..
لا أقولُ :
يدايَ ترتجفانِ،
أو جسدي ينازعني ويعْرقُ دمعَهُ،
ويضيقُ عنّي.
لا أقولُ :
حرارتي انْخفضتْ،
فسيَّجَني الشتاءُ؛ شتاءُ يونيو.
لا أقولُ :
حرارتي ارتفعتْ،
فأشعلتُ السجائرَ باحتكاكِ يديَّ
واحترقَ السريرُ.

ولا أقولُ :
أصابني الهذيانُ،
وانشغَلتْ ظلالُ الليل عنّي
بالحديثِ عن المريضِ.
ولا أقولُ :
مرضتُ بالحُمَّى،
فأزْمَنَني المُسكِّنُ
والمُنوِّمُ
والمخدِّرُ
والسجائرُ
والكحولياتُ
والصبرُ الجميلُ.

ولا أقولُ ولا أقولُ
فكلُّ ما في الأمرِ أنّي
أبْعدُ العشاقِ عنكِ،
وأشْتهيكِ وأشتهيكِ ..

غائباً عمّا أرى
أنْشقُّ عن جسدٍ تعانقه المدينةُ :
- زوجةُ الجارِ المسافرِ
لمْ تزلْ تسقي حدائقَها، فيجرحها
عزوفُ العازبِ المنسيِّ عنها،
والغموضُ وكثرةُ الأعذارِ
تجرحها
ويجرح رغبتي صبّارُ شرفتِها
وألبومُ الزفافِ،
وصورةٌ فوق الجدار لطفلةٍ تبكي،
وتجرحني الأغاني العاطفيَّةُ
فوقَ حبلِ غسيلِها.

أنْشقُّ عن جسدٍ تبدِّلُه الفنادقُ :
- بنتُ ليلٍ
تشتري بنقودها ولاَّعتينِ؛ لها ولي
وزجاجتيْ خمرٍ
وتحجزُ غرفةً في فندقِ الخيَّامِ،
نقضي ليلةً في لعبة الأوراقِ
ترقصُ حين أسألها
عن الماضي، وأصمتُ
حين تسألني.
ونرحلُ في الصباح بلا وداعٍ،
نلتقي في البارِ، تجلسُ
تسألُ الجرسونَ عن أحوالهِ
ويرنُّ هاتفها، فتخرجُ
كي تؤدي ليلها.

أنشقُّ عن جسدٍ تقبِّلُه المداخنُ :
- في الشوارعِ ذاتها
أمشي وتمشي،
في الشوارعِ ذاتها
لا أشتري منها عقودَ الفُلِّ،
لا أعطي الكلامَ ولا العيونَ
لعطرِ وردتِها.
وفي ذات المقاهي نلتقي،
فتقولُ لي : "" يا سيِّدي؛
إن لم تُرِدْ فُلاًّ فلا تجرحْ
لماذا كلمّا ألقاكَ
تُغمضُ عن كلامي
قلبَكَ المدهونَ بالأسفلتِ ؟!
لا أهلٌ ولا بيتٌ،
فخُذني إن أردتَ،
أو اترُكِ الكورنيشَ للعشّاقِ ""
تطردنا المقاهي
تُسدلُ الأبوابُ قبلَ الفجرِ،
أتركها تغنّي، في الشوارعِ ذاتها :
"" ويا وردُ من يشتريكَ
وأنتَ الفقيرُ الجميلُ
وأنتَ القليلُ
المُدافِعُ عن حقّه في الهواءِ
وأنتَ القتيلُ
بما أورثتْكَ الطبيعةُ
من جسدٍ فائرٍ ومريضٍ
بحبِّ الحياةِ وبالغرباءْ ""

أنشقُّ عن جسدٍ تعلِّقه القلائدُ :
- لستُ سائحةً لتشرحَ لي
رموزَ الكرْنكَ
السيّاحُ لا يأتونَ في فصلٍ خطيرٍ
مثل هذا الحبِّ.
جرِّبْني مع الفودكا
وجرِّدْني من المدنِ الضبابِ.
يكُذِّبُ المُستشْرقينَ القمحُ في جسدي،
وشامبليونُ أخطأ حين حاولَ
أن يفُكَّ رموزَ صدركَ
يا لهذا الحقْلِ !
يا قدِّيسُ؛ إن الجنسَ فعلُ الخلْقِ،
فاغفرْ لي وللإسْكندنافيّاتِ أمثالي
وخلِّصْهنّ بالخطأ الجميلِ.

فقلتُ: هذا الحقل منذورٌ لسيدةِ الجهاتِ
سليلةِ الرمل النقيّ.
ولِدتُ من شرْقينِ
جاءَ أبي مع الغزواتِ
من شبه الجزيرةِ،
ثمَّ من أقصى شمال المغرب العربيِّ
حتى قريةٍ في مصرَ
كان غناءُ أمّي يفتح الصحراءَ
في وجهِ الأُموميينَ.
والتَقيا، فكانَ النذرُ
قلْبَ الإبنِ للفصحى
وكانا يقصدانِ أميرةً شرقيّةً .

أنشقّ عن جسدٍ وعن جسدٍ
وعن زمنينِ:
ماضٍ؛ يحفظُ الأخطاءَ
حتّى لا أكرِّرَها
ويخْفيها فأخطئُ مرةً أخرى
وأخطئ كي أدافعَ
عن وجودِ الفعلِ ( كانَ)

وحاضرٌ : ماضٍ
يلوِّحُ من بعيدٍ،
لا أرى منهُ
سوى الظلّ السريع على تجاعيد المكانِ

خسرتُ من المكانَ الوقتَ
في زمنينِ يتَّحدانِ
والآتي غموضٌ في غموضٍ
مُكْرهٌ بَطَلٌ
إذا كان اتجاهي
لا يناسبُ عقربَ الساعاتِ
إن وقفَ الزمانُ مع المكان حراسةً
للسجنِ، وانتظرا
زماناً في مكانٍ أو مكاناً في زمانٍ
كي أكونَ ..
فمُكْرهٌ بطلٌ أنا .

أنشقّ عن أهلي
وعن أصحابيَ الموتى
وعن وجهينِ دَوَّارينِ للمدنِ القُرى
وعن القطارِ / الترعةِ / الصفصافِ / جمّيزِ السبيلِ /
عن النخيلِ / البئرِ / نعناعِ الجنينةِ /
عن حمام الجُرنِ
عن صمتِ القتيلِ وطلقةِ الثأر القديمِ
عن المدافنِ والضريحِ ..

عن القطارِ / عن المداخنِ / والمصاعِدِ /
والكلامِ الرخو في لغةِ الليالي /
عن سماءِ القَشّ / عن عِزَب الصفيحِ
عن الميادينِ الصغيرةِ في الضواحي

عن طريقِ البحر فيما بيننا

عن كلّ ما حولي من التفصيل و الإجمالِ،
أخرجُ واحداً
متهيِّئاً للموتِ فيكِ
أحبّكِ، ابتسمي
وقولي في دلالٍ: " مُتْ عليَّ "
وخبِّئي فهدينِ وثِّابينِ عن كفيَّ
وابتعدي أو اقتربي
خذي ما شئتِ منّي،
واتركي ما شئتِ منكِ
ونحنُ مُنشغلانِ في ليلِ الأريكةِ
عن هواءٍ ليس يفصلُ بيننا.
لا تخرجي منّي
ولا تدَعي يدي.
كفّانِ تشتبكانِ
لا كفّانِ ذاهلتانِ في الفوضى

بكيتُ ولا أقولُ بكيتُ من وجعٍ
ولكنّي بكيتُ لفرط ما قلتُ " اشتهيتُ"
..
____________
خالد عبد القادر
26 نوفمبر 2008
القاهرة