Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    مصر .. تقريبًا
    الردود
    383

    لو يعلم الأحبة !


    ,,,
    في زيارته المتقطّعة , المرغوبة أحياناً و المكروهة أحياناً أخرى, و الممنوعة مؤخراً إلى أمدٍ لا يعلمه إلا الله .. يشعره البيت بالوحشة و الفقد كأن الجدران هي لوحات ضخمة تحكي وجعه ,
    و كأنها تقول له : ابقَ ضيفاً كما أنت ,
    كانت أمه تقول له : لك خطوة مرتبكة , فاصلحها بيديكَ .. و لا تدع غيرك ينقل لك قدمك !
    ,, يذكرُ دائما حسابه الخاص من الوجع
    سنة واحدة تعادل عمراً موجوعاً تألمت هي خلالها و هو , و استراحت بعد انقضاء السنة , و سبع سنواتٍ بعدها تخصه هو و تعادل عمر الأرض كله و أوجاع الخليقة منذ بدأها الله إلى الآن !
    في عامها الأخير قالت له : لم أجد الوقت الكافي لتدليلك !
    و يقسم أنه ما خُلقت أمٌّ دللت طفلها مثلما فعلت!
    كانت فريدةً جداً في توجيهها , أعطته ما يخصه من اختيار , حتى حينما أحست بأنه يدخن , كان كافياً أن تصفعه ليظل باقي عمره يكره شكل السجائر ..
    لكنها ضربت بيدها على صدره , و قالت له إنه ليس ملكك , رد الأمانة إلى صاحبها رداً جميلاً و لا تعِبها !
    حتى حينما كان يقرأ , كانت تُخبىء قصصه و كتبه عنه في امتحاناته و تخرجها له باقي أيام العام , و الآخرون يحرقون ما تخرجه له !
    حتى حينما اكتشفت وجود مجلة اقترضها من زميله في الدراسة , و كان بها من الصور ما يشين , لكنها كانت متداولة على الأرصفة تأتي من بلاد الشام !
    أمسكت المجلة و فتحتها أمام عينيه و اشارت إلى صورة إحداهن فيها و قالت : لم أنجبْ لك أختاً !
    ففهم ما تريد , لم يكررها في مراهقته ثانيةً !
    خاصمتْهُ ليالٍ ثلاث لانقطاعه عن الصلاة , و كانت لا ترد تحيته .. تعد له فطوره و تتركه يُفطر وحده , وفي الليلة الثالثة قالت له : سأُسأل عنك َ و تُسألُ أنتَ عنها , و كلٌّ مردودٌ لأصلِه !

    حتى عندما كان يكتب , كانت تطلب منه أن يقرأ لها , كانت تفهم ببصيرتها و من ملامح طفلها ما يريد أن يقول و تقول : صغيرٌ أنت على هذا .. و تضحك !
    حتى في نتائجه الدراسية , كان يأخذ الطريق نهباً ليصل إليها و يجدها على الباب .. و تبدي عدم الرضا في البداية , ثم تضمه و تقول : أنت الأول.. و لكن يمكنك أكثر !
    في أول سفره و اغترابه , و لأول مرة يفارقها .. رقدت على سريرها من مجرد الفكرة , و كان لابد من ذلك إنها الجامعة و الدراسة.. , لكنها نهضت و أحضرت له كوباً من الماء و لم يفهم... لماذا يشرب قبل المغادرة , و فهم متأخرا جدا , يشرب الماء من يدها ليعود لها ! , تُرى لو شربت ماءً من يديه لكانت عادتْ له ؟!!
    و عاد و سافر ليجدها لازالت ترقد , لكنها ازدادت شحوبا و اقتربت أكثر ببياضها من الملائكة , و سافرو عاد ... و هكذا لعامٍ كامل يتوجعان هو و هي, هي على سريرها و هو بين القطارات و وجوه الغرباء , لم يكتمل العام إلا و قد سافرت هي إلى الرفيق الأعلى , و كان هو في سفره , ليعود و يواجهه اتشاح السواد و العيون الباكيات !
    يقول في بكائه : لم أجد الوقت الكافي لأقول لها إنّي أحبُّكِ - أو لم يتسع له الوقت بما يحملها لها من ارتباط - ربِّي أريد الموت !
    و لم يقتله حزنه و لم يدعهُ يعيش .
    أوصتْه على أهله جميعاً و لم توصِ أحداً عليه , شددت عليه بأهلها : خَوالُكَ و بنوهم أهلي و هم أقرب إليك رحما , و بنت خالك أقرب من بنت عمك و لو أحببتها !
    و لكنّه أحبََّ ابنة عمه , و لم ينلها , و نفر من ابنةِ خاله !
    و أوصته برفق : أبيكَ ظهركَ و أنت من ظهره , و أخوتكَ أخوتكَ و إن لم يكونوا من بطني ..!
    لكنه تقلب مشوياً بين ظهرٍ و بطنٍ !
    ..
    هذا الذي يعودُ في زياراته ضيفاً ثقيلاً , يشرخه باب البيت في مصافحة خشبية لا حرارة فيها , و على هذا يجد مصافحة الباب بها من الود أكثر من لقاء الأهل !
    يجد الوقت للقراءة , و رياضة التنفس في الحقول , و قضاء الليل على سطح الدار مرسلا دمعه و بصره صوب السماء , كلما هبط إلى صحن الدار نهاراً صعد في دمه صوت أمه مُغطياً على صوت زوجةِ أبيه , و كلما صعد إلى غرفته , هبط قلبه إلى العميق الغميق من ذكرياته القريبة !
    أبوه , لا يجيد التنكر , فقط ينظر له بعطف ثم يخرج ليتابع أعماله , و لو تكلم فإجابة واحدة : تريد نقودا ؟!
    صغيرةٌ أختُه من أبيه , تجيد الضحك بعفوية تماماً حين يعلمها الشطرنج , و تسأله : لماذا الوزير بالذات يتحرك حراً ما عدا حركة الفيل !
    فيجيبها : الوزير , فاقد الأهلية , يحمل حقيبته في يده , لكن الفيل معدود الخطوات ثلاث , واحدة , نفس نسبة إخوتكِ الذكور إليَّ !
    لها لكنة في الإنجليزية يحبها , خاصة في " I don't know " فيبتسم و يجيب ; ليتكِ تظلّين هكذا بريئة !
    لا ترتاح زوجةُ أبيه لحبِّ ابنتها لأخيها , استنادا لخلافات إنسانية قديمة تعود لتاريخ ما بعد أدم , لكنها فقط ترمقهما من الشرفة في جلوسهما أمام الدار تحت تكعيبة العنب بنظراتها غير المطمئنة , ثم تنادي على ابنتها لأي غرضٍ كان !
    يقول لأخته : ستكبرين و تفهمين , هذا إذا كنّا مجتمعين في دار الفناء هذه , كم أحبِّكِ !
    ببساطتها و عفويتها , تستقبل حبَّه هذا و ترده بامتنان ظاهر , و حباً مثيلاً باطناً , لكن إخوتها يكدرون صفوها البريء في افتعال مشكلات لا بد و أن يكون هو سببها !
    الصغيرة تتفهم سبب حزنه الدائم و لو لم تسأله , تخفض صوتها في ندائها لأمها " يا أمي " و أحيانا لو كان حاضراً معهم تكتفي بقول " يا حاجة " !
    هو أيضاً يتجنب توجيه نداء بصيغة أو أخرى لأمها فيقول " يا حاجة "
    تفعل به كلمة واحدة فعلاً يسيطر عليه و يكاد يفتك به , يحدث هذا من أخوته في ندائهم على أمهم و الكلمة شدّ ما هي جارحة !
    و رغم هذا فإنه لا يرى تفكيره في تعمد إخوته لهذا صواباً , فهو حقهم المشروع تماما , و لا يستطيع فرض اي شيء في عقله , لكنه الشعور الذي يشد الجلد عن جسده و يتركه عارياً !
    يخرج بعدها ضيقاً ضيقاً, قليلاً قليلاً , يمشي في اتجاهٍ و لا اتجاه , إلى حد تعبه ثم يرتاج إلى ظله في أي حقل , تنتهي خطواته به دائما إلى حيث الساقية القديمة و شجرة الصفصاف , و يحاول البكاء , و يهتف بنفسه : كم أنت قليلاً , كذا العصفور الذي يشدو على الصفصاف , لكن العصفور أكثر منك , له أمٌّ و عشٌّ و أهل !
    يرتاح للشجرة بظهره كأن الشجرة هي أبوه , و يعطي وجهه للساقية التي لا تدور!
    ..
    - إيهٍ .. يا حبيبة !
    لا يوجد ما هو أثقل من حقيبته الصغيرة تلك , جرجرها ورائه في كل سفر , و ما اعترضت , يقفُ فارغاً إلا من وجه أمه على الرصيف و القطار يعلي نشيجه الخاص به !

    -إيهٍ ..يا قطار ! , تُلاقي , و كم تُلاقي .. تودع , و كم تودع , وجهك وجهي و عجلاتك أقدامي , فخذني !
    يأبى القطار أخْذهُ , و يقنعه أن يحمله...!

    كل مرةٍ يفعل , و لا يسأل القطارَ إلى أين تأخذني !

    ..
    ____________________________________

    ليست أقصوصة , ربما هي وجع شخصي !
    ..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    331
    هي جميلة وعطرة ولغتها ساحرة
    بورك المداد

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •