"انظري رسم الإلهة أثينا، كيف أنها تحمل بيد المغزل وبالأخرى الحربة، بيد حكمة الحياكة وبالأخرى الويلات ودمار الحروب"1..


نعم.. كانت أثينا إلهة الحكمة عند الإغريق تحمل بيدها الحربة، وباليد الأخرى المغزل الذي لا يرتبط فقط بخطيئة الإنسان الأولى ومانتج عنها من عري.. وإنما أيضاً بحرفة المرأة الأولى التي علمتها لكل الأجيال، فكانت تنسج الكتان والحرير والسجاد كما تنسج الكلام والقصص والحكايات.. فالنساج "هو من يصنع الكلام، والإنسان يلبس أقواله"2..

وهكذا كانت المرأة دائماً كعذراوات فيستا الست اللواتي كرسن حياتهن لخدمة معبد فيستا.. فقد كانت مهمة عذراء فيستا، ربة نار الموقد عند الرومان، هي الحفاظ على النار المقدسة مشتعلة للأبد.. فانطفاءها يعني الدمار والخراب للامبراطورية الرومانية.. فكان هناك فتيات مختارات يهبن ثلاثين عاماً من عمرهن لخدمتها، يمضين العشر الأوائل منها في تعلم الطقوس المقدسة، والعشر الثانية في تطبيق ما تعلمنه، والعشر الثالثة في تعليم ما تعلمنه وعملن به..

وتلك كانت دائماً مهمة النساء، أن يكن سادنات للنار وللنور وللقمر، لكل ما يمكن أن يضمن الاستمرار والبقاء...
هنا في "سادنات القمر" نريد أن نستمع لهمهمات نساء لم يعرهن أحد أي انتباه أو أهمية ولم يكن أكثر من زينة ودمى لإبهاج العالم.. لنساء لطيلة ما اعتدن السكوت نسين أصواتهن: "لا أستطيع أن أقول شيئاً. كل مرة أفتح فمي لا يخرج منه شيء سوى همهمة صغيرة"3.

نريد أن نسمع صوتها الحقيقي، بعيداً عن كل الشعارات والتصنيفات والكلام الكبير والأطر المزخرفة التي توضع فيها.. نريد أن نسمع صوتها هي لا صوت من تحدث وتكلم وكتب عنها ولها.. نريد أن نسمعها تتحدث عن أحلامها عن أفكارها عن كل ما تشعر به حتى وإن وجد به الآخر تفاهة وسطحية وغرور وعقد نقص فرويدية..

"أنا لست الأم ولست الأرض ولست الرمز، أنا إنسانة. آكل أشرب أحلم أخطئ أضيع أموج وأتعذب وأناجي الريح. أنا لست الرمز. أنا المرأة"4

لهذا كانت سادنات القمر
لنحكي سير نساء أطفئن حياتهن للحفاظ على الشعلة المقدسة.. ولم يطمعن بأكثر من أن يقرأن بإنصاف..

"أتمنى أن يأتي بعد موتي
من ينصفني، ويستخرج من كتاباتي
الصغيرة المتواضعة ما فيها من
روح الإخلاص والصدق والحمية
والتحمس لكل شيء حسن وصالح
وجميل، لأنه كذلك، لا
عن رغبة في الانتفاع به.."5







(1)(2) نجوى بركات
(3)وداد سكاكيني
(4)سحر خليفة
(5)مي زيادة