هؤلاء المقدمين وليذهب أحدا منكم في هذا المساء ويأتيني بصبية تكون جميلة الصوت بديعة النظر.

    وكان الزيبق سامعا هذا الكلام فعاد إلى المطبخ وساعد الاسطه رجب في ذبح العجل وتقطيعه، فوضعاه في الحلة وأضرما تحتها النار. ثم أن الزيبق غافل الأسطة رجب وتناول صاعاً من الملح وألقاه في تلك الحلة وخرج من هناك وذهب إلى بستانه المعهود ولبس لبس صبية من أبهى احلل وأرخى النقاب وعمل له نهدين من القطن وخرج قاصدا قاعة الزعر وهو يتمايل كغصن البان ولما صار بقرب القاعة وقف قليلا وصار يتلفت يمينا وشمالا لعله ينظر الشخص الذي مراده أن يحضر الصبية لعند صلاح الدين وبعد قليل رآه نازلا من الدرج وعرفه فقدم إليه وكشف عن وجهه اللثام فبان عن صبية كأنها القمر وكان الزيبق ممشوق القوام مهفهف الأعطاف ثقيل الأرداف فطاش عقل الرجل لما رآه وقال: ماذا تريدين يا أمة الله؟ فقالت: مرادي أن أواجه المقدم صلاح الدين واشكو له حالي وأطلب منه المعونة، ثم كشفت النقاب عن وجهها فظهر كالبدر الساطع فافتتن بما رآه فيها من الجمال، وكان هذا الرجل في هم من مصادفة مطلوبة فاتاه التوفيق بسهولة، فاخذها ودخل بها على المقدم صلاح الدين.


    يتبع..

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المكان
    معتقل في مكان ما
    الردود
    3,124
    ثم ماذا؟

    لا أرى مكان هذا الموضوع في المطابع!

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    ^^
    أجل فين تحب يكون؟

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المكان
    الباب العالي
    الردود
    1,272
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة كعبلون عرض المشاركة
    ثم ماذا؟

    لا أرى مكان هذا الموضوع في المطابع!
    ربما لم ترَ أن هذا الموضوع نقل من كتاب !

    شكراً كزبرة .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386
    ..
    لا أملّ قراءة هذه السيرة . أحد الأصدقاء هو الذي حبّبني فيها . قرأتها العام و أعيدها الآن منكِ و أشعر بلذتها مجدداً لأني شعرت بلذة إعجابك بها : )
    واصلي .

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    ..
    فلما رآها المقدم صلاح انفتح لها قلبه لأنه كان أخبث الفاسقين، فترحب بها وأجلسها بجانبه وقال: أهلا وسهلا بريحانة النفوس، فقالت له: قد أتيتك مستجيرة بك من جوراً في الظالم، ولفقت له قصة مالها أول ولا آخر وطلبت منه أن يأذن لها بالدخول في زمرة العوالم.

    فقال لها صلاح: مرحباً بك يا بهجة الناظرين، وأنا اكراما لك أفعل كل ما تريدين، ثم أمر باحضار الشراب وصار يسكب ويسقي الزيبق ويقول له: اشربي يا بدر التمام، ثم أمر بوضع سفرة الطعام فأتى بها الأسطه رجب فالتفت صلاح إلى الزيبق وقال: تفضلي يا نور الصباح، ثم مد يده وأخذ قطعة من اللحم ووضعها في فمه فالتهب حلقه من كثرة الملح وهاج عليه السعال حتى ظنوا أنه اختنق، وتقيأ ما في بطنه فحينئذ استدعى الأسطى رجب، وقال له: ما هذا الطعام فهل طبخته بماء البحر؟ فقال: والله يا مولاي ما وضعت له الملح إلا حسب القانون، وبعد أن ذقته صرت أزيده من الماء فما علمت من أين وقع الملح هل طلع من الأرض أو نزل من السماء فغضب صلاح وقال له: كنت تستحق مائة سوط على هذه الغفلة ولكن اكراماً لضيفتنا العزيزة اسامحك فاذهب واحضر لنا ما نأكله من الحلويات ولا تكدر مجلسنا مع زائرتنا الكريمة فذهب رجب وأحضر من ذلك ما تيسر فأكلوا وجلسوا حتى العشاء فقال صلاح للمقدمين خذوا مائة أزعر وطوفوا على الزيبق في جميع الأزقة وآتوني به مكتوفاً فامتثلوا أمره وذهبوا، ثم دخل صلاح وتلك الصبية إلى غير قاعة وأمرها أن تمد الفراش، فقالت سمعاً وطاعة، ولما اضطجع على فراشه أمرها أن تضطجع معه، قالت إن لي عندك حسبة من المال فادفعها لي أولاً، فقال ما الحسبة التي لك عندي؟ قالت هي ثمن العجل الذي أخذته مني بالمكر وأوقفني على ذلك الباب إلى وقت العصر، ثم أن الزيبق هجم عليه بقلب أقوى من الحديد وقال: ويلك أنا العايق الجديد، فوالله إن فتحت فمك لأقتلنك في هذه الساعة.

    فلما علم صلاح أن هذا هو الزيبق، خاف وانعقد لسانه عن الكلام، فوضع الزيبق في فمه أكرة وشدها بمنديل حتى لا يقدر على الصياح، ثم ربطه من رجله وكتفه وأخذ من جيبه كيس الدنانير وقال: هذه أول دفعة من ثمن العجل ثم أغلق عليه الباب ومضى إلى بيته.

    هذا وأما المقدمين الذين أرسلهم صلاح، فإنهم فتشوا على الزيبق إلى منتصف الليل وبعد ذلك رجعوا، ولما وصلوا طرقوا الباب على صلاح فلم يجبهم أحد غير أنهم سمعوا صوت الأنين فضحكوا وهم يظنون أنه يلاعب الصبية فصبروا ساعة، ثم طرقوا الباب فسمعوا ذلك الأنين فدفعوا الباب فإذا هم يرون مقدمهم صلاح مكتوف اليدين ومربوط الرجلين فارتاعوا من منظره ثم قطعوا وثاقه وأخرجوا الأكرة من فمه فتنهد وقال لهم: ما وقفتم للعايق الجديد على خبر؟ فقالوا إننا طفنا جميع البلد فلم نظفر به، وأما أنت ما الذي جلب عليك هذا الويل بعد الفرح؟

    قال: قصف الله أعماركم أتيتم لي بالعايق اللعين في زي جارية حتى فعل بي كما ترون، فاسفوا على وقوعه في ذلك البلاء.
    وأما علي، فإنه عند الصباح لبس زي المماليك وقصد القاعة ليتجسس الأخبار، فلما رآه الأسطى رجب قال له: أين أنت يا ولدي. فإني افتقدتك فما وجدتك، فقال: إنني ذهبت إلى البيت لقضاء حاجة، قال: لا بأس ادخل إلى بيت الحطب الذي يشرف على قاعة الزعر، فتقدم من النافذة المعهودة فوجد صلاحاً جالساً في صدر الديوان وحوله جماعة من المقدمين وهم يتذاكرون في أمر الزيبق.

    ثم قال لهم إنني أريد أن أذهب اليوم إلى الحمام غير أنني أخاف من مكائد هذا اللعين، فقالوا له: اصبر إلى الليل ونحن نأخذ لك الحمام الفلاني فتدخل وتغتسل ونحن ننتظرك في البراني، قال: أصبتم فيما أشرتم فافعلوا كما ذكرتم، ثم أرسلوا واعلموا الحمامي بما عزم عليه صلاح الدين.
    أما الزيبق فإنه لما سمع ذلك الكلام غافل الأسطى رجب وهرب قاصداً الحمامي وقبض عليه واستل الخنجر في وجهه فخاف منه وقال: يا مولاي ماذا تريد مني؟ قال: أريد منك أن تعطيني مفتاح الحمام وتبقى أنت هذه الليلة في البيت، فأجابه بالسمع والطاعة وأعطاه المفتاح، وذهب.

    ولما أقبل الليل حضر صلاح ومعه عشرة أنفار فترحب بهم الزيبق، وقال لهم: ما بالكم لا تدخلون وتغتسلون؟ فقالوا ذلك أحب إلينا ولكننا نخاف من أمر يحدث، وحدثوه بقصة الزيبق، فقال لهم: ومن يكون الزيبق حتى يخاف منه صلاح الدين؟ ثم أقفل باب الحمام وقال: من أين يقدر أن ينزل علينا من السماء، وإن حدث عليكم شيء فأنا أكون المطالب به، ومازال بهم حتى انخدعوا ودخلوا ليغتسلوا، فلما نظرهم صلاح سألهم لماذا دخلتم؟ قالوا له: كن مطمئن القلب، فإن العايق لا يستطيع أن يخترق الحيطان ويدخل علينا، فاطمئن فكره وسمح لهم بالاغتسال.

    وأما الزيبق فإنه عمد إلى قنديلين من الزجاج فكسرهما وسحقهما ورشهما على البلاط، ثم أخذ ثيابهم وأمتعتهم وخرج من الحمام فوجد حمّاراً واقفاً عند باب الحمام فقال له: هل تؤجرني حمارك حتى أحمل عليه هذه الثياب وأنت تنتظرني هنا؟ قال نعم، فأخذ الزيبق الحمار وحمل عليه الثياب، ثم التفت إلى الرجل وقال له: إعلم أن المقدم صلاح في الحمام ومعه جماعة من المقدمين، فأوصيك أنك بعد نصف ساعة تدخل إلى الحمام وتنادم بأعلى صوتك يا صلاح الدين، إن غلامك علي يسلم عليك ويطلب منك أن تحاسبه على ثاني دفعة من ثمن العجل، وأنا متى رجعت أعطيك خمسة دنانير، وسر الرجل وقال: إني سأفعل ما تأمرني به.

    وقد سار الزيبق بالثياب. أما ذلك الرجل فإنه صبر نصف ساعة ودخل إلى الحمام ونادى بما أمره به الزيبق، فلما سمع صلاح هذا الكلام خاف ووثب عرياناً كالمجنون ولبس القبقاب وخرج مسرعاً فتزحلق على قفاه وشك في جسمه الزجاج فصاح آه يا ويلاه، فارتعد أصحابه فقال صلاح: لا تخافوا قد زلقت على البلاط فشك في يدي شيء كرؤوس الإبر، فأخرجوه من المصطبة وصاروا يلتقطون ذلك الشوك فاذا هو من الزجاج المكسر، وأما صاحب الحمار لما رأى ذلك عمد إلى الفرار فوجد حماره مربوطاً على باب الحمام فأخذه ومضى.

    وأما المقدم صلاح، فعندما سكن روعه ذهبوا به إلى القاعة والدم يسيل من جسمه وهو يئن من شدة الألم.
    وأما الزيبق فإنه عند الصباح توجه إلى القاعة وتزيا بزيه المعتاد، فلما نظره الأسطى رجب قال له: أين كنت البارحة؟ قال: خرجت في قضاء حاجة ضرورية، ومن الآن وصاعداً ما عدت أخطو خطوة بدون إذنك. فقال له: أدخل إلى بيت الحطب، فدخل الزيبق ونظر من الطاقة فرأى صلاح الدين يئن من الألم، فقال لبعض جماعته: أحضروا إليّ شميعة اليهودي لينقي لي ما غار في جسمي من الزجاج، وكان ذلك اليهودي طبيباً ماهراً. فقالوا له: إن شميعة يكون الآن دائراً يتفقد المرضى فبعد قليل سنحضره بين يديك.

    فلما سمع الزيبق ذلك الكلام غافل الأسطى رجب وقصد حارة اليهود وسأل عن شميعة فأرشدوه إليه فدخل عليه وصاح في وجهه صوتاً أرعبه، وسل عليه الخنجر، فقال شميعة أنا في جيرتك، ماذا تريد مني؟ قال: أريد أن تعطيني بدلة من ثيابك وملقطاً وعوينات وكتاباً عبرانياً ومفتاح دكانك، وأنت تبقى هذا النهار في البيت. فأعطاه ما طلب وتوجه الزيبق إلى دكانه وفتحها، ولبس زي شميعة وصار يظهر للناس أنه يقرأ بالعبرانية وكان كل من رآه يظنه شميعة.

    وفي أثناء ذلك أقبل أحد المقدمين وقال له إن المقدم صلاح يأمرك أن تأخذ الملقط وتذهب إليه، فقال الزيبق وأخذ الملقط ووضع العوينات والكتاب ثم أقفل الدكان وتوجه إلى صلاح، ولما دخل عليه قبل يده وجس نبضه وفتح الكتاب، وتبصر فيه وقال: لابأس عليك يا سيدي لعل علتك من زجاج قد شك في جسمك قال: صدقت.. وأخذ الملقط وراح ينقي الزجاج من جسده، وكان جملة مقدمين من الزعر في خدمة صلاح، فقال الزيبق في نفسه.. اذا لم أعمل على إخراج هؤلاء من القاعة لا أبلغ المقصود.. وقال إلى صلاح إن نَفَسْ هؤلاء الحاضرين يزيد ألم جروحاتك ويؤذيك. فأمر صلاح الرجال أن يخرجوا من القاعة، فخرجوا إلا واحد من المقدمين بقي عنده، وراح ينقي له ويقول بنفسه لا بد من إبعاد هذا المقدم فقال لصلاح: يلزمك مرهم، وأخذ ورقة وكتب عليها صفة المرهم، وقال للمقدم إذهب بنفسك وخذ هذا الدواء من إحدى الصيدليات ، فإني ل اأركن لغيرك لأنك أمين.

    وبعد أن ذهب المقدم وخلى المكان التفت الزيبق إلى صلاح وقال له: إن ذلك الحساب قد طال، وأريد الآن أن تحاسبني على ما بقي عندك من ثمن العجل، فلما سمع صلاح بخبر العجل ارتعدت فرائصه وقال: عفواً يا زيبق.
    وأما الزيبق فإنه انقض على عنقه وسل في وجهه الخنجر، وقال: إن فتحت فاك قتلتك وجعلتك عبرة لمن اعتبر، ثم كتفه وسد فاه وربط رجليه وأخذ جميع ثيابه ومامعه من الدنانير، وقال له هذه ثالث دفعة من ثمن العجل ثم أغلق عليه الباب وخرج قاصداً دار شميعة حتى دخل عليه وقال له: انهض الآن واقصد صلاح وقل له يا حضرة المقدم سرق دكاني وفقد لي كثير من الأدوية وأنا لا أعرف مالي إلا منك لأنك محافظ البلد فقام شميعة وامتثل كلامه وخرج قاصداً صلاح الدين..
    وأما المقدم الذي خرج في طلب المرهم، فإنه قصد جميع الصيادلة والعطارين فقالوا جميعاً أنها لا توجد عندنا هذه الوصفة لأنه مكتوب فيها عيدان الرياح وغبار الماء وورق الصخر وزبدة الهباء وضوء القمر وريحة الشمس وكلها أسماء باطلة لا يعرفها إنس ولا جن.

    ولما سمع المقدم هذه الخرافات غضب وقال: كيف تجاسر شميعة أن يضحك على مقدمنا؟ وسار طالباً القاعة ولما وصل فتح الباب فوجد مقدمه مكتف اليدين ومربوط الرجلين وفمه مشدود برباط كحزام الحمار، فتقدم نحوه بقلب خافق وفكه من تلك الرباط فصاح صلاح بأعلى صوته قائلاً ويلكم يا لئام لو طلبت منكم أشرف وأعظم رجل فكنتم تأتوني به، أما هذا الغلام فما قدرتم عليه، فصار المقدم يعتذر وأخبر صلاح بما كان مكتوباً في تلك الورقة، فاشتعلت في فؤاده النيران وقال: من أين تسلط علينا هذا الشيطان؟ وقال لهم اكتموا هذه الحوادث لئلا تبلغ مسامع العزيز فيعزلني من الوظيفة.

    وبينما هم كذلك إذا بشميعة قد حضر وهو ينادي: يا مقدم صلاح، لقد سرق دكاني وفقد ما فيه من الأدوية والدراهم، فقال صلاح: كن مطمئن القلب فإني سأحصل لك كل ما فقد، والآن أريد ان تنقي لي هذا الزجاج الذي غرس في بدني كالإبر، فأخذ شميعة الملقط وصار ينقي له ذلك الزجاج.

    أما الزيبق فإنه بعد ما لعب ذلك المنصف لبس لباسه الأول وأتى إلى بيت الحطب واعتذر عن غيبته للأسطى رجب فقال له: لا بأس عليك هذه المرة أيضاً، وبعد ذلك أخذ الزيبق يتسرق عن أخبار صلاح فوجده جالساً متوعك المزاج وشميعة ينقي له الزجاج من بدنه، فلما انتهى دهنه بشيء من الأدهان وقال له: إن الزجاج مسمم في الأجسام فلا بد لك من حمام ثان، فقال صلاح إنه قد أصابني هذا الأذى من الحمام فصرت أتجنب الدخول إلى ذلك المكان فقال لا بد لك من ذلك وإلا فأنت هالك، فقال المقدمون إذهب على بركات الله ونحن نمهد لك أحسن طريق وإن شاء الله لا تصادف إلا التوفيق.
    وتم الإتفاق فيما بينهم على أن يرسلوا رجلاً منهم إلى الحمام الفلاني وأن يفتح الحمام بعد العشاء ويأتى صلاح في زي تاجر فاستصوب صلاح رأيهم.

    أما الزيبق فإنه سمع ما دار بينهم من الحديث وقال في نفسه لا بد لي أن ألعب عليه منصفاً هذه الليلة، فنهض ودخل على الأسطى رجب واستأذنه في الذهاب إلى بيته فأذن له، ولما وصل إلى المحل المعين له في البستان خلع ما كان عليه ولبس ثياباً مشمرة وأخذ في يده ليفة وصابونة وضعهم ي طاسة وتوجه إلى ذلك الحمام فدخل على الحمامي وسلم عليه وكان رجلاً فقيراً مغفلاً فتقدم نحوه وقبل يديه، فقال له الحمامي: ما هي مهنتك يا غلام؟ فقال: إنني مغسل في الحمام، ونظر الحمامي إلى الطاسة والليفة فصدق كلامه وقال له: أتخدم عندي؟ فأجابه نعم، لكن على شرط أن تحفظ عهدي. قال وما هو؟ قال هو إن سألك أحد عني تقول له إني ولد لك. وقبل الحمامي شرطه ووضع يده في يد الغلام وحلف له بعزة الله أنه لا يخون عهده. وعند ذلك دخل الزيبق إلى الحمام وقضى فيه ذلك النهار وهو يتعاطى شغله بكل رشاقة. ولما كان المساء، أقبل عليهما رجل من الزعر وقال للحمامي سراً أن المقدم صلاح سيأتي هذه الليلة إلى الحمام، فكونوا على حضر. فقال الحمامي: أهلاً وسهلاً ومرحباً.

    يتبع..






    كعبلون
    سيبقى الموضوع هنا
    عمر بك
    العفو.. شكرا لك
    أشعار
    اللذيذ فعلاً هو علي الزيبق
    يفضح كبرته ما أنجسه

    أهلا بك

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    العماء
    الردود
    120

    المزيد...

    شكرا..
    أنا متشوق للبقية ...
    فهي سيرة لا تمل، أذكر أنني لما كنت صغيرا تابعتها كمسلسل...

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    فارس الجزائري
    تكرم . طالما أنك تود قراءتها كاملة فلك ذلك
    إن شاء الله سأنقلها كاملة

    أهلا بك..


    .

    .

    وبعد ذهاب الرسول، قال الزيبق للحمامي: إذا سألك عني فماذا تقول؟ قال: أقول أنك ولدي، قال وأنت أبي بعهد الله. ثم أن الزيبق خرج إلى السوق واشترى جميع ما يحتاجه لاتمام عمله، وعاد كالبرق.

    ولما كانت الساعة الثانية من الليل أقبل صلاح فاستقبله الحمامي والزيبق بالاجلال والاحترام، وأما صلاح لما رأى الغلام اندهش وخاف ونادى الحمامي وسأله عنه سراً، فقال هذا ولدي، فقال صلاح: حقيقة ولدك أم تبنيته؟ فحلف له أنه ولده فصدقه واطمأن قلبه، ثم خلع ثيابه ودخل إلى الحمام وأوصى الحمامي أن يرسل له الخضاب فإنه في صرة ضمن الثياب.

    فالتفت الحمامي إلى الزيبق وقال: يا ولدي خذ له ورقة الخضاب وكن مطمئناً فإنه اعتقد مني الصدق، فأخذ الزيبق الخضاب وخلطه بالزرنيخ وأدخله إلى المقدم صلاح. هذا وقد حنى صلاح لحيته وشاربيه وبعد ذلك غسله وتأنى عليه حتى أن الخضاب تمكن من لحيته خرج من عنده وقال للحمامي يا أبي أدرك صلاح فإني رأيته قد تغير عن حالته. وخاف الحمامي وظن أنه ربما يكون اعتراه مرض أو حدث له حادث، فدخل ملهوفا وهو يصيح: ماذا أصابك يا مقدم صلاح؟ قال إن شعر رأسي كله قد وقع..

    قال الحمامي: الحمد لله الذي وجدتك بخير. فرفع المقدم يده ولطمه لطمة ألقاه على الأرض، وقال: يا مغفل تقول الحمد لله وقد سقطت لحيتي من وجهي! أصدقني الخبر، ماذا وضعت في هذا الخضاب؟ قال: ما وضعت فيه شيئاً ولا مسسته بل أمرت الغلام أن يحضره لك. فقال أليس هو ابنك ادعيت؟ قال: لا يا سيدي ولكنني انخدعت. فقال صلاح: أخبرني بحقيقة الأمر وإلا قتلتك في الحال، وسرد له الحمامي قصة الغلام بالتمام، وعرف صلاح أنه الزيبق، وقال: لعنة الله عليك من مغفل، وخرج يركض حتى وصل إلى المساطب الخارجية فوجد كل ما عنده من السلاح والثياب مفقودة والغلام قد هرب فلطم على وجهه من شدة الغيظ فهم أن يضرب الحمامي وهرب من طريقه، وبعد ذلك قال له اذهب إلى بيتي وهات لي صرة الثياب.

    وذهب وهو يلعن الساعة التي عرف فيها الغلام النصاب، وكان الزيبق بعد أن نتف لحية صلاح، أخذ خاتمه وماله من الثياب والسلاح وذهب إلى بيته وقال لزوجته: إن ذلك العايق الشيطان لعب على المقدم منصفاً في الحمام، وأخذ ثيابه وتركه عريان، فارسلني إليك لكي ترسلي له صرة ثياب وعممة وأعطاني خاتمه علامة فلما نظرت خاتم زوجها صدقت كلامه وأعطته صرة ثياب فأخذها ومضى إلى داره بالسلامة.

    وبعد ذلك بقليل وصل الحمامي الذي أرسله صلاح في طلب الثياب فقالت: الآن بعثتها إليه مع غلامك وأظنه لم يبعد كثيراً عن هذا المكان فخرج الحمامي وهو يبكي حتى دخل على صلاح وأخبره بما كان من الغلام، فصفعه على وجهه ألقاه على قفاه، وقال: يا أخبث المغفلين قبلت عندك هذا العايق اللعين وحلفت لي أنه ولدك فوالله لأقطعن رأسك وأخمد به أنفاسك فتوارى الحمامي عنه ودموعه تجري كالسيل وأقام صلاح في الحمام حتى انتصف الليل، ونهض وإنزو بالمناشف وذهب إلى داره حافي الأقدام، وهو يتعوذ بالله من دخول الحمام.

    ولما دخل الدار ظن العبيد أنه الحمامي فشتموه وطردوه لم يرجع واستحى أن يقول لهم أنا فلان، فصاحت زوجته عليهم دونكم هذا الكشحان ونزلوا عليه بالقبابيب والبوابيج وهو صابر على ذلك كأنه حمار حتى صار بالقرب من زوجته فقال لها: أستحي أن أقول أنا صلاح فتفرست فيه فعرفته، ولكن استغربت منه فقد لحيته، فسألته عنها فقال: نتفتها في الحمام وأعطيتها دفعة من ثمن العجل للعايق ابن الحرام، أنه دخل ولبس ثيابه ورقد في فراشه ونام.

    أما الزيبق فإنه في الغد أحضر جملة من أولاد الصغار وقال لهم: خذوا هذا الدينار واقصدوا الحارات والأسواق ونادوا بأعلى صوتكم أن علي الزيبق عمل منصفاً على المقدم صلاح في الحمام ونتف لحيته وأخذ ثيابه وأخرجه حافي الأقدام.

    وصار الأولاد ينادون بهذه المناداة، في الأزقة والشوارع وعلى أبواب والمنازل وفي كل مكان، وشاعت هذه الأخبار وما زالت حتى بلغت مسامع عزيز مصر، فغضب وسأل وزيره عما سمعه عن المقدم صلاح فقال: لا أدري ولا عندي خبر في ذلك، وكان صديقاً لصلاح لأنهما كانا مشتركين في المظالم وارتكاب الجرائم، فأرسل العزيز يطلبه، فقام من فراشه غاضباً وتوجه إلى ديوانه ومعه من المقدمين جماعة، ولما دخل أمره العزيز بالجلوس، وكان من شدة الخجل يتمنى أنه لم يكن قد ولد، فلما رآه العزيز ووزيره تأكد لهما ما سمعا عنه من الأخبار فصارا بضحكان عليه وهو يوشك أن يذوب من شدة القهر، فقال له العزيز: أنزل عنك هذا اللباس يا صلاح، لقد كشف عنك هذا اللثام لكي تستطيع الافصاح في الكلام قال: لا يمكنني ذلك أنني أخاف أن يأذيني البرد وقد أوصاني الطبيب حشيش أن لا أرفع اللثام إلا بعد شهرين، فقال الوزير قد بلغنا أنك فقدت لحيتك في الحمام بسبب خضاب عمله لك غلام، وهذا الخبر قد شاع في جميع البلد فأصدقنا جلية الخبر، فقال صلاح: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم حدثهما بقصة الزيبق وما لعبه عليه من المناصف.

    فقال الوزير: أنه من أكبر العيوب غلاماً يلعب عليك هذه المناصف وأنت تقدر عليه، فلا شك اذا أهملت أمر هذا الغلام يتغلب عليك ويأخذ منك المنصب والمقام، فقال صلاح: إنني مرتاب في أمر هذا الولد، ولكن لا بد أن أدبر وأعمل على هلاكه وأستريح من شره، وقد قام صلاح بعد ذلك وخرج من عند العزيز إلى القاعة.

    وكان الزيبق قد سبقه إلى بيت الحطب ليسمع ما يجد فجلس صلاح وتنهد وقال للمقدمين: إنني قد صرت في حيرة من فعل هذا الشيطان. فقالوا: الرأي عندنا أن نلبس زي التجار ونطوف في الأسواق ونراقب سماسرة اليهود الذين يطوفون في البلد، وكلما ظفرت بواحد منهم تطلب منه أن يريك ما معه من البضائع كأنك تريد أن تشتري شيئاً من ذلك البائع فلعلك بهذه الوسيلة تفع على بعض ما فقد لك من الأمتعة، لأنه يمكن أن يكون العايق قد باعها، لأنه من أصحاب الميسرة ولا يركن أن يبيعها إلا لمثل هؤلاء، فاذا عثرت على شيء من ذلك فإنك تستدل من اليهودي على أخبار الغريم ومكانه.

    وكان اليهود يطوفون في بيوت التجار ويشترون ما يقع لهم من الثياب الملبوس ويبيعوها للناس في الأسواق، فاستصوب صلاح رأي المقدمين وقام من وقته ولبس زي التجار وخرج إلى السوق.
    وأما الزيبق فإنه استأذن من الأسطى رجب بالذهاب إلى السوق، فأذن له وكان قد سمع ما عزم عليه صلاح، فجاء إلى منزله ولبس زي يهودي وعمل زوالف طويلة، وأحضر خرجاً ووضع فيه ملابس وأقمشة ومعها خمس قطع من ثياب المقدم صلاح وصار يبيع ويشتري منتقلاً من دار إلى دار، إلى أن دخل سنجق من السناجق الكبار، فأقبلت زوجة السنجق مع جواريها يتفرجن على بضاعته التي يدور فيها، فقال لهن: اذا كان عندكن شيء من الثياب القديمة فأنا أشتريها.. فقلن له: نعم.. وقمن ليأتين ببعض الملبوسات القديمة، فغافلهن وسرق وجه مسند مزركش بالفضة ووضعه بخرجه وخرج من تلك الدار. ولما أتين له بما عندهن من الثياب لم يجدنه، فحانت منهن التفاتة فلم يجدن وجه المسند، فغضبت زوجة السنجق من ذلك وقالت لجواريها: إذا رأيتم أحداً من اليهود دخل هذا المكان فاضربوه حتى العدم. وأما الزيبق، فإنه لما خرج من تلك الدار، راح يتجول في الأسواق والشوارع حتى التقى بصلاح، فناداه صلاح وقال: ماذا معك يا يهودي من البضائع؟ قال: معي شيء كثير، وفتح له الخرج فرأى صلاح فيه أكثر ثيابه، فعند ذلك غاب عن صوابه وقبض عليه وقال: أخبرني يا يهودي من أين اشتريت هذه الثياب؟ وإن لم تدلني على الرجل الذي اشتريتها منه قطعت عنقك، لأن هذه ثيابي وأنا المقدم صلاح الدين..

    قال : إني اشتريتها يا مولاي من بعض البيوت ورأيت هناك سلاحا وثيابا ثمينة، ولكن نفد ما كان معي من المال، فقال صلاح: أرني تلك الدار. قال: إنهم ينكرون عليك ويطردونك إذا دخلت في هذه الثياب، ولكن إن شئت البس ثيابي وأنا ألبس ثيابك وندخل وتنظر بعينيك وأنا أنتظرك على باب الدار. فاستصوب رأيه، وقصد مكاناً خالياً وخلع ثيابه ومشي معه حتى أقبلا على بيت السنجق، فقال: يا سيدي هذا هو باب الدار.

    ودخل صلاح في تلك الثياب وهو ينادي كاليهود، ولما صار داخل الدار أغلقوا عليه الباب وقالوا له: أرنا بضاعتك يا يهودي، وأخذوا منه الخرج وصرن يتفرجن عليه وينظرن ما فيه من الأقمشة فوجدن وجه المسند المسروق بين تلك الحوائج فصحن البشارة لك يا مولاتنا هذا هو وجه المسند وهذا هو اللص الذي سرقه، فخرجت زوجة السنجق ورأت وجه المسند فعرفته، فصاحت عليه: جئت يا خبيث أول مرة وسرقت هذا الوجه وقد غرك الطمع حتى جئت سرق ما تصل يدك إليه، وبعد ذلك أمرت جواريها وعبيدها أن يقبضوا عليه ويضربوه، فنزلوا عليه بالبوابيج والقباقيب، هذا وقد ارتفعت الضجة، فسمع الزيبق الصياح فعلم أنهم قبضوا على المقدم صلاح فخرج يركض حتى دخل على والي البلد وقال له: يا مولانا إن بعض اللصوص دخلوا إلى دار السنجق، وقد سمعت ضجيجاً قد علا من تلك الدار وانتشر فأتيت لأعلمك بهذا الخبر.

    فقام الوالي مسرعاً، وأخذ معه عدة أنفار وقصد تلك الدار فدخل وسأل عن الخبر، فقالت زوجة السنجق قد بلينا هذا النهار بلص كبير وأخبرته بقصة وجه المسند المفقود فأمر غلمانه أن يقبضوا عليه ويكتفوه، وأخرجوه من الدار، ولما صار خارج الباب قال للوالي فكني من الاعتقال المهين فأنا المقدم صلاح الدين، فلما سمع كلامه عرفه وفكه من الوثاق وقال: ما خبرك؟ ومن أتى بك إلى هذا الزقاق؟ فأبدى له طرفاً من القصة وسار حتى دخل إلى قاعته وهو في ثياب اليهود وزوالفه صارت مكان لحيته.

    وكان الزيبق قد سبقه إلى بيت الحطب لينظر ما يكون فدخل عليه جماعة من رجاله فرأوه مدهوشاً كالمجنون، فقالوا له: ماذا دهاك يا مقدم؟ هل وقفت على أخبار العايق؟ فقال لهم: نعم إنني بحسن تدبيركم بلغت غاية المقصود، وقص عليهم القصة وما جرى له، فانذهلوا جميعهم من هذه الأمور ووقعت هيبة الزيبق في قلوبهم وتعجبوا من غريب مناصفه.

    ولما أعيت صلاح التدابير ورأى أن لا طاقة له بمقاومة ذلك البطل التفت إلى المقدمين وقال لهم: قد بدا لي رأي وأظن أنه صائب، وإذا تم أنال ما أنا طالب، وهو أنه في صباح الغد تظهرون أنني قد مت، وتذيعون هذا الخبر، وتصنعون لي كل ما تصنعه الناس للميت وتكتمون أنتم هذا الأمر، وإن طلبت حريمي أن تراني فامنعوهن وقولوا إن المقدم أمرنا قبل موته أن لا ندع أحداً يدخل عليه ولا يقربه ولا ينظر إليه، وأحضروا لي مغسلاً يكون من أغفل البشر ليتم هذا الملعوب على أعين الناس ويتأكدون من هذا الخبر، وبعد ذلك تضعوني في النعش وتحملوني إلى التربة، وعند إنفضاض الناس تأتون بي في الظلام وأختفي في القاعة عدة أيام، وأنا أعلم أنه متى تمت هذه الحيلة لا بد للزيبق أن يتظاهر بين الناس، وحينئذ يسهل علينا أمره ونقبض عليه بهذه السهولة، فلما سمعوا منه هذا الخطاب رأوه عين الصواب، وبعد ذلك قال لهم صلاح: لا بد لي أن أعلم العزيز بهذه القضية وأطلب منه كتمان هذا السر عن جمع الحواشي، ثم نهض وتوجه إلى ديوان العزيز وأخبره بما عزم عليه من العمل، وعاد إلى قاعة الزعر وأخذ يتحادث مع جماعته في استعمال ذلك المكر.

    وأما الزيبق فإنه لما عرف مرادهم توجه إلى منزله وعند الصباح لبس ثياباً قذرة وأظهر على نفسه البلادة، وتوجه إلى قرب مكان المغسلين وجلس بينهم وطأطأ رأسه وأرخى شفتيه فكان منظره يشهد له بأنه أغفل المغفلين.

    وأما ما كان من المقدمين فإنهم غطوا صلاح بملاءة ووضعوه على فراشه مربوط الشمال باليمين، وصاروا يبكون عليه وقد علا منهم الصراخ وهم يقولون: ليتنا كنا فداك يا مقدم صلاح..

    وبلغ الناس خبر موت صلاح، ففرحوا وشمتوا به لأنه ظالم، ولكنهم حياء من الزعر صاروا يتوافدون أفواجاً ويأخذون بالخاطر وإذا طلب أحدهم الدخول عليه يمنعه المقدمون عن ذلك، وبلغ حريم صلاح الخبر فشقوا ثيابهم وصحن سلامتك يا مقدم من هذه الداهية، ثم حضرن إلى القاعة وطلبن أن يدخلن لتوديعه فمنعوهن وقالوا لهن أن المقدم أمرنا قبل موته ألا ندع أحداً يدخل عليه وفي ذلك الوقت، ذهب رجلان من المقدمين يدوران على المغسل المغفل، كما أمر صلاح. فقصد ساحة المغسلين فنظروا الزيبق وهو على ذاك المنظر، فلما نظرهما عرفهما، فأمال عنقه وأدلع لسانه وفتح فاه. ولما وقعت أعينهما عليه، قالا لبعضهما: إذا طفنا جميع أسواق مصر، لا نجد رجلاً يوافق مطلوبنا مثل هذا الأبله. فتقدما إليه، وقالا له: تعال يا عزام وغسل لنا الميت في الحمام. فقال سمعاً وطاعة، ومضى معهما حتى دخل القاعة، فلما نظر المقدم لطم على وجهه وصار يبكي كأنه يتأسف عليه.

    فقالوا له: ما بالك تبكي يا غلام؟ فقال لهم: هذا كان يعطيني إحساناً ويغمرني بالإنعام.
    وكان الزيبق يضرم النار حتى على الماء وارتفع منه البخار، فأخذ الطاسة وملأها ماء وصبها على وجهه فلدغته الحرارة، ولكنه لم يقدر أن يتحرك لكي تتم حيلته هذا والمقدمون يقولون له اغسل عنقه ويديه وطهر أفخاذه ورجليه ولا تكثر له حشو القطن في أذنيه وأنفه ولا من قدامه ولا من خلفه.

    قال نعم وأخذ يغسل عنه وقد وضع فمه على أذنه وهمس إليه قائلاً: أنا هو العايق، وقد اطلعت على مكرك وإن فتحت فمك جعلت خنجري عوض القطن في طرفك، خاف صلاح وأخذته الرعدة، وقال في نفسه كلما عملنا حيلة على هذا الشيطان ترجع علينا بالويل والخسران.

    وبعد ما غسله الزيبق قالوا له: ارفع رجليه وشطفه، فرفع الزيبق رجليه وملأ الطاسة ماء غالياً ورشقه بين أفخاذه فتألم صلاح من حرارة الماء وظن أن الخنجر قد لعب في أمعائه، ونهض كأنه المجنون فهرب الزيبق في الحال وهو يقول:
    ياللداهية الدهماء، كنا نغسل اموات، فصرنا نغسل الأحياء. وأما صلاح فإنه سحب نفسه إلى المحل الذي فيه الناس. فلما رأوه هنأوه بالسلامة، وقالوا نحمد الله على زوال اليأس.
    وأما الزعر فإنهم صاحوا بأعلى الأصوات الحمد لله على قيام مقدمنا بعدما كان مات وشاع الخبر في المدينة، أن المقدم صلاح قد صحا من سكرة الموت، وأما المقدمون الذين كان عنده خبر هذه الحيلة، فإنهم دخلوا عليه وعنفوه على عدم صبره فقال لهم: إن ذلك المغسل قد ضايقني، ولو أني صبرت قليلاً كان أرقني، فقالوا إننا وجدناه من أغفل أهل الأرض. فقال: لعنة الله عليكم وعليه، أنتم أتيتم لي بالشاطر علي الزيبق، الذي خلق بالمكر قبل أن يخلق. فقالوا إن هذه الوقاحة عين العياقة، فلربما يكون هذا الغلام مخاوياً بعض العفاريت.

    ثم قال لهم: خذوا أنتم الحذر على أنفسكم، وأنا لا بد لي أن أقبض على هذا الشيطان، ثم تركهم وخرج من القاعة.


    يتبع..

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    وأما الزيبق فبعدما فعل تلك الفعال قال في نفسه أن هذا المكان ما عاد يلزمني لأن لي طريقاً غير هذا ينبغي أن أعتمد عليه، فخرج كالنشاب وغير ثيابه وتقلد بسيفه من تحت الثياب وصار يتجول في الأسواق. وبينما هو ذات يوم يطوف سمع ضجيج ازدحام فتقدم ليكشف الخبر فوجد صبية كأنها البدر التمام، وقد قبض عليها رجل متقلد بالسلاح فيقول لها: امشي قدامي، وهي تصيح وتقول: أين أصحاب النخوة، أما فيكم أحد ذو غيرة على الحريم يخلصني من يد هذا الظالم اللئيم؟ فقال الزيبق في نفسه آه يا أندال أين نخوة الرجال ثم تقدم إليها، ولما نظرته صاحت بأعلى صوتها أنا في جيرتك يا فتى الفتيان خلصني من هذا الرجل.

    وكان الزيبق صاحب نخوة ومروءة فصاح على الرجل، وقال اطلق سبيل هذه الصبية وإلا سقيتك كأس المنية. فقال له الرجل: اذهب في طريقك ولا تتعرض فيما لا يعنيك، فهجم عليه الزيبق وضربه بالعصا فوقعت على كتفه، ثم وضع يده على قبضة سيفه المستتر تحت الثياب فولى الرجل هارباً كالكلاب وتبعه الزيبق فصاحت عليه الصبية قائلة:
    ارجع يا فتى ولا تنجس سيفك بدم هذا الكلب. فرجع عنه والصبية تدعو له بالستر، ثم قالت له: قد صار لك علي جميل فأريد من فضلك توصلني إلى البيت خوفاً من أن يلحق بي ذلك الرجل الخسيس. فقال لها: مرحباً بك وسار معها حتى أقبلت إلى باب دار كبيرة ففتحت الباب وقالت: تفضل.

    فقال: لا حاجة لي بالدخول، أما أنت فقد أمنت على نفسك.
    قالت: أتوسل إليك أن تدخل وتستريح قليلاً لأقوم بواجب الضيافة تجاهك فامتثل إليها ودخل معها الدار، وطلعت به إلى قاعة عظيمة مفروشة بأغلى الرياش، فجلس وقالت له الصبية: ها أنا بين يديك فاطلب ما تشاء. قال أنا لا أريد ثواباً على فعل الخير إلا من رب السماء ولكني أريد منك شربة ماء، فقدمت له الماء، وبعد أن شرب سمع ضجة على باب الدار، فنظر الزيبق من شباك القصر فرأى الوالي ومعه نحواً من خمسين أزعر، وبينهم الرجل الذي كان قابضاً على الصبية وهو يقول للوالي: إن في هذه الدار صبية عاهرة تقصدها كل يوم فتيان البلد، والآن صاحبها عندها في القصر.

    فقال الوالي: أنا أعهد هذه الدار أهلها من الأحرار، فان كان حقيقة ما تقول فإني أشنقها وصاحبها على باب البلد، وإن كنت كاذباً فإني أشنقك أنت جزاء لكذبك.. ثم طرق الوالي الباب وقال: افتحي أيتها الجارية. فقالت ماذا تريد. قال: بلغني أنك تستعملين الدعارة في بيتك. وكان الزيبق سمع حديث الوالي مع الرجل، فقال لها: لا تخافي دعيهم يدخلوا فإني سأقطع رؤوس هؤلاء الكلاب..

    فقالت اذا قتلت الوالي ومن معه فهل تقدر على العزيز وصلاح الدين؟ فقال لها: إذن ما العمل؟ قالت: أنا أخبيك في هذا الصندوق لبينما تنصرف الرجال. فرضي بذلك خوفاً عليها من الفضيحة، وفتحت الصندوق وأدخلته فيه وأخذت المفتاح، وبعد ذلك فتحت للوالي الباب فطلع بجماعته يدورون في القصر، ومازالوا كذلك حتى دخلوا القاعة التي فيها الزيبق، عندها قال الوالي للرجل: ها نحن فتشنا كل مكان في هذا القصر ولم نعثر على الرجل. فقال إن صاحبها لا بد أن يكون في هذا الصندوق . فقال لها الوالي افتحي هذا الصندوق لنرى ما فيه، قالت: هذا صندوق ثيابي ومجوهراتي، لا أريد أحداً أن ينظره..

    قال: لا بد لك أن تفتحيه وإلا نكسره، قالت خذ المفتاح، فحاق الزيبق وانحطت قواه، وعندها فتحوا الصندوق وانقض الرجال على الزيبق وأوثقوه من يديه، ثم نزع الوالي القناع عن وجهه فاذا هو المقدم صلاح الدين.

    وكان السبب في ذلك الملعوب أن صلاح الدين لما خرج من قاعة الزعر دخل على أخته وهو غضبان، فسألته عن سبب غضبه فحدثها بجميع ما تم عليه من الزيبق، وكانت أخته أمكر منه فقالت له: كن مطمئن الخاطر فأنا أقوده اليك ذليلاً حقيراً، واتفقت معه على هذا التدبير، فاستحسن رأيها وأمر أحد المقدمين أن يقوم بتمثيل هذا الدور. ثم لبست تلك الثياب الفاخرة وخرجت ومعها ذلك المقدم إلى السوق وأمرته متى رأى الزيبق يقبض عليها كما تقدم، لأنها تعلم أن الزيبق ذو نخوة وحمية، وكان ما كان بينهما حتى ظفر به صلاح الدين. وكان عند صلاح الدين عيد عظيم، وتقدم من الزيبق ولطمه لطمة على وجهه وقال له: لقد وقعت في الشرك يا عدو الله، أما كفاك ما فعلته معي من المكر والخداع حتى عملت على نتف لحيتي ونزع كرامتي وأنت مع كل ذلك لم تستوف ثمن العجل، والله لا بد لي من قتلك على رؤوس الأشهاد حتى أشفي منك عليل الفؤاد.

    ثم أمر رجاله أن يركبوه على حمار ويدوروا به في الأسواق، ويقولوا هذا جزاء أهل البغي والنفاق، وبعد ذلك يأخذوه إلى الرميله ويشنقوه ويعلقوا على صدره رقعة مكتوب عليها: هذا علي الزيبق الذي لا يعرف أباه فليعتبر به من يراه. ثم أركبوه حماراً وطافوا به في الأسواق وهو صامت، وقد شاعت هذه الأخبار في البلد، وخرج الناس لينظروه فمنهم من يشفق عليه ومنهم من يقول يستحق الشنق.

    أما الزيبق فقد قطع من سلامته الأمل وصار يلوم نفسه كيف تم عليه ذلك المنصف، وبعد ذلك طافوا به في البلد وأخذوه إلى الرميله وشدوا الحبل في عنقه وعزموا على شنقه، وإذا بصرخة دوى لها ذلك المكان وارتجفت لها قلوب الشجعان وقائل يقول: قفوا أيها الناس فقد أتاكم الفارس الدعاس الذي قهر الفرسان أحمد بن البني. ثم أن ذلك الفارس انقض عليهم انقضاض الأسد الريبال وصدمهم بقلب أقوى من الصوان ومال عليهم بحسامه الأبتر كأنه أبو الفوارس عنتر، وقتل منهم رجال كثيرون.

    ولما نظر صلاح الدين فعل هذا الجبار خاف على نفسه من الدمار وفر هارباً،ثم أن هذا الفارس تقدم إلى الزيبق وفكه من العقال وأخذه من يده وخرج، فشكره الزيبق على جميله وأراد أن يتوجه إلى حال سبيله، فما مكنه من ذلك بل سار به حتى أوصله إلى البيت، فاشتدت بالزيبق الهواجس وقال:
    من أين يعرفني هذا الفارس؟ وإذا بذلك الفارس مد يده إلى أذنه وفركها وقال له: لو كان لي ولد سواك لتركتك في قبضة عداك، ثم أسفر عن وجهه اللثام فاذا هي أمه فاطمة، فتعجب من هذه الأهوال وتقدم منها وقبل يدها ورجلها، وقال: حياك الله يا والدتي، لولاك لكان أهلكني هذا اللعين. هكذا تكون الأمهات وإلا فلا. وكانت فاطمة قبل زواجها بأبيه حسن رأس الغول قد بارزت أحمد بن البني، وكان من أشد الفحول فنالت عليه الغلبة وقتلته وكتمت أمره ولما كان ذلك اليوم، غيرت ثيابها وركبت جوادها، والتقت بالقوم وخلصت ولدها من الهلاك..

    وبعد ما حضرت به إلى البيت، سألته أن يخبرها عن صدق ما جرى بينه وبين صلاح الدين، فأخبرها بكل ما فعل عن تلك المناصف والحيل، فقالت له: أنني قد اجتهدت في تهذيبك غاية الاجتهاد فما استفدت شيئاً، ومن حيث أنك على هذه الطوية صار ينبغي أن تتوجه إلى الاسكندرية وتدخل على أكبر المقدمين وهو أحمد الدنف، فهو يشدك ويقر لك بالشطارة والعياقة ويلبسك حلة من ثياب المقدمين، اذا كنت من أتباع أحمد الدنف نلت ما تريد، ثم دعت بالعبد سالم فحضر فقالت له: لماذا أخفيت علي أمر ولدي؟ قال: لو كنت أعلم أن ولدك يطلع هكذا لتركت البلد وتوجهت إلى بلد آخر.

    فقالت له: قم الآن وخذ ابن مولاك إلى الاسكندرية وأدخله على أحمد الدنف، وكان أحمد الدنف صاحب مكر وخداع، وله أفعال تعجز عنها صناديد الرجال، وكان مقدم درك في بغداد في زمن هارون الرشيد ، وبقي هكذا حتى ظهرت دليلة المحتالة ولعبت عليه كثيراً من المناصف وأخذت منه المقام. وكان أصله من الاسكندرية فرجع إليها، وترك بغداد ورجع مع باقي المقدمين وهم حسن شومان وحسن رأس الغول وهو أبو الزيبق وشحادة أبو حطب، فامتثل سالم أمر مولاته، وسارا كلاهما قاصدين الاسكندرية حتى وصلا إلى دار أحمد الدنف، فدخلا عليه وقبلا يديه وحدثه سالم بقصة ابن مولاه وما فعل، وما جرى بينه وبين صلاح من المناصف والحيل، فقال أحمد: عافاك الله يا زيبق، مهما فعلت فهو قليل، لن أباك كان أشطر ممن شرب ماء الفرات وماء النيل. فضحك الزيبق واحتسب كلامه على سبيل التجميل لعلمه أن أباه نور الدين، اذ لم يكن عنده الخبر اليقين.

    قال له: يا مولاي، إن أبي من المشايخ المدرسين لا من العياق المقدمين. فقال أحمد: أتعلم من هو أباك؟ قال: هو الشيخ نور الدين.. فتبسم أحمد وقال: لا.. إن أمك فاطمة هي بنت نور الدين، وأبوك هو حسن رأس الغول، وأن صلاحا قتل أباك بالسم وكان شريكا معه في المقام وقص عليه الخبر بالتمام.
    قال الزيبق:
    اذا كان الأمر هكذا على خلاف ظني، فلماذا كانت أمي تخفيه عني. قال: من خوفها عليك، لأنك سمعت هذه الأخبار أن ترمي نفسك في الأخطار.
    ولما سمع الزيبق هذا الكلام غاب عن الصواب وقال: سوف يبلغك عني ما أفعله مع صلاح، ولا أدع دمي يذهب أدراج الرياح..
    وكان من جملة الحاضرين المقدم حسن شومان وشحادة أبو حطب، فاستغربا ما سمعا من كلامه وشاهدا من شجاعته العجب، وبعد ذلك طلب من أحمد الدنف أن يشد فالبسه حلة المقدمين وقال: "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله".

    ثم إن الزيبق ودعهم وسار هو وسالم حتى وصلوا إلى مصر، فدخل على أمه فاطمة وقبل يديها، ثم أخذ يلومها على كتمان خبر أبيه فاعتذرت إليه وقالت: إني كنت أخاف عليك من غدرات الزمان، واذا قد عرفت الآن جلية الخبر فافعل ما تشاء، وأنا إن شاء الله أبذل الجهد في مساعدتك على نوال قصدك. فقال أنا مرادي أن أكمن هذه الليلة عند بركة الأفيال، لأنها مفرق الطرقات، ولا بد أن صلاح يمر من تلك الجهات فأبطش به وآخذ بثأر أبي منه.

    وقال سالم: وأنا أيضاً أكون لك مساعداً من الآن وصاعداً ما عدت أفارقك أبداً. ثم إن فاطمة أخذت ولدها ودخلت به إلى بعض المخادع وأرته سلاح أبيه الذي كان يستعمله في خوض الأهوال، وأعطته السيف المعروف بقطاع المحاذل، ودبوسه ومفرده الذي كان يومي به إلى الأسطحة، ثم أضافت إلى ذلك أصنافا من المزاريق والحراب والقوس والنشاب وأدوات التنكر من الوجوه والثياب والبنج والنقط الذي يلتهب من أدنى حرارة، وعلمته استعمال جميع هذه المهمات، ودعت له بالتوفيق والنجاح.

    فقبل يدها وشكرها على هذا الانعام، وقال لا بد من قتل صلاح في هذا الظلام، وأخذ المنصب منه والمقام، فقالت: عسى أن تساعدك الظروف على أخذ الثأر من هذا الغدار..

    وقد صبر الزيبق إلى قرب منتصف الليل، وقام ولبس سلاحه وتوجه مع سالم حتى أقبلا على بركة الأفيال وكمنا هناك، وما مضى برهة حتى أقبل صلاح ومعه مائة أزعر، فلما نظرهم الزيبق أوقف سالماً مكانه وتقدم فشعر به صلاح فأشعل النفط فرأى غلاماً واقفاً في عرض الطريق وهو متقلداً بأنواع السلاح، فنادى صلاح من بالطريق؟ فرد عليه بصوت مهول، ابشر يا فساد الدين، فقد أتاك علي الزيبق بن حسن رأس الغول، ولا بد من قتلك في هذه الليلة جهاراً، لا كما قتلت أبي بالخفية، ثم صرخ فيه صرخة كالرعد وحمل على الزعر الذين معه، فقتل منهم عدة أنفار، ووقع الرعب في الباقين فولوا الأدبار.

    هذا ولما رأى سالم من الزيبق تلك الفعال، انطبق على القوم ليعينه، ولما نظر صلاح ذلك اعتراه الاندهاش والرعب، وصار ينخي الرجال وهم لا يلتفتون إليه، ووصل الخبر إلى باقي الزعر وكثر على الزيبق وسالم العدد، وصبرا على الاهوال وقتلوا جماعة من الزعر ما ينوف عن الخمسين، وبعده ضعفت قواهما فقتل سالم في تلك الموقعة. وكان الزيبق قد كل ومل، فقال في نفسه إن وقفت أمامهم قتلوني لأن عددهم كثير وأنا وحدي، فتقدم إلى سالم واحتماه ميتاً وصار يعدو به وهم يعدون وراءه ليمسكوه فلم يدركوه، ولم يزل مجداً في سيره حتى دخل على أمه وأخبرها بواقعة الحال ففرحت بسلامته ولكنها حزنت على سالم.

    ولما بزغ الصباح قال لأمه: أريد أن أقصد الخزنة هذه الليلة واختلس ما يقع تحت يدي من المال. فلبس ثياب الفقراء وغير هيئة وجهه ومشى حتى أقبل على بركة الأفيال، فرأى صلاح وجماعة من الزعر يحملون قتلاهم، وأما الزيبق فانه أخذ زنبيلاً وملأه بالحشيش وتوجه إلى القاعة وعلى كتفه ذلك الزنبيل..

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المكان
    معتقل في مكان ما
    الردود
    3,124
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة عمر بك عرض المشاركة
    ربما لم ترَ أن هذا الموضوع نقل من كتاب !

    شكراً كزبرة .
    Omar Bey

    ثم ماذا؟!

    وهل كل من نسخ مقتطفات من كتاب صار مكانه حديث المطابع؟
    أعتقد ان حديث المطابع يهتم بتعريف الأعضاء على كل جديد مفيد من الكتب المطبوعة، لا أن ينسخ "قصة" نسخا كاملا بدون ان يكلف الكاتب نفسه حتى عناء ان يعلق عليها شارحا كيف ابتدأت ومن المؤلف وغيرها.

    على كل حال لست من رواد حديث المطابع لذلك لا يهمني كثير ببقاء الموضوع أم غيره.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المكان
    الباب العالي
    الردود
    1,272
    كعبلون

    النقل لا يخرج عن نقل مقالة أو كتاب , فأما المنقول من المقالات فهو إلى شتات أو صيد الشبكة , والمنقول من الكتب فهو إلى حديث المطابع سواءً علق عليه الناقل أو لم يعلق ! وهذا حسب ناموس الساخر الذي فهمت !!

    وبالطبع النقل من كتاب من أجل استدلال أو توضيح في موضوع ما ليس المعني هنا !

    أما عن مؤلف سيرة علي الزيبق , فهي من الحكايات التي دارت على ألسنة الحكواتيين (مثل تغريبة بني هلال و وسيرة عنترة) , و الحكواتي (كما هو معروف) يزيد في الحكاية بغرض إمتاع السامعين , ولذلك ضاع أصلها واسم مؤلفها !

    ولاشك أن المطابع ستسعد بزيارتك في أي وقت

    عذراً كزبرة .

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة كعبلون عرض المشاركة
    Omar Bey

    ثم ماذا؟!

    وهل كل من نسخ مقتطفات من كتاب صار مكانه حديث المطابع؟
    أعتقد ان حديث المطابع يهتم بتعريف الأعضاء على كل جديد مفيد من الكتب المطبوعة، لا أن ينسخ "قصة" نسخا كاملا بدون ان يكلف الكاتب نفسه حتى عناء ان يعلق عليها شارحا كيف ابتدأت ومن المؤلف وغيرها.

    على كل حال لست من رواد حديث المطابع لذلك لا يهمني كثير ببقاء الموضوع أم غيره.
    والله أنا شخصيا أتفق معك يا كعبلون بيه
    وأشوف أنه الكتاب وصاحبته أهبل من بعض
    لكن اذا تقدر تثبت أنه هل الموضوع هو الشغلة الوحيدة العوجا بهل العالم
    فأنا مستعدة أشتته وصاحبته تكرم عيونك كم كعبلون عندنا
    بس اش بدنا نعمل
    ناس فاضية لا مخ ولا فكر تحليلي تحسها آلة طابعة لا حس ولا فهم نازلة نسخ بهل الكتب بس
    فمالك غير تفوض أمرك لله
    To be or not to be
    That is the question


  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المكان
    معتقل في مكان ما
    الردود
    3,124
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة Ophelia عرض المشاركة
    والله أنا شخصيا أتفق معك يا كعبلون بيه
    وأشوف أنه الكتاب وصاحبته أهبل من بعض
    لكن اذا تقدر تثبت أنه هل الموضوع هو الشغلة الوحيدة العوجا بهل العالم
    فأنا مستعدة أشتته وصاحبته تكرم عيونك كم كعبلون عندنا
    بس اش بدنا نعمل
    ناس فاضية لا مخ ولا فكر تحليلي تحسها آلة طابعة لا حس ولا فهم نازلة نسخ بهل الكتب بس
    فمالك غير تفوض أمرك لله
    لك آآآخ لا تذكريني بالعوجا الله يرحم والديك.. السنة هذه محبوس وما رح انزل عالصيف!! رح ننحرم العوجا ( العقابيّة بلهجة أهل حلب)..

    "طيب لو اثبتتي ان هذا الموضوع هو الشيء الوحيد المستقيم في العالم، ثم نظرت إليه من منظور اعوج سيظهر لك ان الشيء الوحيد الأعوج في العالم.."
    قاله مفكر حمصي... اقصد حموي (شنو الحماصنة هلق صاروا من العائلة المالكة.. وصارت النكتة عليهم تعتبر نكتة سياسية!)

    أوفيلية شكرا لتعاطفك معي.. وشكرا للمشرف عمر بيك لعدم تعاطفه معي

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    العماء
    الردود
    120

    شكرا...

    شكرا يا كزبرة..
    أنا أنتظر البقية...

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533

    Cool يتبع نكاية بكعبلون وأوفيليا

    وراح يتفرس بنظره في القاعة فرأى الخزينة وهي بجانب القلعة فصار يتأمل ويحقق النظر فيها حتى علم كيف يستطيع الدخول إليها، وذلك عندما رأى شباكاً من الحديد يعلو عن الأرض عشرين ذراعاً، فقال في نفسه لا شك أن الدخول يكون من هذا الشباك، ثم أنه أشغل نفسه ببيع الحشيش خوفاً من أن يطلع على أمره أحد، ثم توجه إلى منزله وصبر إلى منتصف الليل، فلبس سلاحه من تحت الثياب وأخذ ما يحتاج إليه لتدبير عمله، وسار حتى وصل إلى القاعة فرأى الأبواب مغلقة والغفر يدورون حولها.

    فلما رآه الغفر شك بأمر وأراد أن يقبض عليه، فقال له الزيبق لا تخف لقد جئتك ببشارة عظيمة، ثم دنا منه ولاطفه بالكلام ثم أعطاه تفاحة مشغولة بالبنج وما أن استقرت في جوفه حتى وقع على الأرض.

    وقال الزيبق ورمى سلم التسليك وصعد عليه حتى وصل إلى الشباك فتناول الكماشة من الحرندان وخلع مسامير العوارض ثم خلع الشباك وألقى نفسه وصار داخل الخزنة، فأطلق النفط فوجد كثيراً من صناديق المال فأخذ منها صندوقا واحدا ووضعه في الحرندان وخرج من الشباك ثم أعاده كما كان وعاد إلى البيت وأخبر أمه بما كان فانسرت من عمله، وعند الصباح قام ولبس ثياب الفقراء وأخذ بيده زنبيلا من الحشيش وتوجه إلى قرب القلعة يتجسس الأخبار.

    وأما ما كان من وكيل الخزنة فإنه دخل عند الصباح فوجد صندوقاً من المال مفقوداً، فهرع وأخبر العزيز بذلك، فقال العزيز ووزيره ودخلا دار الخزينة فوجدا أن صندوقا من المال مفقوداً، فسأل العزيز الخزندار هل غفلت ليلة البارحة عن قفل الباب؟ قال: هذا مستحيل يا مولاي؟ فطل العزيز صلاح وأخبره بأنه فقد صندوقاً آخر من المال وقال: إنه لا يتجاسر على ذلك إلا صاحبك العايق الجديد، وما دعاه إلى هذه الجسارة إلا طمعه بأخذ المنصب منك. وأنا أقول لك يا صلاح إن لم يكن لك طاقة بمقاومته وبأنه توفيه بقية ثمن العجل فأنا أوفيه عنك، فقال صلاح: أمهلني ثلاثة أيام، وأنا أحضره ذليلاً إلى بين يديك.

    ثم توجه صلاح إلى القاعة وجمع المقدمين وقال لهم: إنني قد صرت في حيرة من أعمال الزيبق، وحكى لهم عن فقدان الصندوق، وما قال له العزيز، ثم قال لهم: الرأي أن يخرج مائة رجل هذه يطوفون حوالي القلعة، وأنا آخذ مائة رجل وأتوجه بهم إلى الرميلة، فإذا رأينا أثر هناك نرسل نعمل الرجال المحافظين على القلعة فيأتون إلى معونتنا ويسدون عليه الطريق فيصير هو في الوسط وبهذه الوسيلة يسهل علينا قبضه فاستصوب المقدمون رأي صلاح وعملوا به.

    أما الزيبق ، فإنه لما رأى الرجال تطوف حوالي القلعة تقدم إليهم وهو في زي فقير وأخذ يسألهم ويحتال عليهم في الكلام حتى عرف أفكارهم ثم توجه إلى داره. ولما انتصف الليل تقلد حسامه وخرج خفية إلى نواحي الرميلة فوجد صلاح هناك وبصحبته مائة رجل فقال: لا بد أن أكيدهم على هذه الحيل، وعاد إلى نواحي القلعة بانتظار الخبر من صلاح، فصاح عليهم الزيبق بصوت عظيم أدركوا يا قوم مقدمكم فإنه قد وقع بذلك الشيطان.

    حينئذ ترك الرجال القلعة وأسرعوا طالبين الرميلة، فلما خلي المكان من الناس رمى الزيبق السلم وصعد عليه وخلع الشباك ودخل وأخذ صندوقاً آخر من المال ووضعه في الحرندان وخرج كلمح البصر، ولم يتمكن من ارجاع عوارض الشباك خوفاً من أن يدركه صلاح ودخل منزله وهو في غاية الأمان.

    أما المائة رجل فإنهم أسرعوا في مسيرهم حتى أقبلوا على مقدمهم صلاح وقالوا له: جئناك حسب ما أمرت، فلما سمع كلامهم قام كالمجنون وقال: من أرسل يطلبكم حتى حضرتم؟ قالوا أنت أرسلت في طلبنا مع رجل صفته كذا وقعوا عليه الخبر، قال: أنا ما أرسلت أحداً في طلبكم والذي أخبركم لا شك أنه الزيبق.

    وأما وكيل الخزنة فإنه فتحها عند الصباح فرأى الشباك مخلوعاً وصندوقاً آخر قد فقد، فدخل على العزيز وأخبره عن فقد الصندوق فطلب صلاح وقال له: أنت قلت في ذلك اليوم أحضر الغريم وها في هذه الليلة فقد صندوقاً آخر، فتحير صلاح وطلب من العزيز أن يمهله يوماً آخر وأخذ من الخزندار مفاتيح الخزنة.

    وفي المساء أتى بخلقين (حلة) كبيرة وملأها قطران مغلي وأعاد الشباك إلى حالته الأصلية وقال في نفسه إذا جاء الغريم في هذه الليلة لا بد له من السقوط في (الحلة) فنكون انتهينا من هذه الحيلة.
    وأما الزيبق فإنه لما قصد القلعة في المساء لم يجد صلاحاً هناك، فأنكر الأمر وقال: لا بد لي أن أرجع لعند أمي وآخذ رأيها، ولما وصل إلى باب الدار لم يشأ أن يطرق الباب بل ألقى سلم التسلق على السطح ونزل إلى الدار، ولما اقترب من باب القاعة التي فيها أمه سمع صوت رجل غريب البلاد وأمه تتحدث معه وتقبله فاستعظم الأمر ودخل القاعة والغضب ظاهر عليه وقال: ما هذه الفعال يا فاطمة؟ ومن هذا الرجل! الذي تقبليه فقالت: هو خالك يا ولدي كان مسافراً وحضر هذه الليلة تقدم وسلم عليه.

    وكان الزيبق قد سمع من أمه أن لها أخين الواحد ناصر، والثاني منصور. كانوا مقيمين في البلاد الأوربية فمات ناصر هناك ورجع منصور إلى مصر وصادف قدومه في الليلة التي كان الزيبق مزمعاً على النزول إلى الخزنة وأتى إلى البيت ليستشير أمه ورأى ما رأى..

    وتقدم وسلم على خاله وحدثه بجميع ما جرى بينه وبين صلاح من المشاجرة والحيل، وكيف كان عازماً هذه الليلة أيضاً على أخذ صندوقا آخر من المال ولكن قلبه حدثه بوجود شيء أخره عن تنفيذ خطته.
    قال المنصور لا تخف يا ابن أخي، فأنا رفيقك هذه الليلة. ولما انتصف الليل خرجا قاصدين الخزنة، ولما وصلا إلى المكان القي علي السلم وأراد أن يصعد قبل خاله فمنعه المنصور قائلاً له أنا أدخل قبلك لأني أكبر منك سناً، وصعد منصور على السلم وقلب كأنه بهلوان فجاء في وسط (الحلة) وغرق في القطران، فصرخ آخ يا علي فظن علي أنه يوجد في الخزانة أحداً كامناً وضرب خاله.

    فاستل علي سيفه وصعد على السلم وألقى نفسه فجاءت قدماه على أكتاف خاله فقفز بسرعة إلى وسط الخزنة وأخذ يدور في جوانبها، عله يرى خاله مشتبكاً مع أحد فلم ير أحداً لشدة الظلام، فأطلق النفط فأنار المكان فرأى خاله في القطران وقد فارق الحياة، فعلم أنها مكيدة من صلاح فتنهد وتحسر على خاله، واحتار ما يقول لأمه، فقطع رأسه ووضعه في الحرندان ثم تناول صندوقاً من المال وخرج من ذلك المكان..

    ولما دخل على أمه وأعطاها الصندوق، سألته عن خاله، قال إنه سوف يحضر عن قريب. ولما أبطأ قدومه قالت: أصدقني عن خبر خالك يا علي، فقال لها: هذا هو خالي، ومد يده على الحرندان وأخرج لها رأس خاله، وأخبرها بالقصة، فلما سمعت كلام ولدها أظهرت الحزن والكآبة على أخيها، فقالت لولدها: إن موت خالك غمني جداً، ولكن يا ولدي أنا لا أبكي على الرأس وحده، فإذا كنت شاطراً من العياق فيجب أن تأتي بالجثة، فقال مرحباً بك يا أماه، اصبري حتى الصباح، وأنا أحضرها إن شاء الله.

    وأما صلاح فإنه لما دخل إلى الخزانة وجد تلك الجثة من دون رأس، فكاد عقله يطير من شدة الغيظ، خصوصاً لما وجد صندوقاً من المال مسروقاً، فلطم على وجهه وأمر بإخراج الجثة وأخذها إلى الرميلة، وقد أمر في تعليقها على المشنقة، وقال إلى بعض المقدمين: إن كل من يمر من هذا المكان ونظر إلى الجثة وظهرت عليه دلائل الحزن فاقبضوا عليه، فلربما يكون ذلك الشيطان الذي أقلق راحتنا بأفعاله..

    فامتثل المقدم أمره ونبه على جماعته بما أمر به صلاح، وكان الزيبق قد خرج في ذلك الوقت ليتجسس الأخبار، فبلغه خبر الجثة، وما عزم عليه صلاح من التدبير، فرجع إلى أمه وأخبرها بواقعة الحال، وقال لها اصبري قليلاً حتى المساء لأحضر لك الجثة..

    وقال له ما أنا صابرة، ولكن قصدي أن أخرج في هذا الوقت ابكي على الجثة وأرجع في الحال، فانظرني هنا لبينما أعود ، وقامت ولبست ثياب امرأة من الفلاحين وجاءت بجرة وملأتها بالزيت وخرجت بها إلى الرميلة، حتى صارت قرب الجثة، وهي طارقة رأسها في الأرض، وما زالت كذلك حتى لطمت الجثة برأسها فوقعت الجرة وانكسرت وسال الزيت على وجه الأرض، فصرخت عند ذلك يا ويلاه!.. يا أسفاه!.. فتقدم إليها بعض الرجال وقد رثوا لحالها وقالوا: ما دهاك أيتها المرأة؟

    قالت قد حملني هذه الجرة بعض خدم السنجق الفلاني حتى أوصلها إلى الدار وأعطوني أجرتي درهماً، وها أنها قد وقعت عن رأسي وانكسرت وأنا خائفة أن يقتلوني اذا علموا أن الجرة انكسرت، وما عندي مال لأشتري لهم غيرها، وإني جيرتكم يا شباب..
    فقال المقدم وقد شفق عليها، أعطوها يا فتيان كل واحد منكم درهما لأنها امرأة فقيرة، فجمع لها الزعر مائة درهم فأخذتها وصارت تدعو لهم بطول العمر ورجعت إلى بيتها وحكت لولدها بما فعلت..

    وقال: وأنا الآخر قصدي أن ألعب منصفاً في هذا الليل وأحضر لك الجثة، وعند المساء حضر صلاح إلى ذلك المكان، فحانت منه التفاتة فرأى الزيت تحت الجثة فقال ما هذا الزيت الذي أراه هنا؟ فحكوا له عما كان من خبر المرأة، فنفخ نفخة عظيمة وقال: خرب الله دياركم.. إن المرأة التي ذكرتموها هي العايق لا محالة، فأتى وضحك على الحاكم وبكى على ميته وأخذ منكم أجرة طريقه مائة درهم، ثم جلس معهم برهة يسيرة وذهب إلى قاعة الزعر بعد أن حذرهم.

    ولما كان الليل لبس الزيبق زي مكاري فقير، وملأ ضرفاً من الخمر العتيق ووضع فيه البنج وحمله على حمار كان عنده، وخرج إلى الرميلة وساق الحمار إلى قرب الجثة، ولما اقترب منها جفل الحمار، فأخذ يسوقه ويصيح عليه، فجاؤوا إليه الزعر وقالوا له: من أنت؟ فاظهر على نفسه الخوف وقال: أنا في جيرتكم ماذا تريدون مني؟ قالوا: ما هذا الذي على حمارك؟ قال: زق من الخمر قد جئت به من الفيوم إلى بعض السناجق، فانطلت عليهم الحيلة، وقد طمعوا في أخذ الخمر. فقالوا له: يا مسكين، الآن قد يمسكك الحراس، فابق عندنا هذه الليلة وفي الغد تذهب لحال سبيلك، فأجابهم إلى طلبهم وأنزل الضرف من على ظهر الحمار ووضعه أمامهم، فقالوا له ألا تبيعنا هذا الخمر؟ قال: أخاف من غضب السنجق قالوا: بكم اشتريته؟ قال بخمسة وثلاثين درهماً. قالوا: نحن نعطيك ثمنه خمسون درهماً. قال: الأمر كما تريدون. فجمعوا من بعضهم الدراهم وأعطوهم له، فصار يسكب لهم الخمر وهم يشربون حتى شربوا جميع ما في الضرف، وبعد ذلك ساق حماره وابتعد عنهم قليلاً.

    ولما علم أن الخمر قد تمكن في رؤوسهم انقلب راجعاً إليهم فوجدهم كالأموات فنزع عنهم ثيابهم وفك جثة خاله من المشنقة ووضعها على الحمار وربطها بحبل ثم أخذ مقدمهم ربطه من تحت أكتافه ووضعه مكان الجثة، ولما ابتعد عنهم قليلاً سمع صوت كلب يعوي بالقرب منه فقصده فوجده رجلاً قرب نهر النيل يصطاد فعلم الزيبق أنه رجل حشاش فقال له اتبعني يا رجل وأنا أعطيك ما يسر قلبك فتبعه ورجع إلى مكان المشنقة وقال له اجلس في هذا المكان وحافظ على هذا المشنوق ولا تبرح مكانك حتى يحضر المقدم صلاح إلى هذا المكان فاقبض على لحيته وقل له أعطني العشرة دنانير فمتى قلت له ذلك يعطيك المال ويلبسك أحسن كسوة لأن هذه علامة بيني وبينه.

    ففرح الحشاش وقال هذا شيء هين وأنا أفعل ذلك وآخذ العشر دنانير، وجلس يحرس ذلك المشنوق، وأما الزيبق فإنه سار إلى الدار ومعه البسة الزعر وجثة خاله، وراح يجد السير في طريقه حتى دخل على أمه فاطمة ووضع أمامها الثياب وجثة خاله وحكى لها جميع ما فعله، فوضعت الرأس والجثة على مرتبة من الحرير وأخذت تبكي وتندب أخيها طول ذلك الليل، وفي الصباح دفنت الجثة والرأس في البستان.

    ولما كان الغد، خرج صلاح من القاعة إلى الرميلة لينظر ما جرى، وعندما وصل وجد جميع الرجال مطروحين ومجردين من ثيابهم كالقتلى، فعلم أنهم مبنجين ونظر إلى الجثة فرآها معلقة ورأى الرجل الذي أقامه الزيبق لكي يحافظ على المشنقة فصاح فيه صلاح: من أنت أيها الرجل؟ فنهض إليه الحشاش كالمجنون وقال: إن لي زمان بانتظارك، فادفع لي العشرة دنانير، ثم قبض على لحيته وصار يجره.

    فانذهل صلاح واستشاط غيظاً من هذه الوقاحة، وقال له: اترك لحيتي وإلا قتلتك في هذه الساعة! فقال: إنني لا أتركها حتى تعطيني الشرط الذي صار عليه الكلام، فلطمه صلاح لطمة كاد يعدمه الحياة، وقبض عليه وقال له: من علمك أن تفعل هذه الفعال؟

    قال الرجل: الذي أمرته أن ينتظرك وأوصيته أن يحافظ على هذا المشنوق إلى أن يطلع النهار..
    وعند ذلك أطلقه صلاح وعلم أنه من الحشاشين، وأن الزيبق هو الذي احتال عليه وعمل منصفاً حتى ينجيهم وجردهم من ثيابهم، هذا وقد نظر إلى المشنوق فوجده مقدم الزعر، فاغتاظ وخاف من عواقب ذلك الأمر.
    ثم تقدم وفك المقدم وأعطاه شيئاً ضد البنج فعطس، وقال: أين أنا؟ فقال صلاح: لقد وقعت في شرك العايق يا مشؤوم، انهض وأيقظ جماعتك واعطهم ضد البنج، فحجل المقدم وقام من وقته وأعطى ضد البنج إلى رفاقه، فنهضوا كالمدهوشين ورأوا أنفسهم مجردين من ثيابهم، فسألهم صلاح ما دهاكم؟ وحكوا له قصة ذلك الخمر فقال لهم: دعونا ننزل إلى العزيز ونطلب منه أن ينادي بالأمان إلى ذلك العايق، لأنني قد حرت من أفعاله ، وأنا خايف من عواقب مكره وأنا أعلم أنه عن معاداتي لا يحيد ولا يرجع حتى يستولي على المنصب والمقام.

    ثم توجه صلاح إلى العزيز، ولما نظره قال ما فعلت يا صلاح، هل وجدت صناديق المال؟ قال: إني عجزت عن قبض الغريم، لأنه شيطان رجيم، فإن حسن عندك نادي له بالأمان لأنني خايف على نفسي يسقيني كأس الحمام، وكان الوزير حاضراً فما هان عليه أن يسمع هذا الكلام لأنه كان يحب صلاح كثيراً، والتفت إليه وقال: إن كنت عجزت عن قبضه أنا أقبض عليه..
    ورجع صلاح إلى القاعة وشاعت هذه الأخبار بين الناس، أن صلاح أظهر على نفسه العجز في القبض على الزيبق، وأن الوزير تعهد للعزيز بالقبض عليه.


    يتبع..

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    العماء
    الردود
    120

    خمسة من سطاش،....

    شكرا....
    المزيد..

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    ولما سمع الزيبق بهذا الخبر قال: لا بد أن أكيد الوزير وأجعله أضحوكة بين الناس، ودخل على أمه وحدثها بذلك فقالت:
    يجب أن تعامله بمعرفتك إن كنت من العياق، وصبر إلى المساء ثم قام ولبس ثياب المماليك وتوجه إلى نواحي القلعة فوجد هناك جماعة من العلمان وبينهم رجل ذو هيبة ووقار، فسأل عنه فقيل له إن هذا هو سلحدار الوزير، فتقدم الزيبق وقبل يديه وقال أنا في جيرتك، فقال ما خبرك يا غلام؟ قال:
    إني كنت مملوكاً عند بعض السناجق العظام، وبقيت في خدمته سنين، وقد ضربني نهار أمس بدون ذنب، فخرجت ليلة البارحة وقلت في نفسي أن أقصد الوزير وأجعل اتكالي عليه فهو الذي يستطيع أن يخلصني من جور ذلك الفاجر. قال السلحدار: مرحباً بك يا غلام، لقد وصلت إلى من يرفع قدرك.

    وكان السلحدار يميل إلى الأولاد، وهو شريك الوزير في الرذائل، وبينما هما كذلك، إذ أقبل الوزير وهو يشير إلى الخدام أن تقدم له الجوار فركب من ساعته فحانت منه التفاتة ورأى الزيبق فوقعت محبته في قلبه، فسأل السلحدار عنه فحكى له قصته، فأمر أن يقدموا له جواداً وركب الزيبق ودخل مع الوزير إلى الدار الخارجية، وسأله الوزير عن اسمه فقال: اسمي نعمة الله. فقال هل تخدم عندي؟ أجاب: إنني أتشرف في قربي إليك، ثم إن الوزير جعله خرنداره.

    ولما كان المساء قال الوزير للسلحدار خذ معك في هذه الليلة مائة من الأنفار وفتش على ذلك العايق في الأسواق، وعند الصباح أسلمك الغلام لتقضي ليلتك معه بالبسط والانشراح.
    وامتثل السلحدار أوامره وخرج من عنده. وأما الوزير فإنه خلع ما كان من الثياب وصعد إلى مرتبته وطلب من الغلام أن يجلس بجانبه وهو يؤمل أن يمازحه وينال منه مأربه، فامتثل الزيبق أمره وجلس معه على الفراش، هذا والوزير قبض عليه وأخذ معه في المزاح والمداعبة، وهو يقول له: مهما طلبت يا نعمة الله فإني أعطيك، وقد جعلتك سيداً على جميع المماليك، فقال له الغلام اعلم أني بعلو همتك أبلغ ما أتمناه، ثم قبض على الوزير من عنقه، وقال ما الذي حملك على مقاومتي حتى ضمنت للعزيز أنك تعمل على قتلي بعد ما عزم صلاح على الطاعة والتسليم.

    فلما علم الوزير أن ذلك الغلام هو الزيبق أيقن بالهلاك، ثم أن الزيبق سد فمه وربط رجله وصار يضربه ضرباً مبرحاً حتى كاد أن يفارق الحياة وقال له: إن بدا منك شيء آخر في حقي قتلتك شر قتلة، ثم تركه وتوجه إلى منزله وأخبر أمه بما فعل، قال وأنا كذلك لعبت منصفاً على الوزير في هذه الليلة ودخلت إلى داره ولبست ثياب الخصيان واحتلت على الخصي المختص بخدمته وبنجته وبنجت الملك ووضعت ورقة تحت رأسه وكتبت فيها: "هذه فعال الزيبق ابن رأس الغول". وإني قد لعبت على المقدم صلاح جملة مناصف وبما أن صلاح كان عزم على التسليم فلم يقبل وزيرك وأنت طاوعته على غيه فاقتضى أني تجاسرت على هذا العمل لعلمي أن الوزير وصلاح هما المطالبان أن يكشا ضرر مولاهما، ثم قالت لولدها لا بد أن العزيز يؤثر فيه الملعوب ويرسل لك منديل الأمان.

    ذكرنا أن السلحدار كان قد أرسله الوزير كي يطوف إلى نصف الليل، وبعد أن رجع إلى دار الوزير فوجد الباب مفتوحاً ودخل حتى صار على باب القاعة الراقد فيها الوزير وسمع حركة ظن أن الوزير يلاعب الغلام، وعند ذلك دخل فوجد مولاه على تلك الحالة فكشف عن وجهه اللحاف فرأى وجهه بين رجليه وهو يئن وفكه من وثاقه وأخرج ذلك المنديل من فمه، وصاح الوزير بصوت عظيم ثم حكى له جميع ما جرى.
    وقال السلحدار: الحمد لله الذي ما كنت حاضراً في أول الليل، فأخذ السلحدار يداويه لأنه كان في حالة الانزعاج.
    وأما العزيز فإنه أبطأ على الخدام قيامه من الفراش، ودخلوا عليه فوجدوه مبنجاً فأيقظوه بضد البنج، ولما استيقظ قال: أين أنا فاعلموه إنه كان مبنجاً، ثم حانت منه التفاتة فرأى الورقة المكتوبة التي مر ذكرها فتعجبت من هذا الأمر، ونزل إلى الديوان وطلب صلاح، ولما حضر هو والمقدمين قال له: أين العايق؟ قال صلاح هذا شيء لا يعنيني، بل صار يعني حضرة الوزير وحده لأنه قد تعهد أن يقبض عليه، فأمر العزيز باحضار الوزير، وكان قد خاف من الزيبق فتوجه منهم جماعة في طلب الوزير فحملوا عليه وأخبروه أن الملك محتاج إليه فقال لهم: قولوا له أني ضعيف لا يمكنني الخروج في هذا النهار، فرجعوا وأخبروا الملك بذلك فغضب وأرسل جماعة آخرين وقال لهم: يقتضي احضار الوزير في هذه الساعة، فساروا حتى دخلوا عليه وقالوا له: يلزم حضورك لأنه ضروري، وقد أمرنا العزيز أن لا نرجع إلا وأنت معنا.
    فقال لهم العزيز: على الرأس، فأمر أن يسرجوا له الجواد ويضعوا عليه مسندا من ريش النعام لأنه لا يستطيع أن يركب من شدة الألم ففعلوا ما أمر ثم أنه انبطح على ظهر الجواد ولما سار في الأسواق تعجب الناس من ركوبه هكذا لأنه كان راكباً بالأمس مثل الغزال، ولم يزل الوزير سائراً حتى وصل إلى باب الديوان فأراد أن ينزل عن الجواد فلم يقدر فتقدم السلحدار واحتمله من أكتافه وأدخله إلى العزيز.

    ولما نظره العزيز قال: ما أصابك؟ قال أمهلني قليلاً حتى أحدثك، ولكن أريد منك أن تأذن لي أن أجلس مثلما أريد، فأذن له فانبطح في وسط الديوان على بطنه، فقال العزيز: أخبرني ما جرى لك.. فقال الوزير: هذا داء قد اعتراني مساء أمس، فأمر الملك بإحضار الطبيب، فقال لا يا سيدي ان الحكيم لا يعرف بهذا المرض لأنه غريب جداً. ثم قال له:
    إنك أرسلت في طلبي فماذا تريد مني؟ قال: إنك تعهدت أمس بأنك تقبض على الغريم وقد بدا لي أن آخذ رأيك. فهل صلاح أحسن وأليق أم الزيبق؟ فالتفت الوزير يميناً وشمالاً وقال بصوت عال: إن الزيبق ليس له مثيل في جميع الرجال.

    قال الملك: أنا أخاطبك بالهدوء وأنت تصيح مثل المجنون، قال نعم وأنا أطلب من الله أن يكون الزيبق حاضراً في هذا المكان ويسمعني، لأنه ليلة البارحة كان قتلني. ثم حكى للعزيز جميع ما جرى له، وكيف أنه احتال عليه وخدم عنده في زي مملوك، فتعجب الوزير من أعمال الزيبق وقال: خذ واقرأ هذه الورقة، وأعطاه الورقة المذكورة. فقال الوزير عندي أن تنادي له بالأمان لأننا نخاف ان عاندناه يصير فينا أعظم من ذلك، فأمر العزيز أن ينادوا إلى الزيبق بالأمان، وأن يحضر عاجلاً إلى الديوان. ودار المنادون وشاعت الأخبار بالأسواق فبلغ الزيبق هذا الخبر. ودخل على أمه وأخبرها بما صار، فقالت له سر يا ولدي بأمان الله ولا تخف من أحد ولبس بدلة المقدمين وتوجه إلى الديوان.

    فلما نظره الوزير عرفه وقال للملك هذا هو الزيبق، أما الزيبق فقد دعا الملك بطول العمر، فقال له: من تكون أيها الإنسان؟ قال أن عبد مولانا السلطان الذي أنعمت عليه بالمقام وأرسلت له منديل الأمان فضحك العزيز وأمره بالجلوس فجلس، وكان صلاح حاضراً في ذلك الوقت، والتفت إليه العزيز وقال: هذا خصمك وطالب منك تسليم المقام، فماذا تقول؟ قال صلاح: يلزمه أن يعمل لنا نفيلة حسب ما جرت في مثل ذلك عوائد الزعر الكرام.

    فقال الزيبق: اطلب ما تريد، قال صلاح: أريد أن تأتي لنا بصندوق التواجيه من المدينة المرصوده.
    فلما سمع الزيبق كلامه أجابه إلى ما طلب ونهض من وقته وأحضر صناديق المال التي كان أخذها من الخزينة وجاء أيضاً بجميع ثياب الزعر وسلمها إلى صلاح بحضور الملك والوزير، ثم رجع إلى منزله وأخبر أمه بما كان وأن صلاحاً طلب منه نفيلة لتسليم المقام وهو أن يأتيه بصندوق التواجيه من المدينة المرصوده.

    فقال فاطمة: وهل أجبته إلى ما طلب؟ قال نعم. فلطمت على وجهها من شدة الغيظ وقالت: إن صلاحاً ما طلب منك ذلك إلا حتى يرميك في بحر المهالك، وهذه المدينة المرصودة تبعد عن مصر مسافة أربعين يوماً، وما طلب ذلك الصندوق أحد من الناس إلا وهلك.
    وقال إعلم يا بني إن ذلك الصندوق مركب من أربعة معادن: الماس وياقوت وزمرد وفيروز. وقد اصطنعه أحد حكماء اليونان، فكان يجلس فيه فيكشف جميع الدنيا وما فيها من الممالك. وكان قد بان له في الرمل أن الصندوق يعدمونه ويدخل في أيدي الناس فقصد جزيرة قريبة إلى المدينة فبنى فيها قبة ووضع فيها الصندوق، ثم طلسم الجزيرة بالسيوف، وبعد ذلك اصطنع شخصا من نحاس ووضعه على باب المدينة رصداً لمن يقصدها لأخذ الصندوق فاذا دخل أحد صاح عليه ذلك الشخص فتعلم به أهل المدينة فيخرجون إليه ويقبضون عليه، وبعد ذلك يقتلونه، واعلم يا ولدي أنهم ما نادوا لك بالأمان إلا وقد عزموا على قتلك، فارجع الآن عما أنت عازم عليه ولا بد أن يأتي زمان يعينك الله فيه على ما أنت طالب. فقال لا بد لي أماه من الذهاب في طلب هذا الصندوق ولو سقيت كاس المنون.

    ثم إن فاطمة قالت لولدها إن كان ولا بد لك من ذلك، قم يا ولدي وارقد هذه الليلة في مقام السيدة زينب غفيره، وانذر لها نذراً لعلك تنال قصدك، وقام من وقته وسار إلى ذلك المقام وبات فيه في الحلم هاتفاً يقول له:
    اقطع يا زيبق جريدة من النخل تكون مقدار ذراعين وخذها معك في سفرتك فإنها تعينك على تبطيل الأرصاد.

    قال: ولما أصبح الصباح قطع له جريدة من النخل ووضعها في الحرندان وتوجه لعند أمه فأخبرها بما كان. ثم أنه ودعها وبكت ودعت له ببلوغ الأرب. وبعد أن جمع ما يحتاج إليه في سفرته تقلد سلاحه قاصداً تلك المدينة. وأما صلاح فإنه فرح فرحاً عظيماً لأنه أيقن أن الزيبق لا يرجع من سفرته هذه لما يعلمه من الأخطار والمهالك التي في طريقه.

    هذا والزيبق لم يزل مجداً في مسيره عدة أيام حتى أقبل على برية مقفرة وكان قد نفذ ماؤه وكاد يهلك عطشاً، وبينما هو كذلك اذ وصل إلى بئر تحت شجرة عالية ووجد حبلاً طويلاً غير انه لم يجد دلواً ولا جرة فعمد إلى عمامته ونزعها عن وسطه ووصلها في بعضها وقال أن أدليهما في الماء ليبتلا لعلي أبل ريقي.
    فلما وضع رأسه على فم البئر نظر أشباح رجلين في الماء أنه يوجد أناس مختفين فوق الشجرة وأن تلك الأشباح هي أشباح قطاع الطريق فتحقق عنده أنهم أعداء قد قطعوا الدلو وكمنوا له في تلك الشجرة فعند ذلك وضع يده في الحرندان وأخذ ضد البنج فوضعه في أنفه ثم تناول سهماً من البنج وخلطه وأطلق عليه النقط فصعد له دخان كأنه أتون وصبر قليلاً حتى تبخرت أوراق الشجرة من ذلك الدخان فرفع عينيه إلى ما فوق فوجد رجلين في وسط تلك الشجرة وكان قد أثر فيهما البنج فصعد إليهما وأوثقهما وطرحهما إلى الأرض ثم نزل واعطاهما ضد البنج فوعيا فلما نظرا نفسيهما على تلك الحالة قالا نحن بجيرتك يا زيبق، فقال لهما اعلماني قبل كل شيء عن مكان الدلو فأخبراه بمكانه فأخذه ودلاه في البئر وبعد أن شرب قال لهما اصدقاني بخبركما وإلا قتلتكما في هذه الساعة فحكي له أن صلاحاً هو الذي أرسلهما خلفه حتى يدبران على هلاكه.

    وكان هذا الرجلان من الناس الأشرار يقال لأحدهما حسن بن الحصري والآخر علي بن البيطار، فطلبهما صلاح بعد مسير الزيبق من مصر بيوم واحد وقال لهما: أريد منكما يا شطار أن تتبعا آثار الزيبق وتعملا على هلاكه، وإذا تمكنتما من ذلك أصيركما مقدمي الزعر، فلما تيقن الزيبق من أفكارهما تركهما بالوثاق على حالهما وسار في طريقه ومازال مجداً في مسيره عدة أيام حتى أقبل على المدينة المذكورة في منتصف النهار فقال في نفسه إني أقصد هذه الجبال وأقيم فيها إلى الليل وكان قد سمع ضجة مرتفعة حول البلد فعرج عن الطريق وقصد بعض الكهوف وأقام فيها إلى أن أظلم الليل، ثم تقدم يريد المدين فرأى في طريقه مغارة مضيئة على جانب الطريق، فقال لا بد لي من كشف هذا النور فقصده إلى أن صار على الباب فوجد هناك جماعة من العبيد وبينهم صبية معتدلة القوام كأنها البدر التمام، وهي تبكي فلما رأى الزيبق ذلك المنظر اندهش وقال: لا شك أن هذه الصبية هي من عائلة شريفة فأنا لا بد لي أن أخصلها من بين أيدي هؤلاء العبيد وأردها إلى بيت أبيها.

    ثم مد يده إلى الحرندان وتناول سهماً من النفط وأشعله وكان ممزوجاً بالبنج ورشه إلى داخل المغارة فصبر قليلاً ودخل عليهم فوجدهم مطروحين كالأموات فتقدم نحو الصبية وأعطاها ضد البنج فعطست وقالت: أين أنا؟ فقال الزيبق لا تخافي، أخبريني عن قصتك وكيف وقع بك هؤلاء العبيد، فقالت اعلم يا فتى أنني ابنة ملك المدينة المرصودة وأبي هو الحاكم على جميع هذه البلاد ويوجد في مدينتنا ذخيرة ثمينة قد اصطنعها أحد السحرة وقد بان له أنها سوف تؤخذ عن يد بعض رجال مصر، فأخذ الحكيم تلك الذخيرة وقصد بها جزيرة قريبة من مدينتنا هذه وطلسمها واصطنع شخصا من نحاس ووضعه رصداً على باب تلك المدينة حتى اذا دخل رجل غريب يصيح عليه فيخرجون الناس إليه إلى أن كان هذا اليوم فصرخ ذلك الشخص فخرج الناس جميعاً ومن جملتهم أبي ووزيره وبقيت أنا وحدي في القصر واذا بهؤلاء العبيد قد دخلوا علي في ذلك الوقت وخطفوني وجاؤوا بي إلى هذا المكان فخفق قلبي وانقطع املي من الخلاص إلى أن جئت أنت وخلصتني من بين أيديهم وأنا في جيرتك يا فتى الفتيان، ومتى علم أبي بما فعلته من المعروف لا بد أن يغنيك بالأموال مجاراة على ما أبديته معي من الجميل وتصير لك عنده المنزلة العليا، وإن شئت جعلك نائبه على جميع البلاد، فلما سمع كلامها تعجب من ذلك الاتفاق وقال: ابشري بالسلامة ولا تخافي ثم أنهما سارا قاصدين البلاد.

    ومن غريب الاتفاق أن هذه الصبية كانت من أجمل أهل زمانها وفريدة عصرها فشاع ذكرها في جميع الأقطار وقد طلبها كثير من الملوك وأبوها لا ينعم لأنه كان يحبها وليس له صبر على فراقها.
    هذا وقد بلغ خبرها إلى ملك العبيد والسودان وهو رفيع القدر عظيم الشان وتعلق قلبه بها وأرسل وزيره لكي يخطبها من أبيها فرده خائباً وغضب وقال: لا بد لي أن أعمل على سرقتها وأقتل أباها وأخرب دياره. ثم استدعى جماعة من العيارين وأطلعهم على ذلك الخبر وطلب منهم أن يسيروا إلى المدينة المرصودة ويتدبروا على خطف ابنة الملك، وإذا فعلتم ذلك أعطيتكم ما تشتهون. فخرجوا في زي تجار قاصدين المدينة المرصودة، حتى دخلوها ونزلوا في بعض الخانات وأخذوا يترقبون الفرص لقضاء حاجة الملك إلى أن كان ذلك اليوم.

    أما عن ابن البيطار وحسن الحصري فإنهما بقيا على حالهما إلى ثاني يوم واذا بقافلة مرت من ذلك المكان ومعها جماعة من التجار ونظروهما على هذه الحالة وفكوهما من الوثاق فقال ابن البيطار لحسن إنني عزمت على الرجوع إلى مصر. فقال له افعل ما بدا لك، وأنا لا بد لي أن أتبع الزيبق إلى المدينة المرصودة وأعمل على هلاكه ثم ودعه وسار في طريقه وجعل يقتفي أثر الزيبق ولم يقف له على خبر لأنه كان قد سار من غير طريق واتفق دخوله إلى المدينة المرصودة قبل وصول الزيبق بساعتين ولما صار قرب الباب صاح عليه الشخص النحاسي فخرج أهالي البلد وارتفعت الضجات ولما نظر حسن الرجال وهم قاصدينه جرد في يده الحسام وهجم عليهم هجمة الأسد الضرغام وأخذ معهم في القتال.

    وأما العبيد الذي أرسلهم ملك السودان لأجل أن يخطفوا بنت الملك فإنهم اغتنموا فرصة غياب الناس ودخلوا إلى سراية الملك كما تقدم فخطفوا الصبية وأتوا بها إلى المغارة، ولما نظروا ما عليها من الجمال وفكروا أن يتمتعوا بها في ذلك المكان وأما هي فجلست تبكي وتستغيث، وفي ذلك الوقت أشرف عليهم الزيبق وجرى ما جرى كما ذكرنا.

    أما الزيبق والصبية فلما قاربا الأبواب سمعا الضجة لم تزل على حالها، فقال الزيبق للصبية: انتظري قليلاً هنا لاكشف خبر هذه الضجة وتقدم مسرعا حتى قارب المدينة فوجد ابن الحصري بين القوم وهو يدافع عن نفسه ويمانع، وكان قد أشرف على الهلاك فعرفه الزيبق، وقد علم أنه ما جاء إلا لقتله، وما مضى إلا القليل حتى قبضوا عليه، فقال الزيبق لا بد لي من خلاصه لربما يكون لي من جملة الأصحاب. وتقدم حتى قاربه وصاح في الرجال: ويلكم خلوا سبيل هذا الرجل وإلا فتكت فيكم وجعلتكم عبرة لمن اعتبر ثم هجم عليهم هجمة الأسد ومزق شملهم وأركنوا إلى الفرار، وتقدم الزيبق إلى حسن وفكه من الوثاق، عندها صفي قلب حسن ومال نحو الزيبق وصار يعتذر إليه لأنه كان مصمماً على الغدر به.

    هذا وقد تجمع الناس من اليمين والشمال فخاف الزيبق على نفسه من كثرة العدد، فأظهر لهم نفسه وأخبرهم بقصة ابنة الملك وكيف كان خلاصها على يديه، ثم قصد المكان الذي أوقف فيه ابنة الملك، وأتى بها وفرح أبوها وأمها بخلاصها وشكراه على صنيعه، ثم ساروا إلى المغارة التي فيها العبيد وأعطاهم ضد البنج فأمر الملك رجاله أن يوثقوهم ويأخذوهم إلى المدينة، ثم رجع الملك إلى قصره وبصحبته الزيبق وابن الحصري، ومن شدة فرحه بخلاص ابنته طيب بخاطر الزيبق ووعده بكل خير.

  20. #20
    شكرا ..
    شوقتنا لبقية الحكاية...

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •