Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 21
  1. #1

    "آنّا كارينينا" .. كحقيقة ذات أهمية خاصة.

    هذه قراءة لرواية الروائي الروسي الكبير ليف تولستوي " آنا كارينينا ". الرواية من إصدار دار الفكر اللبناني, وترجمة الأستاذ صياح الجهيم. عدد صفحات الكتاب 1200 صفحة في مجلدين, كل مجلد 600 صفحة من القطع الكبير. هذه القراءة ليست قراءة نقدية, وإنما مجرد انطباعات بسيطة أردت الكتابة عنها. ولا يوجد في هذه القراءة أي حرق للرواية لمن أراد القراءة.

  2. #2
    " آنا كارينينا" كحقيقة ذات أهمية خاصة "




    ماذا سأكتب عن الروائي الكبير تولستوي ورائعته الخالدة "آنا كارينينا"؟
    بحق, أنا لا أعرف الآن عن ماذا أكتب بعد أن أنتهيت من آنا كارينينا, والتي ستكون خاتمة قراءتي للروايات هذه السنة.

    أنا أعرف تولستوي المفكر, الفيلسوف, وداعية السلام, ولكن لا أعرف من هو تولستوي الروائي. كانت تجربتي الأولى مع تولستوي في بداية عشقي لقراءة الرواية. قبل سنتين في أحد المنتديات سألت الأصدقاء عن رواية الحرب والسلم ذات الأربع مجلدات الكبيرة الحجم, كان سؤالي منصباً في نقطة واحدة, هل هذا العمل يستحق القراءة؟ يجب أن أوضح أني طرحت السؤال بعد أن حصلت على كامل مجدات الحرب والسلم. لقيت تشجيعاً آنذاك لقراءة الرواية, وقررت بتهور وبدون تعقل أن أبدأ بقراءة الحرب والسلم. ارتكبت خطأً جسيماً بقراءة الحرب والسلم إذ كنت معتاداً آنذاك على قراءة أعمال لا تتعدى الثلاثمائة صفحة, كيف تجرأت على قراءة عمل عدد صفحاته أكثر من ألفين وخمسمائة صفحة؟ لا أعلم, ورغم ذلك بدأت القراءة, وتوقفت عند الصفحة المائتين وأنا ساخط على تولستوي وعلى أسلوبه وطريقته في الكتابة, وروايته التي توصف بإلياذة العصور الحديثة ولم أراها إلا شيئاً عادياً لا يستحق القراءة.

    تركت تولستوي, ولم أكن قد طرقت باب الأدب الروسي من قبل. ولكن, لماذا يوصف الأدب الروسي بالأدب العظيم ؟ لماذا أدبائهم يشار إليهم بالبنان و شهرتهم تخطت الآفاق وأصبحوا مثالاً للروائيين العظام الخالدين؟ لماذا لم تعجبني الحرب والسلم؟

    هذه الأسئلة كانت في ذهني بشكل مستمر. حاولت أن أجد مدخل لقراءة الأدب الروسي ولم أجد أجمل من الروائي الكبير مكسيم غوركي, سليل نوفجراد المُرّة. الفضل في ذلك يعود للزميلة العزيزة أشعار. تعرفت عليه من ثناءها عليه. طرقت بابه ولم يردني خائباً. إن مكسيم غوركي هو البوابة الحقيقية الأولى للأدب الروسي الخالد. من خلال سيرته الثلاثية, طفولتي, وبين الناس, وجامعياتي, وروايته الخالدة " الأم " ستعرف كيف يكتب الأديب والإنسان الروسي عن الإنسان, والعمال, والفقراء, والمساكين, والعائلة, والنبلاء, والثوار, والأهم : الله.

    انتهيت من مكسيم غوركي وأنا في غاية الفرح لدخولي الأدب الروسي مع ملاحظة بسيطة أثارت إهتمامي جداً, وهي الصور الأدبية لمكسيم غوركي عن تولستوي. عادت إلي صورة تولتسوي بعد أن تخليت عن قراءة أعماله. في أحد مجلداته المترجمة للعربية من دار رادوغا قرأت ملاحظات لغوركي عن معلمه تولستوي. يقول فيها : صعقني قول غريب في اليوميات التي أعطاني إياها تولستوي, تلك العبارة هي " الله هو أمنيتي ". حينما استوضحته عن معنى هذه الأمنية قال :"فكرة غير مكتملة, لا بد أني قصدت إلى القول, الله هم أمنيتي كيما أدركه .. لا , ليس هذا .. "

    كان تولستوي حسب تصور غوركي, ومن أحاديث جانبية بينهما, تشغله فكرة الله حتى تكدر صفاء ذهنه. ويلوح أنها ليست فكرة, بل مقاومة عنيفة لشيء يشعر أنه محكوم به. كانت أحاديثه المفضله " الله و الفلاح و المرأة". ونادراً ما يتحدث عن الأدب. يقول تولستوي في بعض أقواله المذكورة في ملاحظات غوركي" ماذا نقصد عندما نقول أننا نعرف؟ أعرف أنني تولستوي, ولي زوجة, وأولاد, وشائب الشعر, وقبيح الوجه, ولي لحية. وهذا كله مدون في جواز سفري. ولكنهم لا يدلفون إلى الروح في جوازات السفر! كل ما أعرفه عن روحي أنها تتوق إلى الاقتراب من الله. لكن ما هو الله ؟ هذا الذي روحي هي ذرة منه. هذا هو كل شيء. كل من تعلم أن يفكر يكتشف أن من الصعوبة أن يؤمن, ولكن المرء لا يستطيع إلا أن يحيا بالله عن طريق الإيمان. "

    أثارت هذه الأحاديث في نفسي شيئاً لقراءة تولستوي من جديد, ولكن لم أعقد العزم أو أفكر بقراءته من جديد في الوقت الحالي.

    البوابة الثانية لدخولي ميدان الأدب الروسي كانت عبر الروائي الكبير فيدور دستويفسكي. إن مجرد ذكر اسم هذا الروسي يبعث في نفسي التعطش للمعرفة أكثر عن هذا الإنسان الأديب, وعالم النفس الكبير. القراءة له يعني أنك دخلت في أعماق الأدب الروسي الأصيل. أنا متأكد أنك ستجد عنده بعضاً من تلك الأفكار الدفينة التي لا تجسر على الإسرار بها حتى لنفسك، وأقل من ذلك لصديق قريب. عندما يمنحك هذا الرجل الذي اعترفت له بكل أعماقك غفرانه, عندما يقول لك" آمن بالخير، آمن بالله، آمن بنفسك "، فمن المؤكد أن في ذلك شيئا يسمو على تحليق الفنان أمام الجمال، شيئا يتجاوز عظات ذلك النبي المتجبر، المنعزل عن الجميع.

    أثناء بحثي في سيرة دستويفسكي ظهر لي من جديد تولستوي ثلاث مرات على الأقل. عندما قرأت مذكرات زوجة دستويفسكي آنا غريغور شاهدت أعمال تولستوي تؤثر في حياة دستويفسكي الشخصية, وفي أراءه الأدبية. عندما كانت زوجة الروائي حاملاً أخفى دستويفسكي عن زوجته أحد مجلدات رواية لتولستوي يصف فيها وفاة زوجة أحد أبطال الرواية أثناء الولادة. فقط, لمجرد أن الوصف الفني البارع كان مذهلاً ورائعاً. كان هذا هو تأثير تولستوي في حياة دستويفسكي الشخصية, أما بالنسبة لأراءه الأدبية فيكفي هذا القول لدستويفسكي في مذكرات زوجته عن رواية تولستوي "آنا كارينينا". كان يقول أن :آنا كارينينا هي الكمال الروسي كإنتاج أدبي, ولا يمكن مقارنته بأي عمل آخر في الأدب الأوروبي. إنها رواية لم يُسمع بمثلها من قبل, إنها الأولى, ولا يمكن لأي كاتب من الكتاب الروس أن يكتب عملاً يساويها. " من في أوروبا يستطيع أن ينتج شيئاً مماثلاً؟ بل هل كان في أدب الأوربيين خلال السنوات الماضية وقبلها بكثير إنتاج أدبي يضاهيها ؟"

    إن حديث دستويفسكي يجبرك على قراءة آنا كارينينا بلا تردد. هذه السنة أصبحت أكثر شغفاً واستعداداً لقراءة الأعمال الأدبية الكبيرة. قرأت الجريمة والعقاب - ألف صفحة - وكانت رائعة ومجنونة. و قرأت البؤساء - ألف وستمائة صفحة - وكانت بالنسبة لي رحلة عظيمة دخلت فيها عالم فرنسا, عالم فيكتور هيجو الروائي الكبير. لم أعد أطيق قراءة الأعمال الصغيرة, أريد قراءة رواية كبيرة, يوجد فيها كل الجنون الذي قرأته في بؤساء هيجو وجريمة وعقاب دستويفسكي. كانت خياراتي محدودة. دستويفسكي عبر الأخوة كارامازوف أو الأبلة, أو دون كيخوته لسرفانتس, أو فاوست لغوته. لم يكن الخيار مطروحاً أبداً لقراءة تولستوي بسبب موقفي منه بعد الحرب والسلم. ولكن, ألا توجد لتولستوي أعمال أدبية غير الحرب والسلم؟ هناك عمل لم يكن مطروحاً أمامي, رواية آنا كارينينا. ستكون هذه الرواية إما البوابة الأولى لقراءة الحرب والسلم أو تكون الباب الأخير لعدم قراءة تولستوي أبداً.

    وبعد قراءة الرواية سأجيبكم بلا تردد :
    " آنا كارينينا كانت البوابة الحقيقية للدخول لأعمال تولستوي. هي كما وصفها دستويفسكي بالضبط, هي الكمال الأدبي على أتم وجه .. هي رواية عظيمة لا تموت أبداً "


    بعد أن تقرأ رواية, أي رواية أثارت في نفسك الفضول والتعطش للمعرفة, يجب عليك أن تبحث عن أساسيات الرواية, عن أبطالها في فكر المؤلف, والأهم من أين أتى الإلهام لكتابة هذه الرائعة البديعة.

    فكرة كتابة آنا كارينينا موجودة بالتفصيل في المؤلفات التي كتبت فيما بعد عن تولستوي, منها زوجته التي قالت أنه كان يتخيل نموذج امرأة متزوجة من المجتمع الراقي, مهمته حول هذه المرأة أن يجعلها بريئة يرثى لها, وحالما تخيل هذا النموذج تجمعت نماذج الرجال التي تخيلها سابقاً. يقول أحد أصدقاء تولستوي في تفصيل لهذا القول أنه قال لي : " كان ذلك في وقت ما بعد الغداء, في مثل هذا الوقت تمددت على الديوان ورحت أدخن, هل كنت سارحاً في أفكاري؟ أم كنت أتصارع مع الحلم؟ لكنني لمحت فجأة مرفق يد عارية لامرأة أرستقراطية مرّ أمامي. وبدون إرادة رحت أتفحص الرؤية. فظهر الكتف ثم العنق وأخيراً الصورة الكاملة لامرأة جميلة في فستان السهرة, كانت كأنها تتضرع إلي بعينين حزينتين, وغابت الرؤية, لكنني لم أستطع أن أتخلص من نفس الإنطباع الذي أحدثته لي. إذ كانت صورتها تلاحقني ليل نهار, وكان عليّ أن أبحث عن تجسيد لها, تلك هي بداية آنا كارينينا".

    هذه الرؤية أو الإلهام كانت البداية لآنا كارينينا. هناك عدة أمور رئيسية أسهمت في كتابة هذه الرواية, وهي تتعلق أولاً بتأثير بوشكين, الأب الروحي للأدب الروسي, والإنسحاق والفضاعة أمام مشهد زلزل قلبه.

    في مقال أدبي لدستويفسكي بعنوان " آنا كارينينا كحقيقة ذات أهمية خاصة " يشير إلى بوشكين كأب حقيقي وعبقري روسي يشار إليه بالبنان. المصدر الأساسي لآنا كارينينا حسب المقال ليس من أوروبا, بل من بوشكين نفسه كإثبات قوي وساطع على استقلال العبقرية الروسية وتفردها. يروي تولستوي كيف أنتهت فكرة آنا كارينينا. كان يقرأ كتاب لبوشكين, وهناك يوجد مقطع يقول " اجتمع الضيوف في المنزل الصيفي ", وراح بشكل عفوي ودون أن يدرك لماذا , يفكر بالشخصيات والأحداث بشكل جميل وعنيف وخرجت تلك الرواية المعروفة ب" آنا كارينينا". في هذه النقطة يظهر تأثير بوشكين الحاد, كيف لا, وبوشكين بالنسبة لتولستوي هو الروعة والجمال, إن بوشكين ينخرط فوراً في صلب العمل, أما غيره فكان عليه أن يبدأ بوصف ضيوف الغرفة, أما بوشكين فيقودك إلى الفعل مباشرة. كان تحمس تولستوي كبيراً حتى قال للناشر أنه سينشرها في ظرف أسبوعين, وهو لا يدري أنها ستستمر لأكثر من أربع سنوات, وتتحول من قصة قصيرة إلى ملحمة عريضة متماسكة تضم في صفحاتها أكثر من مائة وخمسين شخصية.

    كان هذا التأثير الأول في الرواية, أما التأثير الثاني وهو الأهم, وكان موجوداً بشكل عنيف ورائع في الرواية, فهو الشعور بالإنسحاق والألم جراء أحد المشاهد. سأخرج قليلاً من تولستوي لأتحدث عن هذا الشعور الغريب عند الكتاب الروس. عندما كان الزوجان دستويفسكي و آنا جريغور يستقلان قطاراً ليأخذهما من بادن إلى جنيف، توقف الزوجان لمدةٍ يومٍ في مدينة بازل. لم يكن توقفهما في تلك المدينة الصغيرة محض مصادفة، فلقد كان دستويفسكي ينوي التوجه إلى معرض بازل لمشاهدة لوحة محددة قرأ عنها في مذكرات رحالة روسي. هذه اللوحة تُدعى "جسدُ المسيح الميت في الكفن" للفنان السويسري هولبن. تقول آنا جريجور في مذكراتها عن الانطباع القوي الذي تركته تلك اللوحة على نفسية زوجها الحساسة: "في الطريق إلى جنيف، توقفنا ليومٍ واحدٍ في بازل، و في نيتنا أن نرى اللوحة التي سمع بها زوجي من أحدهم. هذه اللوحة، و المرسومة بريشة هانز هولبن، تصور عيسى المسيح، بعدَ أن قاسى من العذابات ما يفوق طاقة البشر، و قد أنزل من الصليب و أُسلم للتحلل و العفن. وجههُ المنتفخ مغطى بالجراح الدامية، و قد بدى مفزعاً. اللوحة تركت انطباعاً هائلاً على زوجي، و لقد توقف أمامها كما لو أنه مصعوق..بعدَ أن عدتُ إليه بعد ما يقارب الخمسة عشر إلى عشرين دقيقة، وجدتُ زوجي لا يزالُ واقفاً أمام اللوحة و كما أنه مربوطٌ بها. بدت على وجهه المهتاج تلك الملامح المفزوعة التي اعتدتُ أن أراها في اللحظات الأولى السابقة لنوبات الصرع التي تداهمه. أسرعتُ بإمساكه من تحت ذراعه، و أخذتهُ إلى غرفة أخرى، و أجلسته على كرسي، مترقبةً في أي لحظة مجئ نوبة الصرع، لحسن الحظ أنها لم تأتِ." .. هذه اللوحة كانت تشكل البنية الأساسية لكتابة دستويفسكي لرائعته الخالدة " الأبلة ".

    تولستوي تعرض لنفس هذا التأثير وإن كان بشكل أشد. تنامى إلى مسامعه وقوع حادث لامرأة في الريف, فيرده هذه الحادث إلى المرأة الأرستقراطية التي ظلت رشدها في نظر المجتمع بسبب الحب. هذه المرأة هي آنا بيروغوف, وهي عشيقة لأحد التجار خيب الحب آمالها, فعمدت إلى إلقاء نفسها تحت عجلات قطار لنقل البضائع. نقلت هذه المرأة بعد الحادث إلى محطة صغيرة, وهناك يشاهد تولستوي هذه المرأة متأملاً طويلاً. تقول زوجة تولستوي : رآها تولستوي عارية الجمجمة, منزوعة الملابس, مقطعة الأوصال, كان تأثير هذا المشهد مروعاً وانغرس عميقاً في نفسه.


    ماذا سأكتب عن رواية آنا كارينينا؟ عن أبطالها المذهلين, عن القصة والأحداث, أو عن الشخصيات, آنا, كيتي, دوليا, فرونسكي, ليفين, ستيفان, كارينين. لما لا يكون الحديث عن فيلسوف الرواية مثلاً سيرج, أو عن نيقولا الثائر! ماذا سأكتب عن فتنة جمال آنا , الشخصية الرواية الأولى في خالدة "آنا كارينينا"؟ تصوير تولستوي لهذه الشخصية تخطى حدود الجمال ليصل إلى أعمق نقطة في الجمال نفسه. كانت ساحرة جداً. كانت رسول العناية الإلهية الذي جاء من بطرسبورغ إلى موسكو لتحقيق المصالحة في بيت أوبلونسكي وليحقق السلام بين الزوجة المخدوعة والزوج المتقلب, ولم تكن تدري أنها ستكون في هذا الوضع بشكل أكثر درامية. حين تقرأ هذه الرواية ستجد أن مجرد نظراتها فقط لشخصيات العمل الآخرى ذات تأثير عميق في نفوسهم. كانت عيناها تتحدث في الرواية. وإلا كيف بنظرة واحدة فقط زلزلت نفس الكونت فرونسكي في مشهد سكة القطار الخالد. في أحد الحفلات التي حضرها تولستوي لفتت انتباهه امرأة فائقة الجمال, كانت هذه المرأة هي ابنة بوشكين, وكانت هي النموذج الخارجي وليس الداخلي لشخصية آنا كارينينا.

    العنصر الذاتي في الرواية أعطى هذه العمل ديناميكية أكثر عبر شخصية قسطنطين ليفين. تلك الشخصية التي لم تكن إلا تولستوي نفسها. كتب تولستوي عن نفسه في هذه الرواية وعبر عن أكثر أراءه بشكل حاد. من سيقرأ بعض ما كتب في مذكرات تولستوي سيجد أغلب أفكاره مطروحة في شخصية ليفين. من أنا؟ وأين أنا؟ ولماذا أنا ؟ وما هو هدف حياتي؟ والأهم : أين الله؟ من هو الله؟ وكيف أحيا بوجود الله؟ ماهو الوجود؟ ولماذا أنا موجود؟ هذه الأسئلة لإنسان مغرق في الشك - وملحد - كانت ذا تأثير عميق في الرواية, وتفنن تولستوي بتصويرها بأروع ما يكون التصوير الفني. كان ينقص ليفين اليقين لكي يرتاح. كان الصراع النفسي والديني يشتعل سريعاً ويثور في أوقات مفاجئة. الجواب يظهر في نهاية الرواية بشكل رائع جداً. يقول تولستوي :" بعد سنتين من هذه الحياة مع الشعب, حدث في تحول. إن حياة أمثالي من الأغنياء والمتعلمين لم تبعث في نفسي إلا الإشمئزاز, وبدت لي فارغة من المعنى. ظهرت لي جميع أفعالنا ومشاغلنا الفكرية وفنوننا وعلومنا بمظهر جديد. حينذاك استطعت أن أرى الأشياء جميعاً بوضوح". هذه الحقيقة التي بحث عنها الكاتب بكل تعطش لليقين يجدها في كلمات الفلاح البسيط :" إنه يعيش من أجل روحه, ولا ينسى الله". إن أحلام ليفين عن حبه للمرأة وعن حياته العائلية إضافة للتأثير الهائل الذي أصابه من موت أخيه كل هذا كان من حياة تولستوي الشخصية. وتفاصيل علاقة ليفين وكيتي , كتفاهمهم بالحوار عن طريق كتابة الأحرف الأولى للكلمات, وقراءته ليومياته قبل الزواج وخوفه ورغبته بالفرار, ويوم العرس, وطبيعة الأيام الأولى للزواج, وأشياء كثيرة أخرى تصور علاقة ليف تولستوي بصوفيا أندريفنا عندما كانت مخطوبة له, وبعد زواجهما. حتى مشهد حصاد القمح الرائع في الرواية, لم ينتج هذه المشهد إلا من تجربة الكاتب الشخصية, كان مثل ليفين, يفتخر بأنه لا يقل رشاقة وعناداً من الفلاحين.

    تبدأ الرواية بهذا السطر " جميع الأسر السعيدة تتشابه, لكن كل أسرة تعسة فهي تعسه على طريقتها". وبعد قراءة أول سطر يتفنن تولتسوي في تعرية الأسر التعيسة - وعلى طريقتها الخاصة-. قصة الأسرة السعيدة تحتاج إلى بحث عميق ومفصل, من خلالها يصل تولستوي إلى قناعة بأن الإنسان الشريف والمفكر لا يستطيع أن ينقذ الأسرة من عواصف الزمن, إذا كان يعاني من شعور القلق الداخلي وعدم الارتياح, حتى لو تأسست الأسرة على قواعد سليمة . ثم تقترب خطوط الرواية بشكل متوازن لكل من آنا و فرونسكي, وليفين وكيتي, عبر جو من القلق وانتظار الحلول. ويقود التحليل لهذه العلاقات إلى فكرة تعاسة العالمين لكل الأبطال. هذه الرواية عبرت عن الذنب الإنساني والجريمة الإنسانية في ظروف غير عادية. كان الشر موجوداً قبل وجود تلك الشخصيات التي أُجبرت على الكذب. تنسج صورة بطلة الرواية " آنا " في النص الأخير من معالم إيجابية وسلبية. لم تعد مثالاً عالياً سماوياً لأبطال الرواية, إذ كانت متعنته أحياناً وحادة ومنفعلة. كانت إنسانة أرضية متحمسة " لست مذنبة كون الله خلقني هكذا, أن أكون بحاجة أن أعشق وأعيش".

    عند بداية قراءة الرواية أخبرت أحد الأصدقاء المقربين بهذه الرواية. أخبرني هذا الصديق - وهو مولع بالأدب الروسي كثيراً - أنه قرأ الرواية, وأحبها كثيراً, لكنه عاقد العزم على ألا يقرأ للروس مرة أخرى, لأن الأفكار المطروحة في الرواية غير معقولة وتعصف بالعقل وتغير وجهة النظر بطريقة دراماتيكية. كنت حينها أنهيت الجزء الأول من الرواية ولم أعرف بالضبط ماهي هذه الأفكار؟ والآن, وبعد أن أنتهيت من قراءة الرواية وجدت هذه الفكرة تظهر لي بوضوح شديد. هل آنا كارينينا مذنبة؟ هل ارتكبت جرماً شديداً؟ هل يدين تولستوي آنا أم يبرئها؟ هل هو محام لها؟ أم قاض عليها؟ أذكر بعد الإنتهاء من الجزء الأول أني جداً حاقد على شخصية آنا وتطرفها في تنفيذ مخططاتها, واعتبرتها مذنبة. ولكن بعد قراءة الجزء الثاني, اختفت لدي الرغبة في إتهام آنا.

    أعود لمقال دستويفسكي الذي فصل شخصية آنا بشكل أكبر وضوحاً وبشكل رائع. وكيف تحل مشكلة آنا؟ وهل هي مذنبة؟

    بالإمكان حلها حسب دستويفسكي وفق طريقتين. الأولى تتمثل بوجود القانون الذي كتب وشكل على مدار آلاف السنين. وفيه الخير والشر محدد الملامح. هذه الطريقة في نظر دستويفسكي جداً حمقاء, لأنه ينفذ بدون مراعة لشعور الإنسان ويتم تطبيقه بشعور أعمى. من غير الممكن إعداد تصور نهائي للإنسانية ونحن في وسط الطريق. أما الطريقة الثانية وهي نقيض ما سبق. يقول دستويفسكي :

    " بما أن المجتمع مشكل بطريقة غير صحيحة فليس لك الحق أن تسأل أفراد هذا المجتمع عن نتائج أفعالهم, أي أن المجرم غير مسؤول, والجريمة بالتالي غير موجودة, ولكي ننتهي من الجرائم والأخطاء الإنسانية يجب أن ننتهي من تشوه المجتمع وتركيبته الخاطئة. وبما أن علاج النظام القائم للأشياء سيكون طويلاً ودون فائدة, ما عرفنا له دواء حتى الآن, فيجب هدم هذا المجتمع وكنس هذا النظام بمكنسة! وعندها تستطيع أن تبدأ ببناء كل شيء من جديد, وعلى أسس أخرى مازالت غير معروفة, ولكنها بطبيعة الحال ليست أسوء من أسس النظام الحالي, بالتالي فهي فكرة قادرة على تحقيق النجاح ولا سيما حين يتم اعتماد العلم أساساً لذلك. وعليه, فالحل الثاني كما رأينا يتجلى في انتظار عش النمل المستقبلي, وإلى حينها يمتلئ العالم بالدم. إن عالم أوروبا الغربية لم يقدم أي حلول أو طرائق أخرى لمسألة الذنب والجريمة بينما عالج كاتب آنا كارينينا المسألة بوضوح ورأى أن لا عش النمل ولا أي انتصار للفئة الرابعة, ولا أي قضاء على الفقر, ولا أي منظمة للعمل يمكن أن تنقذ الإنسانية من انحرافها, أي من الذنب والجريمة. لقد عبر عن ذلك من خلال معالجة نفسية عميقة للروح الإنسانية, وبقوة سبر نفاذة مهيبة, وصور كل ذلك في رواية أدبية واقعية لا يوجد مثيل لها عندنا حتى اليوم. إن الشر يسكن الإنسانية بشكل جلي وواضح أعمق ما يتصوره الحكماء. علينا أن نعترف أن قوانين الروح الإنسانية غير معروفة وغير مكتشفة من قبل العلم, وهي إلى الآن غير معروفة. بحيث لا تجد حكماء في هذا المجال أو قضاة نهائيين. لكن هناك من قال " الإنتقام عندي وفق ما اقترفت يداك". وهو وحده العالم بشر هذا الكون وبمصير البشرية النهائي. الإنسان لا يستطيع أن يأخذ على عاتقه حل أي مسألة بفخر كامل ببرائته. لم يحن الوقت لذلك. إن القاضي الإنسان يجب أن يذكر أنه ليس قاضياً نهائياً, وأنه نفسه مذنب, وسيكون القياس والميزان في يده من السخافة بمكان إذا لم ينحنِ وهو يحملها أمام قانون آخر سري وقائم على الحب والتسامح. لكي لا يموت الإنسان جراء يأسه وعدم فهمه لمصيره, وجراء قناعته, واستحالة تجنب الشر السرطاني السري, فقد تمت الإشارة إلى المخرج. وبشكل رائع ومذهل في الجزء العبقري من الرواية, في الفصل قبل الأخير منها, عند آخر مشهد للبطلة, عندما ظهر المجرمون والأعداء فجأة في صورة كائنات سامية تحكمها الأخوة, وتسامح بعضها بعضاً. وبالتالي تطرح من نفوسنا بفعل ذلك الكذب والذنب والجريمة. وتبرئ ذاتها مباشرة وهي في وعي كامل. وقد حق لها ذلك, ولكن بعد ذلك في نهاية الرواية, في مشهد مخيف وكئيب لسقوط الروح البشرية ومرسوم بتتابع مدهش وحثيث, يقدم حالة لا تقاوم, يوم سيطر الشر على الكائن الإنساني, وقيد كل حركة من حركاته, وشل مقاومته, ونوازعه الفكرية في الصراع ضد الظلمة, التي تسقط الروح عن قصد بشغف الإنتقام. في هذه اللوحة قدر كبير من الموعظة للقاضي الإنسان, لحامل القياس والميزان, الذي سيصرخاً فزعاً : لا ليس الإنتقام عندي وليس وفقاً لما اقترفت يداك. ولن يحمل المتهم ذنباً دون أي شعور إنساني, لأنه استهان بنور الهداية الأبدي المعروف. إذا كان لدينا مثل هذا الأدب الراقي بفكرته وقوته وتطبيقه فلماذا لا يكون لدينا لنا بالنتيجة عالمنا الخاص؟ وقراراتنا الإقتصادية والإجتماعية الخاصة؟


    وأنا أقرأ الرواية أقوم كالعادة بتدوين بعض الصفحات الضرورية. وعندما انتهيت وجدت نفسي غارقاً في عدة مشاهد خالدة, لا مشهد واحداً أو اثنين. بل عدة مشاهد. تولستوي في آنا كارينينا لم يكن كاتباً روائيا صغيراً يكتب بعض الصفحات ثم تُنسى بعد أن تفرغ من القراءة. هذه المشاهد ستبقى في ذاكرة القارئ لزمن طويل. لو طرح علي هذا السؤال : لماذا وصف دستويفسكي آنا كارينينا بالكمال الأدبي لقلت بلا تردد : بسبب المشاهد الخالدة. تولستوي كان يعزف, ويغني, ويبكي في تصويره الفني المذهل. كانت لقطة رائعة تلك التي تصور شوق ليفين للقاء كيتي في الجبال الروسية في مشهد التزلج. كان مشهد مثيراً وعاصفاً عندما يصور تولستوي اللقاء الأول بين آنا وفرونسكي في مشهد سكة الحديد, العيون كانت تتحدث, كانت تتحدث, هل رأيتم عيون تتحدث في رواية بدون كلمات؟ عندما تعبر بين الصفحات ستجد نفسك مع المدعوين في الحفلة, تطلب رقصة الفالس, في مشهد حفلة الرقص المجنونة, عندما تنهار شخصية, وتفرح شخصية, وترقص شخصيات, عائلات, انهيار عائلة, وبناء عائلة جديدة, ذلك هو مشهد حفلة الرقص. كانت شخصيات الرواية من الطبقة الراقية, فأين الخيول؟ إنها في السباق, في مشهد سباق الخيل, وبحضور القيصر, عندما تكشف آنا عن حقيقتها أمام زوجها, وتنهار آمال عشيقها. ليفين هو تولستوي في الرواية, هو العاشق للفلاحين والذي اهتز أخيراً في الرواية, أين تأثيرهم؟ ستجده في مشهد الحصاد, عندما يتحول ليفين النبيل إلى فلاح يشارك الفلاحين البسطاء الحصاد. إلحاد ليفين الذي لم يتفجر إلا في الأخير يصوره تولستوي بشكل رائع في الفصل الأخير من الرواية. الحياة التي يطمح ليفين في الحصول عليها تظهر بشكل رائع في مشهد الخطبة, وحفلة الزفاف, الكنائس كانت تعزف, الجمهور الحاضر كان يغني رغم الأخطاء الفادحة في الزواج. وأخيراً, والأكثر رعباً : مشاهد الحياة والموت!

    تولستوي كان مولعاً بالموت, مبهوراً به, ومن هنا ينبع احساسه العميق بالعدم كحقيقة أخيرة. كانت حياته كلها معركة لتأخير الموت, تأخير العدم, أو بالأحرى للسيطرة على الموت تماماً، بالنسبة إلى تولستوي من الأفضل للإنسان، إذا كان الموت نهايته الحتمية، ليس أن يؤخر الموت، بل أن يختار هو لحظته، في معنى أن الانتحار كان واحداً من مصادر إلهام تولستوي العظيمة، إذ أنه يجعل من الموت أمراً طوعياً مسيطراً على موعده تماماً.

    كان الموت عند فيكتور هيجو هو الطريق للوصول إلى الحرية والكمال الأعظم, ويقوم بتصويره بشكل هادئ, أما تولستوي, فإن الموت هو شكل آخر من الحياة يجب تصويره بكل قوة وأكثر درامية .. وبؤس! . في آنا كارينينا كان الموت حافلاً عبر ثلاثة مشاهد, المشهد الأول والتي اكتشفت فيه آنا شؤماً عليها هو مشهد إنتحار أحد العمال في سكة القطار, المشهد الثاني كان أكثر درامية من المشهد الأول, مليئاً بالألم, هذا المشهد هو مشهد وفاة أخ ليفين "نيقولا". تولستوي أظهر موهبته التصويرية في هذا المشهد, وحين معرفة سيرة تولستوي سنعرف كيف صور تولستوي هذا الموت القادم لهذا النيقولا. تولستوي لم يصور شخصية روائية, بل صور أخاه نيقولا الذي توفي بالسل. الموت يجب أن تكون له نهاية في الرواية, لم ينتهي الموت عند وفاة نيقولا, ولم ينتهي التصوير الفني للموت, يجب أن يكون الموت هذه المرة أكثر درامية وبؤساً وموتاً من قبل, ويخطف الأنفاس, هذا المشهد لن أتحدث عنه أو عن من هذه الشخصية التي رحلت. أقول بإختصار شديد, تولستوي فجر كل أراءه عن الموت في المشهد الأخير من الرواية. لم أقرأ في حياتي مشهد تصويرياً بديعاً للموت مثلما صوره تولستوي في رواية آنا كارينينا. عندما تقرأ هذا المشهد في البداية ستقول أن تداعي الذاكرة أو تيار الوعي هو المسيطر على هذا المشهد. وعندما تنتهي منه ستصرخ بكل جوارحك وسقول بكل قوة : ياألله.

    كان هذا جانب الموت في الرواية, فأين الحياة؟ هذه الكلمة - الحياة - في الرواية تعيد إلي صورة دستويسكي وهو يخبئ أحد مجلدات تولستوي عن زوجته فقط لأن تولستوي وصف مشهد مؤثر لعملية الولادة في أحد أعماله. أنا لا أعرف من هي هذه الشخصية الروائية, ولكن سأقول بلا تردد, يجب أن تكون هذه الشخصية هي آنا كارينينا وهي تعاني من حمى النفاس, هل قرأتم عن مشهد أنثى وهي تصارع آلام الحمى؟ لم أقرأ في حياتي مثل هذا المشهد الخالد. إن لم تكن الشخصية التي وصفها دستويفسكي هي آنا, فبالتأكيد, ومتأكد أنا من ذلك, أن الشخصية المقصودة هي شخصية كيتي زوجة ليفين. مشهد ولادة كيتي من المشاهد الخالدة في هذه الرواية. تولستوي يقدم صرخات طفل لم يكن موجود في الرواية, وفجأة يظهر لنا بهذه الصورة من الألم والشدة والصراخ واحتباس الأنفاس. بإختصار مشاهد الحياة والموت التي تفنن تولستوي في كتابتها هي الأكثر درامية وروعة في الرواية.


    عُدّل الرد بواسطة يوسف الجميعة : 22-08-2008 في 01:06 AM

  3. #3

    هل سأقرأ الحرب والسلم في المستقبل؟
    نعم ..وبكل تأكيد, ولكن ليس الآن. سأتوقف عن قراءة الروايات لأني استهلكت نفسي في هذا المجال
    وخشية أن لا يعجبني شيء بعد أن قرأت و - شاهدت - كيف يكون التصوير الفني الحقيقي في العمل الأدبي.

    روابط تهم القارئ عن تولستوي :
    دستويفسكي وتولستوي في الأدب العربي
    في بيت تولستوي
    حكم النبي محمد , وشيء عن الإسلام
    بدائع الخيال -عشر قصص
    السيّد و الخادم وقصص اخرى
    أول من صنع الخمر
    سوناته لكروتزر


    مراجع بعض المعلومات المذكورة هنا :
    مذكرات زوجة دستويفسكي // آنا غريغور
    صفحات مجهولة من حياة تولستوي // ك. لومونوف
    صور أدبية عن تولستوي // مكسيم غوركي
    عودة الإنسان // فيدور دستويفسكي

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    الردود
    8
    سعدت بقراءة اضاءاتك الممتازة حول الرواية . أهنئك
    قبل مدة قرأت مقالا في الشرق الأوسط لأنيس منصور صنف فيه أفضل 10 روايات قرأها و كانت رواية أنا كرنينا هي الأولى في التصنيف , مما دفعني لقراءتها
    صحيح أن الرواية مكتملة تماما لا تجد فيها نقيصة أو فجوة لكن في اعتقادي أنها ـ كما قال صديقك و كما لاحظت أنت ـ تمس بعض القناعات مثل الشرف .و الشرف عند الطبقة النبيلة في روسيا يختلف عنه عندنا نحن العرب نبلاء كنا أم عبيد و قناعاتنا كعرب لن تتزحزح على أية حال لأن الشرف جزء من الهوية العربية
    في نهاية الرواية تساءلت هل تولستوي يبرئ اناكرنينا أم يجرمها , لاحظت أنه أقام محاكمة لطريقتين في العيش حياة بسيطة واقعية غير طموحة تمثل طبقة الفلاحين و حياة مرتبكة المشاعر قلقة طموحة تمثل الطبقة الأرسطقراطية و لم تنتصر أي منهما على الأرض بل ماتت احداهما و لو مؤقتا و عاشت الأخرى و لو مؤقتا أيضا .
    ربما لازلت أعتبر أن هذه الرواية ليست الأولى حسب قراءاتي المتواضعة

    تحياتي لك

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2001
    المكان
    الجزيرة العربية
    الردود
    1,573
    كنت أحتاج لمثل هذا المقال ..

    مرت سنين طويلة وانا اذرع ردهات المكتبة جيئة وذهاباً امام روايات تولتسوي و صحبه متجاهلاً وجودها ..

    لماذا لم أقرأها ؟
    تماماً لنفس السبب الذي ذكرته انت .. وكأنك تحكي ما حدث لي .. فقد بدأت بالحرب والسلام .. وولكنني زهدتها بسرعة .. كنت أقل شجاعةً منك و صبراً وتوقفت بعد الخمسين صفحة الأولى ..

    اما بعد موضوعك .. فقد شجعتني يا يوسف للعودة لقراءة هذه الرويات ..

    جزيل الشكر و التقدير لعرضك الجميل جداً.


  6. #6
    في سن الخامسة عشره قرأت "آنا كارينينا" حسناً لست أذكر منها الا الخطوط العريضه وطمرت الذاكره التفاصيل الصغيره والتي ربما لم يستوعبها عقلي انذاك ولكن هي أثرت بنفسي بشكل او بآخر وضعتني امام أسئله عديده عن القلب والعقل وكيف يطغي الأول على الثاني وكيف يتحول الحب الى أشياء بشعه تغتال الروح ببطء وتجعل العقل يقرر في النهايه مصيره امام قناعتنا ببشاعة ماقرره ولكن تولستوي يأخذنا الى الأقتناع بنهايته التي وضعها عبر ذلك الصراع في نفس البطله ، عموما بعد قراءة ماكتبت أظن أني سأبحث عنها مرة أخرى لتتاح للناضجه بداخلي قراءتها بعيداً عن نظرة المراهقه .

    بالنسبه للحرب والسلام قرأتها مؤخراً وهي رائعه بتفاصيلها الصغيره ربما لاتصور مآسي الحروب كما صورتها رواية (دكتور زيفاجو) لبوريس باسترناك ببراعه وبألم عميق يجعلنا نتعايش معه الا ان الحرب والسلام تصور الحياه الأجتماعيه الروسيه في ذلك الوقت بكل دقه وبأسلوب رشيق عبر شخصيات متنوعه هي خليط من القوه والضعف بعضها يكون امام أثبات وجوده وولائه لوطنه عبر الأنضمام للحرب .

    شكراً لك على الأسلوب الشيق في السرد.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المكان
    في الركن البعيد الهادي !
    الردود
    1,019
    كنت هنا
    واستفدت كثيرا
    الروس أساتذه في وصف الحالات النفسيه
    وفي تركيب النص على الشخصية القائله
    لكن القلق عميق عندهم
    أكرر شكري

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المكان
    الباب العالي
    الردود
    1,272
    ذات محادثة .. سألني أحدهم عن أفضل الروايات ووأعظمها فكان جوابي رابط ملفك الشخصي ! (كنت أقصد البؤساء و آنا كارنينا)
    قراءاتك دوماً ممتعة ومفيدة , ولكني أجدك منصرف للأدب العالمي أو بالأصح كلاسيكيات الرواية العالمية , لا أدري لمه ؟! هل قرأت روايات عربية (غير شرق المتوسط ) أو لاتينية ؟

    شكراً يوسف .

    بالمناسبة مدونة رائعة

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    بداخلي مُدن !
    الردود
    359

    مفيد هو هذا الشريط بالأعلى . . .





    حسنًا حسنًا ، أنتَ شخص يمكنني أن أطلق عليه حُكم الشخص الذكي عاطفيًا؛ لأنّي سبق وقرأت "آنا كرنينا" وتركتُها مضطربة مرعوبة من هذا الفكر الفجّ وواقعيته البشعة تمامًا

    حتّى الحُب في الرواية كان عنيفًا بشعًا ، مع جماله طبعًا

    تأثرتُ كثيرًا بالألم الموجود فيها،وحزنت جدًّا على "المخطوف" منها حبيبها - نسيت إسمها !

    لكنّي - بصدق - لم أعرف ما هو الشعور الموحّد،أو الموقف الخالد الذي ترك الأثر في نفسي،كل ما عرفته أنها رواية جميلة اللغة ،ورواية رائعة للغاية!

    المهم - والذي استغربته من نفسي - أنّي حينما قرأت بأن البعض تتغيّر قناعاتهم تجاه بعض المبادئ ، مثل المبدأ الذي تبنّته كارنينا في الرواية،فلم أجد نفسي - إطلاقًا والحمد لله - قد تأثرتُ به
    بل على العكس كنت ناقمة عليها ، بل وكان وجهي يحمرّ غضبًا من "قلّة أدبها " !


    مقال جميل جدًّا؛ سحبني لمقالاتٍ أُخر ، فشكرًا لك : )

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المكان
    الرياض
    الردود
    15
    _ ماشاء الله تبارك الله يا " يوسف "
    أجدني أمام استعراض لـ الأدب الروسي .. بـ رمّتـه
    سمعت كثيراً عن " تولستوي " ولكن لم أقرأ لـه .. ترعبني المجلدات الكبيرة ..
    علّواً على ذلك ..
    دخولي لـ البوّابة الروسيّة كان عن طريق ( الجريمة والعقاب )
    جميـله .. وأكثر !
    لكن صدمت كثيراً بأنّي وقعت في فخّ المترجمين و حيل " الاختصارات "
    أتعلـم أن النسخه التي قرأتها لـ الجريمه والعقاب فقط مائه صفحه ؟! : (
    و الأصليّة حسب ماذكرته هُنـا ألف صفحـه .. تتـوقع فيه صدمـة أكثر من كِذا ؟
    أنوي اقتنـاء " الانسـان الصرصار " فحسب سلامه الذاكره بأنّها لـ ديستوفيسكي ..




    _ بخصوص أنا كارينينـا
    يبدو من استطلاعك أنها تغرق بالتفاصيل والمشاهد ,, و تصوّره لك كـ فلم درامي ..
    هذا النوع من الروايات .. جميل جداً وممتـع
    و يحتاج نفس طويـل ..
    مثـل روايه " مائه عام من العزلة "
    فهي تعتمد على قدره الكاتب في شدّنـا اليـه ..
    ويسحرنا بـ قلمه !
    وأجزم أن تولستوي جدير بذلك : )





    شكراً يوسف ..
    أعتذر على الاطـالة




    الله يرضى عليـك

  11. #11

    Smile مناقشه لمجرد ايكو (لاينصح بقراءتها لمن لم يقرأ الروايه)

    Quote المشاركة الأصلية بواسطة مُجرد ايكو عرض المشاركة
    لأنّي سبق وقرأت "آنا كرنينا" وتركتُها مضطربة مرعوبة من هذا الفكر الفجّ وواقعيته البشعة تمامًا

    حتّى الحُب في الرواية كان عنيفًا بشعًا ، مع جماله طبعًا

    تأثرتُ كثيرًا بالألم الموجود فيها،وحزنت جدًّا على "المخطوف" منها حبيبها - نسيت إسمها !

    لكنّي - بصدق - لم أعرف ما هو الشعور الموحّد،أو الموقف الخالد الذي ترك الأثر في نفسي،كل ما عرفته أنها رواية جميلة اللغة ،ورواية رائعة للغاية!

    المهم - والذي استغربته من نفسي - أنّي حينما قرأت بأن البعض تتغيّر قناعاتهم تجاه بعض المبادئ ، مثل المبدأ الذي تبنّته كارنينا في الرواية،فلم أجد نفسي - إطلاقًا والحمد لله - قد تأثرتُ به
    بل على العكس كنت ناقمة عليها ، بل وكان وجهي يحمرّ غضبًا من "قلّة أدبها " !


    مقال جميل جدًّا؛ سحبني لمقالاتٍ أُخر ، فشكرًا لك : )
    رعى أنتباهي ماذكرته عن تغيير البعض لقناعاتهم وفقاً لتأثرهم بروايه!
    حسناً من وجهة نظري الشخصيه الروايه وسيلة لفهم الآخر وليس لتغيير مفاهيمه بالنسبه لذلك الكم من... لنقل " العواطف الفجه" التي ذكرت في الروايه رغم اني لا أتذكر الكثير عن الروايه الا أنها مبررة الوجود كون الكاتب أخذنا الى عوالم المرأه الخائنه وجعلنا نشعر بها حتى لو لم نوافقها على خيانتها ولكنه أطلعنا على فكرها ,عاطفتها ،مبرراتها لنفسها للخطيئه ، وعليه تعاطفنا معها رغم أني لا أتعاطف بالعاده مع قصة اي زوجه خائنه ولكن بالمقابل أخذنا الكاتب الى مشاعر تلك الزوجه وجعلنا نشعر بها ونبارك لها قرارها النهائي رغم بشاعته ولكن تأييدنا له وفق مشاعرها أيضاً التي أجاد في وصفها الكاتب حتى نصل معها الى ذلك النفق المظلم والذي لا نهاية له الا ماقررته....

    أعذريني ولكن لم تكن تلك الأشياء التي جعلت وجهك يحمر غضباً شيء لامبرر لوجوده بل هو في صلب الموضوع رغم كرهي للروايات من هذا النوع الا ان "آنا كارنينا" العاطفه فيها ليست مقحمه أقحاماً بأسلوب فج ووقح كما يحدث في روايات عديده للروايات العربيه منها نصيب الأسد والتي ليست سوى أستغفال للقارىء ومحاولة نشر الفساد الذي يرتع في نفس قارئه.
    لذلك النقمه كما أراها هي التي يثيرها أبطال كثيرون صنعهم كتابنا وصبغوهم بأشياء خادشه للحياء لكي يسدوا الفجوات الفكريه والفنيه في رواياتهم بلا مبرر رغم دينهم الذي ينافي ذلك(وبرأيي ان الكاتب يعطي للاخرين صوره عن بيئته ودينه ) وكما أعلم ان تولستوي كتب عن بيئته التي تعج بتلك الخيانات عبر آنا التي كانت فعلاً خالده لفهم دوافع النفس الأنسانيه نحو الخطيئه ثم فهم كيف ان الخطيئه الصاخبه تقتل الحياة في نفس صاحبها .

    عذراً للكاتب على المداخله ولكن مجرد ايكو طرحت رد مهم وممتع للنقاش .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المكان
    في وطن الغربة
    الردود
    31
    يسرني أنك أعجبت بالقصة أنا من عشاق تولستوي
    وعموما أن كارنينا هي روسيا المريضة في فترة ما .
    أذا أردت معادلا لتولستوي طبعا دوستوفسكي الذي يمثل عبقرية الأحساس .وأتمنى أن تقرأ له رواية الأبلة.ومايزيد الأدب الروسي جمالا لو استطاع القارىء قرائته بالغة الأم الروسية .
    وأعظم مايميز تولستوي هي حياته نفسها ..
    دمت بخير

  13. #13

    كل عام والجميع بخير يارب.

    بلعباس
    هي تمس بعض المعتقدات كما قلت. من بداية الرواية نعرف أن تولستوي سيتناول موضوع الوجود الأسري في روسيا, ومشكلة الأسرة الروسية تشكل أحد الإتجاهين الرئيسين الذين يتألف منهما مضمون الرواية. قد يبدو أن الرواية مركزة على وصف لقضية خيانة زوجية, والتي تشبه إلى حد كبير الكثير من مثيلاتها في الأعمال العربية, بيد أن القيمة الحقيقية للخط العائلي في الرواية تكمن في المعالجة التي ينتهجها تولستوي في كشف أبعاد قصة الخيانة على خلفية العلاقات الإجتماعية السائدة في روسيا إبان تلك الفترة وفي الظروف التاريخية المحددة من حياة المجتمع الروسي. كان تولستوي يرى في الحياة الزوجية أسمى أشكال السعادة، و لا يتصور الحب خارج المؤسسة الزوجية، بخلاف الشائع في المجتمعات الروسية المخملية آنذاك، و التي كان كل شاب فيها يتفاخر بعلاقاته مع النساء المتزوجات. هل هذه الرواية بالنسبة لي هي الأولى؟ هذا السؤال مزعج وفي نفس الوقت رائع, هو يجبرك على البحث عن بعض الأعمال. عندما قرأت الجريمة والعقاب بترجمة سامي الدروبي قلت أن هذا العمل الكبير لا يوازيه شيء, وبعد ذلك قرأت بؤساء هيجو الترجمة الكاملة لمنير البعلبكي وقلت بأنها العمل الأكمل ولا سبيل للوقوف في وجهها, وبعد أن قرأت آنا كارينينا قلت أنها الأفضل. أعتقد أني سأقرأ الكثير وفي كل مرة سأقول أن ما بين يدي هو الأفضل. أطيب تحية لك.


    زنجبيل
    أتمنى أن تجد الرواية وتستمع بقراءتها.
    كل الشكر لك.


    ساخرة من كل شيء.
    في سن الخامسة عشره قرأت "آنا كارينينا" حسناً لست أذكر منها الا الخطوط العريضه وطمرت الذاكره التفاصيل الصغيره والتي ربما لم يستوعبها عقلي انذاك ولكن هي أثرت بنفسي بشكل او بآخر وضعتني امام أسئله عديده عن القلب والعقل وكيف يطغي الأول على الثاني وكيف يتحول الحب الى أشياء بشعه تغتال الروح ببطء وتجعل العقل يقرر في النهايه مصيره امام قناعتنا ببشاعة ماقرره ولكن تولستوي يأخذنا الى الأقتناع بنهايته التي وضعها عبر ذلك الصراع في نفس البطله ،
    جميلة هذه القراءة للرواية. طرحت الموضوع في منتدى آخر وكانت الردود ثرية جداً. أحد الردود أجاب على سؤالي في آخر القراءة عن : أين هي الحياة في هذه الرواية المليئة بالموت؟ سأقتبس رد أحد الأعضاء هناك:

    الموت كان قدر آنا لأنها لم تتساءل مثل بطل الرواية الثاني قسطنطين ليفين عن معنى الحياة، و لذلك لم يكتسب الموت معنى عندها هو الآخر. آنا عاشت لنفسها، من أجل رغباتها، ضاربة بأسرتها عرض الحائط، و لذا كان مشهد موتها مخيفاً: "أين أنا؟ ماذا أفعل؟ لماذا؟".. كل شئ بلا معنى، حتى و لو جاء المعنى متأخراً: "يا إله السماوات، اغفر لي كل شئ!"..على الطرف الآخر، نجد ليفين الذي كسب الإيمان أخيراً يردد: "- و لكن حياتي الآن، كل حياتي، بغض النظر عن جميع ما قد يحصل لي، كل دقيقة منها، ليست فقط بلا معنى كما كانت في السابق، بل هي قد اكتسبت المعنى غير المشكوك به للخير الذي بإمكاني في كل لحظة أن أعمل لأجله.".. لقد اكتسبت حياة ليفين معنى جديداً، بإيمانه بربه، و بإيمانه و تسخير حياته من أجل أسرته. عندما يصبح للحياة معنى، يتصالح الشخص مع الموت، و عندها يستطيع أن يستقبله بكل جمال، بكل رضىً، و إيمان..


    رعى أنتباهي ماذكرته عن تغيير البعض لقناعاتهم وفقاً لتأثرهم بروايه!
    حسناً من وجهة نظري الشخصيه الروايه وسيلة لفهم الآخر وليس لتغيير مفاهيمه بالنسبه لذلك الكم من... لنقل " العواطف الفجه" التي ذكرت في الروايه رغم اني لا أتذكر الكثير عن الروايه الا أنها مبررة الوجود كون الكاتب أخذنا الى عوالم المرأه الخائنه وجعلنا نشعر بها حتى لو لم نوافقها على خيانتها ولكنه أطلعنا على فكرها ,عاطفتها ،مبرراتها لنفسها للخطيئه ، وعليه تعاطفنا معها رغم أني لا أتعاطف بالعاده مع قصة اي زوجه خائنه ولكن بالمقابل أخذنا الكاتب الى مشاعر تلك الزوجه وجعلنا نشعر بها ونبارك لها قرارها النهائي رغم بشاعته ولكن تأييدنا له وفق مشاعرها أيضاً التي أجاد في وصفها الكاتب حتى نصل معها الى ذلك النفق المظلم والذي لا نهاية له الا ماقررته....
    اتفق معك في ما ذكرتي. المونولوج الداخلي عند تولستوي كشف أبعاد تلك الشخصيات. شخصيات الرواية تظهر القدرة على الإحساس القوي والتفكير العميق. ويظهر هذا على وجه الخصوص بشخص آنا وليفين. من خلال مناجاتهما وتأملاتهما يتكشف الكثير بشخصيتهما. هذه الرؤية أجدها غالباً عند الكتاب الروس وفيكتو هيجو, وهي القدرة على النفاذ إلى أعماق الأبطال والخوض مشاعرهم وأحاسيسهم وأشجانهم التي تنكشف في مختلف لحظات حياتهم. فمثلاً آنا تظهر كإنسانة سعيدة تتمتع بالحب, وأحياناً تظهر كإنسانة معذبة الضمير تسيطر عليها الأحزان, وتارة تكون تلك الإنسانة التعيسة التي تحترق, والناقمة على أسلوب حياتها وقدرها
    شكراً لثراء مشاركتك.


    ابوالدراري
    مرحباً بك, والشكر لك أخي الكريم



    عمر بك
    مرحباً بك أيها الرفيق.

    أجدك منصرف للأدب العالمي أو بالأصح كلاسيكيات الرواية العالمية , لا أدري لمه ؟! هل قرأت روايات عربية (غير شرق المتوسط ) أو لاتينية ؟
    جواباً على سؤالك أعتقد أني جالس أعمل ترميم للأعمال التي قرأتها مسبقاً بترجمات مختصرة جداً. غالباً ما أجد أن الأعمال التي توصف بالخالدة أو المعروفة بكلاسيكيات الرواية العالمية لم تظهر إلا بعد ألم عظيم, حتى أصبحت درجة قوة الرواية مساوية للألم. هيجو كتب البؤساء لمدة 12 سنة وهو مطارد في المنفى, فرق هائل بين أن تقرأ بؤساء هيجو المختصرة, وبين الترجمة الكاملة لمنير البعلبكي 1800 صفحة, وتولستوي كتب آنا كارينينا في 4 سنوات في وقت كانت الأسئلة تعصف بعقله, ودستويفسكي يستغرق سنوات عدة لكتابة رواية في ظروف بالغة السوء. لم أتوقع أني سأغرق في هذه الأعمال القديمة هذه الأيام, بين يدي الآن " جين إير " لشارلوت برونتي, الترجمة الكاملة لمنير البعلبكي, تقريباً ثمانمائة صفحة. قرأت هذه الرواية من فترة طويلة, وحين عرفت بأن ما قرأته سابقاً لم تكن إلا مختصرة جداً قررت إعادة قراءتها وبنسختها الكاملة. روايات لاتينية لم أقرأ منها شيء حتى الآن, ولو قررت أن أقرأ من أدب أمريكا اللاتينية لن أبدأ بماركيز ولا بالليندي, بل سيكون بوابتي لهذا الأدب هو بورخيس الأرجنتيني. هو ليس بروائي, لم يكتب رواية واحدة, ومع ذلك, المقالات التي كتبها وقصصه القصيرة كانت ركيزة أساسية للنهضة الأدبية في أمريكا اللاتينية. هو أحد سادة اللغة الإسبانية كما يقول يوسا. روايات عربية لم أقرأ إلا القليل, أعمال أحلام وسيف الإسلام بن سعود و واسيني الأعرج عبر رائعته سيدة المقام وشرق المتوسط. أتمنى تعجبك المدونة دوماً. كل الشكر لحضورك.


    مُجرد ايكو
    هلا بك

    حسنًا حسنًا ، أنتَ شخص يمكنني أن أطلق عليه حُكم الشخص الذكي عاطفيًا؛ لأنّي سبق وقرأت "آنا كرنينا" وتركتُها مضطربة مرعوبة من هذا الفكر الفجّ وواقعيته البشعة تمامًا. حتّى الحُب في الرواية كان عنيفًا بشعًا ، مع جماله طبعًا. تأثرتُ كثيرًا بالألم الموجود فيها،وحزنت جدًّا على "المخطوف" منها حبيبها - نسيت إسمها ! . لكنّي - بصدق - لم أعرف ما هو الشعور الموحّد،أو الموقف الخالد الذي ترك الأثر في نفسي،كل ما عرفته أنها رواية جميلة اللغة ،ورواية رائعة للغاية!

    المهم - والذي استغربته من نفسي - أنّي حينما قرأت بأن البعض تتغيّر قناعاتهم تجاه بعض المبادئ ، مثل المبدأ الذي تبنّته كارنينا في الرواية،فلم أجد نفسي - إطلاقًا والحمد لله - قد تأثرتُ به
    بل على العكس كنت ناقمة عليها ، بل وكان وجهي يحمرّ غضبًا من "قلّة أدبها
    جزء من رأيك يدور حول السؤال الذي طرحته هنا, وهو هل آنا مذنبة أم بريئة؟ وهل كان تولستوي محام لها أم قاض عليها؟ لم تجر في الرواية محاكمة لما حدث, لكن المحاكمة جاءت من النقد حول الرواية. اختلفت الأراء حول موقف تولستوي بالنسبة لآنا, إذ رأى البعض بأن الكاتب يدافع عن بطلته, أما الآخرون فقد رأوا أنه كان يتهمها ويدينها, وأن خير دليل على ذلك النهاية التي آلت إليها آنا. الواقع وكما أرى أن تولستوي لم يدن البطلة ولم يتهمها, فهو رغم نظرته المحافظة المثالية تجاه الحياة, كان ضد تقنين المشاعر, ومن ثم فموت آنا لم يبرز كعقاب لها وحكم على فعلتها. جرت محاكمة البطلة بطريقة تأخذ طابعاً خاصاً تجلى في سعي الكاتب بأن يجد العامل الرئيسي الذي يكمن وراء مأساة البطلة. خلق تولستوي نمطاً خاصاً من تبادل الشخصيات والمواقف. هناك أراء ووجهات نظر متباينة ومن الصعب أن نتبين من كان على حق. دوليا زوجة أخ آنا والتي يصفها تولستوي بأنها ملاك ومثال للزوجة الصبورة تقول " آنا والخيانة .. إنني لا أستطيع أن أجمع بين هذين الشيئين". وفرونسكي فقد كان يرى أنها " امرأة شريفة تستحق منه احتراماً أكثر من الزوجة الشرعية". وبالرواية أراء تجرم آنا, مثل الزوج كارينين الذي يرى بأنها " امرأة بلا شرف, بلا قلب, بلا دين, وفاسدة ". ووالدة فرونسكي ترى أن هذا الزمن فظيع للغاية وأن آنا امرأة سيئة ذات مشاعر يائسة جلبت التعاسة لرجلين عظيمين, ابنها فرونسكي والزوج كارينين. المعروف عن فلسفة تولتسوي في هذه الفترة - وهي منشورة في كتاب اعترافات تولستوي و من حياة تولستوي للمونوف- أنه كان ينادي بالتسامح ويرفض العنف, ويرفع شعار الصفح والمعاناة. ومن ثم فإن موت آنا لا يبرز كعقاب لها, بل كنتيجة منطقية لوضعها اليائس وكانتقام من جانبها لمن أهانوها ووقفوا ضد سعادتها. قتلها زوجها بكرهه, أما العاشق فقد صرعها بحبه, وحاصرها المجتمع الأرستقراطي بسيل جارف من الحدود حتى لم يبق لها من حيز المكان سوى جزيرة وحيدة صغيرة كان يمكن أن ترسو عليها, وهي حبها لابنها سيرجيو, لكنها فقدت تلك الجزيرة أيضاً وعندئذ قتلت نفسها.
    شكراً لكِ.


    تموز
    أهلا بك
    دستويفسكي هو رفيقي الدائم في القراءة وأعظم روائي بالنسبة لي, حتى حياته الخاصة تنافس أكبر أعماله الأدبية. أنهيت قبل أيام رواية الشياطين له, وسأنشر قراءه له هنا بإذن الله. كل الشكر

    تحياتي للجميع.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المكان
    في كتاب .
    الردود
    3,340
    نافذه لي على الادب الروسي وإن أسعفني وقتي وتعمقت به ..عندها سأعود..

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Mar 2003
    المكان
    السعودية
    الردود
    87
    ببساطة
    كل ما قرأته لتولستوي مثير لإنتباه
    قرأت آنا كارنينا منذ زمن طويل و لكن ما أذكره عنها أنها رائعة و لا أذكر التفاصيل
    قرأت جزء واحد من ترجمة للحرب و السلم و كان رائعا لدرجة أني أنهيت 500 صفحة خلال أيام قليلة على ارغم من انشغالي.... و ما زال الجزء الآخر على الانتظار....و لكني احيي تولستوي فهو كاتب عظيم ... كل ما قرأته من شتات كلماته راق و موزون...

    تحياتي

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الردود
    9
    متأخرة.. متأخرة .. متأخرة ..

    لكنني صعدت سريعا ً في أحد مقصورات القاطرة و طرت معكم محلقه في هالة الوصف المذهله
    و الابحار العميق ..

    أعجبني طرحك.. خاصة ً أنني إنتهيت من "آنا"..

    ذات الفتق أصاب ضميري...

    بين وضع "آنا" منتصفه بين الادانة و الإطلاق .. من الذنب

    لا شك بـ ذنبها .. و لا شك أنها ركبت الهوى..

    الذكاء يكمن بـ عبقرية الكاتب الذي فرض علينا التعاطف مع " آنا " فقط .. و .. فقط " آنا " ...


    بينما هناك أحداث ذكرتها لم تمر علي ّ بـ الاحداث..!!

    هل يعقل أن الرواية التي قرأت قص منها؟!!!!


    في الختام..
    أبدعت يا سيدي جــدا ً

    بوركت

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    المكان
    بين كتبي
    الردود
    12
    جميلة هي كتب تولستوي ...وأدب تولستوي ..أنا كارنينا اعطتني أنطبعات رائع لدرجة اني رغم حزني الشديد على النهايه إلا اني شعرت بسعاده عميقه لما كان يدعوا له الكاتب من صنع السلام مع البشر ...وهذا ماكان دوما يدعوله تولتستوي...ربما تسخرون مني ...لما سوف أذكره من فوائد منها ...لكن انا هكذا أحب ان أخذ الفوائد من الرويات فهي في الأخر رسائل من الكتاب..أنا كارنينا علمتني أن أخذ بعين الأعتبار على كل خطوه أخطوها .....أن أصنع السلام الداخلي مع ذاتي ..أطلعتني على بعض المعتقدات الوارده ذاك الحين في لكنيسه الأرثوكسيه..ان الزواج بلا حب قد يولد حب بلا زواج..لكن مع ذالك تبقى روايه....لها مكانها ..ومودتي

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    رصاصة في الرأس..!!
    الردود
    106
    البوابة الثانية لدخولي ميدان الأدب الروسي كانت عبر الروائي الكبير فيدور دستويفسكي. إن مجرد ذكر اسم هذا الروسي يبعث في نفسي التعطش للمعرفة أكثر عن هذا الإنسان الأديب, وعالم النفس الكبير. القراءة له يعني أنك دخلت في أعماق الأدب الروسي الأصيل. أنا متأكد أنك ستجد عنده بعضاً من تلك الأفكار الدفينة التي لا تجسر على الإسرار بها حتى لنفسك، وأقل من ذلك لصديق قريب. عندما يمنحك هذا الرجل الذي اعترفت له بكل أعماقك غفرانه, عندما يقول لك" آمن بالخير، آمن بالله، آمن بنفسك "، فمن المؤكد أن في ذلك شيئا يسمو على تحليق الفنان أمام الجمال، شيئا يتجاوز عظات ذلك النبي المتجبر، المنعزل عن الجميع
    وأي عطش..!!

    آخر زيارة لي لجرير كان بيدي "فصول متنوعة" لكينج بغية قراءة الرواية خلف "إصلاحية الشاوشانك" لكن وجدت اسم دستويفسكي في رواية له دونما النظر لاسمها فآثرتها!!

    إن حديث دستويفسكي يجبرك على قراءة آنا كارينينا بلا تردد
    ولو أني فعلا غير مهتمة بالرواية خصوصا وأني شاهدتها كفيلم من بطولة الفرنسية صوفي مارسو ( بالرغم من التأكيدات أن الفيلم لم ينجح كاقتباس) لكن سأحاول وضعها ضمن القوائم البعيدة، الحقيقة كنت أظن أن شهرة تولستوي هي صنعة غربية عموما فتجنبته!!

    أتمنى أن يثبت لي العكس خصوصا وأني أحترم الأدب الروسي وقدرته على استحضار تقاسيم البؤس ببراعة..

    موضوع شيق جدا وممتع ومتابعة لما تكتب فشكرا لك..

    دمت بود

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    محترم جدا
    الردود
    1,384
    لا أدري هل هي حقا رائعة لهذه الدرجة ؟!
    غير أن أفضل ما أسرني بها .. لقاء عشيق أنّا ..بزوجها والحوار الذي جمع بينهما ...
    فقد توقفت عند هذه الصحفة أكثر من مرة .

    أجمل ما خرجت به منها.. هو تلك المرأة المكابرة الواثقة .. التي لم ترد على الرجل - الذي وقعت في عشقه آنفا - في تلك الليلة من الاحتفال .. ومن ثم ..انتحارها بسببه في النهاية !!

    ثم أعتقد أني أصبحت مبرمجا على روايات كريستي ..
    رواياتها جعلتني متململ كلما قرأت روايات أخرى لا أجد بها مجرما ولا عبارة .. "ابحث عن القاتل" !
    وهذا سبب نفوري من كافة الروايات الأخرى .
    شكرا أيضا ..

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    الردود
    34

    آنا كارينين

    الرواية بترجمتها الكاملة

    الجزء العاشر من الأعمال الأدبية الكاملة للكاتب ليون تولستوي
    ترجمة صياح الجهيم


    المجلد الأول

    المجلد الثاني

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •