Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 4 من 4
  1. #1

    قصيدة منيف لـ مريد البرغوثي


    ويموت منا من يموت، بموعدٍ
    أو صدفةٍ هي موعدٌ
    وكأننا نلهو ونلعبُ في كَمينْ

    مِنّا شهيدُ كهولةٍ أو غربةٍ
    أو قُبلةٍ في الظَّهرِ
    أو.. برصاصةٍ في الصدرِ
    أو.. بهمومنا المتعرجاتِ على الجبينْ

    مِنَّا شهيدُ اليأسِ
    حيث تشيخ وَلْدَنَةُ الصَّبا عند الصبيَّ
    وتنتهي آمالُ من ثاروا
    بثرثرة الحبيب مع العدوِّ
    وفي معانقةِ الضحايا للخصوم "الطيبينْ"

    منا شهيد كلامه وغرامِهِ
    وحروبه وسلامِه
    والخَيْرِ تحت قميصِهِ
    والشرِّ في أيامِهِ
    والمرءُ فلاَّحٌ يُثَلِّمُ حَقْلَهُ
    والموتُ مبذورٌ على أثلامِهِ
    وحصادُه قممُ الفكاهةُ والجنونْ

    وأخي شهيد جَماله وخصاله
    أناْ لم أجد رجلاً يعيش بقلب أمٍّ مِثْلَهُ!
    رجل رؤومْ
    فَتَكَتْ به لا كفُّ غادره الغليظةُ وحدَها
    بل رِقةٌ في النفس مُضْمَرةٌ وباديةٌ
    كَضَوْءِ فَراشةٍ غاصت بمخملِ وردةٍٍِ
    فيبينُ جزءُ الجزءِ من كلتيهما
    ويظل ما يخفى خيالاً لا يبينْ

    وأخي شهيد خُصومة الروحِ الحريرِ
    مع الأنا
    وكأن فِطْرتَهُ ترى
    أن النعيم الآخرونْ
    وأخي شهيد جماله وخصالهِ
    وهو الحَنونُ بنُ الحَنونةِ والحَنونْ
    وهو الذي يرعى أباه، هشاشةً وترفُّقاً
    وكأن والِدَهُ جَنينْ
    وهو الذي ظلت أُمومتُهُ تُظَلِّلُ أُمَّهُ
    ليرى ابتسامتها،
    ويفزع أن يكون بثوب كنزتِها ولو خَيْطٌ حزينْ

    هو شاعرٌ
    والشِّعر ليس تبرجَ القاموسِ
    بل نفسٌ تعاف رثاثةً تغرِي بنا، هو شاعرٌ
    والشعر يجري في يديه بلا كلامْ
    الحبُّ فيه طبيعةٌ منذ الولادة
    مثلما تقضي الطبيعةُ
    أن رفرفةَ الجوانحِ في الحمامْ
    تدنو أصابعه
    طيوراً في فناء الدار
    تنثر رزقها حُبَّاً وحَبَّاً
    ثم تعلو في التكتم والغمامْ

    بغيابه
    حرقوا حديقة مكرمات كاملة
    والله إن قلنا له يَنْخاكَ محتاجٌ
    سأعجبُ كيف يمنعه الضريحُ من القيامْ!


    أيها الصيادُ الكهلُ، ذو النظارةِ السميكةِ
    أيها ألأشعثُ الذي يرتجلُ شأنَهُ
    أيها الذي لا يعرفُ العدلَ، أيها الموت!
    سأقودك من شحمة أُذُنِكْ
    وآمركَ أن تفتح عينيكَ جيداً
    لترى فداحة فِعلتكَ الأخيرة!

    هذا السائر ليلاً، في انتظار قطاره
    هذا الفلاح المليح
    الذي تحيط به هالاتٌ وأكاليلْ
    من المريمية والبابونج
    والزعتر البري وعصا الراعي والخزامى
    والمُرار وهندباء الجبال
    مَن جرؤَ على إحناء قامته السرو؟
    مَن جرؤَ على بعث كل هذه القشعريرة
    في الهواء المحيط بكتفيه؟
    من جرؤ على خنق الاستغاثة الأخيرة للجَمال؟

    هو يمشي بمعطفه الكحليّ
    الكرامة كلها…تحمل معطفها الكحليّ
    البهاء كله ينقل خطاه على الرصيف، بحذائه الشتوي،
    المودة كلها تشير كقروي طيب
    يود لو يعانق المارة جميعاً
    العفو كله يسرع وربطة عنقه
    مائلة قليلاً بإهمال محبب…
    وهنا بالضبط، هنا تحديداً
    وليس حيث الأوغاد والسفلة
    تقرر الظهور أيها الغدر الذي يسمونك الموت
    لا لشيء
    إلا لكي يصبح الكرامُ أقلَّ عَدداً
    وكي ينقصوا إلى هذا الحدّ!

    أيها الصياد الذي لا يعود بجعبة فارغة
    أيها الموت
    أيها البليد الملحُّ
    أيها السيد الذي يستهين بالخصوم
    أيها الصدفة التي تضرب مواعيدها
    بالدِّقَّةِ التي تُريد
    أيها المذراة التي تذرو رمالَ الناس
    من جهةٍ إلى جهةٍ كلَّ يَوْمْ
    أيها الواضح، أيها المتعدد
    أيها المُقْنِعُ أيها الموت
    أريد صاحبي أيها الموت
    أيها الذي جعلته يمعن بُعداً
    عن المحبوب وبلد المحبوب
    وتركت في عينيَّ سخط خليقة كاملة
    سأبوح يابن أبي ويا جدي الصغيرَ
    بأنَّ حزني فيكَ كان أقل من غضبي
    فمنذ فجيعة الإغريق
    لم يصعد إلى الأولمب مفجوعٌ كما بلدي
    كأنّ الكونَ مسرحُنا
    ستارته الشتات ولم أجد
    أحداً ليسدلها علينا أو على الأعداءِ
    مذ جاء الذين رأتهمو أمي وزرقاءُ اليمامة والكُتُبْ
    وستهبط المأساة للملهاة ثانيةً
    ضحايا يضحكون على الضحايا
    والدموع على ابتسامات العَرَبْ
    إعتب على من شئت يا بن أبي
    وبالغ في العَتَبْ
    أنت الذي ما غبت غيماً صامتاً
    بل هكذا
    كدوي غابات البتولا في نثار الرعدِ
    يوم سقطْتَ أخضرَ واقفاً
    وسواك يسقط كالحَطَبْ
    إعتب على من شئت با ابن أبي
    وبالغ في العَتَبْ
    هي قصة لفتى غريب الدارِ
    وهي القصة الكبرى لكل الدارِ
    هذي الأرض لاجئة كمن لجأوا
    يطاردها غِلاظُ الخَطو والخُطباءُ،
    والخطباءُ إن قتلوا سعاداً أنشدوا بانت سعادْ.
    سرقوا سماءَ الناس يا ابن أبي
    ونبحش بالأظافرِ
    في تراب الكون كي نجد السماءْ
    وسيرقص الأعداء في التوراةِ
    لا طرباً ولكن خدعةً
    ويظل يرقص ذلك الحبشي لا طرباً
    حلاوةُ روحِهِ رقصت بِهِ"
    سيزينون شجيرة الأعياد قرب البحرِ
    ثم يجربون فؤوسهم في غابة الإغريقِ
    حيث أَزِقَّةُ العربيِّ يرجف بردُها
    وتموءُ في غدها القِطَطْ
    وسيهمس الشهداء للشهداءِ:
    هل متنا غَلَطْ؟
    وسيسهر الأعداء قربَ البحرِ
    ثم يرتِّبون الشرَّ مثل شراشفِ الأولادِ
    يرمون الضحيةَ للضحيةِ والسوادَ على السوادْ
    وهناك فوق غيومك الأولى، هناكْ
    ستنام في قلق علينا، مثلَنا
    حتى نغادرَ كلُّنا
    هذا الحدادْ.


  2. #2

    أؤمن بأن كل كاتب , أو أديب, لديه المقدرة على كتابة سيرته الشخصيه وتقديمها للجمهور بطريقة راقية . لكن هل بإمكان هذا المثقف أو الأديب أن يعبر في سيرته الشخصية عن تطلعات شعب يعيش في حضرة الوقت منفيين خارج المكان , أو الوطن الأصلي ؟ هل بإمكانهم أن يتخلوا عن توجهاتهم السياسية أو الفكرية لبعض الوقت !! والتعبير عن أفكار ورؤى المواطن البسيط العادي الغير مسيس من خلال مذكراتهم ؟ مُريد البرغوثي هو أحد الذين عبر عن تطلعات وحياة شعبه من خلال مايمكن أن يطلق
    على كتابه رأيت رام الله, مذكرات شخصية.




    " غُربات ..
    الغربة لا تكون واحدة ..
    إنها دائماً غربات !!
    غربات تجتمع على صاحبها وتغلق عليه الدائرة .. يركض والدائرة تطوقه. عند الوقوع فيها يغترب المرء "في" أماكنه و "عن" أماكنه . يغترب عن ذكرياته فيحاول التشبث بها. فيتعالى على الراهن والعابر . إنه يتعالى دون أن ينتبه إلى هشاشته الأكيدة. فيبدوأمام الناس هشاً ومتعالياً . أقصد في نفس الوقت .يكفي أن يواجه المرء تجربة الإقتلاع الأولى .. حتى يصبح مقتلعاً من هنا إلى الأبدية .الأمر يشبه أن تُزلّ قدمه عن درجة واحدة من السلم العالي حتى يُكمل النزول إلى منتهاه الأمر يشبه أن ينكسر في يد السائق مقود السيارة .. كل سيرها بعد ذلك يصبح ارتجالاً وعلى غير هدى . لكن المفارقة تكمن في أن المدن الغريبة لا تعود غريبة تماماً. تملي الحياة على الغريب تكيّفاً يومياً .. قد يكون عسيراً في بداياته لكنه يقل عسراً مع مرور الأيام والسنوات .الحياة لا يعجبها تذمر الأحياء . إنها ترشوهم بأشكال مختلفة ومتفاوتة من الرضى ومن القبول بالظروف الاستثنائية .

    يحدث هذا للمنفي، والغريب، والسجين، ويحدث شيء مثله للخاسر والمهزوم والمهجور.وكما تتعود العين شيئاً فشيئاً على العتمة المفاجئة يتعود هؤلاء على السياق الإستثنائي الذي فرضته عليهم الظروف.وإذا تعوّد الواحد منهم على الإستثناء فإنه يراه طبيعياً بشكل من الأشكال. الغريب لا يستطيع التخطيط لمستقبله البعيد أو القريب. حتى وضع خطة ليومٍ واحد يتعذر لسبب ما . لكنه شيئاً فشيئاً يتعود على ارتجال حياته. شعوره بمستقبله ومستقبل أهله شعور عُمّال التراحيل وموظفي المياومة . كل عِشرة بينه وبين المحبوب قصيرة مهماطالت . يعرف كيف يكون محباً آمناً ومحبوباً خائفاً. إنه يدنو كلما نأى وينأى كلما دنا. ويشتهي حالتيه وموضعيه. أقصد في نفس الوقت. كل بيت له هو لغيره أيضاً.كأن إرادته معلقة على إرادات .

    وإذا كان شاعراً كان غريباً عن "هنا".. غريباً عن "أي هنا" في العالم .يجاهد لينجو بلؤلؤه الشخصي رغم معرفته المؤكدة بأن لؤلؤه الشخصي قد لا يساوي شيئاً في السوق !!

    الكتابة غربة
    غربة عن الصفقة الاجتماعية المعتادة ..غربة عن المألوف والنمط والقالب الجاهز ..غربة عن طرق الحب الشائع وعن طرق الخصومة الشائعة..غربة عن الطبيعة الإيمانية للحزب السياسي. وغربة عن فكرة المبايعة .. الشاعر يجاهد ليفلت من اللغة السائدة المستعملة إلى لغة تقول نفسها للمرة الأولى .ويجاهد ليفلت من أغلاف القبيلة .من تحبيذاتها ومحرّماتها ، فإذا نجح في الإفلات وصار حراً، صار غريباً . أقصد في نفس الوقت .كأن الشاعر يكون غريباً بمقدار ما يكون حراً . والممسوس بالشعر أو بالفن أو الأدب عموماً إذ تحتشد في روحه هذه الغربات، لن يداويه منها أحد !! حتى الوطن !!

    الغُربة كالموت , المرء يشعر أن الموت هو الشيء الذي يحدث للآخرين . منذ ذلك الصيف أصبحت ذلك الغريب الذي كنت أظنه سواي .الغريب هو الذي يقول له اللطفاء من القوم " أنت هنا في وطنك الثاني وبين أهلك "هو الذي يحتقرونه لأنه غريب .أو يتعاطفون معه لأنه غريب .والثانية أقسى من الأولى . الغرباء يلتقون بالغرباء . وتجربة الموجوعين العرب علمتني أن وجعي كفلسطيني هو جزء من كل . وتعلمت أن لاأبالغ فيه . كل من كتب عليه المنفى يتقاسمون الصفات ذاتها . ففي المنافي تختل المكانة المعهودة للشخص . المعروف يصبح مجهولاً ونكرة , الكريم يبخل . خفيف الظل ينظر هامساً . "



    مُريد البرغوثي / رأيتُ رام الله

    عُدّل الرد بواسطة يوسف الجميعة : 07-06-2008 في 02:59 AM

  3. #3

    من قراءة سابقة لكتاب رأيت رام الله.


    ليس هناك ماهو موحش للمرء أكثر من أن يُنادى عليه بهذا النداء " ياأخ "
    " ياأخ " هي بالتحديد , العبارةُ التي تُلغي الأخوة ! "



    رأيت رام الله لـ الشاعر الفلسطيني مُريد البرغوثي . حاز الكتاب على جائزة نجيب محفوظ للأبداع الأدبي عام 1997م. إختلفت الأراء حول مضمون هذا الكتاب , وصيغته الأدبية !هل هو نص روائي ؟ أم نص شعري ؟ أم مذكرات شخصية ؟ ظهرت سبع طبعات عربية من هذا الكتاب ومثلها باللغات الأجنبية . وكل ناشر وضع على غلاف الكتاب تصنيف يختلف عن الآخر .. رواية ، مذكرات ، تاريخ ، الشرق الأوسط ، فلسفة ، شعر, الأمر محسوم لدى مؤلف الكتاب . فهو قد عبر عن ماسطره في كتابه بأنها مُذكرات شخصية , عمرها ثلاثين عاماً , تعطلت خلالها إرادته وحرمته من العودة إلى الوطن.

    كتب مريد هذه التجربة والغربة بأسلوب أدبي جميل , يجمع بين سيرة شاعر مغترب وسيرة وطن , وسيرة اللاجئين المنفيين خارج الأرض . ومزيج من التفاصيل الصغيرة وتجارب الأصدقاء , وروح الفلكلور وحقول الزيتون وكبرياء الشهداء, وذكريات الطفولة والأجداد ، ووجوه الذين بقوا والذين هاجروا، والذين اختفوا كالأب والأخ الكبير، وزملاء الغربة، ووجوه الأحياء مثل رضوى الزوجة المصرية وتميم الابن الذي سيرى رام الله يوم يحصل على تصريح لمّ الشمل . وينسج من ذلك لوحة كلية تعكس خصائص الذات الفلسطينية بكل مفردات ثقافتها وهويتها.

    الجسر , بوابة العبور الأولى إلى وطن طال انتظاره منذ أكثر من ثلاثين سنة .له أكثر من اسم .والشعور الذي يرزح تحته العابر إليه بعد غياب سيكون متناقضاً بالتأكيد , بل مثير كل الإثارة !


    " كيف استطاعت هذه القطعة الخشبية الداكنة أن تقصي أمه بكاملها عن أحلامها ؟أن تمنع أجيالاً بأكملها من تناول قهوتها في بيتها !!هاأنا أسير نحو أرض القصيدة . زائراً ؟ عائداً ؟ لاجئاً ؟ مواطناً ؟ ضيفاً ؟ لاأدري !!بوابة الأبواب لامفتاح في يَدِنا . ولكنا دخلنا ,لاجئين إلى ولادتنا من الموت الغريب, ولاجئين إلى منازلنا التي كانت منازِلنا , وجِئنا في مباهي خُدوش لايراها الدمع إلا وهو يوشِكُ أن يهيلا "

    عنوان الكتاب مثير كذلك , إذ بدأ بـ رأيت التي تحمل أكثر من معنى وروح واتجاه .من جهة هي سرور وفروح للقاء , وهم وحزن نتيجة للأمر الواقع من جهة آخرى ! لم تكن مجرد رؤية بسيطة بالعين المجردة ، بل هي حياة كاملة أعمق من الرؤية الخارجية وأكبر من أن تكون اسما لمدينة ، بل هي الناس وحياتهم الكاملة في تلك المدينة .

    " رام الله السرور والصنوبر , أراجيح المهابط والمصاعد الجبلية , اخضرارها الذي يتحدث بعشرين لغة من لُغات الجمال , مدارسنا الأولى حيث يرى كل طفل منا أن الأطفال الآخرين أكبر سناً وأكثر قوة .دار المعلمات . الهاشمية . الفرندز . رام الله الثانوية .نظراتنا الآثمة على أسراب بنات الأعدادية اللواتي يمرجحن سلة الوثوق باليمنى وسلة الإرتباك باليسرى و" يشفلن " عقولنا حين ينظرن الينا وهن لاينظرن الينا .مقاهينا الصغيرة , المارة . كتابات الجدران , فُل الانتفاضه , وفولاذها الشفاف "

    حين يدور الحديث عن القدس في الصحف أو وسائل الإعلام لايُرى في الأفق إلا القدس كرمز لمدينة مقدسة , المشهور فيها قبة الصخرة بينما يتم إهمال الجانب الإنساني في المدينة ذاتها . القدس التي رآها مريد البرغوثي وتحدث عنها حين عاشها في كتابه تختلف عن رؤية المحللين والكتاب للقدس من منظار بعيد

    " العالم ليس معنياً بقدسنا، قدس الناس، قدس البيوت والشوارع المبلطة والأسواق الشعبية حيث التوابل والمخللات، قدس العتالين ومترجمي السياح الذين يعرفون من كل لغة ما يكفل لهم ثلاث وجبات معقولة في اليوم، خان الزيت وباعة التحف والصدف والكعك بالسمسم، المكتبة والطبيب وفساتين العرائس الغاليات المهور، قدس الجبنة البيضاء والزيت والزيتون والزعتر وسلال التين والقلائد والجلود وشارع صلاح الدين .هي القدس التي نسير فيها غافلين عن "قداستها" لأننا فيها ، لأنها نحن، هذه القدس العادية ، قدس أوقاتنا الصغيرة التي ننساها بسرعة لأننالا نحتاج إلى تذكرها، ولأنها عادية .كل الصراعات تفضل الرموز ، القدس الآن هي قدس اللاهوت !! العالم معني بـ "وضع" القدس، بفكرتها وأسطورتها، أما حياتنا وقدس حياتنا فلا تعنيه، إن قدس السماء ستحيا دائماً، أما حياتنا فيها فمهددة بالزوال "

    البعض من الساسه العرب يتحدث عن المستوطنات دون النظر إليها عن قرب أو استشعار وجودها . كان بودي لو أن أحد هؤلاء الساسه وتحديداً من يتحدث عن عملية السلام بدون إزالة كلية للمستوطنات , أن يقرأ أو يشاهد المستوطنات مثل ماعبر عنها مُريد في كتابه .

    " إذا سمعت من خطيب على منبر كلمة تفكيك المستوطنات فاضحك واضحك كما تشتهي إنها ليست قلاعاً من الليجو أو الميكانو التي يلهو بها الأطفال . إنها إسرائيل ذاتها . إنها إسرائيل الفكرة والأيديولوجيا, والجغرافيا والحيلة والذريعة . إنها المكان الذي لنا وقد جعلوه لهم . المستوطنات هي كِتابهم . شكلهم الأول . هي الميعاد اليهودي على هذه الأرض .هي غيابنا . المستوطنات هي التية الفلسطيني ذاته "


    بين طيات سيرة مريد ورحلة عودتة للوطن أكثر من سؤال , وأكثر من تعريف جميل وربما يكون هذا الكتاب من أكثر الكتب التي اقتبست منها جمل وسطور ستبقى في الذاكرة

    " زيت الزيتون , هدية المسافر , اطمئنان العروس , مكافأة الخريف ,
    ثروة العائلة عبر قرون .زهو الفلاحات في مساء السنة . وغرور الجِرار "

    " لماذا يظن كل شخص في هذا العالم أن وضعه بالذات هو وضع مختلف ؟
    هل يريد ابن آدم أن يتميز عن سواه من بني آدم حتى في الخسران ؟ "

    " في الواحدة ليلاً أخبرني منيف بوفاة والدي في عمان , وأنا في بودابست . في الثانية ظهراً بعد سبع سبع سنوات أخبرني علاء من قطر بوفاة منيف وأنا مقيم في القاهرة . تفاصيل حياة كل من نحب وتقلب حظوظهم من هذه الدنيا كانت كلها تبدأ برنين الهاتف . رنة للفرح . رنة للحزن ورنة للشوق حتى المشاجرات واللوم والإعتذار بين الفلسطينين يفتتحها رنين الهاتف الذي لم نعشق رنيناً مثله أبداً ولم يرعبنا رنين مثله أبداً . قد تحميك الحراسة من الإرهاب وقد يحميك حظك أو ذكاؤك . ولكن الغريب لن تحمية أية قوة في العالم من إرهاب التليفون "



    " أطل من النافذة على مسعى العمر الوحيد الذي منحتة لي أمي ومسعى الذين غابوا إلى أقصى درجات الغياب وإلى عزاء النفس بـ (( ولاتحسبن )) . لماذا في نافذة البهجة تداهمني ذاكرةُ المراثي "

    هذه السطور هي التي كنت انتظرها من مريد البرغوثي . ذكره وتبجيله لأخيه منيف المغدور به في ضواحي باريس عند سكة القطار موجودة في كل صفحة وكل سطر من سطور الكتاب . لاشك أن مشهد قتله كما صورة مُريد وطريقة تلقي الخبر من قبل والدته ترسم صورة قاتمة لمستقبل اللاجئين الفلسطينين في كل بلد , وكل قارة من قارات العالم . ذاكرة المراثي التي داهمت مُريد وهو في أقصى حالات الفرح تطفح في فصل عمو بابا بكثرة لدرجة يجب أن يطلق على هذا الفصل فصل الإغتيالات , فهو لم ينسى مقاتل سلاحه ريشة رسام , قال عنه الشاعر الكبير أحمد مطر هو الأرض نفسها .



    ناجي العلي , رفيق حنظلة , رسام الكاريكاتير المتهم بالإنحياز , وهي تهمة لاينفيها ,هو ليس محايداً , بل منحاز لمن هم "تحت" , والذين يرزحون تحت نير الأكاذيب وأطنان التضليلات وصخور القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات . منحاز لمن ينامون في لبنان بين قبور الموتى ولمن يقضون لياليهم شحذاً للسلاح الذي سيستخرجون به شمس الصباح القادم من مخبئها .. ولمن يقرأون كتاب الوطن في المخيمات.

    اغتيل في لندن يوم 22 / 7 / 1987 وتوفي 29/ 8/ 1987 م . لم تستطع الحضارة حماية أحد أبنائها، حين تم التعامل مع الفنان المناضل بأسلوب القتلة , كما أثبت حادث اغتياله أنه أحياناً للكلمة وللخط المرسوم وقع أقوى من طلقات الرصاص الذى أزهق روح فنان سلاحه ريشة الرسم .وصف الاتحاد الدولي لناشري الصحف في باريس ناجي العلي ، بأنه واحد من أعظم رسامي الكاريكاتير منذ نهاية القرن الثامن عشر ، ومنحه جائزة " قلم الحرية الذهبي"وسلمت الجائزة في إيطاليا إلى زوجته وابنه خالد، علماً بأن ناجي العلي هو أول صحافي ورسام عربي ينال هذه الجائزة . لعل الأغلبية لايعرفونه إلا من رسومه الكاريكاتورية , أوالقصائد التي قيلت برثائه. من ما ذكره مُريد عن ناجي العلي في الكتاب :

    " يدخل ناجي العلي قادماً من موته القديم . من موته الطازج . هذه ضحكة عينية وهذا قوامه النحيل . أُصغي إلى صرختي التي , فجأة , انفلتت من صدري وأنا أقف أمام قبره في ضاحية من ضواحي لندن . همستُ وأنا أنظر إلى قوس التراب بكلمة واحدة هي : لا

    قلتها إلى الداخل . لنفسي . لم يكد يسمعها أحد , حتى أسامة ذو السنوات التسع الذي كنت أقف خلفة وأحيط كتفيه بذراعي , ونحدق معاً في قبر أبيه . لكنني لم أستطع أن أسترد السكوت بعد ذلك . تلك الـ " لا " رفضت أن تنتهي . كبرت . ارتفعت . إنني أصرخ صرخة متصلة ممتدة . أعجز عن استردادها من الهواء .كأنها علقت هناك , في ذلك الرذاذ الذي كان يبللنا معاً , أنا وأسامة وجودي وليال .كأنها تنوي أن تظل معلقة بالسماء إلى يوم القيامة . تلك السماء البعيدة , تلك السماء التي لم تكن بيضاء , ولم تكن زرقاء , ولم تكن تعرفنا , ولم .. تكن .. !

    سمعت شقيق وداد يقول لي محاولاً تهدئتي وهوم يحتضن كتفي : " من شان الله يامريد .إهدأ ياخوي إهدا من شان نقدر نظل واقفين على رجولنا "

    وجدتني أسترد نفسي من الصرخة التي تحولت إلى مايشبه الإغماءه . أغلقت فمي بيدي وبعد قليل وجدتني أقول له بصوت متهدج وضعيف : " هو الي واقف .. مش إحنا ! "

    هذا النص جزء بسيط من ماذكره مُريد عن الشهيدان الذين احتلا ذاكرته ناجي العلي , ومنيف البرغوثي .
    عُدّل الرد بواسطة يوسف الجميعة : 07-06-2008 في 03:05 AM

  4. #4
    رايت رام الله

    رواية من اجمل ماقرات

    لغة الكاتب قوية

    بقي ان اقول بالرغم من اني متابع للقضية الفلسطينية الا ان هذه الرواية وضحت لي اشياء كثيرة كنت اجهلها عن فلسطين وقضية فلسطين!

    شكراً يوسف ....
    الجهة الخامسة ... فم كسوته صوتي!

    مدونتي

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •