Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,535

    جيمس جويس رائد الرواية الحديثة

    ..
    أتذكرون ذلك المشهد من أحد مسلسلات الكرتون الذي يطلب فيه ربان السفينة من رجاله أن يربطوه بسارية السفينة لكي لا يتأثر بغناء الساحرات عندما يمرون بجزيرة مسحورة فيها حوريات تغني وكل من يسمع غناءها تسحره وتشده إليها.. أو تلك النباتات الغريبة التي يكتشفها المغامرون أثناء تجوالهم في أراض غريبة عنهم فيأكلون منها لتسبب لهم نوبة هستيرية من الضحك المتواصل.. وغيره كثير من الحكايات التي نكتشف فيما بعد أنها حكايات وأساطير عالمية كتبها أدباء عالميون.. وأننا حتى ونحن نتابع مسلسل أطفال فإننا نتواصل مع ثقافة عالمية..

    فما كان ذلك البطل الأسطوري إلا أوديسيوس بطل هوميروس في أسطورة الأوديسة التي تروي قصة ضياع البطل أوديسيوس بعد انتصاره في حرب طروادة وعودته لبلده مزهواً بنصره فيعاقبه إله البحر على غروره وكبره بأن يبقيه عشر سنوات مصارعاً الأمواج والبحار في محاولة للعودة لوطنه إثيكا وزوجته بينيلوبي التي أصبحت أشهر شخصية نسائية في كل الأدب العالمي وما زال الأدباء والشعراء حتى اليوم يقتبسون هذه الشخصية ويتحدثون عن بينيلوبي وإخلاصها ووفائها النادرين.. إنها زوجة أوديسيوس التي انتظرت عودة زوجها عشر سنوات وقاومت كل الطامعين بها وبملك زوجها إلى حين عودته..

    بنلوبي
    لم يعد لي غيرُ عينيك فآفاقي يبابْ
    سفني، بحارتي ناموا بأعماق العُبابْ
    وأنا ملقى على الرمل أغني، أتلوّى، أغزل الرؤيا، وأبكي
    كيف لا تروي شرايينيَ أنهارُ السرابْ
    كل ما حولي يبابْ
    وأنا، حتى أنا.. لولاكِ يباب.*
    أسطورة الأوديسة وشقيقتها الإلياذة من الكتب التي تستحق وقفات مطولة عندها. أما موضوعي هذا فعن كاتب حاكى أوديسة هوميروس وكتب أوديسة القرن العشرين بأسلوب ساخر بارع جعله أحد قمم الأدب العالمي..



    نشرها يوم عيد ميلاده الأربعين في الثاني من شباط عام 1922 تحت اسم (أوليس) (وفي رواية أخرى عوليس) ليعد يوم ظهورها نقطة تحول في تاريخ الرواية الحديثة..
    تعرفت عليه لأول مرة منذ خمس سنوات تقريباً.. في رواية بورتريت لفنان شاب وكانت ومازالت بالنسبة لي أجمل رواية قرأتها في الأدب الإنكليزي حتى الآن.. (وقد تكون كذلك لقلة ما قرأته حتى الآن) ولكن شخصية بطلتها (روز) من أكثر الشخصيات النسائية التي أحبها بهوس قارئ يمكن أن يصل به الهوس لحب شخصية ورقية.. أجدها أحياناً في بعض الروايات العربية التي كانت تعتبر بدايات لتحرر المرأة كشخصية البطلة في رواية الأديبة السورية كوليت خوري (أيام معه) وبشكل أجمل وأقوى في رواية سبقتها للأديبة اللبنانية ليلى البعلبكي (أنا أحيا) ولكن (روز) (بطلة جيمس جويس في روايته بورتريت لفنان شاب) كانت دائماً مختلفة ومفضلة ومميزة وفيها كل ما يمكن أن يوجد في المرأة من مشاعر وتناقض وعقل وعاطفة وعقد وصراعات.. ولكن أيضاً حديثي هنا ليس عن المقارنة بين تلك الشخصيات النسائية ولكن سيكون لي وقفة مخصصة لرواية (بورتريه لفنان شاب) والتي يقال أنها تمثل سيرة ذاتية لكاتبها، ولكن بعد أن نتعرف على تلك السيرة من كتاب الدكتور بديع حقي (قمم في الأدب العالمي) حيث يعرفنا فيه على على تولستوي وبروست ولوركا ومالارميه وجيمس جويس..

    سنتعرف أولاً إلى جيمس جويس هذا المجنون العبقري الذي كان يكره أيام السبت والأحد ولديه عدوانية تجاه الزمن والروزنامة فيمزق كل روزنامة يصادفها محاولاً تخطي الزمن والتخلص من عبء الساعات والأيام..


    جيمس جويس رائد الرواية الحديثة





    (التاريخ هو – كما يقول ستيفن في رواية أوليس – كابوس أحاول أن أستيقظ منه).
    جيمس جويس



    (في الوقت الذي كان يفكك بيكاسو أجزاء وجه الإنسان، حتى يتسق له أن يظفر بمختلف سطوحه ويجلوها على لوحة مستوية، فقد تيسر لجويس، بحروفٍ سود يجريها على الصفحات البيض، أن يجلو ويسجل – مفجراً الزمن، مشرّحاً الإنسان – اللغط البشري كله، ضمن أطر بعض مؤلفاته).
    جوزيف ماجولت


    ولد (جيمس جويس) في دبلن في الثاني من شباط عام 1822، من أسرة كاثوليكية، وكان الثاني من أحد عشر ولداً. وكان أبوه (جون جويس) رجلاً ماجناً صخاباً مولعاً بالشراب كثير العربدة، وكان إلى ذلك رجلاً عاطفياً، سبط البنان، طيب السريرة. وقد نأت بأبيه حياته هذه اللاهية عن التمتع بهناءة الاستقرار، فظل عمره كله، ينتقل مع أسرته من بيت إلى بيت، تلاحقه الديون ويتعقبه شبح الحجز. أما أم (جيمس) فكانت امرأة مرهفة الشعور، متدينة، وقد أحبت زوجها وتحملت نزواته وصبواته بجلد صابر وابتسامة صافحة.

    وضع جيمس في السادسة من عمره في مدرسة داخلية، وتمرّغ قلبه الغض الفتي وهو يرى إلى أمه تنشج باكية حين ودعها وحرم دفء صدرها الحنون، ونقل بعد سنوات ثلاث، إلى مدرسة داخلية أخرى في ضواحي (دبلن) يشرف عليها رهبان يسوعيون، وقد هيأته تربيتهم القاسية لأن يألف النظام ويتزود بدراسة علمية أدبية كلاسيكية غنية، غير أن التزمت الشديد الذي اتسمت به تلك التربية خلف في نفسه رواسب من التمرد والتحدي، تراخت في شبابه إلى زعزعة إيمانه وإلى كرهٍ متقد دائم لرجال الدين.

    وشكا جيمس منذ صغره ضعفاً في بصره واضطر إلى حمل نظارة لازمت عينيه الزرقاوين، وأضحت متممة لقسمات وجهه.
    ولئن عرفت طفولته الحرمان والقلق والغربة، لقد كان يتكلف المرح والابتسام، حتى دعاه أخوته بجيمس الضاحك وقد ركبته فيما بعد هموم الحياة، وظلت ابتسامته معلقة بشفيته الرقيقتين، ولكنها أضحت ابتسامة حاقدة ساخرة مريرة.

    وتفوق جيمس في دراسته ونال المركز الأول بين لداته وظفر بأكبر جائزة أجريت لطلبة المدارس وكانت الجائزة عشرين جنيها، وجدها أبوه – وكان قد أحيل على التقاعد منذ أمد قريب – خير هدية ليعاقر خمرته ويستأنف عربدته، وتعيش أسرته الوفيرة في يسر موقت.

    وفي عام 1898 التحق جويس بالجامعة، ليتابع فيها دراسة الفرنسية والألمانية والايطالية والنروجية، وعلم النحو المقارن، وقد أعانه تضلعه في اللغات، على تلقيح مؤلفاته المقبلة بما أصاب من ثقافة لغوية متشعبة.
    وخلب لبه وهو في فجر تفتح فكره مسرحيات الكاتب النروجي (إبسن) فعكف على قراءتها وأعجب بما يشيع في أكثرها من تقديس لحرية الفكر وثورة على قيود العادات الرجعية البالية، وأغراه إعجابه بإبسن بكتابة مقالٍ ضافٍ مسهب عن إحدى مسرحياته، وتناهى المقال إلى الكاتب النروجي العظيم، فكتب إلى جويس شاكراً، فأجاب هذا برسالة قال فيها:

    "أشكر لك تلطفك بالكتابة إلي، إني فتى إيرلندي، في الثامنة عشرة من سني، إن كلمات إبسن ستبقى، عمري كله منقوشة في قلبي".

    ولما ظفر بشهادة البكالوريا عام 1902 عزم على دراسة الطب في باريس فسافر إليها وسكن في الحي اللاتيني، ولعل آماله المخيبة في وضع أسرته وكفاح وطنه وثورته على تقاليد مجتمعه، قد حملته على الابتعاد عن دبلن ليجد في باريس مدينة النور والفكر والحرية ملاذاً لروحه الظامئة المتمردة. ولكنه أضحى، وهو في باريس ملازماً لمكتبتها الوطنية أكثر من اختلافه إلى معهد الطب. وكان يتزود منها، منقراً ، مطلعاً، تستهويه دراسة علم الجمال. واشتد ضعف بصره وأخذ يشكو من دوار دائم في رأسه، وتخبط في العسر والإملاق فاضطر إلى إعطاء دروس لتعليم اللغة الانكليزية، وكتب عدة مقالات لعلها أن تفي ببعض نفقاته. وفي العام التالي قفل عائداً إلى دبلن بعد أن تناهى إليه خبر بأن أمه مشرفة على الموت. وقد أدركها ورأى إليها تحتضر أمامه، ولكنه أبى أن يجثو مصلياً إلى جانب سريرها كما تقتضي التقاليد الدينية، وشعر بعد وفاتها بندم شديد يعصر قلبه وفراغ رهيب يغزو حياته.

    وكانت سنةً قاسيةً امتحنته فيها الأيام بالمصائب، وألفى في الخمرة – كما ألفى أبوه من قبل – مفزعاً يذيب فيها آلامه، ومكث في دبلن يرتزق من دروس ضئيلة، ولكن غرامه بالأدب ظل متقداً وكتب قصته المعروفة (ديدالوس أو صورة فنان في ريّق صباه) مندفعاً، مضرم الهمة. وقد جلا فيها حياته المضطربة في طفولته وصباه. وقد كان وصفه وتحليله وسبره لأغوار النفس يشي بفن روائي مستحصد ناضج، بيد أنه لم يعثر على ناشر يرضى بنشر كتابه فانصرف إلى نظم الشعر وقرزم بعض القصائد ثم بدا له أن يتقدم إلى مسابقة غناء – وكان له صوت ندي – ولكنه لم يفز بالجائزة المنشودة.

    والتقى في هذا العام بنورا بارناكل، فشغف بها حباً. وقد جعل من تاريخ يوم لقائه بها في 16 حزيران، اليوم المشهور الذي تدور فيه حوادث روايته المقبلة (أوليس).
    وقد أعجبت نورا بموهبته الأدبية وأحبته وقبلت به زوجاً فبنى بها في العام نفسه، وأخلصت له الحب وقاسمته حلو الحياة ومرها.

    وإذ كان يرغب في الابتعاد عن دبلن بعد أن انتسخ أمله في الوصول إلى الهناءة وطراوة العيش فقد سافر مع زوجته إلى (زوريخ) في (سويسرا) رجاة أن يجد فيها عملاً، فلم يظفر بما كان يهفو إليه، واتخذ أدراجه إلى تريستا بعد تنقل مرهق متصل، ولكن تكسبه من تدريس اللغة الانكليزية لم يكن يكفيه وترصدته كؤوس الخمرة يغمس فيها شجونه، وفي تريستا وضعت زوجته صبياً سماه (جيو رجيو). وتجاذبه الفرح بابنه والتخوف من مسؤولية تربيته، ولكن همومه لم تثنه عن التأليف، فأنهى ديوان شعر صغيراً، ومجموعة قصصية، سماها (أهل دبلن) وبعث بمخطوطتيهما إلى أخيه (ستانيسلاس) في (دبلن) لعله أن يجد لهما ناشراً فلم يوفق، وكتب إلى أخيه يغريه بالمجيء للعمل في تريستا فقد إليه وتقاسم الأخوان البيت.
    وكثيراً ما كان جيمس يسترفد من أخيه عونه المالي فلا يضن عليه بشيء. وبدا له أن ينتقل إلى روما ليعمل موظفاً في مصرف، ولكنه لم يسغ العمل هناك، وآب بعد أمد قصير إلى تريستا أكثر إملاقاً، ووضعت زوجته طفلة سماها (لوسي آن) في القسم المخصص للفقراء من مستشفى التوليد، وأمسك جيمس عن الخمرة، أمداً، إثر التهاب في قزحية عينه وتوعد زوجته وتهديدها بأن تعمد طفليه – وكان يكره التعميد والطقوس الدينية كرهاً متأصلاً – إن عاد إلى معاقرة الخمرة.

    وسافر جويس إلى دبلن ليشرف على نشر كتابه (أهل دبلن) وتم طبعه على نفقته، بعد صعوبات جمة ولما قدم إلى المطبعة ليستلم نسخ كتابه، أعلمه الطابع أن شخصاً مجهولاً أتى إلى المطبعة فاشترى النسخ كلها ودفع ثمنها ثم أمر بإحراقها في مكانها ومضى.

    وعاد جيمس جويس إلى تريستا، وفي جيبه ثمن نسخ كتابه المحروقة، وفي قلبه تتأجج نار من الأسى، مؤالياً على نفسه ألا يعود إلى وطنه أبداً. ولكنه حمل وطنه في قلبه ليجري أقدار أبطاله في مرابع مدينته المتنكرة الجافية (دبلن).

    وعمد إلى نشر صفحات من روايته (ديدالوس) في مجلة أدبية، فما عتم أن لفت أنظار الأوساط الأدبية إليه، وأعجب به الشاعر (ت.س. إليوت) والشاعر الأمريكي (إزرا باوند) إعجاباً كبيراً ، وقدم إليه باوند مساعدة مجدية، لنشر روايته، وإعادة طبع مجموعته القصصية (أهل دبلن) وكذلك بدأ نجم شهرته يتوامض في سماء الأدب.

    وفي عام 1914 شرع جويس بكتابة رائعة (أوليس)، وفي هذا العام أعلنت الحرب العالمية الأولى، واضطر جويس إلى مغادرة تريستا، وكانت بلداً تابعاً للنمسا، ومضى مع أسرته إلى سويسرا، وأمده باوند ثمة، بمعونة مالية مجدية، أنقذته من الفاقة، وما كاد أوار الحرب يخمد حتى عاد جويس إلى تريستا، ليستأنف عمله في التعليم، وينكب على روايته أوليس.

    بيد أنه لم يستطع إنهاء روايته إلا في باريس، بعد أن حبب إليه صديقه باوند الإقامة فيها، وظفر جويس بتقدير عدد كبير من الكتاب والمفكرين الفرنسيين المعجبين بأدبه، وعلى رأسهم (فاليري لاربو)، واحتضنت باريس عبقريته، حفية به، معجبة، في مدى عشرين عاماً، بعد أن مني بالخيبة القاسية في وطنه.

    وقام جويس بمحاولات يائسة لنشر روايته في انكلترا وأمريكا، ولكن الرقابتين الانكليزية والامريكية، مانعتا في ذلك متعللتين، بأن في بعض الصفحات من الكتاب، واقعية صارخة تجلو ضعة الإنسان وغرائزه، بأسلوب يخالف الآداب العامة. واتسق له، أخيراً، أن يطبع الكتاب بمساعدة (سيلفيا بيتش) في (ديجون) بفرنسا.

    وأتمثله، في صباح اليوم الثاني من شهر شباط عام 1922، في يوم عيد ميلاده الأربعين، يذرع غرفته، جيئة وذهوباً، قلقاً، نافذ الصبر، في انتظار أول نسخة من روايته التي أذوى في تأليفها زهرة شبابه واستصفى لها خلاصة عبقريته، وحنا عليها ساهراً، حسير البصر، وها هي ذي أمنيته تتحقق ويؤتي جهده أكله، آخر الأمر.

    ويرى إلى سيلفيا بيتش تدخل حجرته متطلقة الوجه ضاحكة وبيدها رزمة. لا ريب أنها وافت الآن، من المحطة. ويتهلل وجهه بشراً وسعادة، ويحل رباط الرزمة الثمينة. إنها تتضمن نسختين من روايته. وتمتد أنامله المرتعشة إلى نسخة من الكتاب تتلمسها وتقلب صفحاتها في نشوة غامرة.

    في هذا اليوم، يحتفل إذن بعيدين، عيد ميلاده، وعيد طبع روايته. لقد كان يرى أن وجوده كله معلق بكتابه هذا، ولعله أن يكون على حق، فقد كانت روايته نقطة انطلاق جديدة في أسلوب الرواية الحديثة.



    يتبع..


    *للشاعر علي كنعان
    To be or not to be
    That is the question


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,535

    للقارئ أن يتساءل:
    أي شيء يمكن أن يوحي به يوم عادي في حياة إنسانٍ ما، تتابع حوادثه الطبيعية، دون أن يند منها حادث عجيب يستدعي الاهتمام أكثر من غيره ويتطلب من الكاتب الإطالة والإسهاب؟ ومع ذلك فقد نهضت روايته (أوليس) التي كتبها في ست سنوات أو تزيد قليلاً، على سرد حوادث يوم واحد هو السادس عشر من حزيران عام 1904، في مدينة دبلن واتسقت في 870 صفحة من القطع الكبير.

    يوم واحد عادي من حياة إنسان عادي، ولكن جويس استطاع بعبقريته الفذة، أن يتناول هذا اليوم فيقص حوادثه في دقةٍ معجزة، فلا عجب أن يضع النقاد أثره في الرواية في قرن واحد مع أثر (فرويد) في علم النفس، و (انشتاين) في علم الفيزياء، وأن تنهض روايته هذه مع رواية (بحثاً عن الزمن الضائع) للكاتب الفرنسي (مارسيل بروست) قمتين شامختين من روائع الأدب العالمي المعاصر.

    ولم يكن سرد جويس في روايته، متكئاً على ترتيب زمني وفقاً لمنطق الساعة التي تحصي الزمن وتجزئه، في دقاتها الرتيبة المنتظمة، بل في تفجير ذرات الزمن – إن جاز أن يكون للزمن ذرات – وقد تيسر له ذلك بمائة أسلوب وأسلوب. فهو يعتمد على الحوار الداخلي يهدر ويتدفق وينفض، في هينةٍ ورفق، وعلى الأسلوب الواقعي في الوصف الفوتوغرافي الأمين في النقل، وعلى الأسلوب السريالي (فوق الواقعي) في صوره الآبدة الغريبة المسرفة في التخيل، وعلى الأسلوب الملحمي الموشّى بالأساطير، وتتجمع هذه الأساطير على نحو قد يبدو متنافراً غير متناسق، ولكنها تعكس صورةً صادقة عن عالم النفس الداخلي وعالمها الخارجي، لتلخصهما، كما يتلخص الكون كله في جوزة واحدة، على حد تعبير جويس نفسه.

    وتتخلل الرواية دراسات وآراء علمية وأبحاث لغوية ومباحث تاريخية، وتنسم هنا وهناك، قصائد تهب للرواية رعشات حلوة تنفي عنها بعض السأم.

    كل هذا كان مقصوداً مهيئاً مرتباً من الكاتب، وقد أداه في لقانة المهندس الصناع الذي أحكم بناء صرح مرصوص يشد بعضه بعضاً، وفقاً لتنظيم دقيق فلا نجد جملة أو كلمة تجلو صورة أو فكرة ما ليس لها مكان في هذا الصرح.

    وقد اطلع الكاتب الفرنسي (فاليري لاربو) على المراحل التي تم فيها تأليف هذه الرواية، فذكر في دراسة له، أن جويس قد أورد في ألوف من القصاصات موجزاً عن جمل الرواية. إنه عمل مذهل، أشبه بالفسيفساء الدقيقة أو بالنمنمة التي توشّي ذلاذل ثوب الغادة المترفة.

    على أن أغرب ما في هذه الرواية، أنها تماثل، بتقسيمها وحوادثها وفصولها الثمانية عشر، ملحمة (الأوذيسة)، ومن هنا، جاء عنوان الرواية (أوليس) بطل ملحمة (هومير)، فكل فصل من الرواية يقابل فصلاً من الملحمة اليونانية ويرمز إليه ويتناغم معه.

    إن القراءة السطحية لا تلحظ الصلة الخفية العميقة الجذور بين ملحمة هومير ورواية جويس، ولكن القراءة الواعية الفاحصة، تكتشف في الرواية أصداءً تتجاوب مع الملحمة.
    وتواكب هذه المماثلة مماثلة أخرى للجسم الإنساني، فكل فصل من الرواية يشير إلى عضو من أعضاء الجسد ويتحدث عن وظيفته وحاسته المتصلة به.

    وتتجاذب الألوان السبعة فصول الرواية، كما تتجاذب قوس قزح، فيبدو لون هنا، قوياً ظاهراً، ويمّحي، هناك، ليغلب لون آخر بدلاً منه.
    لو شئنا أن نلخص هذه الرواية، لما ألفينا سوى حوادث تافهة تترادف على هذا النسق:
    الساعة تشير إلى الثامنة صباحاً. اليوم هو الخميس الواقع في السادس عشر من حزيران عام 1940. المكان هو مدينة دبلن. ونرى إلى ستيفان ديدالوس – هو تليماك في الملحمة – المقيم في برج سانديمونت يعتزم مغادرة أصحابه ليعيش معتزلاً.

    ونراه في الساعة التاسعة، يلقي درساً في التنغيم والتاريخ، وفي الساعة الحادية عشرة يعود إلى المدينة – ويقابل هذا الجزء من الرواية رحلة تليماك في الملحمة – ونعود في الفصل الرابع إلى بطل الرواية الحقيقي (ليوبولد بلوم) وهو موظف بسيط في مصرف، ويرمز به إلى اليهودي التائه – هو (أوليس) في الملحمة – فنرى إليه يستيقظ في الساعة الثامنة صباحاً، ليهيء لزوجته الصبية المدللة مولي فطور الصباح، ثم يدع زوجته مضطجعة في سريرها، ويدخل المطبخ فالمرحاض، حيث يطيب له أن يتصفح جريدة الصباح.

    وفي الساعة العاشرة يخرج إلى الشارع، فلا يترك واجهة مخزن أو عابر سبيل يصافح بصره، ولا يدع نأمة تخلص إلى سمعه دون أن يجلوه ويأتي على ذكره.
    ويشتري قطعة صابون، لا تغادر جيبه البتة، ونرى إليه يتقراها بيده، بين الفينة والفينة، ليستوثق من بقائها، كأنها نغم منفرد، يعود ويتردد في سمفونية طويلة، ويدخل كنيسة، ثم يشخص إلى مأتم أحد رفاقه – هو في الملحمة جنازة (البينور) – ويتخذ سمته نحو مكتب جريدة – تقابل في الملحمة (أوليس) في (ايول)- ويتناول طعام الغداء في مطعم، ويقصد مكتبة يغادرها إلى الشاطئ متنزهاً، وتثير أعصابه فتاة متبذلة تسبح، حاسرة عن مفاتنها، ويمضي من الشاطئ، فيلتقي بأصحاب له، ثم يقصد دار لهو وعبث – هو بيت (سيرسه) في الملحمة – فيلتقي بديدالوس – كما يلتقي اوليس بتليماك في الملحمة – ويثملان معاً، ويفقد بلوم وقاره ويقفل عائداً إلى بيته، وقد تعتعه السكر ورنحته سمادير الخمرة، ويجد زوجته مولي تلهج بحوار داخلي، يجلو مغامراتها وخياناتها، وحين تستسلم لأسر النوم وتغفو، تغمغم لفظة: أجل، وبهذه الكلمة تختتم الرواية.

    هذه هي الخطوط العامة التي تنتظم رواية (أوليس)، ولعل جويس قد هدف وهو ينتقي لروايته يهودياً عادياً (وقد اتهم جويس بكره اليهود بسبب انتقاءه هذا) ويحشد له حوادث تافهة يملأ بها يومه قد هدف إلى تصوير تفاهة الإنسان وضعته وعقم حياته.

    بيد أن بعض النقاد – ومنهم (البيريس) – يرى أن خلف هذه التفاهة معنى خفياً ذا دلالة وأن في مسلاخ الإنسان، أي إنسان، تكمن روح البطل، وترتدي حوادثه اليومية، مهما تكن تافهة، ثوب الأسطورة.
    لقد استطاع جويس إذن أن يؤلف بين النقيضين، فوضع الإنسان العادي والبطل المتفوق في صعيد مشترك وضمهما معاً، كظلين لإنسان واحد، يغيب ظله الأول القديم في متاهات الأسطورة بإهاب اوليس ويتحرك ظله الثاني الحديث في شوارع دبلن ومقاهيها وحاناتها وبيوتها بإهاب ليوبولد بلوم.

    واختار جويس مدينة دبلن مسرحاً لروايته، ولكنه حاول كما يقول الناقد (اندره ميزون نوف) أن يخلق من حوادثها وشخصياتها عالماً خارج حدود المكان والزمان، خارج كابوس التاريخ، كما يقول أحد أبطال الرواية.
    لا، لم تكن هذه الصفحات التي ملأها جويس بحوادث تافهة، ثرثرة ولغواً، بل عملاً جباراً خلاقاً، مبدعاً، لقد جعل من الحوادث وهي تتسلسل، منزلقة كحبات صغيرة من الرمل من ثنايا أنامله اللبقة – جعل منها طوداً شامخاً من المعاني الصلدة الثابتة.

    ولعل الكاتب الفرنسي (ادوار دو جاردان) كان أول من ابتدع الحوار الدخلي في الرواية، ولكن جويس جعله دافئاً معبراً متدفقاً، وجذعاً أساسياً في روايته.
    وعلى الرغم من التنوع الخصب الذي تتصف به الرواية، فإن قارئها يجد سأماً ومللاً، إن طلب منها حوادث مشوقة ذات حبكة مثيرة وخاتمة مفرحة أو محزنة تفضي إليها، لهذا فإن قراءها يظلون نخبةً محدودة، يحدوهم صبر عنيد ورغبة ملحاح في الغوص في أعماق هذا الخضم، ويُروى أن زوجة جيمس جويس لم تستطع على ثقافتها الواسعة وإعجابها بزوجها أن تتم قراءة روايته.

    وقد شبه أحد النقاد قارئ هذه الرواية براكب سفينة يتقحم غمرات البحر وينبغي له أن ينسى ذكرى المرفأ الذي فصلت منه السفينة، وأن يجعل الهم والقلق والسأم دبر أذنيه لينساق مع سفينته الهائمة في مراد مجهول.

    ولا تجدي القراءة العابرة الأولى، إن اقتحمت العين تفاصيل الرواية دون انتباه إلى رموزها الخفية، فقد كتب (ييتس) مقالاً، إثر قراءته الأولى للرواية، فنقدها نقداً عنيفاً قاسياً وتحيّف منها، ثم بدا له أن يعاود قراءتها فلم يجد بداً من الاعتراف بأنه ارتكب خطأ جسيماً في النيل منها، وقال:
    "لعلها أن تكون أثراً رائعاً من عبقرية فذة، إنني أفهم الآن انسجامها".

    ويقول (ارنولد بنيت):
    "إنني لم أقرأ قط أثراً أدبياً يفوق اوليس، وأشك في أن أكون قد قرأت ما يماثلها في الروعة".

    ولئن ظلمت الرقابتان الانكليزية والامريكية، هذه الرواية، لما في بعض صفحاتها من تصوير دقيق، وايرادها بعض البذاءات تجري في جزء من الحواء، فإنه يغتفر لجويس، ما يغتفر للطبيب والعالم النفسي، إذ يحسران بصراحةٍ صادقةٍ عن أسرار الجسد والنفس.

    وقد شبه الباحث النفسي الكبير (يونغ) تلميذ (فرويد) هذه الرواية في دراسة مستفيضة رائعة بنهر عظيم لجي، تنساب أمواهه غامرة كل شيء، حتى إذا شارفت الرواية نهايتها، انبجس حوار داخلي تريقه زوجة بلوم، في جملة واحدة تقع في أربعين صفحة، لا يحجز بين كلماتها، نقطة أو فاصلة، كموجات النهر المتصلة المتدفقة، كأنما قصد بها جويس إلى تصوير الفراغ الرهيب الذي يطوق حياتنا ويكظم أنفاسنا.


    يتبع...

    To be or not to be
    That is the question


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,535
    لم يفئ جويس إلى الراحة بعد المجد العظيم الذي أصابه في أوليس فقد انصرف إلى تأليف كتاب آخر هو يقظة فينيغان، وكان يطمح إلى أن يتجاوز بقيمته الأدبية رواية أوليس، وقد أنفق في تأليفه سبعة عشر عاماً، كان بصره خلالها يزوي شيئاً فشيئاً، ولكن عزيمته الجبارة كانت لا تني تملي عليه المضي والاستمرار، وكذلك كان يبذل هذا الكاتب العظيم نور عينه على محراب أدبه الفذ.

    غير أن هذا الكتاب لم يصب من النجاح ما أصابته رواية أوليس لعسره والتوائه وغموض دلالاته، وقد أوضح جويس نفسه أن هذا الكتاب الذي استشرف به أغوار الأحلام الظليلة هو كتاب الليل، وأن أوليس هو كتاب النهار المشرق.
    لقد تراخت رواية اوليس إلى الحوار الداخلي الذي كانت مولي تلهج به في ذات نفسها، قبل أن يسلسل جفناها للنوم، وتناهت إلى وصيد الأحلام، ووقفت بلفظة نعم عند مشارف الغفوة، أما كتاب (يقظة فينيغان) فهو يتخطى الحد الفاصل بين اليقظة والنوم، ليدخل في عالم الأحلام السحري.

    وأسلوب الكتاب، على غموضه، طريّ سيّال، كنهر الزمن. إنه يطاوع انسياب الحلم والتواءه، وإشراقه، سافحاً في تدفقه كل ما يمكن أن يريقه الجاثوم، من غرائب ومفاجآت وممكنات هي بسبيل إلى الأساطير.
    إن في مكنتك، حين تدخل عالم الأحلام، أن تلهج بلغاتٍ لا تعرفها في اليقظة – أو هكذا يبدو للمرء – وكذلك نحت لنا جويس في كتابه كلماتٍ جديدة – يتجاوز بعضها سطراً برمته، قبسها واشتقها من تسع عشرة لغة كان يعرفها ويرتضخ أكثرها بطلاقة، فإذا الكتاب كيمياء لفظية ومزيجٌ من ألفاظٍ ملتوية مبهمة، وصور غامضة هي أقرب إلى المعميات والرقى. على أن بعض المتحمسين لجويس، وعلى رأسم (أوجين جولاس) وجد فيه ثورة لغوية لا نظير لها في الآداب العالمية كلها.

    ويقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام تنتهي بخاتمة، تتسق كلها في سبعة عشر جزءاً، لكل جزء منها أسلوبه ونغمته وأصداؤه ويكاد يستحيل تلخيص محتوى هذه الأجزاء، لأن الكتاب لا يسوق قصة بل لوحاتٍ متعانقة متراكبة متداخلة، ولا يزجي موضوعاً، بل يهرق صوراً وتهاويك خاطفة غائمة، متماوجة، تقبل آلاف التفسيرات والتأويلات، وقد جعل الكاتب من مدينة دبلن منطلقاً لهذا السيل الجارف من اللوحات، أما الشخصيات فلا توجه أعمالها ولا تسوق الأعمال شخصياتها، بل هي مجردات ورموز وانعكاسات قلقة لحقيقة خبيئة متحركة.

    وكذلك اطّردت لوحات الكتاب، كقزعات السحاب تسفرها الريح، فتتخذ على لمساتها، أشكالاً متآلفة، متنافرة، ناعمة، وحشية.
    وقد تظفر بصورة تنساب، رقراقة صافية، ولكن حركة واحدة ما تلبث أن تنال منها، فتلتاث ألوانها وتتجعد الألفاظ المركبة فيها وترى إلى الأحرف المكونة لها تتردد مرتجفة، فكأنك ألقيت على سطح ماء راكد حصاة صغيرة، لتنداح على صقاله دوائر وتتجعد غضون وتتمزق صور.

    يبدئ الكتاب بقصف الرعد وهو يتهزم، ملخصاً في لفظة تحكي وتتآلف من مائة حرف، مركبة على هذا النحو:
    Dalgharaghtahkamminonnkonnbronnbronntonnerronntuon nthunnntrovarrhounautnautnaushawntochordenenthuran k

    ويهوي البنّاء فينيغان من إسقالة البناء، ويسقط على الأرض، دون حراك سقطة تذكرنا بهبوط آدم من الفردوس إلى الأرض، ويسهر رفاقه على جثمانه، ولكنه ما يكاد يسمع صوت فتح زجاجة ويسكي حتى تدب الحياة في أوصاله – ولعل ولع جويس بالويسكي، هو الذي أغراه بهذه الصورة – غير أن رفاقه يقسرونه على البقاء في تابوت، مضطجعاً وينسل من روحه بديله أوريكر وهو عملاق مارد يهيم في أنحاء المدينة، مع زوجته آنا ليفيا – يرمز بها جويس إلى ماء النهر – وينهضان مع أولادهما، بمغامرات شتى لا سبيل إلى تلخيصها، وتنتهي القصة بأن تنساق آنا ليفيا إلى حوار داخلي، كما ينساق ماء النهر إلى البحر.

    وكذلك تترادف لوحات القصة السحرية الآبدة الملتوية، منتزعة من عالم الأحلام المبهم الغامض، كأنها أحجية لا يعرف مغالقها سوى جويس وحده. إنها تبدو كما يقول (جوزيف ماجول) كوكباً ميتاً، لا حياة فيه، يدور حول نفسه في سكون حزين.

    ومن المفارقات الطريفة أن فرقة إرلندية، قبست لوحات من فينيغان وأخرجتها على المسرح وعرضتها في باريس منذ قرابة عشرين عاماً، فظفرت بإعجاب الجمهور الفرنسي الذواقة، وتحدث الناقد (روبير كانترز) عما في فينيغان من صور عنيفة مفجرة، واستشف فيها استهلالاً وإرهاصات تعدُ بعصر الذرة.

    ***


    لم يقدّر لكتاب فينيغان، على عظمته وسموه وغناه، ما قدر لرواية اوليس من تذوق وفهم، وقوبل، حين ظهوره، بنقد يفصح عن العجز، ومن يدري فلعل الأجيال المقبلة تستطيع أن تفهمه وتتأوله وتستنبط الكنوز الخبيئة في منجمه.
    على أن جويس لم يكن ليأبه لسهام النقد تفوق إلى كتابه هذا، فقد كان مشغولاً، في مغرب سني حياته بمحنة تعدل محنته ببصره هي محنته بابنته لوسيا، فقد أحبت لوسيا الكاتب الارلندي (صموئيل بيكيت)، وكان يتردد على أبيها، أحبته حباً مبرحاً يائساً دون أن يستجيب لحبها، وألم بها يأسٌ عتيٌ فخولطت في عقلها، ولعلها تنتظر حتى الآن، وهي في أحد مصحات (نورثامبتون)، حبيبها الموهوم (بيكيت).

    وقد أنفق جويس ثلثي ثروته التي أصابها من مؤلفاته في معالجة ابنته، وانتقل بها من مصح إلى مصح دون جدوى، وكان يراعي ابنته المسكينة مردداً، ودموعه تغيم في عينيه:
    "مهما تكن شرارة الموهبة التي أملكها، فإنها قد انتقلت إلى لوسيا، وأرّثت ناراً في دماغها".

    وكذلك جعل بصره يضعف ويمّحي منه النور، وأجريت لعينيه عمليات عديدة، دون أن تجدي شيئاً، حتى شارف ظلمة العمى، كما جعل النور ينطفئ في عقل ابنته الحبيبة حتى سربلته دياجير الجنون.

    وانزوى جويس بعيداً، عن أضواء الشهرة، لا يكاد يأبه لأحداث العالم تتوالى مدلهمة، منذرة بحرب ضروس، فلما اندلعت نارها عام 1939 أقام جويس في قرية لابول قريباً من مصح ابنته. واضطر إلى مغادرة فرنسا مع زوجته وابنه بعد الغزو الألماني، وسافر إلى جنيف ومنها إلى زوريخ، وفي 10 كانون الثاني من عام 1941 أحس جويس بآلام مفاجئة في معدته، فنقل إلى المستشفى، وتبين بعد الفحص الشعاعي أن قرحة قد نغرت وانفجرت وأدت إلى نزف شديد. وأجريت له عملية عاجلة، تراءت في البدء ناجحة، ولكن قواه زايلته وغاب عن وعيه واستفاق ليطلب أن يوضع إلى جانبه سرير لزوجته، ثم نادى زوجته وابنه وأسلم الروح.

    ***


    وكذلك انتهت غربة أوليس العصر الحديث، توارى جيمس جويس بعد أن عرف مرارة الإخفاق، وبلا حرقة الجوع وهام في كل مضطرب من الأرض.
    لقد غادر وطنه وحلكة العمى تهدد عينيه، بحثاً عن اللقمة، ثم قدر له أن ينجز أثراً أدبياً، سما به إلى قمة المجد، ولم يكد يتذوق حلاوته، سائغة شيهة، حتى رزئ بابنته في عقلها وغاله الموت حزيناً حسيراً.

    وقد مضى أكثر من أربعين عاماً على وفاته ومئات الدراسات ما تفتأ تتعاقب، مللة أدبه، مبينة عمقه وأصالته، وإذا بهذا النهر الزاخر يمتد وتتفرع منه جداول جمة، وإذا بجيمس جويس يضحي رائداً للرواية الحديثة التي تحدّر منها (روب غرييه) و (ساروت) و (بوتور) و (سيمون)، ولعل (ويليام فولكنر) أعظم من تأثر به وأخذ بمنهجه في الاعتماد على الحوار الداخلي، ينساب كالدم في عروق رواياته كلها.

    يقول الناقد (رولان بونال):
    "إن جيمس جويس هو أوفر كتاب القرن العشرين ابتكاراً".

    وفي الحق أن أثر جويس، على غموض أدبه، وتمنعه على القارئ العادي، يتسع مع اتساع آفاق الثقافة، إذ لم تكن تجربته أدبية روائية فحسب، بل هي، إلى ذلك، تجربة فنية فكرية علمية معاً.

    ***


    في منسرح خيالي، ألمح طيف شاعر مشرد أعمى، كان يضرب منذ ثلاثين قرناً، بين مدن الاغريق، شفتاه كانتا تمرعان قصائد وأساطير، ومن راحته كانت تمتد عصاه العجفاء الضاوية، لعلها كانت تماثل جسمه النحيل وكانت تتقرى وتنقر الأرض نقراتٍ خفيفة رتيبة، كأنها كانت تهمس له، تحدثه، تهديه. إنه الشاعر اليوناني العظيم: هومر.

    وأرى إليه ساعياً من (ساموس) إلى (أثينا) لاهجاً بملحمة (الأوذيسة)، متغنياً بمآثر بطله اوليس. ويفجؤه الموت، ويتخطفه غريباً عن بلده وموطنه، ولكنه يفرع بشعره واساطيره وملاحمه قمة الخلود.

    وألمح في مسرح خيالي، طيف شاعر كاتب آخر، استبدت به الغربة بعيداً عن وطنه، وتقاذفته مدن أوروبا، وعلى شفتيه كانت تنعقد ابتسامة شاحبة مريرة ساخرة، وأمام جفنيه المتعبين كانت تجثم نظارة، ينسرب النور من زجاجها إلى إنسان عينيه الزرقاوين، ولكنه ينكفئ وينطفئ فلا تلمح عيناه سوى أشباح ملتاثة وخيالات مهتزة.

    من راحته كانت تمتد عصاه العجفاء الضاوية، لعلها كانت تماثل برقتها جسمه الهضيم وكانت تتقرى طريقها، وتنقر الأرض نقراتٍ خفيفة، رتيبة، كأنها كانت تهمس له، تحدثه، تهديه، إنه الكاتب الارلندي العظيم: (جيمس جويس).

    وأرى إليه، يستنزل اوليس من ملحمته، ويقذف به، في مسلاخ إنسان عادي في متاهات دبلن، لينسج من حوادث يوم واحد، روايته الرائعة: اوليس.

    ثم يختطفه الموت عام 1941، وهو في قمة المجد، غريباً بعيداً عن وطنه، تاركاً أثراً أدبياً خالداً، أضحى اللبنة الأولى في صرح الرواية الحديثة.
    To be or not to be
    That is the question


 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •