Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099

    إصدارات حديثة ترسم صورة باراك أوباما كما يراها الأميركيون

    جهاد الترك/صحيفة المستقبل اللبنانية
    .
    .
    الولايات المتحدة في عين العاصفة. على شفير الهاوية. في قلب المتاهة. والأخطر من هذه جميعاً أنها باتت وحيدة في العراء. تواجه أقدارها القاحلة بتردد يغلب عليه الذعر من مواجهة السيناريو الأسوأ. أصبحت عرضة لرياح الاحتمالات أكثر منها الحسابات المدروسة. يزيد من مأسوية هذا المشهد الفج، الانهيار المالي المفاجئ الذي بدا أنه قادم من المجهول على وقع الخراب الكبير. أيقظت هذه الضربة الموجعة كوابيس كانت تغفو وتستفيق في ذاكرة الأميركيين. بين ليلة وضحاها، كانوا على موعد مع سلالة أشرس من الأشباح التي أطلقتها هجمات الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر 2001. هذه المرة يقتحم "الإرهاب" بوجهه المالي القبيح، حياتهم الهشة وأحلامهم المذعورة. يضيق على خناقهم لأنه يداهمهم من الداخل. على قاب قوسين أو أدنى منهم. والأرجح، وهم النخبة المتميزة من "رعايا" الامبراطورية الصاعدة، لم يعودوا يفرقون كثيراً بين الإرهاب القادم من الخارج، والإرهاب النابع من الداخل، الخوف هو القاسم المشترك بين الاثنين. الإرهاب هو الإرهاب وإن اتخذ هذه المرة شكلاً آخر هو السقوط الذريع لعدد من المصارف الأميركية العملاقة التي كان يُعتقد أنها تتحكم بالمفاصل الأساسية للعالم.
    مرد هذه التصورات الى سلسلة من الإصدارات الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة أبصرت النور في الآونة الأخيرة على نحو متزامن تقريباً. وتستهدف، في مضمونها، قضية واحدة فقط، هي شخصية المرشح الديموقراطي للرئاسة الأميركية، باراك أوباما، ومع ذلك، بدت هذه الكتب انتهازية في توجهها، على نحو يقصد منه التذرع بهذه الشخصية السياسية الهامة، للتعبير عن الهواجس الدفينة التي تحشر الأميركيين في خانة غير مسبوقة من الفوضى الفكرية والإرباك الاجتماعي والسياسي. باراك أوباما هو بيت القصيد في هذه المؤلفات، ولكن في نطاق ما يشرّع النقاش حول قدرة هذا الزعيم المرتقب على انقاذ الولايات المتحدة من نفسها. أو الايحاء، بشكل أو بآخر، بأحقية هذه الامبراطورية المتهاوية في أن تبعث من جديد. في أن تبتكر لنفسها طريقاً للخلاص، أو إعلان التوبة، والاستعداد لتقبل المغفرة قبل فوات الأوان. يظهر باراك أوباما في هذه الإصدارات شخصاً موهوباً للغاية، صاحب إرادة قوية وفذة، عجنته الحياة وعجنها. لم يأتِ من سلالة ارستقراطية ترث السلطة وتورثها. صنع نفسه بنفسه. بليغ في مخاطبة الجماهير. خبير في العزف على أوتار آمالهم وطموحاتهم. ساحر في استدراج مكنوناتهم من الصناديق المغلقة. يشيع الطمأنينة حيثما يحل. والأهم أنه يجيد التعامل مع وحوش القلق التي باتت تنهش ذاكرة الأميركيين وتستنزف ما تبقى فيهم من جرعات مضادة لليأس يتناقص منسوبها بسرعة قياسية.
    ومع ذلك، تبدو هذه المؤلفات محيرة، متشككة، يلهث أصحابها، وهم الأكثر تعبيراً عن تطلعات الأميركيين في البحث عن ظلال الولايات المتحدة في مخيلة باراك أوباما، وكأن مصير هذه الامبراطورية العظمى مرهون بوصول هذا الرجل الى البيت الأبيض. لم يحدث في تاريخ هذه الدولة العظمى شيء من هذا القبيل. حتى في أحلك الظروف وأصعب الأزمنة، وتحديداً أثناء الحربين العالميتين وخصوصاً في مرحلة التقاتل البارد مع الاتحاد السوفياتي سابقاً، لم يتطلع الأميركيون الى زعيم فرد يصنع وحده معجزة الخلاص. كانت الولايات المتحدة بقامتها العملاقة هي التي تخترع زعماءها انسجاماً مع جبروتها المتمادي. نكاد لا نعثر على هذا العنفوان الامبراطوري في المؤلفات المذكورة. نلحظ، بدلاً من ذلك، تحولاً عميقاً، والأرجح ملتبساً، يكتنف صورة الامبراطورية، من جهة، وصورة الزعيم المنتظر من جهة أخرى. المعادلة، في هذا السياق المتعثر، لم تعد كما كانت عليه في السابق، أصبحت اليوم تتخذ الشكل الآتي: كلما ضعفت الولايات المتحدة وتمكن منها الوهن وفقدت مناعتها الامبراطورية، تقلصت الثقة بها، وازداد الرهان على الزعيم الفرد، والرئيس المنتظر والقائد الملهم. وكلما قويت الولايات المتحدة وازدادت مناعتها وأثبتت قدرة فائقة على التحكم بمسار التاريخ، قل الرهان على الزعيم الفرد ليصبح، على الأرجح موظفاً من الدرجة الأولى تقتصر مهمته على إدارة شؤون الامبراطورية.
    * * * * *


    تعول هذه الكتب على المعادلة الأولى: امبراطورية متهالكة تنخر الأمراض جسدها. لذا فهي تعض على جراحها وتكبت أحزانها بصمت يشبه الأنين. وتناجي زعيمها المنتظر باستغاثة نابعة من رفض للواقع المأسوي وتمرد حقيقي على أسباب الإحساس بالخيبة والمرارة. من هنا الانتهازية المبررة لهذه المؤلفات التي من فرط خشية أصحابها على موقع الولايات المتحدة ومصيرها ونسيجها الداخلي، راحوا ينزعون عنها رداء العظمة، خيطاً خيطاً، لينسجوا بها، من جديد، شخصية الزعيم. يتراءى إلينا، في هذا الإطار الكئيب، أن الرئيس المرتقب هو الوريث الشرعي الوحيد لمجد الامبراطورية. لقد حلت فيه هذه الأخيرة على نحو من التسليم الكامل بقدراته الاستثنائية. والتنازل الكامل عن قدراتها الاستثنائية. ولكن هل يعقل أن تستبدل الامبراطورية بزعيم من هذا الحزب أو ذاك. إنه الانجراف التلقائي في دوامة الوهم الناتج عن الخوف من أن تجرد أميركا من رتبة الامبراطورية والأغلب أنه الذعر المطبق على الأنفاس والسعي الى النجاة في ربع الساعة الأخير.
    الكتب المشار إليها هي الآتية: "باراك أوباما: صوت الوحدة والأمل والتغيير" للمؤلف ليبي هاغز، صادر عن "دار يونيفرس"؛ "نعم نستطيع: سيرة ذاتية لباراك أوباما" للكاتبة غارين توماس، عن "دار فايول وفريندز"؛ "آمال وأحلام: قصة باراك أوباما" للكاتب ستيف دوغوتي، عن "دار بلاك دوغ"؛ "إيمان باراك أوباما" للمؤلف ستيفن مانزفيلد، عن "دار توماس نلسون". نشرت هذه المؤلفات الأربعة في الأشهر القليلة الأخيرة من العام الحالي وسرعان ما أدرجت في فئة أكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة. ثمة إصدارات أخرى مماثلة، غير أنها لا ترقى الى التعبير الأمثل عن المفاهيم والإشكالات التي تناقشها هذه المؤلفات الأربعة، وإن كانت لا تقل عنها أهمية في تجسيد العلاقة المستجدة بين الناخبين الأميركيين والمرشحين الديموقراطي باراك أوباما والجمهوري جون ماكين. والمقصود بذلك، على الأغلب، وفقاً للكتب الأربعة المشار إليها، أن الانتخاب هذا العام لن يقتصر على ايصال رئيس الى ملاذ البيت الأبيض فقط، بل يبدو أكثر تعبيراً عن بقاء الامبراطورية أو تقهقرها.
    الأمل والحلم والتغيير
    أول ما يطالعنا، في هذه الإصدارات الأربعة، أن عناوينها جميعاً تدور حول كلمات محددة هي: الأمل والحلم والايمان والقدرة على الفعل. وهذه صفات وفضائل أخلاقية وإنسانية تنسب الى المرشح باراك أوباما وحده. وكأنها تسقط عليه، إسقاطاً من فوق، من تلك الزاوية الحادة التي تتأرجح فيها الولايات المتحدة بين خلاص مستحيل وتعثر مؤكد. لا نلحظ في هذه العناوين، على جمال إيقاعها والوعود البراقة المعلقة عليها، ذكراً للولايات المتحدة. لا يكلف كتابها أنفسهم مغبة ايراد الدولة الأعظم في التاريخ البشري بالاسم. بدلاً من ذلك، يجمع هؤلاء، على نحو من المصادفة، إذا جاز التعبير، على تغييب اسم أميركا من عناوين هذه الكتب الأربعة. يتقدم اسم باراك في هذه الإصدارات على اسم الامبراطورية. والأرجح أنه يحل محله على نحو مستغرب. وقد يتساءل بعضهم عن الأسباب الموجبة التي صيغت بها العناوين على هذه الشاكلة. وهذا أمر بديهي ومنطقي كذلك الى حد بعيد. ومع ذلك، لا نجد أثراً لاسم الولايات المتحدة على أغلفة هذه الكتب، إلا بما توحي به العناوين، على نحو صامت، بشيء من ذلك. أميركا، في ما تشير إليه هذه العناوين. هي الضمير الغائب والمغيب إذا جاز التعبير. أما اسم باراك أوباما، فهو الفعل والفاعل ومصدر القدرة والقوة كذلك على إعادة الرونق والبريق الى وجه الامبراطورية الشاحب الذي أصابته الشيخوخة المبكرة على حين غرة.
    الملاحظ أن هذه المؤلفات الأربعة تُقرأ من عناوينها. فقد اجتهد أصحابها في أن يجعلوا منها كذلك. وكأنهم أرادوا أن يختصروا هذه الكتب في عناوينها. يتحول العنوان، في هذا السياق المتسرع، عنواناً للامبراطورية التي ينبغي أن تكون عليها الولايات المتحدة. وليس الامبراطورية التي انهكها التعب وهدتها المغامرات الطائشة والثقة الفارغة بالنفس المترددة. تحمل هذه الكتب المرشح الديموقراطي أوباما ما لا قدرة له على الاحتمال لسبب بسيط هو أن الأميركيين أنفسهم لم يعد لديهم، كما في السابق، ذلك الفائض الكبير من القدرة على احتمال ما لا يحتمل. تظهر هذه الإسقاطات بوضوح في الإصدارات الأربعة من دون استثناء، دلالة على رغبة كتابها ومن ورائهم الشرائح الأوسع من المواطنين الأميركيين، في استباق الأمور. وكأنهم يستبقون نجاح أوباما في الانتخابات الرئاسية بأن يضعوا أمامه خارطة للطريق تؤدي بالضرورة الى إعادة الولايات المتحدة الى جادة الصواب. من بين البنود الرئيسية لهذه الخارطة ما يأتي على ذكره كتاب "باراك أوباما: صوت الوحدة والأمل والتغيير". وفيها أن هذا الزعيم المرتقب هو من تستحقه أميركا في هذه اللحظات العصيبة. لأنه ينطوي على موهبة فريدة من نوعها لم يحظ بها سائر الرؤساء الذين تعاقبوا على السلطة، تتمثل في قدرته الفائقة على إلهام الأميركيين بتلك الأحاسيس التي أصابها الجفاف في الذاكرة. وهو قادر أيضاً على رفع معنوياتهم المنهارة التي تعرضت للتلف الشديد. ومن بين هذه الإسقاطات أيضاً التي يخيل للأميركيين أنها متوافرة بكثرة في التفكير للاستراتيجي لهذا المرشح، جرأته العنيفة على إحالة اليأس ضرباً مبتكراً من أشكال الأمل. ومع ذلك فإن السر الأكثر غرابة في شخصيته، هو نجاحه في حمل الأميركيين على الاعتقاد بقوة بإمكان أن يتحول هذا الأمل، بقدرة قادر، الى فعل حقيقي يتجسد أمامهم كالنهر المتدفق الذي بمقدوره أن ينتقل بالولايات المتحدة من ضفة الانتظار المجاني الى الالتحاق بركب التاريخ من جديد. ولكن هل ينبغي، على الدوام، أن تسابق الولايات المتحدة التاريخ لتسبقه. وهل يجدر بالولايات المتحدة، على الدوام كذلك أن تتجسد في التاريخ لتوهم نفسها بأن التاريخ قد تجسد فيها، وأن لا معنى له، على الاطلاق، إلا أن يقدم تنازلاً تلو الآخر مرفقاً بأوراق اعتماده ليتم الاعتراف به.
    نعم... نحن نستطيع
    يتوسع الكتاب الثاني "نعم... نحن نستطيع: سيرة ذاتية لباراك أوباما"، في شرح المضامين عينها تقريباً الواردة في الكتاب السابق المذكور. ومع ذلك فهو يفترق عنه بنقاط جوهرية هي الآتية: إن الحملة الانتخابية لباراك أوباما أشاعت أجواء نادرة من التفاؤل الذي عز وجوده هذه الأيام. لقد أثبت هذا المرشح ببلاغته الفصيحة ايماناً قوياً بقدرة الولايات المتحدة على إعادة انتاج نفسها بنفسها على وقع احساس متدفق بالحاجة القصوى الى التغيير. ومع ذلك، هل يكفي سحر الكلمة وتاثيرها العجائبي في الحشود التي تستقبل أوباما استقبال الفاتحين من ولاية الى أخرى، لإقناع هؤلاء بقرب خروج أميركا من النفق المظلم. وأن الامبراطورية المريضة على وشك أن تحتفل قريباً باستعادة عافيتها كاملة. أم أن في الأمر شيئاً آخر مختلفاً يوحي به الكتاب ولا يشير اليه مباشرة؟ الأرجح ان الأمر كذلك، فالبلاغة الاستثنائية التي تجعل من أوباما ملهماً للجماهير فعلاً، ولكلماته مفعول السحر وسلطة الوهم، لا تنطوي بالضرورة على شفاء مؤكد للامبراطورية من آفاتها. صحيح أن لنبرته المختلفة تأثيراً لم يمس قلوب الأميركيين منذ سنوات طويلة مضت. وصحيح أيضاً أن أسلوبه في المخاطبة يشعل مخيلة الأميركيين الباردة وقد يحدث زلزالاً في ذاكرتهم المتكلسة. غير أن إثارة لصفات من هذا النوع "الأسطوري" لا تقصد، على الأغلب، لذاتها فقط. بل تستهدف التعبير عن أمر آخر من خلال إسقاط هذه الفضائل الأخلاقية والبلاغية والإنسانية أيضاً على شخصية هذا المرشح. إنه لكذلك فعلاً في هذه المؤلفات الأربعة بالقدر الذي تحتاج اليه الامبراطورية لتخرج سالمة ومعافاة من غرفة العناية الفائقة. إنه الزعيم الفرد المختار الذي يطلب منه في هذه الكتب ان يحمل صليب الولايات المتحدة وحده ليضحي بنفسه من أجل استعادة مجدها. ولكن هل يتبادر الى ذهن هؤلاء الكتاب أن حامل هذا الصليب الثقيل قد ينؤ بحمله فيسقط عليه ويسحقه سحقاً. لا إجابة عن هذا التساؤل أبداً لسبب بسيط هو أن أياً من هؤلاء الكتاب الأربعة لا يتجرأ على طرح هذا السؤال. يتكتمون جميعاً عنه، والأرجح أنهم يعمدون الى إخفائه في مكان لا يعلمه إلا الله.
    قصة باراك أوباما
    يثير الكتاب الثالث "آمال وأحلام: قصة باراك أوباما"، ميزتين أخريين لم يتطرق اليهما الكتابان السابقان. هما: ان أوباما أثبت في حملته الانتخابية، أنه قادر على أن يبث في السياسة الأميركية دماء جديدة. كل من يستمع الى خطبه، وهو يطل على جماهيره بابتسامته العريضة وثقته بالفوز، يدرك هذه الحقيقة. إسقاط آخر على شخصية هذا الرجل الذي يُراد منه أن يصبح امبراطورية في شخص. تلقى عليه الأعباء دفعة واحدة. السياسة الأميركية تعاني من فقر في الدم. الدواء الشافي لهذا المرض الخطير هو في جعبة أوباما. لماذا؟ لأنه من الجنس الاسطوري المتفوق للامبراطورية. وهذه الأخيرة هي من الجنس المتفوق لهذا الرجل القادر على كل شيء. الميزة الثانية التي يثيرها الكتاب، هي أن هذا المرشح هو نموذج حقيقي لقصة النجاح الأميركي في شكله الأكثر حداثة ومعاصرة. ومع ذلك، ثمة فخ ينصب لأوباما من جراء إسقاط هذا التصور الجحف، إذا جاز التعبير، على شخصيته. قد يسفر هذا الإسقاط، في حقيقة الأمر، عن إدانة مسبقة لهذا الذي يحمل قسراً صليب الامبراطورية. فهو لن يتوج بطلاً لقصة النجاح الأميركي هذه ما لم يتمكن من وضع الامبراطورية على طريق الخلاص. وإلا فهو لن يمنح هذا الشرف الكبير. عندئذ قد تلتهمه الامبراطورية كما التهمت غيره، كما قد تلتهم مرشحين آخرين في السنوات الطويلة المقبلة. وذلك على قاعدة أن الامبراطورية تأكل رؤساءها ولا تشبع.
    إيمان باراك أوباما
    يطرح الكتاب الرابع "ايمان باراك أوباما"، مسألة اكثر أهمية على الأرجح، من مثيلاتها السابقات. وهي تندرج أيضاً في منظومة ما يصار الى إسقاطه على شخصية هذا المرشح في سياق ما تحتاج اليه الولايات المتحدة في عملية انقاذها. يشدد الكتاب على ميزتين تجعلان من باراك زعيماً قادراً على توظيف معتقداته الدينية في سبيل المصلحة العليا لأميركا. أولاهما أن ما يؤخذ عليه من انتهازية براغماتية في مجال ايمانه بالمسيحية، أمر لا يعدو كونه توجهاً مختلفاً في هذا الإطار هو أقرب الى اليسار الديني منه الى المسيحية المحافظة. والدليل الذي يعول الكتاب لاثبات هذه القضية، هو أن اختيار أوباما هذا المنحى القريب من التوجه الديني لفقراء الولايات المتحدة، وتحديداً من ينتمون الى أصول افريقية، إنما يعزى الى رغبته في أن يضفي على المسيحية بعداً اجتماعياً عملياً، وأن يتخذ من هذه العقيدة الدينية وسيلة للبحث عن الحقيقة. ويتناول الكتاب الميزة الثانية من زاوية مختلفة يكاد أوباما ان يتفرد بها عن المرشحين الذين استبعدوا من السباق الى البيت الأبيض. وهي أن الطريقة التي يعتمدها في التعبير عن آرائه الدينية تضعه في خندق متقدم على هذا الصعيد يمكن وصفه بأنه نمط من الحداثة المسيحية المتقدمة. ويرى الكتاب أنه في الوقت الذي يفتقر منافسه الجمهوري جون ماكين الى مفهوم واضح عن العلاقة الجدلية بين الدين والمجتع ويتكتم عن البوح بهذه القضية المعقدة، فإن أوباما يسلك درباً أخرى أكثر واقعية. يعتقد أن المسيحية بشكلها التقليدي قد أعلنت إفلاسها. لذلك ثمة حاجة ماسة اليوم الى نمط من المسيحية تتمتع برؤيا مبدعة واستثنائية في كل مجالات النشاط الإنساني، وفي طليعتها العمل السياسي. مرة أخرى، يحمل أوباما أثقالاً من التصورات الدينية الفلسفية أكثر من قدرته على الاحتمال. ولكن لا بأس من ذلك طالما أن الامبراطورية الضعيفة قد تحتاج، وفقاً للكتاب المذكور، الى شيء من هذه الاستراتيجيا الدينية السياسية التي تحيل مهمة الرئيس المرتقب للجمهورية ضرباً مقدساً، إذا صح التعبير، من الارتقاء بالسياسة الى البعد الديني.
    ثمة كتابان آخران يندرجان في السياق نفسه ولكن على نحو مناقض. فإذا بدا أن المؤلفات الأربعة آنفة الذكر تسقط على شخصية أوباما ما تفتقر اليه الولايات المتحدة من فضائل أخلاقية وسياسة وإنسانية، فإن الكتابين المذكورين يسقطان عليه منظومة من النقائص التي من شأنها أن تفاقم من الوضع المهترئ الذي تشكو منه أميركا.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    .
    .
    فضائل مضادة

    أول هذين الكتابين بعنوان "أمة أوباما سياسات يسارية وعبادة الشخصية" للمؤلف جيروم كورزي عن "دار تريشولد"، صدر قبل أسابيع قليلة من هذا العام. والثاني بعنوان: "القضية ضد باراك أوباما" للكاتب ديفيد فريدوسو، عن "منشورات ريجيناري"، صدر في وقت متزامن مع الكتاب الأول.

    يستخدم مؤلفا هذين الكتابين ذرائع واسباباً تقليدية للطعن في شخصية أوباما والنيل من سمعته السياسية والاجتماعية والدينية. وهي المآخذ عينها التي يشهرها الجمهوريين في وجهه للإساءة الى صورته الشعبية. وتتناول الميول الاشتراكية المزعومة لأوباما وتعصبه لبني جلدته من المواطنين الذين يعودون بجذورهم العرقية الى أصول إفريقية.

    وتبلغ هذه التهم حدود إدانة أوباما بتحريض السود ضد البيض والدعوة الى كنيسة مستقلة ومتماسكة للزنوج تعبر عن تطلعاتهم السياسية الاجتماعية. وبناء على هذا التصور، يقدم مؤلفا الكتابين على توظيف هذه التهم، الواهية في الأساس، لإعادة تشكيل شخصية أخرى لأوباما، يريان أنها قد تلحق بالأمة الأميركية أفدح الخسائر والأضرار. ومع ذلك، فهما لا يطرحان بدائل موضوعية قد تكون متوافرة في المرشح الجمهوري جون ماكين. ولا يشيران من قريب أو بعيد الى حالة الإرباك المتنامي التي تسبب الاختناق السياسي والمالي والعسكري للولايات المتحدة. الكتابان، على أهميتهما في الكشف عن ثغرات محتملة في شخصية أوباما، لا يقران بالتراجع المخيف الذي يتربص بالامبراطورية. ويستبعدان بالمطلق، هذا المرشح من دائرة من في حوزته القدرة على انقاذ الولايات المتحدة من ورطاتها المتعاقبة. إنهما يسقطان على أوباما ما ليس فيه أسوة بالمؤلفات الأربعة التي تسقط عليه أيضاً ما لا قدرة له على وضعه موضع التنفيذ.

    تنطوي هذه الكتب، في أبعادها الثقافية الإنسانية السياسية، على ما يجعل منها محاولة جديرة بالاهتمام لقراءة في حيثيات الولايات المتحدة، وفي شخصية المرشح الديموقراطي باراك أوباما. لذلك تتجاوز في قيمتها الفكرية ورصدها لتحولات الرأي العام الأميركي كونها إصدارات سرعان ما تنضم الى مثيلاتها على رفوف المكتبات. تبدو، على الأرجح سجلاً محتملاً يحفل بالقلق على مصير الامبراطورية، وفي الوقت عينه لا يخفي أبداً أن هذا القلق العميق قد يتحول بين ليلة وضحاها الى خوف من الولايات المتحدة نفسها. وتشير هذه المؤلفات الى شيء كثير من هذا القبيل بدليل ان كثرة الصفات والفضائل والمواهب التي يجري إسقاطها على شخصية أوباما، انما مردها، بالدرجة الأولى الى الخوف على الأمة والخشية منها في آن. وتظهر طرافة هذه المؤلفات وفرادتها وصدقيتها كذلك، في أنها تشكل منظومة من الفكر السياسي والاجتماعي لم تشهد الولايات المتحدة مثيلاً لها من قبل على اعتاب الانتخابات الرئاسية. والأغلب أن الامبراطورية لم تكن تميل الى كتابات كهذه وهي في عز ازدهارها وهيمنتها السياسية والاقتصادية. اليوم لم يعد كالأمس . اختلفت المعايير لاختلاف الأوزان والأحجام والأشكال، يخشى الأميركيون وفقاً للمؤلفات المشار اليها، أن تفقد بلادهم وزنها الحالي المترامي على الساحة الدولية فلا تعود ذات هيبة وهيئة هما من صفات العمالقة فقط. لذلك يتطلعون الى رئيس عملاق يعوٌض بوزنه الثقيل بعض ما فقدته الأمة من وزنها التقليدي.

    رؤساء صنيعة الاختراع

    ولأن واقع الامبراطورية ومصيرها وقدراتها، أمور تختلف عن مثيلاتها لدى الأمم الأخرى، ينهج ناسها الى اختراع رؤسائهم على نحو يتوغل بعيداً في عالم المثل العليا. هنا يتحول الإسقاط الذي شهدناه في المؤلفات المشار اليها خطوة استباقية لغضب التاريخ وعقابه إن لم يكن ضرباته الانتقامية ووسائله المتوحشة في إلحاق الأذى. على هذا الأساس من الإحساس العميق بقدرة التاريخ على الاضطهاد والمعاندة والبطش كذلك، يجري التعامل مع باراك أوباما من منطلق أنه البطل المنتظر الذي يستطيع أن يقيم تسوية مقبولة بين الامبراطورية والتاريخ. نكاد نلحظ ان الفضائل التي تسقط على أوباما هي من النوع الاسطوري الخارق، لأن الولايات المتحدة في نظر الأميركيين هي من النوع الاسطوري الخارق أيضاً. لن يكون بمقدور رئيس عادي القيام بمهمة الانقاذ ما لم يكن هو نفسه من نسيج الأبطال. ولأن الأمر كذلك، فإن البطل المنتظر لاعادة احياء المجد الامبراطوري للولايات المتحدة ينبغي ان يمتلك تلك القدرة الاستثنائية على اعادة تشكيل الأشياء، كل الأشياء، وكأنه يبدأ من جديد في تكوين الولايات المتحدة على غير مثال.

    أوباما، كما توحي هذه الكتب، ليس أوباما الرجل العادي قبل أن يخوض السباق الى زعامة الامبراطورية. نكاد في هذه المؤلفات، لا نعثر على ملامحه الواقعية التي درج عليها وهو يقفز من موقع الى آخر على الدرب الطويلة في الارتقاء السياسي. إنه شخص آخر مختلف من طينة متميزة. والأرجح أنهألبس قناعاً لم يفصل على مقاس وجهه النحيل، بل بما يتناسب والمقاس الذي يتطلع اليه الأميركيون لمستقبل الامبراطورية. ومع ذلك لا يتأفف أوباما من هذا القناع ولا يبدي انزعاجاً منه طالما أنه يتوافق مع الرؤية الأميركية اليه. هل يستطيع هذ المرشح الطموح الذي أثبت مهارة أكبر من منافسه الجمهوري جون ماكين في استقطاب الأميركيين أن يعود هو نفسه كما كان من قبل. لا تكترث الكتب المشار اليها بإثارة هذه القضية على الاطلاق. إذ لا وقت اليوم، على الأرجح لتفكير من هذا القبيل. المهم هو عودة الامبراطورية الى نفسها ليستقيم التاريخ الإنساني من جديد.

    وليس مهماً كذلك، ما سيؤول اليه هذا المرشح في حال سقوطه في الانتخابات. ليذهب الى الجحيم أو الى أي مكان آخر، إما للاعتزال وإما للاستعداد لخوض معركة رئاسية أخرى. هو البطل الخارق الذي تسبغ عليه الصفات الخارقة لانقاذ الامبراطورية فقط. وإذا لم ينل هذا الشرف فإن عليه أن يرد عن نفسه وابل اللعنات التي ستنهمر عليه كالسهام المسمومة. كم تبدو قاسية الامبراطورية ومتوحشة في اختيار زعمائها أو التخلي عنهم بسهولة تدعو الى الدهشة. الامبراطورية تأكل رؤساءها وقد يأكلها رؤساؤها. أو قد يأكل احدهما الآخر على نحو متزامن. ولكن تبقى الامبراطورية في نهاية المطاف، او يبقى اثر منها، أو ظل من ظلالها.
    "ما أسهل الكلام..!"

  3. #3
    رائع هذا الصيد الذي جئتنا به
    إنه يفتح أعيننا على أشياء كثيرة
    ليتنا نقرا فنستفيد
    أشكرك من كل قلبي .

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •