Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 24
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536

    روح دستويفسكية في صالون المطابع




    النحل لما جنى من كل فاكهة ... أتاك بالجوهرين الشمع والعسل


    "المثقف ينظر للانتاج بعين جواهري خبير، يعرف الماسة النادرة من الماسة العادية. وهو الذي باستطاعته معرفة ما إذا كانت اللؤلؤة من محارة عذراء لم تمسسها يد انسان، أو لؤلؤة مستوردة من مزارع اللؤلؤ في اليابان!.. أما الفنان فهو المنجم، المنجم الذي اقتطعت منه الماسة، المحارة التي احتوت اللؤلؤة!"

    وأعتقد أن المثقف هو عامل في ذلك المنجم بكل ما في عمله من كفاح وجهد وصبر، ليتمكن من إستخراج تلك اللالئ الأصيلة.. لهذا أن نجد قارئاً جاداً، ملتزماً، هو أمر نادر.. وضيفنا اليوم في صالون المطابع هو أحد العمال المنقبين عن الجمال..

    حدثنا عن مواطن الجمال التي يلتقطها الأدب من أبشع المشاهد الواقعية وأكثرها دموية وكيف يحولها الأدب لقيمة جمالية..
    جعلنا نتوقف أكثر من مرة عند مشاهد ولقطات خالدة ليقول لنا أعيدوا قراءتها مرة ثانية وثالثة، هل فاتكم هذا المشهد العظيم، هل شعرتم بهيبة هذا المشهد بكل تفاصيله، هل جعلكم تصرخون مثلي بعد قراءته: يا الله..
    حدثنا عن بؤساء هوغو، عن عذابات آنا كارينينا، عن صراع راسكولنيكوف، عن طفولة غوركي البائسة، عن دموية روبسبير وكثير سواهم..
    إنه روح دستويفسكية يؤرقها البحث عن كل ما هو قيم وسامي وجميل..
    ديستويفسكي كان يؤرقه دائماً البحث عن عمل كبير يكتبه، فالكاتب الكبير كلما كتب عملاً عظيماً شعر أنه بحاجة للكتابة أكثر وأنه لما يقل شيء بعد..
    وكذلك القارئ الكبير.. كلما قرأ أكثر كلما شعر بأنه لم يقرأ بعد .. ولم يبدأ بعد..

    أصغينا إليه يحدثنا عن أصدقائه وعن تلك النفوس الكبيرة التي اقترب منها وعايش ألمها وأحلامها وأفراحها وأحزانها وكل مراحل حياتها:

    "إن مكسيم غوركي هو البوابة الحقيقية الأولى للأدب الروسي الخالد. من خلال سيرته الثلاثية, طفولتي, وبين الناس, وجامعياتي, وروايته الخالدة " الأم " ستعرف كيف يكتب الأديب والإنسان الروسي عن الإنسان, والعمال, والفقراء, والمساكين, والعائلة, والنبلاء, والثوار, والأهم : الله."

    "فيدور دستويفسكي. إن مجرد ذكر اسم هذا الروسي يبعث في نفسي التعطش للمعرفة أكثر عن هذا الإنسان الأديب, وعالم النفس الكبير. القراءة له يعني أنك دخلت في أعماق الأدب الروسي الأصيل. أنا متأكد أنك ستجد عنده بعضاً من تلك الأفكار الدفينة التي لا تجسر على الإسرار بها حتى لنفسك، وأقل من ذلك لصديق قريب. عندما يمنحك هذا الرجل الذي اعترفت له بكل أعماقك غفرانه, عندما يقول لك" آمن بالخير، آمن بالله، آمن بنفسك "، فمن المؤكد أن في ذلك شيئا يسمو على تحليق الفنان أمام الجمال، شيئا يتجاوز عظات ذلك النبي المتجبر، المنعزل عن الجميع."

    "قرأت الجريمة والعقاب - ألف صفحة - وكانت رائعة ومجنونة. و قرأت البؤساء - ألف وستمائة صفحة - وكانت بالنسبة لي رحلة عظيمة دخلت فيها عالم فرنسا, عالم فيكتور هيجو الروائي الكبير. لم أعد أطيق قراءة الأعمال الصغيرة, أريد قراءة رواية كبيرة, يوجد فيها كل الجنون الذي قرأته في بؤساء هيجو وجريمة وعقاب دستويفسكي."

    "غالباً ما أجد أن الأعمال التي توصف بالخالدة أو المعروفة بكلاسيكيات الرواية العالمية لم تظهر إلا بعد ألم عظيم, حتى أصبحت درجة قوة الرواية مساوية للألم. هيجو كتب البؤساء لمدة 12 سنة وهو مطارد في المنفى, وتولستوي كتب آنا كارينينا في 4 سنوات في وقت كانت الأسئلة تعصف بعقله, ودستويفسكي يستغرق سنوات عدة لكتابة رواية في ظروف بالغة السوء. "

    "موت آنا لا يبرز كعقاب لها, بل كنتيجة منطقية لوضعها اليائس وكانتقام من جانبها لمن أهانوها ووقفوا ضد سعادتها. قتلها زوجها بكرهه, أما العاشق فقد صرعها بحبه, وحاصرها المجتمع الأرستقراطي بسيل جارف من الحدود حتى لم يبق لها من حيز المكان سوى جزيرة وحيدة صغيرة كان يمكن أن ترسو عليها, وهي حبها لابنها سيرجيو, لكنها فقدت تلك الجزيرة أيضاً وعندئذ قتلت نفسها."
    والتقط لنا قبسات مضيئة مما قرأه أنارت لنا درباً وسهلت علينا الاختيار:

    " في طفولتي أصور نفسي كخلية نحل, وضع فيها مختلف الأشخاص البسطاء العاديين مثلما النحل عسل معارفهم وأفكارهم عن الحياة. وأثروا روحي بسخاء, كل بما استطاع . وكثيراً ما كان هذا العسل قذراً مراً, ولكن كل معرفة هي مع ذلك عسل "طفولتي - مكسيم غوركي

    "أنا مغرم بحب المخلوقات البشرية, وأرفض أن أكدر إنساناً , وأرى أنه لا ينبغي علينا أن نكون عاطفيين, أو أن نخفي الحقيقة الأليمة وراء عبارات زائفة خداعة. يجب أن نقف في صف الحياة, وأقرب ما يكون إليها, وينبغي أن نهرق فيها كل ما في قلوبنا وأذهاننا من خير و سمو إنساني ".مكسيم غوركي

    "الحظ السعيد وحده هو الذي حال بيني وبين إيذاء نفسي حتى الموت, أو إصابتها بأي مرض حتى نهاية أيامي على الأرض. فليس من شيء يجهز على الإنسان أكثر من الرضوخ للقوى المتفوقة المتسلطة. وإذا عدت أخيراً إلى الأرض وقد تناوشتني العلل, فلسوف يكون في مقدوري أن أقول قبل موتي, على أقل تقدير, وفي شيء من الفخر, أني ظللت طوال أربعين عاماً صخرة صلدة في وجه جميع الجهود العنيدة للناس الذين شاؤوا أن يضللوا روحي ويدمروها". مكسيم غوركي - بين الناس

    " أثارت الكتب في نفسي شيئاً فشيئاً ثقة لا تتزعزع وهي أني لم أعد وحيداً في هذا العالم وأني سأشق لنفسي درباً في الحياة. كل كتاب جديد كان يبرز بصورة أوضح الفارق بين الحياة الروسية والحياة في البلدان الآخرى, ويبعث الاشمئزاز في نفسي, وفي ذات الوقت يزداد شكي في صحة أقوال هذه الوريقات المهترئة المصفرة ذات الجوانب القذرة " مكسيم غوركي - بين الناس

    " الإنسان مصدر كل تعليم وعلم, وما يعلمك إياه الناس يأتيك في ألم و قسوة أكثر مما تعلمك الكتب. علم الناس جاف مؤلم. ولكن العلم الذي يأتيك على ذلك الشكل هو الذي تبقى جذوره راسخة "مكسيم غوركي - جامعياتي

    " حين أفكر الآن فيما جره علي ولعي المفاجئ المتزايد بالمطالعة من صنوف الحرمان والإذلال والهموم يتنازعني الحزن والفرح في آن واحد" .مكسيم غوركي - بين الناس





  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536


    لن أدعوكم للترحيب بضيف المطابع هذه المرة.. لأننا جميعاً سنكون ضيوف لديه، فهو من سيأخذنا في رحلة ليعرفنا على جلسائه وأصدقائه من الكتب..

    القارئ المميز يوسف الجميعة..
    هل تسمح لنا بدخول مكتبتك؟ نعدك ألا نعبث، رغم أنه أمر سيكون بغاية الصعوبة، أن تقف أمام مكتبة ولا تجد يدك تمتد بعفوية لتلتقط أحد الكتب فتقلب صفحاته محاولاً استنطاقها عن الأيدي التي تناوبته والعقول التي تجول بينها وأضاف إليها وأضافت إليه سطوراً وهوامش..
    متى بدأت "قصة القراءة" معك.. ما هو الكتاب الذي أشعل تلك الشرارة الأولى في علاقتك بالكتب.. وما هي طقوس قراءتك وكيف شكل علاقتك بالكتاب.. متى تقرأ، كيف تقرأ، وإن أمسكنا بكتاب قمت بقراءته هل سنجد فيه ما يوحي أنك كنت هناك؟..

    يلاحظ من خلال مواضيعك أن القراءة عندك ليست مسألة عشوائية وخاضعة للميول فقط وتزجية الوقت، فعندما لا يكتفي قارئ بترجمة رواية ما نقلت له على الأقل الموضوع الأساسي للرواية ويحاول البحث عن عمل أكبر وأهم ترجمت فيه روح الكاتب ونَفَسه، فهو بلا شك قارئ غير عادي..
    ما هو الهدف من القراءة عندك، ما الشروط التي تحدد اختياراتك..

    قديماً كانوا يقطعون مسافات طويلة من أجل حديث أو خبر أو أخذ العلم عن أهله، واليوم لم نعد بحاجة لظهور الجمال للسفر، نحتاج فقط لبساط علاء الدين لنجوب به العالم ونحن ملتصقون بالأرض، نحتاج لبساط سحري يزيد التصاقنا بالأرض ويقوي إرادتنا وتصميمنا على القراءة.. ومع هذا فهل شعرت يوماً بمتعة أن تبذل جهداً للحصول على كتاب.. هل سافرت يوماً لتحصل على كتاب أو لتحضر معرضاً، هل تقوم بزيارات منتظمة للمكتبات، هل تهتم بالفعاليات الثقافية، بحال وجودها في عالمنا العربي، وهل تحرص على حضورها..

    خبرنا عن كتب أعدت قراءتها أكثر من مرة، كتب لم تتمكن من إكمالها، كتب لن تفكر بإعادة قراءتها، كتاب ترغب بقراءته في الأوقات التي تريد فيها أن تستمتع فقط دون أن تجهد فكرك وأعصابك تماماً كما نرغب أحياناً بالاستماع إلى موسيقا هادئة دون التفكير بمؤلفها ومعانيها وتحليلها..

    هل تعتقد أن قراءة الروايات مجرد هروب من الحياة اليومية الروتينية لحياة أخرى وعالم آخر مليء بالشخصيات والأحداث والمشاكل التي قد يخلو منها عالمنا.. وبالتالي هل الناس الأكثر عزلة هم الأكثر شغفا بقراءة الروايات لملئ ذلك الفراغ الذي يحيط بهم.. وهل صحيح أن الرواية ذوق غربي ومن يهتم بقراءتها لا يميل كثيراً للشعر مثلاً، وماعلاقتك بالشعر العربي والأدب العربي بشكل عام قديمه وحديثه..

    ما هي الروايات التي شاهدتها سينمائياً وهل تفضل المشاهدة قبل أم بعد القرءة، وهل يضيف العمل السينمائي للقارئ شيء لا يحصل عليه من خلال الكتاب.. وما هي أكثر الأماكن في العالم التي تود زيارتها بسبب ما قرأت عنها في كتاب ما..

    بفرض كان هناك محاكم أدبية وكنت قاضياً فيها، من من الأدباء والكتاب ستقدم للمحاكمة وبأي التهم وما الحكم الذي ستصدره بحقهم.. وإن فكرت "كروح دستويفسكية" أن ترسل رسائل قصيرة لثلاثة أدباء، من تختار وماذا تكتب لهم..

    "هل تعلمون أن الإنسانية تستطيع أن تستغني عن الإنجليز إذا لزم الأمر, وأن تستغني عن ألمانيا, وأنها تستطيع جداً جداً أن تستغني عن الروس, وعن الخبز, وعن العلم, ولكنها لا تستطيع أن تستغني عن الجمال ! إن الجمال وحده لا غنى عنه, إذ بدون الجمال لا يبقى لنا على وجه هذه الأرض ما نعمله ! هذا هو السر كله ! ذلكم هو كل التاريخ ! العلم نفسه لا يمكن أن يعيش لحظة بعد زوال الجمال ! هل تعلمون ذلك أنتم يا من تضحكون؟ نعم .. إن العلم بدون الجمال يتدهور إلى تفاهة, فتصبحوا بذلك عاجزين عندئذ حتى عن اختراع مسمار !"الشياطين دستوفسكي

    أسمع أحياناً من يردد بغبطة عبارة مثل: "زوجين من الأحذية أفضل من شكسبير" وأشعر أنها أسعدتهم لا لأنها أمنت لهم زوجين من الأحذية وهم متسمرون في مقاعدهم، بل لأنها أزاحت عن ضميرهم ثقل الاحساس بالتقصير وبررت لهم جرم "اللاقراءة" بحجة أن لا قيمة للأدب في عالم مليء بالجائعين والحفاة..
    وهذا يعيدنا لسؤال جان بول سارتر الشهير: "ماذا يستطيع الأدب أن يفعل للجياع؟"
    فهل الروح الإنسانية بحاجة للقيمة الجمالية أكثر أم للخبز أكثر.. ومتى سيكون الأدب بالنسبة إلينا أهم من الخبز ومن زوج من الأحذية؟.. وما الذي جعل "شياطين" دستويفسكي تصرخ بنا "إنه الجمال".. وأن الإنسانية يمكن أن تستغني عن كل شيء إلا عن الجمال..

    زارته مرة ثلاث نساء يرفلن في أبهى حلل. وملأن غرفته بحفيف أثوابهن الحريرية ورائحة العطور القوية، وجلسن برصانة قبالة مضيفهن وتظاهرن بأنهن مهتمات اهتماماً مفرطاً بالسياسة، وبدأن يطرحن الأسئلة عليه.
    - كيف تخال أن الحرب ستنتهي يا انطون بافلوفيتش؟
    وسعل انطون بافلوفيتش، وصمت متفكراً، وأجاب بصوته الناعم الرقيق الرزين:
    - صلحاً من دون ريب..
    - لا ريب في ذلك. لكن، من ينتصر؟ اليونانيون أم الأتراك؟
    - يتراءى لي أن الجانب الأقوى سينتصر..
    فاستفسرت النسوة وقد قاطعت إحداهن الأخرى:
    - ومن هو في رأيك الجانب الأقوى؟
    - الجانب الذي تغذى بصورة أفضل وتثقف بصورة أفضل...
    فهتفت إحدى النساء:
    - يا لها من ظرافة!
    واستوضحت سيدة أخرى:
    - ومن منهم تحب أكثر.. اليونانيين أم الأتراك؟
    تطلع إليها انطون بافلوفيتش في رقة، وأجاب بضحكة مهذبة قصيرة:
    - أنا أحب أقراص الفواكه، هل تحبينها؟
    فصاحت المرأة في لهفة:
    - أوه، أحبها!
    وأكدت السيدة الأخرى في وقار:
    - إن لها طعماً لذيذاً!
    وشرعن ثلاثتهن في حديث مفعم حيوية عن أقراص الفواكه فأظهرن في الموضوع اطلاعاً رائعاً ومعرفة رقيقة. وكان من الواضح أنهن مغتبطات لأنهن لن يجهدن أذهاهنه ويتظاهرن أنهن مهتمات فعلاً بالأتراك واليونانيين الذين لم يتطرق إليهم تفكيرهن حتى هذه اللحظة.
    عند انصرافهن وعدن انطون بافلوفيتش في مرح:
    - سنرسل إليك علبة من أقراص الفواكه!
    قلت له بعد ذهابهن:
    - إن لك حديثاً رائعاً!
    فضحك انطون بافلوفيتش في عذوبة . قال:
    - على كل شخص أن يتحدث بلغته الخاصة...

    نقلت لنا مرة خبراً يقول أن تشيخوف كان يؤجل قراءة "الجريمة و العقاب" لأنه لم يبلغ بعد النضج الكافي لقراءتها..
    وأنت.. إلى متى تؤجل قراءة تشيخوف بعد أن قرأت ملامحه الحزينة في صور غوركي الأدبية.. فهل يمكن أن تكتمل صورة الأدب الروسي دون قراءة تشيخوف..
    ومن خلال كل ما قرأته من الأدب الروسي.. ما هي برأيك سمات الإنسان الروسي وما الذي يميزه عن سواه.. وما هي أكثر الشعوب التي أحببتها وشعرت بقربها من خلال ما قرأت عنها..

    "سئل غوركي مرة : كيف تعلمت الاقتصاد؟ كان عندئذ يعمل حمالا على نهر الفولغا، فقال: انظروا انه منقوش على ظهري!"
    لماذا إذاً أصبحت القراءة تعتبر من الكماليات ولا يمارسها إلا من لديه متسع من الوقت والمال وهذا غوركي الذي عاش حياةً كانت تؤهله لأن يكون منحرفاً لا أديباً عظيماً كان حلمه الوحيد أن يجد كتاباً وركناً منزوياً ومتسع من الوقت ونور طفيف ليمارس حياته بالقراءة.. كيف ترى حال القراء الشباب، هل يمارسون القراءة كواجب وحياة أم كرفاهية تضمن لهم برستيجاً ثقافياً، هل لديهم ما يؤهلهم لاختيار الكتاب الجيد، أم أن الكتاب بالنسبة إليهم أصبح كالوجبات السريعة، وهل تتابع إنتاج الأدباء الشباب..

    ذات مرة أرسل جبران خليل جبران لمي زيادة التي كان يشغلها الكتابة عن الأدباء والفنانين والفلاسفة والتعريف بهم، ليستحثها على الكتابة الإبداعية ويعتبرها أهم وأبقى من الكتابة عن المبدعين:
    "إن مقالاتك هذه تبين سحر مواهبك وغزارة إطلاعك ، وملاحة ذوقك في الانتقاء والانتخاب .. وهذا ما يجعل مباحثك من أفضل ما جاء من نوعها في اللغة العربية ، ولكن لي سؤال أستأذنك بطرحه : ألا يجيء يوم يا ترى تنصرف فيه مواهبك السامية عن البحث في ماضي الأيام إلى أسرار نفسك واختباراتها الخاصة؟ أليس الإبداع أبقى من البحث في المبدعين .. أنا كواحد من المعجبين بك أفضل أن أقرأ لك قصيدة في ابتسامة أبي الهول من أن أقرأ لك رسالة في تاريخ الفنون، فإنك تدلينني على شيء عمومي عقلي .. إني أشعر بأن الفن ، والفن إظهار ما يطوف ويتمايل ويتجوهر في داخل الروح ، هو أحرى وأخلق بمواهبك النادرة في البحث ".

    هل لديك محاولات إبداعية، ألم تشعر بحاجة للكتابة بعد أن تكون قد امتلأت بكل ما قرأت لتخلق نوعاً من التوازن في نفسك.. وما هو النوع الأدبي الذي ستلجأ له..


    لولا خشيتي من أن أثقل عليك ونحن على أبواب عيد، أعاده الله عليك، لما توقفت هنا أبداً
    ولكني أترك المجال للقراء ليطرحوا أسئلتهم حول ما يخص الكتب والقراءة لضيفنا المميز يوسف الجميعة
    شكراً لك
    To be or not to be
    That is the question


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المكان
    Earth
    الردود
    1,600

    في يوسفَ وكتبه آياتٌ للسائلين ..

    .
    .

    رائعٌ ، وأكثر ..
    مرحبا أستاذنا يوسف ، وأهلا وسهلا ، سنثوي كثيراً هنا ، ونقيمُ دهرا
    ولأوفيليا الثقافةِ ، كلّ التقدير لهذه التقديمة الثرّة الوفيّةِ الوافية ، لكن ، وإنّي لمطبوعٌ على هذا الإشكال اللاكنّي ..
    صدقا ما كان العنوان -المنحاز- ليوحيَ لي بانبلاج يوسفَ ها هنا ، ولا تخيّل هذا حتى ، لولا الولوج لثنايا النصِّ/المقدمة الأميز ..

    ويوسف ، كمادّة تغري المنتجين والمستقبلين -وأنا أولهم- ، ..
    بحاجةٍ -نحن- كما أرى لجعل اسمه قريبا من ديستوفسكيّهم الذي بجّلوا وكثيرا ، بالرغم من تواجد الآخرين معه في عين المنصّة ..
    لذا هل يمكن للقائمين بجلالِ المقتدرِ ، على هذا المتصفّحِ ، أن يجعلوا مع العنوانِ/الروحِ ، شيئا من الإسم/الكيانِ ، ..
    كي تكتمل للعابر من بعيدٍ ، مرابع يوسفَ وإخوتهِ وكتبه وهذا البيان المبين !

  4. #4

    مساء الخير على الجميع.
    حقاً, لم يخطر في بالي يوماً أن أكون محور النقاش. تعودت دائماً أن يكون النقاش والحوار وحتى الخلافات الحادة محصورة بكتب أصدقائي, من عشت معهم أروع مراحل حياتي في البحث وقراءة عن ما كتبوه من سنين طويلة. غمروا حياتي التي كانت وحيدة بالبهجة والفرح . كل ما حولت التحرر من دستويفسكي وسلطته علي, أجد نفسي أرجع له بشوق أكثر وأكبر. لكثرة ما كررت اسم هذا الروسي النحيل, ارتبط اسمي به, حتى أن أحد الأصدقاء المقربين قال لي بسخرية حادة : أخشى أن يكون ابنك الأول يحمل اسماً روسياً هو دستويفسكي.

    شكراً أوفيليا, أتمنى أن أستحق هذا الثناء والتقديم.
    ومرحباً بك أخي العزيز الفياض
    أرجو أن خفيفاً وهذا لا أتوقعه على شخص مثلي بالتأكيد.
    سأعود بعد ترتيب أوراقي.
    هناك مساحة واسعة للحديث , وفرصة لن تتكرر في المساحة التي أحب من الساخر: حديث المطابع.


  5. #5


    من مقدمة هذا الكتاب الأصفر :

    كنت أضع يدي على قلبي خشية الجو الحار, ثم كان الجو رحيماً بي حتى الآن. نحن الآن في آواخر يوليو, ولم يبق من الصيف سوى 60 يوماً. وممكن احتمالها على أسوأ الظروف. وأعتقد أن الذي يستطيع أن يحتمل جو السجن يستطيع أن يتحمل أي جو في العالم !!

    لاأصدق أنني احتملت السجن هذه السنوات الأربع كلها. كل يوم فيها بألف سنه. يوم المظلوم بعشرات السنين. اليوم في عالم الحرية يمضي كالبرق الخاطف. الساعه في عالم القيود تمشي في خطوات السلحفاة. لعل من أسباب منع المسجون أن يحمل ساعته أنه لايلبث أن يرطمها عندما يتوهم أن عقاربها لاتتحرك أبداً !

    وعندما يغلق باب الزنزانه بالمفتاح يبدو الزمن كأنه توقف .. تجمد .. مات !! العلماء الذين اكتشفوا النظرية العلمية التي تقول أن لاشيء يستطيع أن يتجاوز سرعة الضوء كان عليهم أن يكتشفوا أيضاً أن لاشيء أبطأ من الظلام, والسجن هو الظلام بكل مافيه من عتمة وسواد !! في هذا الظلام نتحسس طريقنا كالعميان, ونصطدم بأشياء لانراها, وتتعثر خطواتنا ..واذا امتزج الظلام بالظلم أصبح السواد الواحد سوادين !

    وكانت مصادفة أن يجيء يوم دخولي السنة الخامسة في سجني مع هبوط الإنسان لأول مرة على القمر !! ياله من قدر, كانوا طوال المغامرة يتحدثون عما يحدث لكبسولة الفضاء إذا قذفت خارج الغلاف الجوي وكيف أنها ستظل في دورانها إلى الأبد ! في بعض الاحيان أتصور أنني أصبحت هذة الكبسولة التي انقطع الاتصال بها, وأصبحت تدور حول نفسها إلى الأبد ! أحياناً أحس أنني في مرحلة طويلة من انعدام الوزن وكل مامعي من الأوكسجين أوشك على النفاذ ثم لا ألبث أن أصحح مساري كما يفعل رواد الفضاء, واكتشف أنه لايزال لدي أكسجين في خزان الصبر والإيمان وأعتبر رحلتي هي اكتشاف فضاء مجهول.

    أنا الأخر نزلت على أرض لازرع فيها ولاهواء ولاحياة, وإذا كان ربان سفينة الفضاء ارمسترونج وزميله بقيا على سطح القمر ساعتين, فقد بقيت في قاع السجن أكثر من أربع سنوات. وإذا كان الناس شاهدوا الرائدين على عدسة التلفزيون فإنهم سوف يشاهدونني يوماً من خلال خطاباتي إليكِ وإلى غيرك عن الحياة التي أعيشها !! إذا أراد الناس أو اهتموا بأن يعرفوا شيئاً عن الحياة في ذلك الكوكب المجهول الذي اسميه الليمان.

    وحدي أعرف أن أبواب السجن لن تفتح لنا إلا إذا فتحت الزنزانه أولاً ليدخل الاستبداد والديكتاتورية والطغيان وتخرج الحرية. وحدي أعرف أن الحرية لاتولد والإستبداد على قيد الحياة. حياة المبصرين العميان ليست حياة سعيدة. في بعض الاحيان أفضل لو كنت أعمى مثلهم لا أرى الأحلام الحلوة ولا أرى الحقيقة البشعة . بعض المسجونين معي أدمن على تصديق الاشاعات. وأصبحت بالنسبة له كالحشيش. والحشيش يجعل شاربيه يتوهمون أنهم يرون الباب المغلق قد انفتح, والسلاسل التي قيدوا بها قد تحطمت, ويرون أنفسهم يطيرون في سماء الحرية والافراج. ثم لايلبث أن ينتهي مفعول هذا الحشيش فيهبطون من السماء التي صنعوها بأيديهم إلى الواقع التعس .. فتتحطم أعصابهم بدلا من أعضائهم, وتتمزق أرواحهم بدلا من عظامهم, ويصبحون حطاماً ثم يعودون إلى تدخين حشيشة التفاؤل فيرتفعون إلى سمائهم من جديد, وتتكرر هذة العملية عدة مرات, وكأنهم يقيمون في مصعد متحرك لايغادرونه أبداً, وأحمد الله أنني لا أركب هذا المصعد السحري, على الرغم من كل مافي خطاباتك من عبارات التفاؤل القريب جداً .

    أعلم أن أبواب السجن لن تفتح للمسجونين السياسيين إلا إذا حدث زلزال هائل يحطم أبواب السجن. الذين يشنقون الناس لا يعيدونهم إلى الحياة, أبواب الزنازين مصنوعة من الصلب لايفتحها قرار وإنما يحطمها زلزال!

    " ....... "
    26 يوليو 1969
    سجن ليمان طرة

  6. #6

    متى بدأت "قصة القراءة" معك.. ما هو الكتاب الذي أشعل تلك الشرارة الأولى في علاقتك بالكتب؟

    أتذكر تلك الأيام جيداً, اليوم الأول الذي أمسكت فيه بالكتاب, وبدأت رحلتي مع القراءة. بعد فترة طويلة سألت بعض الأصدقاء القراء : كيف بدأت حياتكم مع القراءة؟ كانت الروايات والقصص القصيرة والكلاسيكيات المختصرة هي طريقهم الأول لولوج هذا العالم. أما أنا لم أعلم بوجود شيء اسمه روايات حتى أصبحت مكتبة جرير أول مكان أجد فيه شيء لم أكن أراه إلا في الأحلام.

    في يوم من أيام الإجازة السنوية - في نهاية المرحلة المتوسطة بالتحديد- لم أجد الأصدقاء الذين كنت ألعب معهم لعبتي وهوايتي المفضلة - كرة القدم-. الأغلب فضل قضاء الإجازة في السفر, أما أنا فلم أسافر ولم أعرف السفر بالأصل تلك الأيام. أصابني الإحباط وقتها ولزمت المنزل لأيام لعدم وجود صديق أقضي الوقت معه. لم يكن الكتاب صديقاً لي, بل كنت أعتبر قضاء الوقت في القراءة ترف فكري وشيء غريب بإستثناء القراءة في مكتبة المدرسة, تحديداً الكتب الدينية. في المرحلة الإبتدائية أتذكر أني استعرت كتاب يحكي سيرة الصحابي الجليل حنظلة بن أبي عامر " غسيل الملائكة ". أعجبتني القصة كثيراً حتى كنت أحسبها من قصص الخيال العلمي, استعرت الكتاب وقتها ولم أرجع الكتاب للمدرسة, رغم أني مطالب بإرجاعة.

    لا توجد مكتبة في المنزل, ولكن يوجد رف واحد يضم بعض الكتب القديمة جداً منها مجلد واحد من كتاب الأغاني. لم أفكر بقراءة الكتاب : حجمه ضخم ومرعب بالإضافة للون الأصفر المزعج. أخذت هذا الكتاب الأصفر الصغير في الصورة أعلاه. شيء ما جذبني لهذا الكتاب. صورة الغلاف كانت مضحكة جداً : رجل مصري كبير في السن وسمين جداً وأصلع, كأن هذا الرجل شخصية كاريكتورية. لفت نظري عيناه الحزينتين في الصورة. استحوذت عيناه على تفكيري ونسيت جسمه وشكله المضحك. أخذت الكتاب ووضعته في مكتبة أنشائتها في غرفتي - المكتبة لا تضم إلا هذا الكتاب والكتب المدرسية-.

    لم أقرأ الكتاب لفترة تقارب الشهرين. كنت أريد من وضعي لهذا الكتاب, حين يدخل أخي الكبير الغرفة ويجد هذا الكتاب أن يقول عني أني مثقف. لم أعرف ماذا تعني كلمة مثقف لكن كنت أعتبرها شيء جيد ورائع. وبالفعل قال لي هل قرأت هذا الكتاب؟ وماذا وجدت فيه ؟ : قلت سأبدأ به عما قريب. خرج وهو مبتسم, ونصحني بأن أأجل قراءة هذا الكتاب والإلتفات لقراءة القصص لأنها تناسبني أكثر.

    في أحد أيام الإجازة التي كنت فيه وحيد, و وحيد جداً أخذت أقلب هذا صفحات هذا الكتاب, لم أفكر بقراءته أبداً. قرأت أول سطور المقدمة : الكتاب سهل جداً وروح تكتب بلوعة للحبيب. الصفحة الأولى, الثانية, الثالثة, كانت المقدمة رسالة لامرأة فيها حب وعذاب وشيء غريب لم أعرفه أبداً. حين أكملت القراءة وجدت المؤلف مسجون كتب كتابه هذا في السجن! أية بداية تلك لشاب لم يفتح يوماً كتاباً في حياته أن يبدأ رحلته مع الكتاب بكتاب يعتبر من أدبيات السجون العربية. وجدت نفسي غارقاً مع المؤلف. اعتبرته من الآن صديقي الجديد, وبدأت أقرأ بعد الساعة الثانية عشر ليلاً كل يوم, أعيش في سجن من أسوء سجون التعذيب العربية " سجن ليمان طرة " مع الصحفي الكبير مصطفى أمين رحمه الله.

    لم أتمالك نفسي من الضحك حين قرأت حرب الصراصير في الفصول الأولى من الكتاب. زنزانة أحد المسجونين في شهر أغسطس وسبتمبر كانت تولد صراصير كثيره حتى اعتبرها مصطفى أمين المركز الرئيسي لتوليد الصراصير والحشرات في القارة الأفريقية. وضحكت أكثر وأنا أقرا قصة فاكهة التفاح التي اهداها سعيد فريحة لمصطفى أمين وحينما علم جمال عبدالناصر بالامر رفع السماعة على شعراوي جمعه وزير الداخلية ليقول له " بقى ياشعراوي في زنزانة مصطفى أمين في السجن صندوق تفاح وليس في بيت رئيس الجمهورية تفاح !". كدت أختنق من الخوف وأنا أقرأ قصة مرشد الإخوان المسلمين حسن الهضيبي وهو يروي قصته مع الكلاب التي عاش معها في السجن, والتي كانت تشاركه طعامه وشرابه.



    كان المؤلف ساخراً, وحزيناً, ومتمرداً, ومنكسراً, وعاشقاً, جميع التغيرات الإنسانية من الفرح إلى الحزن إلى شعور بالخيبة والمرارة من الأصدقاء, كل هذا وأكثر وأكثر كنت أجدها أنا, الشاب الصغير الذي لم يفتح كتاباً واحداً في حياته في كتاب مصطفى أمين سنة خامسة سجن. خطابات ورسائل تحمل في طياتها زفرات مسجون, وصرخات مظلوم, وأنين مدفون بين القبور! كان صحفياً داخل السجن كما هو خارج السجن .. يتعقب ويجري خلف الأخبار. يحقق عن ما خلف الأسوار وهو قابع في سجنه, يتتبع تطورات مايجري في البلد من وراء ستار. الصحفي لايستطيع إلا أن يكون صحفياً, حتى وهو مقيد بالسلاسل, فالقلم في يده قادر على أن يحطم به السلاسل والأغلال.

    قيمة هذا الكتاب أن فيه رائحة القيود, وطعم الأغلال, وصوت السلاسل. ليست استغاثات مقهورين, وإنما لعنات مظلومين. لم أكن أعرف بوجود شيء اسمه سجن سياسي أو معتقلات للسياسيين. كان تصوري مثل كل شاب صغير لا يعرف الكثير: كل من يدخل السجن فهو مجرم, ولم أعرف إلا بعد قراءة هذا الكتاب الثري أن هناك سجناء لم يرتكبوا جرماً إلا التعبير عن أرائهم.

    لم أعشق القراءة إلا من هذا الكتاب الذي لا أعرف كيف استطاع والدي الاحتفاظ به طول هذة السنين . أول كتاب أقراه من الصفحة الاولى إلى الصفحة الأخيرة هو هذا الكتاب, وقد تكون مصادفه أن أول كتاب أقرأه يعتبر من كتب أدب السجون العربية التي زارها كثير من المثقفين والأدباء العرب .حين رجعت للكتاب قبل قليل وجدت قصيدة لأمير الشعراء الروس بوشكين, كنت قد كتبتها قبل ثلاث سنوات, بعد قراءة جديدة لهذا الكتاب :

    إن خدعتك الحياة
    فلا تحزن ، و لا تغضب !
    في اليوم الشجي اهدأ ،
    يوم الفرح ، ثق ، لا بد آت !
    القلب يحيا في المستقبل ،
    فالحاضر كئيب !
    كل شيء عابر ، كل شيء سيمضي ،
    وما سيمضي - سيصبح أجمل .

    أصبح الكتاب الآن من أعز الأصدقاء. لم تكن مكتبة جرير أو أي من المكتبات التي تبيع الروايات قريبة من منزلي القديم. كانت مكتبة الرشد التي تعنى بالكتب الدينية هي الأقرب. ولكن, من الحسن أن هناك أديب مصري كذلك يكتب روايات أثار انتباهي, بعد تخصيص رابطة الأدب الإسلامي عدد كامل من مجلتها للحديث عنه وعن أعماله : أقصد الأديب نجيب الكيلاني رحمه الله. المجلة كانت على غلاف أزرق, تحدث فيها أغلب الأدباء العرب عن نجيب. أخذت له عملين روائيين كانت متوفرة في مكتبة الرشد, وهما : نور الله , وقاتل حمزة . رواية نور الله لمن لا يعرف تحكي قصة اسلام عمر ابن الخطاب رضي الله عنه, ودخول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لمدينة خيبر. أما رواية قاتل حمزة فهي تُعرف من اسمها. فيها يتحدث نجيب بقالب روائي كذلك عن وحشي الحبشي قاتل حمزة. ميزة هذه الرواية أن نجيب تحدث عن الحالة النفسية لوحشي قبل وبعد قتله لسيد الشهداء حمزة رضي الله عنه. نجيب الكيلاني من الأدباء الذين أحمل لهم حباً عميقاً. بعد قراءة أعماله صرت أحب قراءة قصص الأنبياء والصحابة. كانت مكتبة الرشد عامرة بكتب عن الصحابة والأنبياء. أصبحت أقرأ كتب تتحدث عن التاريخ الإسلامي مثل كتاب رجال حول الرسول لخالد محمد خالد , وكتاب الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري.



    لم أكن راضياً عن هذه الكتب لأنها مختصرة. كان مدرس مادة التاريخ في المرحلة الثانوية يتحدث عن أشياء غير موجودة بالكتب المدرسية ولا بالكتب التي حصلت عليها. تحدث مرة في أحدى الحصص عن وفاة الرسول وكانت مؤثرة جداً, وقدم في نهاية الحصة شريط كاسيت يحوي خطبة جمعة للشيخ محمد المحيسني بعنوان وفاة الحبيب, هذا الشريط هو من أثار في نفسي العزيمة لقراءة كتاب يعتبر من أمهات الكتب التاريخية الإسلامية, وهو كتب البداية والنهاية لإبن كثير الدمشقي رحمه الله.

    سبب عزمي قراءة الكتاب هي القصيدة التي أنشدها الشيخ المحيسني لشاعر الرسول حسان بن ثابت بعنوان رسم قبر الرسول. سألت الأستاذ عن القصيدة وقال أنها موجودة بكتاب البداية والنهاية لإبن كثير. حصلت على الكتاب بعد اقتطاع جزء صغير يومياً من مصروف المدرسة اليومي من والدي. كانت سعادي غامرة جداً بقراءة هذا الكتاب. مايميز هذه المجلدات إضافة لقراءة التاريخ الإسلامي بأكمله, من بداية الخلق إلى نهاية الدولة العباسية, هي الأشعار التي يذكرها ابن كثير في نهاية كل فصل من فصول التاريخ الإسلامي. لا زلت احفظ الكثير منها عن ظهر قلب من أهمها قصيدة حسان بن ثابت رضي الله عنه, في رثاء الرسول عليه الصلاة والسلام. أشعر بروحي تهتز وأنا أسمع هذه القصيدة بصوت المحيسني. هذه القصيدة هي الرثاء الحقيقي. إذا كانت هناك قصائد وصفت بالحماسية أو بالفخر فإن هذه القصيدة تحمل اسم الرثاء بكل صفاته وتجلياته.

    بطيبة رسم للرسول ومعهد
    منير وقد تعفو الرسوم وتهمد

    ولا تمتحي الآيات من دار حرمة
    بها منبر الهادي الذي كان يصعد

    وواضح آثار وباقي معالم
    وربع له فيه مصلى ومسجد

    بها حجرات كان ينزل وسطها
    من الله نور يستضاء ويوقد

    معارف لم تطمس على العهد آيها
    أتاها البلى فالآي منها تجدد

    عرفت بها رسم الرسول وعهده
    وقبرا بها واراه في الترب ملحد

    ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت
    عيون ومثلاها من الجفن تسعد

    يذكرن آلاء الرسول وما أرى
    لها محصيا نفسي فنفسي تبلد

    مفجعة قد شفها فقد أحمد
    فظلت لآلاء الرسول تعدد

    وما بلغت من كل أمر عشيره
    ولكن لنفسي بعد ما قد توجد

    أطالت وقوفا تذرف العين جهدها
    على طلل الذي فيه أحمد

    فبوركت يا قبر الرسول وبوركت
    بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد

    وبورك لحد منك ضمن طيبا
    عليه بناء من صفيح منضد

    وللقصيدة بقية .

    هذا البيت بالذات رمزيته رائعة ومبكية

    لقد غيبوا حلماً و علماً و رحمةً
    عشية علوه الثرى لا يوسد !!


    رمزية و فلسفةً رائعة مبكيّة أخذت معاني الحلم و العلم و الرحمة إلى تجريد إنسان يغطى بتراب القبر هو شخصه صلى الله عليه و سلم ؟!!

    تلك كانت بداية علاقتي مع الكتاب : مع مصطفى أمين ونجيب الكيلاني وابن كثير رحمهم الله.



  7. #7

    وما هي طقوس قراءتك وكيف شكل علاقتك بالكتاب.. متى تقرأ، كيف تقرأ؟

    لا توجد طقوس ولا ترتيبات معينة في قراءتي. هل لدي قابلية للقراءة ولدي الوقت الكافي؟ إذا كانت الأجوبة بنعم فإن باب القراءة سيفتح على مصراعيه, وإن كنت أجد صعوبة كبيرة في اختيار الكتاب ونوعيته. في المرحلة الثانية من علاقتي بالكتاب بعد أن عرفت الروايات والقصص غرقت في الجانب الأدبي من الكتاب. تلك الفترة كانت بعد التخرج من المرحلة الثانوية. وجدت باب كامل كنت مشتاق لخوض غماره, وها هو يفتح الباب على مصراعيه. لم أكن أهتم بنوعية الترجمة, المهم أن أقرأ رواية, قرأت الروايات الصادرة عن دار البحار, والتي تعنى بنشر الكلاسيكيات العالمية بنسخ مختصرة وصغيرة جداً. قرأت بؤساء هيجو و مرتفعات وذرينغ وجين اير والكثير. لم تكن القراءة تخضع لتنظيم ولا توجد علاقة قوية مع المترجم أو الكتاب عموماً. ما أتذكره جيداً من هذه المرحلة هي بؤساء هيجو المختصرة. عندما انتهيت منها أخبرت كل من في المنزل أني قرأت رواية البؤساء للشاعر الفرنسي الكبير فيكتور هيجو. كان اعتقادي أني أول شخص في المنزل يقرأ هذه الرواية, ولكن .. تلقيت رداً من والدتي أثار فيني الشوق لقراءة الترجمة الكاملة ذات الأكثر من 1600 صفحة. قالت والدتي أنها سبقتني لقراءة الرواية من فترة طويلة جداً. وأني تأخرت كثيراً في قراءتها, ويجب البحث عن الرواية الكاملة. ما قرأته سابقاً ذات الـ 200 صفحة لا تشكل شيئاً من بؤساء هيجو الحقيقية.

    بقدر صدمة هذه الأجوبة بقدر ما كانت دافعاً قوياً للبحث عن الترجمة الكاملة. تلك الفترة لم أكن من مستخدمي النت التي فتحت لي المجال الواسع لتنظيم القراءة وإعادة ترتيب جدول أولوياتي. كانت الرواية تشغل تفكيري, ثم حصل التطور بعد مشاهدة محاضرة رائعة على قناة دريم لأستاذ فلسطيني في الجامعة الأمريكية بمصر : أقصد المفكر اللامع إدوارد سعيد.



    إدوارد سعيد, والذي اعتبره أحد أصدقائي المقربين قبل أن يكون مفكراً قديراً غير من اتجاه القراءة لدي, من الإنغماس الحاد في الرواية إلى عالم الفكر. وجدت باب هائل لم أفكر بدخوله. معرفتي بإدوارد سعيد ليست بالطويلة جداً. كنت أسمع بعض المفكرين والكتاب يستشهدون بأقواله, لكن في الحقيقة لم أعرف حقيقة من هو هذا الرجل! شاهدت بالصدفة قبل سنة من وفاته محاضرة له في الجامعة الأمريكية في مصر. لم أعرف من هو هذا الرجل الذي يتكلم بهذه البلاغة والسلاسة في الطرح. تابعت المقابلة وأنا معجب بهذا الرجل وبطرحه الساخر الممتع, ولم انتبه إلا قبيل انتهاء المحاضرة أن هذا المفكر هو إدوارد سعيد, المفكر الفلسطيني الذي حطمت شهرته الآفاق, وملئ الدنيا بأفكاره وشغل المفكرين والباحثين. بعد أن تعرفت عليه بعد هذه المقابله بحثت عن كتاباته للتعرف أكثر عن أفكاره وأبحاثه النقدية. وأستطيع القول أن إدوارد سعيد صاحب فضل كبير علي في القراءة . هو الكاتب الذي حول اتجاه قراءتي من الانغماس الحاد في الرواية إلا قراءة الكتب الفكرية والابحاث النقدية.

    كان يخجل من اسمه الأول - إدوارد-. ألزمه مدة خمسين عاماً كي يعتاد عليه ويخفف الحرج الذي يسببه هذا الاسم الإنجليزي الأخرق حسب وصفه. من الدلائل التي يذكرها أنه كان يذكر الاسم الأخير فقط وأحياناً يذكر اسمه الكامل بسرعه من أجل عدم لفت الانتباه. ورغم كل مايفعله إلا أنه يُصاب بالحرج أحياناً نتيجة ردة الفعل من أصدقاءه .. إدوارد ؟ سعيد ؟!

    قرأت أغلب كتب إدوارد, باستثناء الإستشراق, ومع ذلك ف لدي من المعرفة عن كتاب الإستشراق ما يغنيني عن قراءة الكتاب, من مقالات ودراسات عن الإستشراق. تتلحص مقولة أطروحة إدوارد الرئيسية عن الإستشراق بأن معظم ما كتبه الغرب عن الشرق لا يعدو كونه في غالبيته صورة وهمية ابتدعها الكتاب الغربيون, وهي بذلك تعكس الشرق مصادفة أو عرضاً لا أكثر, وتتكون هذه الصورة من مجموعة من التصنيفات والتنميطات التي تظهر صورة الشرق من زاوية فهم غربية, وهي صورة افترضت أن الشرق مختزل في كونه شيء غير أوروبي. بمعنى أن الشرق في نظر أولئك المستشرقين لا يمثل قوة في الطبيعة, وليس واقعاً تخضع صورته لوصف واقعي, وإنما هو نتاج ثقافي من عقول وأقلام المستشرقين.

    آخر كتاب قرأته له "تأملات حول المنفى ". علي أن أعترف, رغم أن الكتاب محصور بمقالات متنوعة فكرية وثقافية وفنية إلا أن بعضها اتسمت بالغموض الشديد والتعقيد. أجمل المقالات هي تلك التي يتحدث فيها إدوارد سعيد عن المنفى, وهو العربي الأمريكي المنفي الكبير, غريب اللغة والمكان.

    بعد قراءة إدوارد سعيد حاولت معرفة حقيقة الرواية..
    الكلاسكيات المختصرة التي قرأتها جميلة ولكنها لا تستحق كل هذه الضجة ! هل يعقل أن كل هؤلاء الذين يتحدثون عن الروايات بكل هذا الشغف والحب, يتحدثون عن هذه الأعمال المختصرة ؟



    للبحث عن الأجوبة بدأت ابحث وأسأل. وجدت أحد الأعضاء - الزميل والصديق العزيز علي الزيبق - في المنتديات يكتب مقالات ممتعة عن دستويفسكي وأدباء آخرين. لم أكن أعرف هذا الروسي النحيل. وجدت المقال ممتعاً, حتى أذكر أني قرأت المقال مرات عديدة. بدأت بالبحث عن دستويفسكي ووجدت شيئاً هائلاً لم أستطع الصمود أمامه. المتأثرين به كانوا من صنوف شتى, ليسوا روائيين فقط, وإنما فلاسفة ومفكرين كبار : نيتشه, همنجواي, آين راند, بوب ديلان, جاك كيرويك, جوزيف كونراد, جوزيف هيلر, دي اتش لوران, ماركيز, كافكا, نابكوف, فرجيينا وولف, مارسيل بروست, هنري جيمس, هنري ميللر, هيرمان هيسه, آينشتاين, فرويد وغيرهم. كيف وصل تأثير هذا الصحفي والروائي إلى كل هؤلاء؟


    عشقت أعمال دستويفسكي قبل أن أبدأ بالقراءة له! مذكرات زوجة دستويفسكي آنا كشفت لي الوجه الحقيقي لهذا الروسي. هل من الممكن أن تحب أعمال أديب قبل أن تقرأ له؟ تلك كانت علاقتي مع أدب دستويفسكي, والتي تميزت بعلاقة قوية جدأً مع الكتاب عموماً. أصبحت انظر للكتاب بشكل مختلف, أصبح هو الصديق الرفيق والأنيس. بجنون لا يعرف التعقل, ذهبت لأحد المعارض وأخذت كل أعمال دستويفسكي بأفضل ترجمة : ترجمة الدكتور سامي الدروبي. قلبت تلك المجلدات بكل فرح, وأخذت المجلد الأول من الجريمة والعقاب, ولم أتم الصفحة الخمسين حتى أعدت الكتاب للرف بسبب الحوار الهذياني بين راسكولينكوف ومارميلادوف. لم يتحمل عقلي قراءة هذا الجنون, مثلما لم يتحمل تشيخوف قراءة الجريمة والعقاب. شيء جديد غريب يضرب الوتر الحساس بالقارئ. توقفت عن قراءة الرواية وعدت لها بعد أكثر من تسعة أشهر.



    هذا اللوحة التشكيلية تصف الجزئية التي توقف بسببها. هذا المشهد المغرق في البؤس يجبر قارئ مثلي على عشق أعمال دستويفسكي إلى درجة الجنون! واعتبار دستويفسكي أعظم روائي على الإطلاق. لو لم أقرأ هذا المشهد من الجريمة والعقاب لما عرفت دستويفسكي جيداً, ولما عشقت أعماله و حصلت عليها كلها. بدأت بقراءة الرواية, وشدتني منذ البداية, لكن ما إن وصلت إلى مشهد هذيان مارميلادوف, هذا المشهد الفضيحة كما يجب أن يسمى, ما إن وصلت قراءة هذا المشهد و مارميلادوف أحد الأبطال الفرعيين يقول للبطل الرئيسي راسكولينكوف وهو في حالة سكر شديد:

    " أيها السيد العزيز, ليس الفقر رذيلة, ولا الإدمان على السكر فضيلة ..
    ولكن البؤس رذيلة, البؤس رذيلة!
    "

    حتى قلت أن هذا الرجل الذي كتب هذا المشهد مجرم بدرجة امتياز. من يتوقع أو يفكر أن بإمكان بطل رواية ما أن يتحدث بشكل منفرد إلى درجة احتلاله لأكثر من عشرين صفحة, ليس حواراً مع أبطال آخرين, هو من يتحدث وحده ويفضح نفسه, هذا المشهد كما قلت : فضيحة.

    من يريد أن يرى البؤس بصورته الفضائحية فليسمع مارميلادوف في مشهد هذيانه الشهير بالجزء الأول وهو يخاطب راسكولينكوف بقوله :

    " هل تعلم أيها السيد العزيز أني شربت خمراً بثمن جوربيها! لا بثمن حذاءيها, فلو قد شربت خمراً بثمن حذاءيها لكان الأمر طبيعياً بعض الشيء, ولكني شربت الخمر بثمن جوربيها, نعم بثمن جوربيها!"

    هذه المشاهد الفضائحية لم يتقنها سوى ثلاثة من وجهة نظري الشخصية,
    دستويفسكي أولاً, وفيكتور هيجو ثانياً, وتولستوي ثالثاً.


    بعد قراءة الجريمة والعقاب قمت برتيب أولوياتي التي أسير عليها الآن.
    أولى الأوليات في قراءة أي أدب يجد أن تجد مدخل, وثانياً قراءة أعمال كل أديب دفعة واحدة لتكون على اطلاع بالأوضاع التاريخية لحظة كتابة الرواية وما قبلها. مثال ذلك في الأدب اللاتيني الذي لم أدخله حتى الآن, لم أختر ماركيز رغم أنه الأشهر حالياً ولا الليندي, وإنما بدأت ببورخيس, أحد سادة اللغة الإسبانية. رغم أنه لم يكتب رواية واحدة في حياته, ولكن تأثيره عبر قصصة القصيرة ومقالاته المسكونة بالفلسفة امتدت وتوسعت ليصبح بورخيس من أباء النهضة الأدبية في أمريكا اللاتينية. من سيدخل باب الأدب الروسي مثلاً عن طريق دستويفسكي سيغرق. دستويفسكي يفسد قارئه, لن يجد القارئ شيء يستمتع فيه بعد قراءة دستويفسكي. ولذلك, توقفت عن أي شيء لدستيوفسكي واتجهت لمكسيم غوركي, والتي اعتبرها البوابة الأولى للأدب الروسي. بعد مكسيم سرت بخط مستقيم, رجعت إلى الوراء, إلى أباء النهضة الرومانسية في الأدب الروسي : بوشكين وليرمنتوف. المشكلة التي وجدت نفسي أغرق فيها هي التفاصيل. من المستحيل أن أمر على بوشكين دون القراءة عنه وعن التأثير العربي والإسلامي الهائل في أدبه, بالإضافة لتأثيره الروحي لدرجة اعتباره الأب الروحي للآداب الروسية. لا يمكن القول بأن تأثير بوشكين بالثقافة الإسلامية والقران الكريم كان بسيطاً. فقد أسهم من خلال شعره بنشر اسم القرآن في الاتحاد السوفييتي وبتعريف القراء الروس باسم محمد, لأنهم يقرؤون شعر بوشكين ويتابعون كل ما صدر له. فبوشكين، كما يقول عنه الكاتب الكبير غوغول " بوشكين معجم انحصر فيه كل غنى لغتنا وقوتها ومرونتها. إنه ظاهرة خارقة، ولعله الظاهرة الوحيدة التي تجلت فيها الروح الروسية "

    بعدما انتيت من مكسيم وبوشكين وليرمنتوف دخلت في العمق, في أدب دستويفسكي ومنافسه الأكبر تولستوي. رغم عشقي لأعمال دستويفسكي إلا أنه تأثيره السلبي طغى لفترة عليّ, وأثر على قراءتي. أصبحت قراءة الرواية ليس لها طعم بدون روح هذا الروسي. هل توجد روايات تنافس أعمال دستويفسكي؟ قبل سنة تقريباً لو سئلت هذا السؤال لقت بالتأكيد لا يوجد, ولكن الآن سأقول أن فيكتور هيجو و تولستوي عبر أعمالهم يضارعون دستويفسكي ويقفون في وجهه.

    فيكتور هيجو عبر البؤساء أعطاني الدافع لقراءة الجميع وعدم اعتبار أحدهم متسلطاً عليهم. تولستوي الذي كنت أكرهه بعد قراءة نصف الجزء الأول من الحرب والسلم, وبعد قراءة آنا كارينينا قال لي : أنا هنا .. أقف في وجه منافسي الأوحد في الآداب الروسي فيدور دستويفسكي.

    أخيراً, أنا تلقائي مع الكتاب : هنالك مجالات ساعدتني بتقوية علاقتي بالكتاب. وتحديداً في حقلي الرواية والتاريخ. كنت أحب مشاهدة الأفلام الكرتونية القديمة, وأجد فيها طاقة ثقافية و فكرية لا تضاهى ولا توجد في الأفلام الحالية. إنها تعلم المشاهد الصغير كيف يكون الإحسان للفقراء, ومداوة الجرحى, والعطف على الصغير من قبل الكبير, وبر الوالدين, والإحسان لهما.

    لن أنكر أني أرثي جداً للجيل الصغير الحالي, الذي لم يعش قبل أكثر من خمسة عشر سنة من الآن, ليشاهد الروائع العالمية المقتبسة من الآداب العالمية كيف تثقف وتعلم المشاهد الصغير, أغلب ما يشاهده الآن مشبع بدرجة كبيرة من الدم والقتل, بعيد كل البعد عن الجمال الذي كان قديماً. أحد المسلسلات العالقة بذاكرتي مسلسل وردة فيرساي, وسأذكر حسنة واحدة فقط من هذا المسلسل, يكفيه عندي أنه علمني تاريخ فرنسا قبل الثورة, وتاريخ الثورة الفرنسية وأنا صغير, كيف رسمت الثورة من البداية وما مسبباتها وأبرز شخصياتها. هذا بعيداً عن القصة التي كانت رائعة جداً. أثار انتباهي في المسلسل شخصية روبيسبير. هل هو ثائر؟ أم مجرم ؟ أم ماذا بالضبط.

    هذا المسلسل فتح لي المجال لقراءة الكتب التاريخية, وبالتحديد الثورة الفرنسية. قرأت كتاب لويس عوض عن الثورة الفرنسية, رغم أنه أعطاني معلومات كنت بحاجة إليها, إلا أنه لا يمكن المقارنة بين كتابه هذا وبين عمل ويل ديورانت قصة الحضارة التي وجدت فيها ما كنت ابحث عنه, من تفصيل للشخصيات وتبيان الحالة قبل وبعد الثورة.


    في ساعات الفرح أو الجنون مع الكتاب أحب القفز من أعلى مسافة. أتذكر جيداً بعد أن أنتهيت من قراءة آنا كارينينا خرجت من مكتبي في العمل في الساعة 4 صباحاً, وبحثت عن أقصى مكان مرتفع أقفز فيه وأصرخ لأعلن النهاية لهذه القراءة المحمومة للرواية. الروائي الذي يجبرني على البكاء أعشقه بجنون, ابحث عن كل مؤلفاته, كل أعماله, وأقرأ كل شيء عنه, لأنه بالنسبة لي عظيم, استطاع أن يخرج من عيني دمعة كانت لا تخرج في مثل هذه المشاهد الروائية. غالباً ما أطرب لمشاهد الحزن في الروايات, أو يزيد التنفس, الشهيق والزفير, ولكن البكاء, فتلك أيام نادرة. مشهد وفاة الثائر الصغير غافروش في رواية البؤساء لفيكتور هيجو, ومشهد وفاة كاترين ومشهد الحصان القتيل في الجريمة والعقاب لدستويفسكي, ومشهد آنا كارينينا في سكة القطار هي المشاهد التي لا زالت محفورة بذاكرتي للأبد, لأنها مشاهد حزينة خالدة تعصف بالقارئ.



    وإن أمسكنا بكتاب قمت بقراءته هل سنجد فيه ما يوحي أنك كنت هناك؟..

    إذا كانت كل صفحة من الكتاب فيها كم هائل من الخطوط, من الممكن أن يكون هذا الكتاب لي.
    أتمنى أن يكون الكتاب بعد القراءة نظيفاً كما حصلت عليه أول مرة, ولكن الواقع, أن الكتاب يخرج من يدي وكأنه للتو خرج من معركة.

  8. #8


    ما هو الهدف من القراءة عندك؟

    الجمال .. الهدف من القراءة هو البحث واكتشاف الجمال. المعرفة التي اكتسبها من القراءة هي نوع من أنواع الجمال. أنا أقرأ .. إذاً أنا موجود, فيجب حين أفتح كتاباً أن أجد الجمال ينساب إليّ أنا القارئ للكتاب. لو لم أجد الجمال بين ثنايا الكتاب لن أكتب حرفاً واحداً عن أي كتاب.

    في هذا العالم المضطرب إذا أردت معرفة ما يجري يجب عليك أن تقرأ. أمة بدون قراءة لا تستحق أن تعيش ولن تجد أي سبب يدعوها للنهضة. معرفة الحياة و الثقافات و الفلسفات من أجل صياغة فكرة شخصية أو وضع رأي شخصي عن الوجود, نعيش على ضوئه حياتنا هو هدف القراءة في الأخير. على الكتاب حين تمسك بيديك أن يكون الفأس الذي يكسر البحر المتجمد فينا كما يقول كافكا.


    ما الشروط التي تحدد اختياراتك؟

    لا توجد شروط محددة في اختيارات الكتاب, لكن الذوق عموماً يتغير من فترة لفترة. قرأت أعمال كنت معجباً بها سابقاً, لكن الآن لو طرحت أمامي لقلت أنها لا تستحق القراءة, هناك ما هو أجمل. كانت الأحداث البوليسية والإثارة هي المفضلة : مثل أعمال دان براون مثلاً. الآن على سبيل المثال لا أستطيع قراءة رواية مثلاً تسير على مستوى السطح. أي سرد للأحداث وتفصيل طويل لما يجري دون الدخول في شخصيات الرواية وكشف خباياها. الروايات التي تحتوي على تحليل نفسي عميق لشخصيات الأبطال ومونولوج داخلي مضطرب هي القادرة على البقاء والخلود لزمن طويل. سأستعرض مثالين من رواية أجنبية وعربية كذلك.

    مقطع صغير من إبداع الشاعرة والروائية الإنجليزية إيملي برونتي عبر روايتها الخالدة " مرتفعات وذرينغ " :

    May she wake in torment ! he cried, with terrible violence. Why, she's a liar to the end ! I pray one prayer - I repeat it till my tongue stiffens! - Catherine Earnshaw, may you not rest as long as I am living! You said that I killed you - haunt me, then!Be with me always - take any from - drive me mad ! Only, do not leave me here, where I cannot find you! Oh God, I cannot live without my live .

    هذه النصوص التي أحبها وأعشقها لحد الجنون. في هذا النص تكشف إيملي عذابات هيثكليف بعد وفاة كاثرين. في بداية هذا النص لا يستطيع هيثكليف أن يفضح مشاعره الحقيقية, فنراه يلعن كاثرين المرأة التي يحبها بعد وفاتها, ويتمنى أن تغرق أكثر وأكثر في جهنم, ولكن في النهاية يتحول النص إلى داخل نفس البطل هيثكليف ويكشف حقيقة هيثكليف تجاه هذه المرأة التي أحب, ويعتبر أن حياته بعد فقدها لم تعد حياة. هذا النص البسيط من النصوص المفضلة عندي, وعند التفكيكيين كذلك, إذ أنه ملئ بالمتضادات منذ البداية.

    من رواية الأديب الجزائري واسيني الأعرج سيدة المقام :

    " لقد بدأت طقوس الصلوات التي تشبه الرقص
    استقامت مريم للمرة الأخيرة "
    هي لا ترقص ..
    هي تبكي ..
    هي تموت !

    صمت مخيف ينسحب من مكبرات الصوت. كان الألم قد بدأ يصعد من قلب شهرزاد. البربرية. الأعماق تتدفق كدم الجرح المفتوح . تتصاعد الآلات الموسيقية. يصدح المكان بحب وأنين أكثر فأكثر. مع نعومة في الخلف, في خفاء بعيد. يُسمع صوت الكونترباس كطام إفريقي. يحضر بأصواته الجافه التي تُسمع من بعيد لرقصة الموت الأخيرة. مصحوباً بنداءات وصرخات جنائزية . كانت مريم قد تداخلت مع احساسات شهرزاد. تدور حول نفسها في نوع من الفوضى , تقف قليلاً ثم فجأة تبدأ في التراجع. بهدوء والصعود إلى الوراء. تتضخم الموسيقى أكثر. تدمع العيون اليتيمة التي تودع أفراحها القليلة بألم لا يُحد. وتنكسر الخيول الجامحة عند حافات الوديان الريفية البعيدة. تضع شهرزاد شعرها في النار. يصعد اللهب إلى انفها وتقسم لشهريار أنه لن يلمسها .وتتوارى مريم كالغيمة . داخل الادخنة الملونة , تصرخ شهرزاد بأعلى صوتها , اسمع ياسيدي ! للحكاية سحر كبير والبقية ما تزال في القلب. كان العصر العباسي يتبجح بعنفوانه. يزداد تأنقاً وكآبه. تنكسر مريم بحزن. تضع رأسها بين يديها. تُنكس الأعلام البيضاء وتعوض بأعلام خضراء داكنة, قادمة من أعماق الظلام. يزداد الأنين. الكمان يتلوى. يتلون المشهد بالرعب والحزن. أين الخيول الجامحة ؟ لقد توزعت في كل الاتجاهات. أين الخيالة؟ كلهم سقطوا في منتصف الطريق, في منتصف الموت, ولم تبق إلا النيران والأجساد المبعثرة وبقايا الحرائق هنا وهناك. من قال إن الحكايات والاحزان لا تحبل ؟ من قال إن لغة الحزن واحدة ؟ من قال إن الجسد يستقيم بدون رقصة الموت الاخيرة ؟ "

    هذا النص الصغير لا شيء مقارنة بالفصل الكامل من الرواية - فصل الجنون العظيم- وهو من أجمل ما كتب واسيني من وجهة نظري. أحد الأصدقاء يسأل لماذا لا تعير الروايات العربية الإهتمام؟ قلت له : أعطني مثل هذا الفصل الملئ بالموسيقى والشاعرية والجنون وأعدك أن أقرأ لهم.

    حاولت أن أتغلب على هذه الشروط ولم أقدر, وكانت التجربة لسوء الحظ مع ماركيز عبر سيرة حياته في كتاب عشت لأروي. ماركيز هو المؤلف الوحيد الذي تجد الجمهور القارئ منقسم انقسام حاد تجاهه. الطرف الأول يرفع من قدر هذا الروائي الحائز على جائزة نوبل إلى درجة عالية جداً لا يصل إليها إلا الكتاب الأفذاذ. والطرف الثاني يرفض هذا الروائي بكل مافيه, ولا يستسيغ أي شيء له. لعلها تكون بداية لركوب غمار ماركيز. بدأت القراءة له, الفصل الأول مم تفاصيل كثيرة. الفصل الثاني لا شيء يشد. الفصل الثالث مثل سابقيه, الفصل الرابع أو الخامس على ما أعتقد الخاص ببداية الحرب الأهلية كان رائعاً. ماركيز الصحفي يقدم مادة سياسية مثيرة للأوضاع المتفجرة في كولومبيا. هو يعتمد على تفصيل الحوادث دون تحليل. هل ماركيز الصحفي طغى على الروائي؟ أعتقد ذلك. أكملت القراءة وأنا بصراحة غير مستمتع بالمرة. وأنهيت الكتاب وأنا أتمنى أن تكون هذه السيرة مختلفة اختلاف كليّ عن أعمال ماركيز الروائية. لو كان أسلوب ماركيز في أعماله : مائة عام من العزلة, خبر اختطاف, الحب في زمن الكوليرا, مثل عشت لأروي, أعتقد أني سأنضم للطرف الثاني الغير معجب بأعمال ماركيز. بالتأكيد سأعطيه فرصة مع أعماله اللاحقة بوقت آخر.

    أكتشفت مؤخراً أن تذوقي للقصيدة تعرض لصدمة صوت المونولوج الداخلي كما في الرواية, ولعل أبلغ مثال على ذلك هي رثائية لوركا البديعة Lament for Ignacio Sanchez Mejias.



  9. #9

    قديماً كانوا يقطعون مسافات طويلة من أجل حديث أو خبر أو أخذ العلم عن أهله، واليوم لم نعد بحاجة لظهور الجمال للسفر، نحتاج فقط لبساط علاء الدين لنجوب به العالم ونحن ملتصقون بالأرض، نحتاج لبساط سحري يزيد التصاقنا بالأرض ويقوي إرادتنا وتصميمنا على القراءة.. ومع هذا فهل شعرت يوماً بمتعة أن تبذل جهداً للحصول على كتاب.. هل سافرت يوماً لتحصل على كتاب أو لتحضر معرضاً؟ هل تقوم بزيارات منتظمة للمكتبات، هل تهتم بالفعاليات الثقافية، بحال وجودها في عالمنا العربي، وهل تحرص على حضورها؟

    المكتبات, وزيارة المكتبات ومعارض الكتب هي المكان الأفضل والأجمل لأي قارئ. رائحة الكتب لا تقاوم. لا يكاد يمر شهر حتى أزور المكتبة الأشهر في الرياض حالياً - مكتبة الكتاب - رغم غلاء أسعارها.

    الأيام التي أقضيها في البحث عن كتاب خارج حدود الوطن هي من أجمل الأيام وأمتعها. لم أفعل ذلك إلا مرتين فقط, مرة قبل سنة تقريباً في مصر ومرة في ماليزيا. كنت أريد زيارة مصر للبحث عن أربع كتب فقط لا زلت ابحث عنها من فترة بداية صداقتي مع الكتاب وحتى الآن : الكتب هي سنة أولى سجن وسنة ثانية سجن وسنة ثالثة سجن وسنة رابعة سجن للأستاذ مصطفى أمين. تعلقت بأمين تعلق شديد بعد قراءة سنة خامسة سجن أول كتاب أتم قراءته في حياتي. أول ما وصلت القاهرة ذهبت لمكتبة مدبولي .. ومع الآسف لم أجد الكتاب. شاهدت مكتبة قبالة مكتبة مدبولي - مكتبة دار الشروق - قمت بزيارتها على أمل وجود هذه الكتب ومع الآسف, أصبت بالخيبة والفشل مرة أخرى. مشيت مسافات طويلة من عند مكتبة مدبولي مروراً بمكتبة دار المعارف والمكتبات القريبة منها وكلهم يقولون لا توجد هذه النسخ لمصطفى أمين أبداً. أحد العاملين بمكتبة دار المعارف قال لي ستجد كل كتب مصطفى أمين في مكتب صحيفة الأخبار اليوم أو دار الأخبار لا أعرف بالضبط. توقفت عن البحث وكلي أمل بالحصول على هذه الكتب القيمة في أقرب وقت.



    المرة الثانية في ماليزيا قبل شهر تقريباً. استغليت وجودي هناك لزيارة مكتبة كانوكونيا, أضخم مكتبة في العاصمة, وبين يدي قائمة بعشرة كتب أنوي الحصول عليها. أجبرت نفسي نوعاً ما على أخذ إجازة من الكتب والشراء وحتى القراءة لبعض الوقت. لكن بوجود مكتبة تحمل كل أنواع الإثارة مثل مكتبة كانوكونيا لا تستطيع إلا أن تكشر عن أنيابك وتقتنص هذا الكم الهائل من الروائع التي ظهرت أمامك فجأة, وبلا مقدمات .. أصبحت أعرف ممرات المكتبة الطويلة, وأعرف مؤلفات الأدباء أين هي ..وبالتحديد .. كنت أجلس ساعات طويلة في المكتبة أستنشق هذه الروائح المثيرة التي تنبعث من الرفوف. رغم كل ما حصلت عليه في زياراتي المتعددة لهذه المكتبة في خمس أيام فقط, أعترف أني قصرت كثيراً, وكم كان بودي لو أخذت أكثر وحصلت على كتب أكثر وأكثر .

    أول زيارة خصصتها للبحث عن الآداب الروسية, عن دستويفسكي وتولستوي وبوشكين وغيرهم. رغم أني أمتلك أغلب مؤلفات دستويفسكي إلا أن منظر الكتب تفتح شهيتك للشراء حتى لو كانت كل الأعمال لديك.



    - Letters of Fyodor Michailovitch Dostoevsky to His Family and Friends. رسائل دستويفسكي إلى عائلته وأصدقائه. ما إن شاهدت هذا الكتاب حتى أصابتني الصدمة. لو كان عدد مرتادي المكتبة أقل ذالك اليوم لذهبت إلى الدرج القريب وقفزت وأنا أصرخ عالياً: هذا كتابي المفقود من سلسلة كتب دستويفسكي التي أمتلكها, لقد حصلت عليه. تشكل هذه الرسائل قيمة حقيقة وفنية نادرة. رسائل دستويفسكي إلى أخيه ميخائيل تحتوي على لعنات وصرخات دستويفسكي الفقير المقامر المفلس الحزين : "لا أملك كوبيكا واحداً لكتابة رسالة ". كذلك يتضمن الكتاب صور لأول مرة أشاهدها عن دستويفسكي, مثل صورته وهو في نعش الموت, وزوجته آنا وأطفاله وهم حول قبره في اليوم لوفاته. أنا سعيد جداً بحصولي على هذا الكتاب. من رسائل دستويفسكي لأخيه ميخائيل :

    " أخي يا صديقي العزيز! لقد حُسم مصيري! لقد أدانوني بأربع سنوات من الاشغال الشاقة في سجن سيبيريا. وبعد الخروج من السجن سوف أصبح مجنداً محروماً من الحقوق المدنية بما فيها حق الكتابة لمدة ست سنوات.. سوف أروي لك القصة من أولها. لقد نقلونا إلى الساحة العامة لسجن القلعة. وهناك قرأوا علينا حكم الإعدام. ثم أمرونا بتقبيل الصليب وكسروا سيوفنا فوق رؤوسنا باعتبار أننا انتهينا. وبعدئذ اغتسلت غسلة الموتى، ثم ألبسونا الأكفان يا أخي. وصفّونا ثلاثة، ثلاثة على الجدار تمهيداً لرمينا بالرصاص. كان ترتيبي السادس، وكنت أنتمي إلى الوجبة الثانية التي سينفذ فيها حكم الإعدام. ولم تبق لي إلا دقيقة واحدة لكي أعيش. في تلك اللحظة فكرت فيك يا أخي، في اللحظة القصوى التي لا تتجاوز الثواني كنت أنت وحدك في خيالي. وعندئذ عرفت إلى أي مدى أحبك يا أخي الحبيب.

    ولكني في آخر ثانية قبيل التنفيذ دُقت الطبول وأعلنوا عن العفو الملكي الذي وهبنا الحياة من جديد!.. هل تستطيع أن تتصور تلك اللحظة؟ من يستطيع أن يتصورها؟ ولكن على الرغم من كل ما حصل لي فلم أفقد الشجاعة ولا الأمل. الحياة في كل مكان هي الحياة. الحياة موجودة في داخلنا وليس في العالم الخارجي.

    لا تبكِ عليّ يا أخي، أرجوك لا تبكِ.. قَبّل زوجتك وأطفالك وتحدث لهم عني لكيلا ينسوني. فربما التقينا يوما ما.. لم أشعر في أي يوم من الأيام بمثل هذا الفنى الروحي الذي يغلي في داخلي كالمرجل. ولكن هل سيصمد جسدي على المحنة؟ هذا هو السؤال. اني أرحل وأنا مريض. ولكن لا بأس، لا تخف يا أخي. فقد تحملت كثيراً من المصائب في حياتي، ولم يعد هناك أي شيء يخيفني. ليكن ما يكون.. في أقرب فرصة سوف أعطيك من أخباري. هل من المعقول ألا أكتب شيئاً بعد الآن؟ هل يمكن أن تنتهي حياتي الأدبية وأنا لا أزال في بداية البدايات؟ آه يا أخي! كم من الصور المعاشة والأفكار سوف تموت في رأسي، سوف تتبخر إلى غير رجعة إذا ما حصل ذلك. نعم اني سوف أموت اذا ما مُنعت من الكتابة. اكتب لي يا أخي كثيراً. اكتب حتى عن الأشياء التافهة، وبخاصة الأشياء التافهة، العادية، اليومية. فأنا سأكون في المنفى بعيداً عن الحياة. مفصولاً عن الحياة.

    ولكن بحق السماء لا تبك. لا تبك عليّ يا أخي لا تبك.. اعلم أني لم أفقد الشجاعة ولم يتخل عني الأمل حتى في أحلك اللحظات . قبل لحظة الإعدام بقليل كنت أعلم أن خبر اعدامي سوف يقتلك في أرضك.. ولكن الآن تجاوزت هذه النقطة، ولم يعد هناك من خوف. اني أولد من جديد. لا يعرف معنى الحياة إلا من فقدها أو أوشك على فقدانها. ما إن أعود إلى الماضي حتى أفكر بكل الوقت الضائع سدى. أفكر بلحظات البطالة والعطالة والضلالات والفرص التي راحت.. كم أخطأت بحق نفسي وروحي.. عندما أفكر بكل ذلك أشعر بنزيف دام في قلبي. الحياة عطية، الحياة هدية ثمينة جداً ولا نعرف قيمتها إلا عندما نفقدها أو تصبح مهددة فعلاً. الحياة سعادة. في كل دقيقة يوجد قرن من السعادات.. آه من طيش الشباب! والآن اذ أغير حياتي أشعر وكأني أولد بصيغة أخرى.
    "



    A Confession and Other Religious Writings
    كتاب اعترافات تولستوي, والذي صدر بعد رواية آنا كارينينا. من قرأ صراعات قسطنطين ليفين - أروع شخصيات تولستوي في رواية آنا كارينينا - سيبحث عن الكتاب ليبحث عن سر هذه الشخصية المذهلة, وهي بالمناسبة تولستوي نفسها. بدأت بقراءة الكتاب قبل فترة ولي عودة للكتابة عنه. الفرق بين النسخة العربية والنسخة الإنجليزية هي الكتابات الدينية التي كتبها تولستوي قبل مماته, عن الدين والأخلاق.

    - Resurrection
    الأعمال الكبيرة لتولستوي هي الحرب والسلام وآنا كارينينا, ورواية القيامة أو البعث كما في الترجمة العربية للرواية. تعتبر هذه الرواية أعظم نتاج للفترة المتأخرة من ابداع تولستوي. المسافة الزمنية بين ظهور روايتي آنا كارينينا و الحرب والسلم كانت أقل من عشر سنوات، بينما استمر الفاصل الزمني بين روايتي البعث وآنا كارينينا لعقدين من الزمن. أتذكر جيداً أن لينين كان يعتبر تولستوي هو مرآة الثورة الروسية, وإذا أراد التدليل على ثورية تولستوي فهو يشير إلى هذه الرواية التي تعتبر الأخيرة من سلسلة أعمال تولستوي الكبيرة



    Romance Of The Three kingdoms.
    والتي تحكي أروع وأفضل حكاية من تاريخ الصين على الإطلاق. الحكاية معروفة بالتاريخ والتراث الصيني تحت مسمى رومانسية الممالك الثلاث. والقصة عموماً تحكي حكاية ثلاثة رجال أقسموا أن يخلصوا الدنيا من الظلم وأن يحاربوا العدوان ويكونوا مملكة يسودها العدل والحب والوئام. أحد الرجال الثلاثة هو ليو بي وهو من سلالة هان، وسرعان ما يرتقي في المناصب ليحاولَ استرجاع مملكة هان، وزانغ في وهو سكير عربيد ولكنه طيب القلب ورابط الجأش، ثم أخيراً جوان يو الشخصية الأشهر في القصة والتي تعتبر في الصين بمثابة الإله، وهو ذو اللحية الطويلة السوداء، وصاحب الرمح الطويل.

    في تاريخ الصين قديما تصارعت ثلاث ممالك من أجل السيطرة على مملكة هان, مملكة شو و أسسها ليو باي , مملكة الوو و أسسها سون كوان , مملكة الوي وأسسها تساو تساو. صحيح أني أفضل ليو بي, لكن شخصية تساو تساو جداً رائعة وتعرضت للتحريف كذلك. تاريخياً معروف أن تساو تساو كان شاعراً وقائداً عبقرياً، وفي الأدب الصيني الكلاسيكي يتم تصويره كجنرالٍ مخادعٍ ومحتال. وكذلك يُعتبر في رواية رومانسية الممالك الثلاثة شخصيةٌ محتالة وشريرة. وهذه التصويرات يُحتمل أنها ناتجة لتفسير الفيلسوف الصيني كونفشيوس للأحداث, و التي تلومه على فشله في توحيد الصين لأخطاءٍ في شخصيته. شاهدت الفيلم المقتبس من هذه القصة التاريخية - Red Cliff - قبل شهر تقريباً وزادرت رغبتي بالحصول على الرواية. لا أتوقع أن الفيلم سيحظى بإعجاب الكثيرين. الفيلم ملحمة حربية من بدايتها لنهايتها, وأنا متأكد بأن غير العالم أو المهتم بحكاية الممالك الثلاث سيخرج بعد مشاهدة هذا الفيلم وهو يلعن الوقت الذي أضاعه في مشاهدة فيلم لم يفهم منه شيء, ولم تثير اهتمامه سوى صورة التخطيط العسكري الرهيب, وجوان يو, وزانغ في وهم يحاربون بشكل مذهل وخارق للطبيعة البشرية.


    - Either/Or - Works of Love
    في ثالث زيارة للمكتبة وجدت نفسي غارقاً حتى أخمص قدمي في الأدب والشعر ولم أعطي ولو التفاته للكتب الفكرية. قررت البحث عن الأعمال الفكرية في المكتبة ولم تقل صدمتي, بل زادت. الكتب كثيرة ومتنوعة بشكل مثير للإنتباه. تذكرت جيداً حين وقفت في الرف المخصص لأبو الوجودية الأكبر سورين كيركجارد أن لا وجود لترجمات عربية لهذا الفيلسوف الشهير. جلست أحدث نفسي حين وقفت هناك: أنا أحب قراءة أعمال دستويفسكي, و كيركجارد هو أستاذ كل من جاء بعده من الوجوديين الكبار: دستويفسكي، نيتشه، هيدجر، سارتر، كامو. فلماذا لا يكون هو الخيار المفضل. كذلك تذكرت هذه الكلمة الشعرية من كتاب Either/Or والتي قرأتها من موضوع الزميل علي عن هذا الفيلسوف : ماذا لو أنَّ كل شئٍ في هذا العالمِ هو عبارةٌ عن سوءِ فهم؟ ماذا لو أنَّ الضحكَ في الحقيقةِ هوَ بُكاء؟. لم أفكر كثيراً. أخذت كتاب Either/Or الذي يتعرض فيه كيركجارد للحياة الجمالية و للحياة الأخلاقية. وكتاب Works of Love وفيه يتحدث عن الحب المسيحي و الحب الإنساني.


    Wuthering Heights - Agnes grey
    في الزيارة الثانية ذهبت لرفوف الآداب الإنجليزية, وليس في ذاكرتي إلا رواية واحدة أنوي الحصول عليها, وهي Wuthering Heights لإيملي برونتي. بعد قراءة جين آيير لشارلوت برونتي وجدت النقاد الإنجليز يفضلون مرتفعات إيملي على جين شارلوت, وأن هذه المرتفعات هي من الروائع الإنجليزية الأدبية. ليس بيدي حكم على الرواية, لم أبدأ بها بعد ولكن جين لم تكن بهذا السوء كما وصفها أحد النقاد الإنجليز. أخذت المرتفعات, ووجدت كذلك نسخة مختصرة من رواية Agnes grey للأديبة الثالثة من آل برونتي : آنا برونتي. رغم أن هذه الرواية هي الأقل شهرة إلا أن وجود اسم هذه العائلة أجبرني على شرائها, بالإضافة للغتها الإنجليزية السهلة.



    لوركا لوركا. لن تكون زيارات المكتبة حافلة بالإثارة بدون روح لوركا ومعزوفة مصارع الثيران : At five in the afternoon. حصلت على هذين الكتابين, وهي المتوفرة للوركا في المكتبة. في مدينة الحمأ والحديد - كما كان يسميها - المدينة الغائمة بالدخان تشق سماءها ناطحات السحاب بقرونها الاسمنتية ، ويغتال صمتها زمجرة الفولاذ وهديره، المدينة التي تزن قيم الإنسان بميزان النقود، حيث تخرق وتلتهم- كما يقول في قصيدة له – قطع النقود، في أسراب . في نيويورك الحمأ، نيويورك الأسلاك الحديدية والموت، كان لوركا يهيم في شوارعها وأحيائها، حائراً قلقاً، مأخوذاً ، ولكنه اكتشف في حي واحد، في حي هارلم حي الزنج المحرومين المنبوذين، حرارةً إنسانية تشده إليهم وتغري قلمه الشاعر الملهم بتصوير آلامهم وتعلاتهم وضحكاتهم الصافية. لم يستطع الشاعر أن يسبغ إقامته في أمريكا، حيث تسود الجريمة وسيطرة الآلة وطغيان العرق الأبيض، وألحّت عليه فكرة الموت وانغرست في أعماقه ، كمدية حادة، مرهفة، واستبقت معانيها الوحشية إلى شعره، ونظم لوركا في ظل يأسه ومرارته قصائده اللاهبة: شاعر في نيويورك.



    The Complete Illustrated Works Of Oscar Wilde
    الأعمال الأدبية الكاملة لأوسكار وايلد. من تسعمائة صفحة. يتضمن الكتاب أغلب أعمال أوسكار وايلد من رواية وقصة قصيرة ومسرحيات وشعر. الفصل الأول يتضمن رواية صورة دوريان غراي التي قرأتها قبل فترة, وفي الفصول الثانية أشهر أعمال أوسكار القصصية مثل العندليب والوردة والأمير السعيد الخ. ما يزيد من جمال هذا المجلد الفاخر هي الرسوم التشكيلية في كل قصة ورواية. الرسوم لوحدها تشكل مصدر جذب بعيداً عن القصيدة أو القصة. سعر الكتاب أعطى دافع للشراء, كان فيه تخفيض عشرين بالمائة, ولم أفوت فرصة الحصول على هذا المجلد الثمين.

    كتب كثيرة لا أستطيع ذكرها بأكملها. من يدخل عالم المكتبات سيغرق. قلت قبل أن أدخل هذه المكتبة أني سأحصل على ثلاثة كتب فقط وسأخرج فوراً, لكن وجدت نفسي بعد الخروج من المكتبة مفلساً, وبين يدي أكثر من 30 كتاب دفعة واحدة. أنه الكتاب وعشق الكتب يجبرك على فعل المستحيل.



  10. #10


    خبرنا عن كتب أعدت قراءتها أكثر من مرة؟

    إعادة قراءة كتاب من جديد أقدر أقسمهم لقسمين بالنسبة لي على الأقل, القسم الأول إعادة قراءة روايات بترجمة كاملة. بؤساء هيجو مثلاً قرأتها قبل سنوات طويلة وأعرف القصة جيداً, عندما عرفت بأمر الترجمة الكاملة بحثت عنها ووجدتها بترجمة منير البعبلكي. أول ما شاهدت شكل الكتاب أصابتني الروعة, هل سأتجرأ وأقرأ أكثر من 1600 صفحة من جديد من أجل قصة أعرفها جيداً. لم أهتم لهذا الرأي وبدأت القراءة وعرفت جيداً ما هي البؤساء. عمل فيكتور هيجو الخالد. عندما تقرأ مقالاً أدبياً عن بؤساء هيجو يجب أن تعرف أن هذا المقال ليس عن الترجمة الصغيرة, بل عن الترجمة الكاملة, وحقيقة البؤساء الكاملة. وشارلوت برونتي عبر رواية جين اير. النسخة المختصرة مفقود بداخلها حرارة كتابات شارلوت برونتي البديعة, بتصويرها المذهل للطبيعة والأماكن.

    القسم الثاني وهو الذي أسير عليه الآن, وهو متعلق بالقراءة الآنية. آنا كارينينا كمثال قرأت أول 200 صفحة, ثم توقفت وأعدت القراءة, ثم وصلت إلى صفحة 400, وتوقفت وأعدت القراءة من جديد. كنت غارق في رواية تولستوي إلى أخمص قدمي, في العمل وفي المنزل وفي السيارة حتى, أقرأ الرواية, والوصف الفني المتميز لتولستوي هو السبب في ذلك. قد تكون الدهشة أقل في بعض المشاهد أو الفصول التي أجدها مميزة. لم أتعرض لذلك, بل كأني أقرأها للمرة الأولى.

    كل كتاب أتم قراءته بالكامل يوجد بداخله ورقة تحتوي صفحات أثارت إعجابي وأرجع إليها بين الفترة والأخرى. مثال ذلك الوصف الشاعري المذهل والطويل للبحر في رواية فيكتور هيجو البؤساء. البحر أحد ثيمات هيجو المفضلة.هو الصديق الأزلي..هو ذاك المطلق الذي كان يناجيه هوجو كل ليلة في منفاه البعيد عن باريس. هذا جزء من نص هيجو عن البحر في رواية البؤساء :

    رجل في عرض البحر!
    وأي بأس في ذلك!
    إن السفينة لا تقف,
    وإن الريح لتهب,
    ولهذه السفينة القاتمة طريق مقدر عليها أن تسير فيها,
    إنها تمضي لسبيلها!

    ويختفي الرجل, ثم يعاود الظهور, و يغوص في الماء, ثم يرتفع ثانية إلى السطح. إنه يستغيث و ينشر يديه, فلا يسمعونه. إن السفينة المترنحة تحت العاصفة لتجند طاقاتها كلها في سبيل الخلاص. و يختفي الرجل الغريق عن أعين الملاحين و المسافرين, إن رأسه البائس لا يعدو أن يكون نقطة في خضم الأمواج الواسعة العريضة.

    إنه يطلق نداءات يائسة وسط الأعماق. أي شبح هو ذاك الشراع المتواري! إنه ينظر إليه, إنه ينظر إليه في سُعر. ولكنه ينئ, لكنه يغدو قاتماً, لكنه يتقلص. لقد كان هناك منذ لحظة, كان واحداً من الملاحين, لقد ذرع ظهر المركب مع سائر القوم جيئة و ذهاباً. كان له حظه من الهواء وأشعة الشمس, كان كائناً حياً. والآن, ما الذي أصابه؟ لقد زلت به القدم, لقد سقط, انتهى كل شيء!

    إنه في الأعماق الراعبة وليس تحت قدميه غير الفرار والإنهيار. إن الأمواج وقد مزقتها الرياح وبددتها لتطبق عليه إطباقاً كريهاً, وإن تقلبات اللجة لتحمله على متنها. إن فلذ الماء لتجيش في رأسه, وإن سفلة الأمواج لتبصق في وجهه, وإن الفجوات المختلطة لتبتلعه نصف ابتلاع. كلما غاص في الماء يلمح هُوى مفعمة بالظلام, وتتشبث به نباتات مخيفة مجهولة فتوثق قدميه, وتشده نحوها. إنه يحس بأنه قد أصبح لجة وبأنه غدا جزءاً من الزبد. إن الأمواج لتتقاذفه, وإنه ليذوق طعم المرارة, وإن الأوقيانوس النهم لتائق إلى التهامه. إن العظم ليعبث بنزعه الأخير, ويبدو أن هذا كله لا يعدو أن يكون حقداً سائلاً.

    إنه يحاول الدفاع عن نفسه,
    إنه يحاول أن يتماسك,
    إنه يناضل,
    إنه يسبح,
    إنه - وهو تلك القوة المسكينة الموشكة على النفاذ - يصارع الطاقة التي لا تنفذ.
    ومع ذلك فهو يكافح !

    أين السفينة الآن. بعيداً هناك.
    إنها لا تكاد تُرى في ظلمات الأفق الشاحبة.

    و تهب الرياح هبات شديدة, وتغمره الأمواج. إنه يرفع عينيه, ولكنه لا يرى غير زرقة السحب الضاربة إلى السواد. إنه ليشكل في نزعه الأخير جزءاً من جنون البحر الهائل. إن هذا الخبل لينكل به حتى الموت. وإنه ليسمع أصواتاً غريبة على الأذن الإنسانية, أصواتاً تبدو وكأنها لا تقبل من الأرض, ولكن من عالم مخيف قائم وراءها.

    إن في السحب طيوراً, كما أن ثمة ملائكة فوق الأحزان الإنسانية,
    ولكن أي شيء تستطيع أن تفعله من أجله؟
    إنها تطير,
    وتغني,
    وتطفو,
    فيما هو يحشرج.
    إنه يستشعر أن هاتين اللانهايتين قد دفنتاه في آن معاً :
    الأوقيانوس, والسماء. الأولى قبر, والثانية كفن.

    ويهبط الليل. لقد سلخ ساعات وهو يسبح, لقد أوشكت قوته على النفاذ. لقد انمحت تلك السفينة, ذلك الشيء النائي حيث كان يوجد ناس. إنه وحيد في ظلمة اللجة الفظيعة. إنه يغوص, إنه يتصلب, إنه يناضل, إنه يحس تحته بغيلان اللامنظور الغامضة, إنه يصيح!

    لم يبق ثمة ناس, ولكن أين الله؟
    ويصيح. النجدة .. النجدة, ويصيح على غير انقطاع.
    ليس ثمة في الأفق. ليس ثمة شيء في السماء.
    إنه يتضرع إلى المدى,
    إلى الموج,
    إلى الأشنة,
    إلى الصخر,
    ولكن هذه كلها صماء!
    ويبتهل إلى العاصفة. ولكن العاصفة الرابطة الجأش لا تذعن لغير اللانهاية.

    إن من حوله الظلمة, والضباب, والوحدة, والجلبة الضارية غير الواعية, وتغضن المياه الهائجة غير المتناهي. إن في باطنه الذعر والإعياء. أما تحته فكان السقوط. لم يكن ثمة نقطة ارتكاز. إنه يفكر في مغامرة جسده الميت المظلمة وسط الدُجنة غير المحدودة. إن البرد اللاذع ليشله. وإن يديه لتتشنجان وتنطبقان, ولكن على العدم. رياح, غيوم, زوابع, عواصف, ونجوم لا غناء فيها! ما العمل؟ إنه يستسلم لليأس. إنه وقد هده الإعياء يلتمس الموت. إنه لا يقاوم بعد الآن. لقد ألقى السلاح, لقد اطّرح القتال, وها هو ذا يغوص إلى أعماق اللجة الفاجعة إلى الأبد!

    إيه يا سير المجتمع الإنساني الحاقد !
    إن تحطيم الرجال والنفوس ليطبع سبيلك!
    إيه أيها الأوقيانوس حيث يسقط كل ما يدعهُ القانون يسقط!
    أنت انعدام النجدة المشؤوم!
    إيه أيها الموت الأدبي!
    يا فكر البؤساء الحزين.

    البحر هو الليل الإجتماعي المتحجر الفؤاد الذي يلقي ضحاياه في عبابه. البحر هو الشقاء الذي لا حد له. إن النفس التي تتلاعب بها أمواج ذلك البحر قد تصبح جثة, فمن ذا الذي يعيدها إلى الحياة؟

    ألا يهرع أحد لنجدة النفس البشرية في تلك الظلمة؟ أيكون مقدراً لها إلى الأبد أن تنتظر العقل, والمحرر, والراكب الهائل لأفراس ذوات جناحين وأفراس مجنحة نصفها حصان ونصفها عُقاب, والمقاتل المصبغ بلون الفجر الذي يهبط من السماء بجناحين, وفارس المستقبل المشع؟ أيكون مقدراً لها أن تستنجد دائماً ولكن على غير طائل برمح المثل الأعلى المتلألئ؟ أيكون مقضياً عليها أن تسمع الشر يتقدم على نحو فظيع من خلال أعماق الهاوية, من غير ضياء, من غير أمل, مستسلمة إلى هذا المجاز المروع, مرتعدةً, شعثاء الشعر, ملوية الأيدي, مشدودة الوثاق إلى صخرة الليل إلى الأبد, بيضاء عارية في الظلام؟


    الكتب الفكرية وكتب التاريخ عادة لا أمل من العودة لقراءتها من جديد, مؤلفات علي الوردي المليئة بحقول الألغام, وكتب وإدوارد سعيد غالباً ما أرجع لأعمالهم عدة مرات.


    كتب لم تتمكن من إكمالها؟
    أي شيء للياباني موراكي. قرأت قبل سبعة أشهر جنوب الحدود, غرب الشمس للياباني موراكي. ولم أصل الصفحة المائة حتى تخلصت منها وقمت بقذفها في مكان بعيد. لا تستحق أبداً هذه الرواية أن تسمى رواية, من بداية الرواية يستعرض الكاتب مغامرات أبطاله الجنسيه مع الفتيات, ثم ماذا؟ لا شيء. الوصف بارد و مقرف. إنه في رأيي لا يكتب عن الجنس في الرواية إلا من أجل الجنس فقط. لا توجد قضية يتطرق لها, فقط مغامرات طائشة.



    كتب لن تفكر بإعادة قراءتها؟
    أخشى أن يكون ماركيز !

    كتاب ترغب بقراءته في الأوقات التي تريد فيها أن تستمتع فقط دون أن تجهد فكرك وأعصابك تماماً كما نرغب أحياناً بالاستماع إلى موسيقا هادئة دون التفكير بمؤلفها ومعانيها وتحليلها..؟

    وهل هناك ما هو أفضل من الماغوط ودرويش.
    أتصفح الآن ذاكرة للنسيان لدرويش. رائحة القهوة نفاذة جداً :

    أريد رائحة القهوة ! لا أريد غير رائحة القهوة
    ولا أُريد من الأيام كلها غير رائحة القهوة
    رائحة القهوة لأتماسك .. لأقف على قدمي .. لأتحول من زاحف إلى كائن !
    لأوقف حصتي من هذا الفجر على قدميها .. لنمضي معاً
    أنا و .. هذا النهار , إلى الشارع بحثاً عن مكان آخر ..




  11. #11

    هل تعتقد أن قراءة الروايات مجرد هروب من الحياة اليومية الروتينية لحياة أخرى وعالم آخر مليء بالشخصيات والأحداث والمشاكل التي قد يخلو منها عالمنا.. وبالتالي هل الناس الأكثر عزلة هم الأكثر شغفا بقراءة الروايات لملئ ذلك الفراغ الذي يحيط بهم؟

    لا أعتقد ذلك ولا أؤمن به. وسأدلل على ذلك بآنا كارينينا. كنت ممسكاً بالكتاب : المجلد الثاني من الرواية. أحد الأصدقاء - والذي كان يقرأ كتاب سبينوزا لـ فؤاد زكريا - أشار علي بترك قصة الحب هذه وقراءة هذا الكتاب المهم جداً في فهم فلسفة سبينوزا. أنا لا أرفض قراءة كتاب فكري أو تاريخي أو حتى في الفنون ما دام يضيف إليّ. وهذا ما أسير عليه, بين قراءة رواية وأخرى أقرأ كتاب فكري أو أتصفح قصة حضارة ويل ديورانت, لكن ما أرفضه هو عدم اعتبار الرواية مجال من مجالات المعرفة, ودللت على ذلك بهذه الرواية التي بين يدي وقتها. قلت له قصة الحب هي أحد خطوط الرواية وليست الأهم, الأهم هو الصراع الوجودي في شخصية ليفين, والتي كانت تولستوي نفسها, ومسيرته الطويلة والعميقة للوصول إلى الإيمان بالله ووجوده. غالباً ما تضم كتب الفلسفة أبحاث للتدليل على وجود الله عبر نصوص صعبة للغاية لا يفهمها إلا المتعمق بالفلسفة. في هذا الرواية والتي تساوي أغلب ما قرأت في الفلسفة وجدت ما ابحث عنه عبر رواية بديعة.

    دستويفسكي في الجريمة والعقاب يصف ما يجري الآن :

    - ما الذي يسبب انحلال الطبقة المتمدنة من مجتمعنا ؟
    -كثرة التقلبات الإقتصادية!

    من يريد أن يفهم البنية التحتية للمنظمات الإرهابية وأعمالها وطريقة تفكيرها ومخططاتها - سواءً كانت دينية أو يسارية - عليه قراءة شياطين دستويفسكي, والتي احتوت على شرح الطبيعة السايكولوجية لطبيعة الإرهابي المنزوي في ركن بعيد عن عالم البشر الطبيعي.

    من ناحية أخرى, وعلى صعيد آخر , في كثير من الحالات يستمع المرء إلى محدثه وهو يروي له أمراً يعلم أن فيه قدراً كبيراً من المبالغة أو الكذب, وهو يدرك ذلك, لكنه يصغي إليه بكل جوارحه ويجد في سرده متعة. وحتى في كذبه, فهو ممتع, وفي كثير من الحالات يحس المرء أنه زاد بعض الجزئيات وهو يروي تجربته, لكنه يجد متعة حين يحس أنه يخترع شيئاً ما, ويضيفه إلى الواقع. في المثل المشهور " أعذب الشعر أكذبه " .. ليس المقصود هنا الكذب بمعناه الأخلاقي, إنما المقصود تلك الزيادات الفنية, وما يكون من تقديم وتأخير من أجل التشويق. ومتعة التخيل المتمثلة في السرد تمنح المتلقي فضاءً متميزاً, تعطيه خبره وتعرفه إلى عالم جديد تحفز مخيلته إلى بناء هذا العالم وتركيبه بحرية وفق هواه. عندما تعالج القصة قضايا من الواقع المعاش, وتصور ما فيها من مرارة وألم تلقى استجابة من المتلقي إذ يسعد عندما يجد قضاياه مجسدة ويرى الآخرين يعيشونها, ويشاهد الفن قد عالجها وعبر عنها, بالتأكيد, ليس من الضروري أن تنتهي القصة إلى ما يرضي القارئ, بل لعل الأجمل ألا تفعل ذلك, فغالب القصص والروايات التي تنتهي نهاية سعيدة هي من أكثر القصص أو الروايات ضعفاً, وتلك التي تقدم نهايات مختلفة هي الأكثر قوة في التأثير والإمتاع.

    ليست الغاية من العمل الفني المتمثل بالقصة أن تقدم حلاً أو تقدم مقترح لقضية, فهي ليست بحثاً في السياسة ولا التاريخ, إنما هي عمل فني ممتع غايته الإمتاع. جمال السرد علاقة ذات أطراف متعدة, وأبعاد متعددة, يتفاعل بعضها من بعضها الآخر, ويقود بعضها إلى بعض في توالد مستمر.

    الرواية تقدم للقارئ عينة من الحوادث متماسكة, قوامها السببية والإدهاش, فيحس بمتعة التشويق ومتابعة التفاصيل وتوقع ما سيحدث, كما يجد متعة في إدارك الكل, وما بين أجزائه من علاقات, وهذا كله لا يكاد المرء يدركه في الواقع, إلا بصعوبة, بعد درس وتأمل, بينما يجدها متحققة في الرواية ويصل إليها سهلاً ممتعاً على جسر من الفن. لذلك يجد القارئ - مثلي على الأقل - متعة في قراءة الرواية لأنه من خلالها يزداد فهماً للواقع ولنظامه ولقوانينه الخفية.


    وهل صحيح أن الرواية ذوق غربي ومن يهتم بقراءتها لا يميل كثيراً للشعر مثلاً، وماعلاقتك بالشعر العربي والأدب العربي بشكل عام قديمه وحديثه..

    عن الشق الأول من السؤال لا أعتقد بأن الرواية ذوق غربي لأسباب كثير يطول شرحها.
    الأدب العربي القديم لا توجد بيني وبينه علاقة وطيدة مع الاسف, وهذه نقطة سلبية اعترف بها. أفضل قراءة هذه النصوص عبر قراءة حداثية لها, كما في كتاب أبو العلاء المعري أو متاهات القول للناقد الرائع عبد الفتاح كيليطو, أو الأدب والغرابة, وهي دراسات في مقامات الحريري.

    أما الأدب العربي الحديث من المتابعين له : شعراً كان أم رواية أم نصوص أدبية. ولكن لم أصل إلى درجة الوفاق الكلي معه. لا أعرف السبب, قد يكون الغرق في الكلاسيكيات والأعمال القديمة الأجنبية هي السبب. لو بحثت وقرأت أكثر أعتقد أني سأجد أشياء كنت ابحث عنها. مثال ذلك فن القصة القصيرة. لم أعتاد على قراءة هذا النوع من الجنس الأدبي. ولكن بعد قراءة القصص القصيرة للأديب السعودي عدي الحربش اكتشفت أني أغلقت باباً عظيما كان يجب أن يفتح من فترة طويلة. لن أتحدث عن قصص عدي الآن, أفضل نشرها في وقت لا حق بعد الإنتهاء منها, لكن بإختصار, أقول أن هناك كتاب سعوديين وعرب يستطيعون بكتاباتهم منافسة أقوى كتاب القصص في العالم. وما عدي عبر قصصه إلا واحد من هؤلاء الكتاب الذين حين تقرأ لهم تعتقد أن القصة كتبت بحرفنة ذكية ولغة جميلة وحبكة مميزة ومكتملة الأركان.

  12. #12


    ما هي الروايات التي شاهدتها سينمائياً وهل تفضل المشاهدة قبل أم بعد القرءة، وهل يضيف العمل السينمائي للقارئ شيء لا يحصل عليه من خلال الكتاب..

    الفنون بأكملها مرتبطة ببعض. الرواية مرتبطة بالسينما والفن التشكيلي والمسرح.. بعد أن تفرغ من قراءة رواية أعجبتك, لا يوجد أجمل من مشاهدة أبطال الرواية مجسدين أمامك تجسيداً حياً في فيلم مقتبس من الرواية. أظن أني لست بحاجة لعقد مقارنة جديدة مرة أخرى بين الرواية والسينما. شاشة السينما محددة بمحيطها ومساحتها, وفي المقابل هناك الورقة التي لا يمكن أن يتاخمها شيء بفضل الكلمة. العلاقة تكميلية بين الصورة والورق, بين اليد التي تُمسك الكتاب, وبين العين التي تشاهد. كثيرة هي الأفلام التي شاهدتها بعد الفراغ من قراءة رواية. سأتحدث عن بعضها

    - blindness
    آخر فيلم شاهدته ومقتبس من رواية كانت قبل أسبوع تقريباً, والفيلم للتو صدر حديثاً. فيلم العمى للبرتغالي جوزيه ساراماغو. ما هي فائدة الموسيقى في زمن انقلبت فيه مقاييس الحضارة, و أصبحت ترفاً لا يشكل أي عائد مادي أو فكري على الإنسان ؟ المهم هو الطعام.. التنظيم .. الأمل بالحياة .. أن تحافظ على إنسانيتك في زمن انهارت في الإنسانية .. أن تنظم حياتك في مدينة تحولت لمدينة أشباح تفوح منها رائحة الموت, ولا شيء غير الموت.

    من بداية السطر الأول من رواية العمى يفجر الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو كل شيء في وجه القارئ: المرض, الموت, العمى .. ينتقل من إنسان لآخر بزمن قياسي مرعب, حتى يختال القارئ أن هذا المرض ليس وباءً كالكوليرا أو الطاعون, بل أقسى وأمر, كلمات زوجة الطبيب هي الأكثر درامية في الرواية : ماذا يعني أن نكون مبصرين في عالم كل من فيه عميان؟ أنا لستُ ملكة, بل أنا ببساطة تلك الإنسانة التي ولدت لترعى هذا الرعب ! طريقة سرد الرواية توحي بأن الكاتب كان يكتب عن الإنسان البدائي, عن إنسان لم يوجد ولا نعرف صفاته أو شكله, انقلب نظام تفكيره و أصبح خارج التاريخ, بل ولد ما قبل أن يوجد التاريخ ! بالإمكان تجسيد هذه الرواية إلى فيلم لأنها قائمة على الأحداث وليس الأفكار.. طوال قراءتي لهذا الرواية لم يخطر في بالي إلا فيلم I Am Legend لويل سميث. الفيلم عن ويل سميث - الأسطورة - الذي يكون أخر شخص ينجو من فيروس يضرب جميع سكان نيويورك, والذين يتحولون الى مصاصي دماء ويحاربهم من أجل البقاء وإيجاد حل للقضاء عليهم. الفيلم يختلف عن الرواية لكن هناك نقاط تشابه, ويل سميث في الفيلم كان هو أمل الإنسان في الحياة من جديد, مثلما كانت زوجة الطبيب في رواية العمى أمل الجميع, و الشخص الوحيد الذي لم يصب بالعمى!

    صدر هذه السنة فيلم blindness المقتبس من رواية العمى للبرتغالي الحائز على جائزة نوبل جوزيه ساراماغو. لم يحقق هذا الفيلم بعد صدوره أي أرباح متوقعة في الأيام الثلاثة الأولى, ولم يلق استحسان النقاد. لا أعرف سبب عدم قبول الفيلم حتى الآن. شاهدت الفيلم قبل يومين وأعجبني جداً, بل هذا الفيلم أقرب للإقتباس الكامل من الرواية الأصلية - العمى-. قليل من الأعمال السينمائية تستطيع نقل الرواية كما كتبها الروائي على أكمل وجه.

    ما ساعد طاقم الفيلم على الإقتباس الكامل هي الأحداث, الرواية قائمة على الأحداث والتفاعلات الطبيعية بسبب وباء اجتاح أحد المدن, وليس على أفكار وصراعات فكرية قد لا يمكن تجسيدها في فيلم سينمائي. قام المخرج البرازيلي فيرناندو ميريلس بتفصيل أهم ملامح الرواية من بدايتها وحتى النهاية. في بداية الفيلم, وكما في الرواية, مقابل إحدى الإشارات المرورية يصاب أحد السائقين بالعمى, هكذا فجأة وبلا مقدمات. يتطوع أحد العابرين لتوصيله إلى منزله, ثم يسرق السيارة لاحقاً, ويصاب بالعمى بعد وقت قصير. يذهب المصاب الأول إلى الطبيب بطل الرواية الثاني ويصاب الطبيب بالعمى كذلك. أصبح العمى وباء ينتقل من إنسان لآخر بسرعة البرق.

    قامت الممثلة الأمريكية جوليان مور بتجسيد شخصية بطلة الرواية - زوجة الدكتور - التي اختارها ساراماغو في الرواية لتكون الدليل والكائن الوحيد الغير مصاب بالعمى. تستحق مور أن تكون بطلة الفيلم الرئيسية لإداءها البارع في الحجر الصحي, حين تقود مجموعة هائلة من الكائنات البشرية التي تعود إلى حالتها البدائية. يتحول الإنسان إلى كائن وحشي في المحجر, وكأن قانون الغاب هو المسيطر على مجريات الأمور في المحجر الصحي. في أغلب مشاهد الفيلم يظهر الجانب المعتم والسلبي في الطبيعة الإنسانية, وتجسيد جانب من وضاعتها وعنفها وأنانيتها التي تصل إلى الإعتداء على الآخر وإلحاق الأذى به.

    الجنس في الرواية هو أحد الأدوات الفنية في الأخير, شئنا أم أبينا. قرأت قبل سبعة أشهر تقريباً رواية جنوب الحدود, غرب الشمس للياباني موراكي. ولم أصل الصفحة المائة حتى تخلصت منها وقمت بقذفها في مكان بعيد. لا تستحق أبداً هذه الرواية أن تسمى رواية, من بداية الرواية يستعرض الكاتب مغامرات أبطاله الجنسيه مع الفتيات, ثم ماذا؟ لا شيء. الوصف بارد و مقرف. إنه في رأيي لا يكتب عن الجنس في الرواية إلا من أجل الجنس فقط. لا توجد قضية يتطرق لها, فقط مغامرات طائشة. هناك مشهد مثير و خالد الروائي جوزيه ساراماغو في روايته الشهيره " العمى " استخدم فيه الجنس كعمل فني إبداعي. هذا المشهد لا يمكن أن ينساه القارئ. رغم أن المشهد كان مؤلماً جداً و قاسياً, إلا أنه في هذه الحالة حول الجنس إلى قيمة فنية رائعة. هذا المشهد لمن قرأ الرواية هو مشهد العصابة العمياء, عندما تبتز العميان الآخرين للحصول على المال والمتعة الجنسية مقابل الطعام، ومشهد اغتصاب أكثر من فتاة - ومن بينهم زوجة الطبيب - مقابل الحصول على الأكل في الحجر الطبي-. قلت لأحد الأصدقاء أن هذا المشهد هو من المشاهد الخالدة التي تستحق التصفيق. لم يوافقني هذا الصديق في رأيي إذا أبدى اعتراضه بسبب بشاعة هذا المشهد الخالي من الإنسانية و الرحمة. ليس المهم في المشاهد المذهلة أن تكون جميلة, وتحمل كل الخير, وتوافق أهواءنا.

    هذه هي مهمة الفن :
    أن نجمل الحياة حتى في أقبح صورها!
    كما يقول محمد شكري.

    هذا المشهد الخالي من أبسط الأخلاقيات الإنسانية, وغيرها من المشاهد أثارت ردات فعل عنيفة على الفيلم والرواية, مما أجبر الروائي جوزيه ساراماغو أن يدافع عن وجهة نظره تجاه مرض العمى. رئيس اتحاد مرضى العمى الأمريكي أدان الفيلم قائلاً إن الفيلم يصور العميان بأنهم وحوش. خاتمة الفيلم كانت مميزة كذلك, ومقتبسة اقتباس رائع وكامل من الرواية. بعد أن أصيبت المدينة بأكملها بداء العمى, تصبح الفوضى هي سيد الموقف. القمامة ربما تكون مناسباً للأكل, الكلاب تنهش أجساد الميتين من الجوع, لا يوجد شيء من أدوات الحضارة : لا كهرباء ولا ماء ولا طعام ولا اتصالات. فقط كائنات بشرية عمياء يتسكعون في الشوارع تسبقهم أيديهم للمس الأشياء ما يدل على عمى كامل, روحي ونفسي, حيوانية هائلة تستيقظ بغرائزهم, إلا تلك المرأة التي لم تصب بالعمى, والتي كانت تحدث المصاب الأول بداء العمى في مطبخ بيتها :" أنا أراك .. أرى العالم .. ما أجملك "

    لو كانت هناك أغنية عظيمة تعبر عن شخوص هذه الرواية المدهشة, لكانت مكونة من ثلاث كلمات يرددها الجميع, الإنسان, و الأرض و الأشجار, و حتى الجمادات و الكلاب و القطط :

    أستطيع أن أرى ..
    أستطيع أن أرى ..
    أستطيع أن أرى ..


    - The Name Of The Rose

    لعل المفارقة الأكبر في تجسيد هذه الرائعة الإيطالية للفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو, أن شهرة الفيلم كانت هي البوابة الأولى لشهرة الرواية لدى الجمهور العادي الغير مهتم بكتابات أيكو السيميائية. الرواية كانت معروفة لدى الطبقة الأكاديمية المثقفة و كانت صدمة للأوساط الأكاديمية ظهور رواية لشخص مختص بعلم الرموز, و حاصل على أستاذية الفلسفة عن جماليات القديس توما الأكويني في القرون الوسطى. الفيلم هنا كان مساعداً بشكل رئيسي في شهرة الرواية, و لكن هل كان الفيلم مطابقاً للرواية, كما كتبها امبرتو أُيكو؟

    من الصعب القول أن كل ما في الرواية تم ذكره, هناك أحداث و أفكار لا يمكن لها أن تجسد سينمائياً, خصوصاً في حقول الفلسفة و التاريخ و علم الرموز و الجماليات, رغم أن الفيلم نجح قليلاً في اقتباس الفكرة الأكثر تأثيراً من الرواية, وهي المتعلقة خصوصاً بضحك المسيح, و تطرف الأب يورغ الأعمى في حفظ كتاب فن الشعر لأرسطو. الفصل الأخير من الرواية تم تجسيده في الرواية ببراعة, وهي الخاصة بحريق المكتبة الأكثر شهرة و ثراءً في العالم. الممثل شون كونري برع تماماً في تأدية دور المحقق الفرنشسكاني غوليالمودا, و كذلك الممثل كريستيان سلاتر أبدع في تمثيل دور الراهب المبتدئ أدسو. لكن الاكثر براعة في التمثيل, في تطرفه و حماقاته في الرواية هو دور سيلفاتوري الذي جسده الممثل Ron Perlman . كان رائعاً رغم كمية القرف التي تحيط به وهو يجسد دور الراهب المختبئ من اضطهاد رجال الدين.

    - Anna Karenina

    وأنا أقرأ تولستوي وهو يصف جمال آنا الساحر كما يصفها كل من قابلها, الشيطاني كما تصفها كيتي, وفتنتها, ورقصتها تملكتني الرغبة الشديدة بأن أشاهد هذه المرأة التي هزت رجل كان على وشك زواج, وأصبح عشيقاً لامرأة متزوجة. علمتُ بأمر هذا الفيلم قبل أن أقرأ مشهد حفلة الرقص في الرواية, وبعد أن شاهدت هذا المشهد في الفيلم أصبحت “صوفي مارسو” في نظري هي “آنا كارينينا” في الرواية, وكما يصفها تولستوي ويرسمها كلوحة جميلة رائعة ومذهلة. آنا كارينينا في الرواية, وصوفي مارسو في الفيلم كانوا يتحدثون بلغة مختلفة لا يعرفها البعض, لغة العيون, بنظرة واحدة ينطلق منها قرار بانهيار عائلة, وإقامة علاقة.

    يبدأ الفيلم بتصوير الموت بطريقة رمزية - مقتبس بالكامل من كتاب اعترافات تولستوي - كان ليفين يهرب في الريف, يحاول النجاة بنفسه من الذئاب التي تطارده, والتي هي بدورها الأسئلة المقلقة في الرواية, ثم يسقط في حفرة, ويتمسك بجذع شجرة قبل السقوط, ولو سقط, لوجد الموت الذي يفر منه, لأن أحد الحيوانات المفترسة اتخذ من الحفرة مصيدة للبشر. قبل هذا المشهد يبدأ السرد في الفيلم من ليفين, يقول بما معناه ” دوماً في أحلامي أتعلق بفرع شجرة, وأدرك تماماً أن الموت حتما ينتظرني, الخوف من الموت بدون معرفة الحب, كان أقوى من الخوف من الموت نفسه. أعرف الآن أني لم أكن لوحدي في رعب هذا الظلام, وكان أيضاً خوف آنا كارينينا”

    الفيلم لمن لم يقرأ الرواية قد لا يعجبه – وجهة نظر -, ولكن الفيلم جداً أعجبني بسبب مشهدين فقط. المشهد الأول هو مشهد حفلة الرقص, وأبدع المخرج في تصويره وقدمه بصورة لائقة تماماً كما قرأت عنه في الرواية. المكان, القاعة, الموسيقى, الأزياء, الراقصين, الراقصات, كانت لوحة عجيبه فيها من السحر الكثير, يتجه الراقصون مع صوت الموسيقى بتناغم حاد كأنهم محترفين جداًً. كانت الصورة مثل الأمواج حين تثور, تأكل كل من يقف في وجهها, وكانت مثل الأمواج بالضبط, إذا انهارت فتاة لانهيار حبيبها أمام امرأة تشع بالفتنة, و اهتزت امرأة متزوجة لأول مرة تعرف طعم الحب, والعشق.

    المشهد الثاني وهو مشهد الموت الأخير, تداعي الذاكرة والإحساس بالفشل يسيطر على آنا كما صورها تولستوي : “أين أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ يا إله السماوات، اغفر لي كل شئ!”. ثم السقوط المريع و الموت الأخير. هذا المشهد يعيد إلي صورة المفتش جافير في فيلم البؤساء “Les Misérables ” للمخرج بل أوقست إذ صور إنهياره وانتحاره بسقوطه للبحر. لقد أحببت موت جافير, لم يتخاذل, ولم يتعب نفسه في التفكير, أخطأ واعترف بذنبه, وكفر عن ذنبه بالإنتحار. أما ” آنا ” فكان موتها مأساوياً أراد لها تولستوي أن يكون كل المأساة, وكل الفجيعة, وكل الموت.

    سيناريو الفيلم قائم على الرؤية المختصرة للرواية. الحوارات الفلسفية كانت مهملة إذ يمكن تصويرها عن طريق تساؤلات شخصية ليفين المميزة في الفيلم .ليفين كان له حضور مميز في الفيلم و رائع, هو يشبه كثيراً ليفين الغارق في الشك حتى أخمص قدميه. كان تركيز المخرج الشديد منصباً في إظهار المشاهد التي لها تأثير مميز في الرواية, كمشهد التزلج, وسكة القطار, وحفلة الرقص, وحصاد القمح مع الفلاحين, وسباق الخيل, وخطبة ليفين وكيتي, والزواج. مشهد السباق المميز في الرواية أراد من خلاله المخرج انتهاء حالة العشق السري بين فرونسكي وآنا, لتظهر أمام كل الناس الموجودين في الإحتفال, وأمام زوجها كما هي موجودة في الرواية. كانت الصرخة التي رافقت اللحظات الأخيرة من السباق هي لحظة الاعتراف بوجود علاقة حب بين شاب من الطبقة الراقية وبين امرأة متزوجة.

    نهاية الفيلم كانت مع كلمات ليفين – الشخصية التي على لسانها ينطلق الفيلم ويستمر - : ” و لكن حياتي الآن، كل حياتي، بغض النظر عن جميع ما قد يحصل لي، كل دقيقة منها، ليست فقط بلا معنى كما كانت في السابق، بل هي قد اكتسبت المعنى غير المشكوك به للخير الذي بإمكاني في كل لحظة أن أعمل لأجله.”


    - Les Misérables

    مقتبس من خالدة هيجو البؤساء. لقد غير هذا الفيلم نظرتي لقساوة جافير ومطاردته المجنونة لجان فالجان. هذا المفتش القاسي القلب سقط في البحر, إنتحاراً.. كان قلقاً مرعوباً من هذه الأفكار التي بدأت تخطر في عقله. لم يكن يفكر في يوم من الأيام, كان يعمل ويعمل فقط. أمام هذا الضغط تفجر هذا البؤس وسقط بعزة نفس غارقاً في البحر, كما كتبها المؤلف العظيم فيكتور هيجو, ورسمها المخرج بل أوقست, ونفذها جيفري روي بكل جنون وعبقرية. هذا المشهد القلق كان الأكثر تأثيراً عليّ لدى مشاهدتي لفيلم Les Misérables , ويجبرني على القول بأن بطل الرواية الخالدة ” البؤساء ” للعظيم فيكتور هيجو ليس جان فالجان وحده, بل المفتش جافير يقف معه في المنافسه, في البطولة والبؤس. وفي المصير المشترك الذي يتحكم به هيجو, الطريق إلى الكمال الأعظم : الموت. ليس من السهل تحويل رواية رفيعة المستوى إلي فيلم أو مسلسل تليفزيوني، ربما لاختلاف نوعية المتلقي في الحالتين، فالذي تعودت عيناه علي متابعة فيلم أو مسلسل تحكي له قصة لها بداية ونهايه لايستطيع قراءة عمل عميق. قد تكون الأسباب أن المشاهد لا يعرف مسبقاً ما سيعرض على الشاشه, عكس القارئ الذي يعرف أشياء كثيرة لا يشاهدها مجسدةً في الفيلم.

    الرواية الماورائية, التي تحكي أحداث متتابعة من التاريخ الحالي, وفي نفس الوقت ترجع إلى زمن قديم ليس بالإمكان تجسيدها سينمائياً بأي حال. مثال ذلك رواية البؤساء. تقع أحداث الرواية كما هي في الترجمة الكاملة - 1600 صفحة -في أكثر من مكان، ولكن الأحداث تجري كلّها في فرنسا، بعد الثورة، ومن حيث التسلسل الزمني للأحداث، تجري الأحداث عام 1815، ففي هذا التاريخ يهرب البطل من السجن، ويعود فيكتور هيجو إلى الوراء، أيّ إلى عام 1796 وهو العام الذي زج به بجان فالجان بالسجن . من الصعب أن ترسم للمشاهد حكاية تجري في 1815م مثلاً, ثم تعود به إلى الوراء بكثير, إلى عام 1796م أو أكثر كذلك.

    شاهدت الفيلم المقتبس من الرواية قبل أربعة أشهر أو أكثر لا أعلم بالضبط, ولكن الذي أذكره أني أعجبت بالفيلم كثيراً, ولازال مشهد انتحار المفتش جافير عالقاً بذاكرتي, وللأبد. أردت قبل أيام أن أشاهد الفيلم مرة أخرى بحكم قراءتي الجديدة لترجمة الرواية الكاملة. كنت أريد أن أشاهد جان فالجان من جديد والمفتش جافير, وكوزيت وفانتين, وماريوس. والسبب في ذلك التصوير الفني لشخصيات هذا العمل الخالد.

    المخرج لم يستطع بالتأكيد تجسيد الرواية كاملة. واقعياً لا يمكن تجسيد تلك الأحداث والثورات في ظرف ساعتين فقط. ولكنه نجح نجاحاً باهراً في تجسيد الرؤية المختصرة للبؤساء, لحالة الهروب والمطادرة بين جان فالجان وجافير, وقصة ثورة ضاحية سان انطوان وقصة ماريوس وكوزيت.

    البراعة في تنفيذ عمل سينمائي مقتبس من رواية مشهورة يعتمد فقط على الإثارة, وإظهار المشاعر والعواطف الإنسانية في شخصيات العمل لكي يستطيعوا الاقتراب من المشاهد أكثر, والأهم اقتباس أكثر المشاهد القابلة للتجسيد. ولا توجد في نظري أروع مشاهد من مطاردة استمرت لأكثر من عشرين سنة بين عملاق الرواية جان فالجان, وعدوه اللدود المفتش جافير, وإظهار آلام فانتين, والبؤس الطفولي في شخصية كوزيت. وعلاقة الحب التي ربطت بين ماريوس وكوزيت.

    أحد مسببات نجاح الفيلم تطابق شخصيات الرواية صوتياً على الأقل وبنفس التحركات المذكورة في الرواية. فجان فالجان مثلاً, صوته في الفيلم يمثل الرجال القساة القلب, مائل إلى الخشونة والعنجهية, وهو على كل حال صوت جهوري مميز لهذه الشخصية التي تعذبت في السجن لأكثر من تسعة عشر سنة. شخصية جافير أظهرت الشخصية العملية المنغمسة في العمل, يمثل مفتش الشرطة القاسي القلب, ذو الأعصاب الباردة والميتة.


    - Jane Eyre
    مقتبس من خالدة شارلوت برونتي جين اير. الفيلم المبني على رواية جين اير يحمل مقومات النجاح والفشل كذلك. مقومات نجاح الفيلم هو تجسيد الشخصيات كما تحدثت عنها شارلوت برونتي في الرواية, شارلوت غينسبورغ نجحت في تجسيد ملامح شخصيات جين اير الحزينة, الحالمة. لا يوجد فرق بينها وبين الشخصية الروائية, ويليام هيرت نجح كذلك في تجسيد شخصية إدوارد روتشيستر المتعجرفة في بعض الأحيان, والعاشق والحزين كذلك. الرواية امتازت بميزة قد تكون مجال جيد لإقتباسها في الفيلم, أقصد وصف المناظر الطبيعية في الريف الإنجليزي. في الفيلم استعان المخرج بالإضافة لجمال الطبيعة, الموسيقى التي كانت تعزف مع الطبيعة لحناً جميلاً ويعيد إلى الأذهان الصفحات الطويلة التي كتبتها شارلوت برونتي, لوصف الأشجار والرياح والعواصف والأمطار. نقطة الفشل الكبيرة في الفيلم هي النهاية, آخر مائتين صفحة في الرواية هي الأكثر إثارة ومتعة, القارئ لن يتخلص من هذه الصفحات حتى ينهيها بسرعة لقوة جمالها. في الفيلم تم اختصار كل هذه الصفحات, بمشهد لايقل عن ربع ساعة أو عشر دقائق, رغم أن هذه الفترة في الرواية تمتد إلى سنة تقريباً. هذا الشيء هو الذي أفسد الفيلم, ولو كان المخرج يملك طول البال, وقام بإعطاء مساحة أوسع للصفحات الأخيرة من الرواية لكان الفيلم رائعاً ويستحق التصفيق. الحوارات الأساسية في الرواية بين جين والسيد روتشيستر, وبين جين وهيلين, وبين جين وضيوف القصر من خدم ونبلاء جميعها استطاع المخرج تنفيذها وأخذ ما يريده بمهارة, ولكن النهاية أفسدت عليه كل شيء.


    - Red Cliff

    والمقتبس من وراية رومانسية الممالك الثلاث. الخلود عبر الفن, هذه الجملة بإختصار تختصر حالة هذا الفيلم التاريخية والفنية. حكاية هذا الفيلم مقتبسة من التراث الصيني القديم "حكاية الممالك الثلاث" وصراعها الحاد للسيطرة على الصين. شخصيات الفيلم الشهيرة الثلاثة ظهرت كما كان تصوري عنها مسبقاً : الجنرال زانغ في بصرخته المرعبه قادر على شق صفوف العدو. تبدو هذه الشخصية لأول وهلة بأنها عدوانية وشريرة, ولكنها تحمل طيبة قلب كبيرة مليئة بحب الفقراء, والقتال والتضحية من أجلهم. الشخصيات الأخرى ظهرت بشكل لم أكن أتوقعه. تم تقديم شخصية الجنرال جوان يو بشكل مذهل يدعو للإعجاب. جوان يو: ذو اللحية الطويلة السوداء، وصاحب الرمح الطويل المرعب. والتي تعتبر في الصين بمثابة الإله. آخر شخصية وهي التي أثارت إهتمامي هي الشخصية الجنرال ليو بي: لم أكن أتوقع أن تظهر هذه الشخصية بمثل هذا الضعف. أعتقد أن المخرج إستعان بشخصية الحكيم المشهور صاحب ليو بي في القصة : زوجيه ليانج, للتدليل على ضعفه. فكرة المخرج جوان يوو ذكية جداً. بما أن ليو بي ليس منتصراً, وهو في حالة الحرب تلك من فشل إلى فشل فلا داعي لإعطاءه دور مركزي في القصة, وإنما للمخطط والمفكر في معركة الجرف الأحمر.

    لا أتوقع أن هذا الفيلم سيحظى بإعجاب الكثيرين. الفيلم ملحمة حربية من بدايتها لنهايتها, وأنا متأكد بأن غير العالم بحكاية الممالك الثلاث سيخرج بعد مشاهدة هذا الفيلم وهو يلعن الوقت الذي أضاعه في مشاهدة فيلم لم يفهم منه شيء, ولم تثير اهتمامه سوى صورة التخطيط العسكري الرهيب, وجوان يو, وزانغ في وهم يحاربون بشكل مذهل وخارق للطبيعة البشرية. هناك شخصية أخرى كذلك مركزية أستطاع المخرج تقديمها كما يليق, وهي شخصية الجنرال : كاو كاو, الرجل العصامي الذي سرعان مايصبح وزيراً، ثم يقوم بإسقاط مملكة "هان". ومن ثم يبدأ الصراع بين "ليو بي" بمساعدة رجاله الأبطال و"كاوكاو" برجاله أيضا.


    وما هي أكثر الأماكن في العالم التي تود زيارتها بسبب ما قرأت عنها في كتاب ما..

    في الريف الروسي, في مزرعة ليفين, أريد أن أستلقي هناك قبيل الفجر لعلي ألمح شيئاً ما قد يخطف الأبصار, أو أقوم بمثل ما قام هذا النبيل عندما شارك الفلاحين العبيد حصاد القمح, وأنشد ورائهم أناشيد التراث القديمة.




  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    في المستقبل
    الردود
    1,231

    Lightbulb غوص..

    مقدمة براقة ولعلنا ندخل أعمق قليلا ونسأل:
    ماهو الأدب؟ وماهي أهميته؟
    هل تموت "الحضارات" موتا بيولوجيا مع الدول التي قامت فيها فلا نرى دولة أعادت بناء حضارة من بعد وفاتها/إنتهائها؟
    لماذا ختمت النبوة؟
    يقول كانت/كانط أنه كان شيئان يملآن قلبه بالأعجاب والخشوع: السماء المرصعة بالنجوم فوق رأسه والقانون الأخلاقي في داخله، وأنت ماذا يملأ قلبك أعجابا وخشوعا؟
    يرى كافكا بالحزن طاقة الحركة الكبرى - ربما- التي تؤثر بالطاقة الساكنة فينا فيقول: " نحن بحاجة إلى كتب تحزننا كثيرا، كموت شخص نحبه أكثر من أنفسنا، حتى يجسد الكتاب فصول البحر المتجمد داخلنا"
    فهل هو الحزن أيضا في رأيك؟ أو ربما أسأل ماذا يميز هذا الكتاب الذي يكسر "البحر المتجمد" فينا؟
    شكراً

  14. #14

    أسمع أحياناً من يردد بغبطة عبارة مثل: "زوجين من الأحذية أفضل من شكسبير" وأشعر أنها أسعدتهم لا لأنها أمنت لهم زوجين من الأحذية وهم متسمرون في مقاعدهم، بل لأنها أزاحت عن ضميرهم ثقل الاحساس بالتقصير وبررت لهم جرم "اللاقراءة" بحجة أن لا قيمة للأدب في عالم مليء بالجائعين والحفاة..وهذا يعيدنا لسؤال جان بول سارتر الشهير: "ماذا يستطيع الأدب أن يفعل للجياع؟" فهل الروح الإنسانية بحاجة للقيمة الجمالية أكثر أم للخبز أكثر.. ومتى سيكون الأدب بالنسبة إلينا أهم من الخبز ومن زوج من الأحذية؟.. وما الذي جعل "شياطين" دستويفسكي تصرخ بنا "إنه الجمال".. وأن الإنسانية يمكن أن تستغني عن كل شيء إلا عن الجمال..

    حين صرخ المحترم ستيفان تريفوميتش في فصل الحفلة من الشياطين - وهو يبكي بعنف وبهذيان مرعب أمام جموع من النبلاء والثوريين - كان يريد فتح الطريق المؤدي من المرحلة الجمالية إلى المرحلة الأخلاقية, والتي لا تستطيع الإنسانية العيش بدونها. طرحت هذه القيمة وتبيان دلالاتها في أغلب أعمال دستويفسكي كما نرى ذلك في الأبلة :" الجمال سينقذ البشرية " . يقول دستويفسكي في نفس الرواية : اسمعوا، أنا أعرف أن الكلام لا يفيد، فالأفضل هو إقامة القدوة الأفضل بكل بساطة، أن نبدأ وأنا بدأت بالفعل. هل... هل يمكن أن يكون المرء شقياً؟ ما الحزن والشقاء اللذان يمتلكاني، وما قيمتها إذا كنت أحس أنني قادر على أن أكون سعيداً؟ اعلموا أنني لا أفهم كيف يستطيع الذي يمرّ بشجرة ألا يشعر لمرآها بالسعادة، والذي يكلم إنساناً ألا يَسْعد بأنه يحبه، أواه! إن التعبير يخونني... لكن ما أكثر الأشياء الجميلة، عند كل خطوة، جمالها يحس به حتى اليائسون، انظروا إلى الطفل، انظروا إلى غروب الشمس الإلهي، لاحظوا العشب وهو ينمو، انظروا إلى الأعين التي تحدقّ فيكم ". الجمال هنا قد تكون له القدرة على تغيير الناس تغييراً جذرياً، إنه يجلب السعادة والإحساس بالتناغم والانسجام. ما علاقة كل هذا بالواقع وبالأخلاق؟ النظام الاخلاقي الموجود بداخلنا هو الأكثر أهمية على هذه الأرض حسب الفلسفة الكانطية. الجمال هو الشئ الوحيد القادر على نقل النظام الأخلاقي من المستوى العقلي الصرف إلى المستوى الحسيّ. من هنا نستطيعُ أن نفهم أهمية عبارة "إنّ الله جميلٌ يحب الجمال"، فالله هو أساس النظام الأخلاقي و الضرورة العقلية التي يستلزمها تحقق هذا النظام واقعياً، و لهذا كان يجبُ أن يكون الله أكثر الأشياء جمالاً.

    سئل غوركي مرة : كيف تعلمت الاقتصاد؟ كان عندئذ يعمل حمالا على نهر الفولغا، فقال: انظروا انه منقوش على ظهري!" لماذا إذاً أصبحت القراءة تعتبر من الكماليات ولا يمارسها إلا من لديه متسع من الوقت والمال وهذا غوركي الذي عاش حياةً كانت تؤهله لأن يكون منحرفاً لا أديباً عظيماً كان حلمه الوحيد أن يجد كتاباً وركناً منزوياً ومتسع من الوقت ونور طفيف ليمارس حياته بالقراءة..

    مع هذه الثورة الحالية في انتشار الكتاب وظهور الكتاب الالكتروني كمنافس لم تعد القراءة من الكماليات أبداً. بل أصبحت أكثر ثراءً وتنوعاً, رغم بعض النزعات التي تعتبر القراءة شيء غريب أو ثانوي يجب أن لا يستحق مرتبة متقدمة في حياة الفرد. لا أريد أن أقول هذا ولكن الواقع يقول لي ذلك : عملي يسمح لي بقضاء وقت كبير جداً في القراءة, وغالباً ما يشاهدني أحد الأصدقاء وأنا ممسك الكاتب ثم يقول : أنت فاضي تقرأ؟ لهالدرجة أنت فاضي ؟ وش أخبار شكسبير ؟ لا أخفي عنكم أن هذا السؤال مؤلم جداً, وأنت تجد أحد الأصدقاء يعتبر هذه من الكماليات بينما مكسيم في طفولتي وهو يعمل خادماً في أحد البيوت, كان يشعل شمعة ويرتقي لأعلى المنزل ليقرأ, ولكي لا يشاهده أصحاب المنزل كي لا يتعرض للضرب.


    كيف ترى حال القراء الشباب، هل يمارسون القراءة كواجب وحياة أم كرفاهية تضمن لهم برستيجاً ثقافياً؟

    من تجربة ومشاهدة كذلك في بعض مواضيع القراءة في المنتديات, حال القراء الشباب مفرح جداً وأكثر ثراءً. في حياتي الواقعية عدد أصدقائي لم يكن بالكثير, بعد المشاركة مع هؤلاء الشباب في المنتديات تعرفت على الكثير, وتقابلت أنا وياهم أكثر من مرة, أحد هؤلاء الأصدقاء هو الصديق العزيز والعضو بالساخر كذلك سعود العمر. الأخ سعود مثال للقارئ الشاب الواعي, والذي انعكست قراءته على أسلوب تفكيره وحديثه. من سيتخذ القراءة كرفاهية أو برستيج ثقافي أعتقد أنه لن يعيش. سيكون في برج عاجي , وحيد, يطلب من الجميع الصعود إليه, بينما الآخرين لن يعطوه الإهتمام اللازم.


    هل لديهم ما يؤهلهم لاختيار الكتاب الجيد، أم أن الكتاب بالنسبة إليهم أصبح كالوجبات السريعة؟

    بالتأكيد ولا شك في ذلك.
    رغم أن الذوق يختلف من قارئ لآخر, وما يعجبني قد لا يعجب الآخرين.
    القراءات أصبحت موجودة على النت ومفصلة كذلك.

    وهل تتابع إنتاج الأدباء الشباب..؟

    هي ليست مسألة اعتقاد أو شيء آخر. مع تطور وسائل القراءة و دخول القراءة الإلكترونية, و الحضور الكثيف للكتب الإلكترونية أصبحنا مطالبين بمسايرة العصر, ولو مرغمين. يجب أن نتكيف مع حالة قد تتطور في المستقبل إلى شيء لا نعلمه شئنا أم أبينا. في المنتديات أو حتى في هذا المنتدى هناك أقلام أنا معجب بها كل الإعجاب. أقلام تكتب بشكل أقل ما يقال عنه أنه رائع ومجنون, والجميع ليسوا في سلة واحدة على كل حال. هناك كتاب مستمرين في تجديد نشاطهم الكتابي وتطويره. وهناك من ولى هارباً محاولاً تجديد نشاطه الكتابي للدخول بقوة في عالم المنافسة. لا أعاني من عقدة نقص تجاه قراءة أي كاتب, وليست لدي مشكلة مع أي كاتب أياً كانت جنسيته أو ديانته و أفكاره. شاهدت أعضاء في المنتديات يقللون من كتابات الكتاب السعوديين الشباب على العموم, بدون تحديد شخص بعنيه أو محاولة نقده. تجدهم يقولون " حرمت أقرأ رواية سعودية أو أي عمل سعودي " .. هذا التقليل من كتابات بعض الكتاب السعوديين الشباب لا أجد له سوى سبب واحد فقط, وهو ما أسميه بأزمة الرواية السعودية, وهي بالضبط مثل أفلام المقاولات المصرية من حيث الكثرة و قلة الفعالية و النجاح. شاهدنا أعمال سعودية جديدة الفترة الأخيرة لا ترقى لمستوى الأعمال الأجنبية حتى يمكننا أن نقول أن هناك إبداع. ولم نجد شيء يستحق في هذا الكتاب أو ذاك رغم الضجة الإعلامية إما بسبب اسم الرواية الفضائحي أو بسبب دخول الكاتب في التابوهات محاولاً تحقيق أكبر شهرة للعمل. قراءة أعمال الكتاب الأجانب فقط من رواية و شعر ليست دليل رقي و ترف فكري. لدينا كتاب شباب - وهذا رأيي - من ينافسون كبار الكتاب الأجانب بكل اقتدار و مهارة. ولكن ما نعانيه في هذه الازمة هو عدم التشجيع, عدم قراءة هؤلاء, بل نهملهم و نلتفت للأجنبي أياً كان حتى لو كان العمل الأجنبي تافهاً في بلده لا يستحق أي ذكر. هذه العقدة في المجمل مستمرة, إلى متى لا أعلم .. وإن كان لها نهاية, فهي بقراءة أعمال هؤلاء و الكتابة عنهم و نشر أسمائهم.

    هناك بوابة كبيرة جداً فتحت مؤخراً, أو بمعنى فتحت منذ فترة ليست بالبعيدة.
    و هي بوابة كتاب المنتديات المميزين الذين يلاقون التشجيع و التأييد في منتدياتهم.
    ومن ثم يطرحون إبداعهم في كتاب ورقي للجمهور.

    لنأخذ مثالين ناجحين :
    الأول: كتاب " كتاب " لمحمد الرطيان.
    محمد الرطيان كاتب في صحيفة الوطن و في المنتديات, يكتب بشكل ساخر عن أمور محلية وثقافية. كاتب مميز, وقريب جداً من القارئ البسيط, يخاطبه بلغته المحلية بعيداً عن التعقيدات والكلمات المنمقة الفضفاضة. يتكلم بهموم المواطن البسيط, وبإسم الأغلبية الصامتة التي تشاهد اليمين و اليسار يتصارعان فيما بينهم تارة باسم الإصلاح وتارة باسم الوطن . الدعم الذي شاهدناه في المعرض السابق لكتاب الرطيان سببه الأول معرفة ما يكتبه محمد, إذ أن القارئ يعرف ما في داخل هذا الكتاب وما يحتويه من فن راقي يجيده محمد وهو فن النقد الإجتماعي الساخر.

    الثاني " كتاب حكاية الصبي الذي رأى النوم لـ " عدي الحربش ".
    قلت في موضوع سابق عن عديّ وقت معرض الرياض للكتاب :

    " هذه الأيام يطرح علي هذا السؤال, يوسف ماهي توصياتك للمعرض أو ماهي القائمة المحددة لديك. طوال الفترة الماضية كان جوابي لا يوجد, بسبب عدم تطابق الأذواق, والذي لا يعجبني قد يعجب غيري والعكس صحيح. الآن لو طرح علي هذا السؤال لقلت بلا تردد, أول وآخر كتاب في قائمتي هو المجموعة القصصية لعدي الحربش فقط.. من تجربة المعارض السابقة تركي الدخيل إنسان ذكي جداً, يستغل تواجد الجمهور للتسويق لأعماله التي - وجهة نظر - لا تستحق كل هذه البهرجة . محمد الرطيان كاتب جميل كذلك ويستحق الثناء لعمله " كتاب ". أما عدي الحربش فهو الأهم, ولا أبالغ إن قلت أن أهم إصدار في معرض الرياض هو مجموعة عدي الحربش القصصية. قد أسأل لماذا هذا التأييد وأنت لم تقرأ الكتاب بعد. أقول أن عدي الحربش أو علي الزيبق كما هو معروف في جسد الثقافة ومنتدى الطومار ليس بكاتب يكتب فقط ولا يحدث تغييراً في سلوك القارئ. المؤرخ الامريكي المعروف ويل ديورانت صاحب كتابي قصة الفلسفة وقصة الحضارة اشتهر بانزال الفلسفة من برجها العاجي ثم تسهيلها وتبسيطها لكي يفهمها الجمهور العام غير المتخصص. عدي الحربش في الفلسفة هو ويل ديورانت. أنزل الفلسفة من برجها العاجي, وأبعد عن القارئ كلماتها المبعثرة والغامضة وقدمها للجمهور بصيغة محببة وجميلة وسهلة للغاية. في الأدب والشعر والفلسفة والترجمة, هو الكاتب الوحيد الذي أحدث تغييراً هائلاً في قراءتي وحتى كتاباتي. لم أكن أعرف شيئاً عن دستويفسكي, أو ليرمنتوف, أو لوركا, أو بوشكين, أو أوسكار وايلد, أو جلال الدين الرومي, أو كانط. تعرفت على عالم كبير كبير بفضل عدي الحربش ,أساسه العلم و الجمال. أتسأءل بيني وبين نفسي أحياناً هل كنت سأقرأ في يوم من الأيام قصة قصيرة بدون قراءة ولا قصة لعدي؟ إن كان أبي هو صاحب الفضل الأول في عشقي للقراءة, فـ عدي الحربش هو صاحب الفضل الثاني في فتح آفاق أوسع للقراءة, والكتابة عن القراءات. عدي هو الكاتب الوحيد الذي لا أفوت لها أي رد, أي رد مهما كان, ولو كان أعضاء المنتديات الآن يتحلون بأخلاق عدي وأدبه, لقلنا أن بالإمكان أن يخرج من هؤلاء دستويفسكي وعمالقة في الأدب والفلسفة.... " انتهى

    بعد صدور المجموعة القصصية للأستاذ عديّ, ماذا يمكن أن نقول عن مجموعته القصصية؟ رغم أن الوقت قصير جداً على صدور الكتاب إلا أن النتائج الأولية مشجعة و ممتازة. هناك أناس و جمهور عريض من القراء يبحثون عن كتاب الحربش لأنهم يعرفون أن ما في داخل هذه المجموعة يستحق الإقتناء و القراءة. عديّ الحربش هنا طبق حالة التزواج بين الإبداع الأدبي في المنتديات و النشر الورقي للأعمال.

    أتذكر أني كتبت هذا الكلام فور صدور النسخة الالكترونية للأخ سهيل اليماني " عبدالله القرني - قصة لا تنتهي ". لو طرح هذا الكتاب ورقياً في معرض الرياض السابق لقمت بشراء عدة نسخ لإهداءها لكل من أعرف. هذا الكاتب لا يقل عن عدي الحربش موهبة أو عن محمد الرطيان سخرية. له شيء يميزه, وهو الجمع المذهل بين الكتابة الأدبية النثرية و السخرية المريرة بين ثنايا ما يكتب. قلتها لأحد الأصدقاء : لا أعرفه سوى بإسمه الشهير في الساخر .." سهيل اليماني " إلا أنه يشكل مع عدي الحربش أكثر شخصيتين يملكون أقلام غير طبيعية. أحب القراءة لهم كثيراً, ولا أعتقد بوجود أقلام توازي أقلامهم في المنتديات بشكل عام مع احترامي للجميع. أتمنى مستقبلاً أن لا أجد قارئ يتعصب لجنسيات محددة دون آخرى. الإبداع لا يعرف جنسية أو قومية أو حزبية. و لمن هو مستمر في رفض هؤلاء, أقول, إن محمد الرطيان و عبدالله القرني و عديّ الحربش, و كثر, ليسوا بأقل ممن تقرأون لهم من الأجانب إن لم يتفوقوا عليهم !


    بفرض كان هناك محاكم أدبية وكنت قاضياً فيها، من من الأدباء والكتاب ستقدم للمحاكمة وبأي التهم وما الحكم الذي ستصدره بحقهم.. وإن فكرت "كروح دستويفسكية" أن ترسل رسائل قصيرة لثلاثة أدباء، من تختار وماذا تكتب لهم..

    - إلى بعض الأدباء العرب : التعرض للذات الإلهية في الأعمال الأدبية - خصوصاً الرواية وليس بشكل رمزي - أمر منفر جداً, بل ومقرف. إن كان في تفكيركم أن القارئ سيتقبل ذلك مثلما تقبلها في الأعمال الأجنبية فهذا غير صحيح. في بعض الأعمال الأجنبية تقدم شخصيات إلحادية لا تؤمن بوجود الله حتى. الروائي حين يكتب عن الله يبحث عن الأسباب التي تؤديه إلى الراحة والإطمئنان القلبي, إنه يبحث ويكتشف الطريق المؤدي إلى الله الذي يؤمن بوجوده مجموعة هائلة من الفقراء. راسكولينكوف مثلاً كان في قمة إلحاده حين ارتكب الجريمة, ولكنه وجد طريق الخلاص النهائي حين سجد لله واعترف بوجود هذا الكائن الأسمى. جان فالجان وهو مسلوخ في السجن لأكثر من 19 سنة, كان بإمكان فيكتور هيجو أن يتحدث على لسان بطله عن الله ويطعن في الذات الإلهية, ولكنه لم يفعل, بل جعل بطله المفضل وأشهر شخصية في الآداب العالمية ينهار باكياً بعد أن سرق من طفل قطعة نقدية لا تشكل شيئاً واعترف بوجود هذا الكائن الذي لا تستقيم الحياة بدونه. أتذكر أني رفعت كتاب الكتروني لرواية شرفات بحر الشمال للكاتب واسيني الأعرج. بعد أن قرأت الرواية قمت بحذفها مباشرة. جمال الرواية واللغة لا تبرر إطلاقاً الحديث عن الله بشكل مسيء ومنفر. رغم أن البعض يدعو للحياد في القراءة, أنا أرفض ذلك, ما يمسني بصورة مباشرة سأتحدث عنه وسأحذر منه كذلك.

    - إلى بعض الأدباء الشباب : ما الذي يدعو القارئ إلى النفور من أعمالكم؟ الحديث عن العلاقات الإجتماعية التي مللنا القراءة عنها, أو عن التابوهات المحرمة أو الجنس دون قضية محددة, أو حزن كثيف وطاغي وممل هو سبب ذلك. موهبة الكاتب مهما كانت مميزة واستحقت الثناء, فهذا لا يعني التوقف فقط والسير على نهج واحد في الكتابة. إذا أردت النجاح يجب أن تقرأ : عن الحضارات والاديان والفنون والتاريخ والفلسفة. حين تقومون بذلك, ستجدون أبواب أوسع للكتابة أغنى وأفضل. وقبول من الجمهور أكبر.
    أكتفي بذلك,

    نقلت لنا مرة خبراً يقول أن تشيخوف كان يؤجل قراءة "الجريمة و العقاب" لأنه لم يبلغ بعد النضج الكافي لقراءتها..وأنت.. إلى متى تؤجل قراءة تشيخوف بعد أن قرأت ملامحه الحزينة في صور غوركي الأدبية.. فهل يمكن أن تكتمل صورة الأدب الروسي دون قراءة تشيخوف..

    لا يوجد سبب يمنعني من قراءة تشيخوف إلا الوقت. كنت سأبدأ به هذا الشهر, ولكن رسالة تلقيتها قبل قليل أجلت المشروع لبعض الوقت. الرسالة كانت جميلة : رابط لفيلم صادر عام 1951 للمخرج الياباني الكبير اكيرا كوروساوا ومقتبس من رواية الابلة للرفيق دستويفسكي. حين أجد مثل هذا لا أستطيع إلا أن أتم قراءة الأبلة في أقرب وقت وتأجيل قراءة تشيخوف في وقت لاحق..


    ومن خلال كل ما قرأته من الأدب الروسي.. ما هي برأيك سمات الإنسان الروسي وما الذي يميزه عن سواه..

    الإنسان الروسي أراه امتداد لتلك المساحات الشاسعة من السهول الباردة , كما قال دوستويفسكي على لسان سفدريجالوف في الجريمة والعقاب : " إن الروس على وجه العموم أصحاب نفوس واسعة رحيبة كأراضيهم, وهم ميالون كثيراً إلى الخيال و النزوة والفوضى. ولكن النفس الواسعة الرحيبة تكون خطرة إذا لم يوهب لها شيء من العبقرية "

    وما هي أكثر الشعوب التي أحببتها وشعرت بقربها من خلال ما قرأت عنها..

    ربما لأني أسمع الكثير عن أوضاعهم من شاشة التلفاز, لكن الشاعر مريد البرغوثي كان سبباً في جعل هذا الشعب أقرب الشعوب التي شعرت بقربها ومرارتها, رغم أني لم ولن أعرف ما يذوقونه الآن. صورة القدس في الذاكرة العربية هي قدس المكانة الرمزية والمسجد الأقصى, ولم نعرف كيف تكون القدس إلا بهذا الوصف الفريد لمريد البرغوثي في سيرة رأيت رام الله : " العالم ليس معنياً بقدسنا، قدس الناس، قدس البيوت والشوارع المبلطة والأسواق الشعبية حيث التوابل والمخللات، قدس العتالين ومترجمي السياح الذين يعرفون من كل لغة ما يكفل لهم ثلاث وجبات معقولة في اليوم، خان الزيت وباعة التحف والصدف والكعك بالسمسم، المكتبة والطبيب وفساتين العرائس الغاليات المهور، قدس الجبنة البيضاء والزيت والزيتون والزعتر وسلال التين والقلائد والجلود وشارع صلاح الدين .هي القدس التي نسير فيها غافلين عن "قداستها" لأننا فيها ، لأنها نحن، هذه القدس العادية ، قدس أوقاتنا الصغيرة التي ننساها بسرعة لأننالا نحتاج إلى تذكرها، ولأنها عادية .كل الصراعات تفضل الرموز ، القدس الآن هي قدس اللاهوت !! العالم معني بـ "وضع" القدس، بفكرتها وأسطورتها، أما حياتنا وقدس حياتنا فلا تعنيه، إن قدس السماء ستحيا دائماً، أما حياتنا فيها فمهددة بالزوال "

    أتذكر حين وصف مريد البرغوثي زيارته لقبر ناجي العلي, حين قال مريد في نهاية النص هو الي واقف مش احنا, هل أستطيع اسقاط هذه الصورة الرمزية على سكان غزة المحاصرة ؟: يدخل ناجي العلي قادماً من موته القديم . من موته الطازج . هذه ضحكة عينية وهذا قوامه النحيل . أُصغي إلى صرختي التي , فجأة , انفلتت من صدري وأنا أقف أمام قبره في ضاحية من ضواحي لندن . همستُ وأنا أنظر إلى قوس التراب بكلمة واحدة هي : لا .. قلتها إلى الداخل . لنفسي . لم يكد يسمعها أحد , حتى أسامة ذو السنوات التسع الذي كنت أقف خلفة وأحيط كتفيه بذراعي , ونحدق معاً في قبر أبيه . لكنني لم أستطع أن أسترد السكوت بعد ذلك . تلك الـ " لا " رفضت أن تنتهي . كبرت . ارتفعت . إنني أصرخ صرخة متصلة ممتدة . أعجز عن استردادها من الهواء .كأنها علقت هناك , في ذلك الرذاذ الذي كان يبللنا معاً , أنا وأسامة وجودي وليال .كأنها تنوي أن تظل معلقة بالسماء إلى يوم القيامة . تلك السماء البعيدة , تلك السماء التي لم تكن بيضاء , ولم تكن زرقاء , ولم تكن تعرفنا , ولم .. تكن .. !

    سمعت شقيق وداد يقول لي محاولاً تهدئتي وهوم يحتضن كتفي : " من شان الله يامريد .إهدأ ياخوي إهدا من شان نقدر نظل واقفين على رجولنا " .. وجدتني أسترد نفسي من الصرخة التي تحولت إلى مايشبه الإغماءه . أغلقت فمي بيدي وبعد قليل وجدتني أقول له بصوت متهدج وضعيف :
    " هو الي واقف .. مش إحنا !
    "

    هل لديك محاولات إبداعية، ألم تشعر بحاجة للكتابة بعد أن تكون قد امتلأت بكل ما قرأت لتخلق نوعاً من التوازن في نفسك.. وما هو النوع الأدبي الذي ستلجأ له..

    لا أجد نفسي كاتب في أي مجال أدبي..
    أجزم بأنني أهوى القراءة أكثر من أي شيء آخر ..وأقضي أجمل أوقاتي في غيابة الحرف.


    الأخ الكريم / 13!


    ماهو الأدب؟ وماهي أهميته؟

    " من أجل الحرية .. مادام الكاتب لمجرد كتابته يعترف بحرية القارىء, ومادام القارىء لمجرد فتحه لدفّتي الكتاب يعترف بحرية الكاتب, نستطيع تقرير أن العمل الفني الأدبي هو ثقة في حرية البشر أجمعين, إن الأدب هو النداء الأسمى للحرية , ومن أجل الحرية " .

    " الكتابة نداء موجه إلى القارىء كي يخرج إلى الوجود "

    " من البديهي عند مخاطبتي للقارىء أنني أنظر إليه على أنه حرية خالصة, وقدرة مستقلة على الخلق, وإيجابية غير مشروطة, إذ لا أستطيع على أي حال أن أخاطب سلبية ما " .

    " القراءة هبة, للنفس بكاملها,بعواطفها, ومخاوفها, وميولها الجنسية, وقيمها ".

    " القراءة اتفاق على الكرم بين الكاتب والقارىء, يثق بمقتضاه كل منهما بالآخر, ويتسند عليه, ويطالبه بما يطالب نفسه, هذه الثقة ذاتها كرم وسخاء : ما من أحد يقدر أن يجبر الكاتب على الاعتقاد بأن القارىء سيستخدم حريته, وما من أحد يقدر على أن يجبر القارىء على الاعتقاد بأن المؤلف استخدم حريته".

    " الفرحة الجمالية إذا ظهرت كانت شاهداً على أن المؤلف بلغ غايته , هذه الفرحة يسميها آخرون المتعة الجمالية وهي محرمة على المؤلف , لكنها جزء من إحساس القارىء بالجمال " .

    مقتطفات من كتاب سارتر / ما الأدب؟


    سؤال جميل جداً ورائع .. ماهو الأدب؟ وما أهميته؟ هذه الأسئلة طرحها الفرنسي جان بول سارتر في كتابه الشهير ما هو الأدب ؟ وقال سارتر عن نفسه أنه أول من طرح هذا السؤال السهل الصعب, حيث أصعب الأسئلة أبسطها, وهو يرى نفسه أول من سأل وأجاب في هذا المحور. يصنف سارتر الكتابة الأدبية إلى شكلين : الشعر والنثر. ويصف النثر بأنه إمبراطورية العلامات والدلالات, في حين يضع الشعر بخانة الفن, شأنه كشأن الموسيقى والرسم والنحت. ويقول مسهباً في آرائه التي تفرّد بها في نقده للأدب : " إن الكلمة في النثر تتميّز عنها في الشعر, فهي في النثر أداة, وفي الشعر أكثر من ذلك بكثير .. إنها آلهة معبودة, لهذا كان الشعراء قوم يرفضون استخدام الكلام .. كما إنهم لا يفكرون في تسمية العالم وبالتالي لا يسمّون شيئاً البتة, لا هُم بالمتكلمين, ولا هم بالصامتين ". من هذا المنظور السارتري يمكن القول إن الغاية من النثر, كخاصية أدبية هو الفائدة الإنسانية والوجود البشري السامي. فالكلام امتداد طبيعي للحاسة الإنسانية, إنه يخبرنا بوجود الآخر ويحمينا منه, أو يعرفنا عليه, وبعبارة أدق .. اللغة هي أقوى مجالات الاتصال, والأدب هو قمة هذا الرقي في الاتصال .


    هل تموت "الحضارات" موتا بيولوجيا مع الدول التي قامت فيها فلا نرى دولة أعادت بناء حضارة من بعد وفاتها/إنتهائها؟

    لم أفهم على وجه التحديد بالموت البيولوجي للحضارة .. ولكن, إن كنت تقصد المكونات الأساسية لحضارة ما, فلا أعتقد ذلك. مكونات أي حضارة سابقة هي الأساس للحضارة الحالية والحضارات القادمة. الأمر يشبه أساسيات بناء ضخم, يكون هذا الاساس موجود من سنوات, ثم يبنى عليه مع مرور الزمن. إعادة البناء وتصدر مكان الريادة في الحضارة الإنسانية يستلزم التفاعل و التناقض و التنازع, ولولا وجود هذه الأشياء لما كان هناك شيئاَ اسمه حضارة أو مجتمع. الحياة الإجتماعية بأكملها ليست إلا صراعاً متواصلاً بين المصالح الخاصة. كل إنسان يسعى وراء ذاته, ولكن المجتمع ينتفع من هذا الصراع الجاري وراء المصالح الذاتية, إذ هو يحصل على النتيجة الأخيرة, حيث تنمو بها ثروته العلمية والإقتصادية والسياسية. الإنسان مجبول على التنازع في صميم تكوينه, ولا يستطيع أن يتخلص من نزعة التنازع, إنما هو يتحول من النوع السفلي للنزاع إلى النوع الأعلى بتقدم الحضارة ومستوى الإنسان الفكري والعلمي. المجتمع البشري لا يستطيع أن يعيش بالاتفاق وحده, لا بد أن يكون هناك شيء من التنازع أيضاً لكي يتحرك للأمام. الاتفاق يبعث التماسك في المجتمع لكنه يبعث على الجمود, عكس التنازع الذي يؤدي للحركة والتطور. هنا تطرح مشكلة عند البعض, وهي أن المجتمع البشري قادر على أن يكون مطمئناً مؤمنا متمسكاً بالتقاليد القديمة, وأن يكون متطوراً يسير في سبيل الحضارة النامية من جهة أخرى. هذا الكلام يصدر من أصحاب البرج العاجي الذين يغفلون حقيقة المجتمع الذي يعيشون فيه. وهو كما عبر عنها عالم الإجتماع الكبير ابن خلدون بقوله " إن التنازع عنصر أساسي من عناصر الطبيعة البشرية, فكل إنسان يحب الرئاسة, وهو لا يتردد عن التنازع والتنافس في سبيلها إذا وجد في نفسه القدرة على ذلك". المدنية جاءت للإنسان بخير عظيم, لكنها جاءت له أيضاً بشر أعظم منه, فهي قد اطلقت الفكر من حبسه فأخذ يجوب الفضاء ويستفهم عن كل شيء. إنها أطعمت البشر من معرفة الخير والشر وأذاقتهم ويلات الخير والشر قسطاً كبيراً. الحضارة جهاز كامل مترابط لا يمكن تجزئته أو فصل أعضائه بعضها عن بعض. فالحضارة حين ترد تأتي بحسناتها وسيئاتها. وليس بالامكان وضع رقيب على الحدود يختار لنا منها الحسن ويطرد السيء!.

    كل حركة إجتماعية لاتكاد تنجح حتى تفشل. هذه هي سنة الخلق في جميع الأزمان. وقد أشار إليها الرجل الحكيم عمر ابن الخطاب حيث شبه الإسلام بالبعير عبر قوله " ألا إني قد سننت الإسلام سن البعير, يبدأ فيكون جذعاً ثم ثنياً ثم رباعياً ثم سديساً ثم بازلاً . ألا فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان ألا فإن الإسلام قد بزل "


    لماذا ختمت النبوة؟

    سؤالك هذا أعادني لسخرية عالم الإجتماع العراقي الكبير علي الوردي رحمه الله في كتابه البديع مهزلة العقل البشري, يورد الوردي في كتابه هذا فكرة صاعقة مفادها أن المسلمين يجب أن يحمدوا ربهم ألف مرة, لأنه لم يخلقهم في تلك الفترة العصيبة - يقصد فترة بدء الدعوة المحمدية - ولو أن الله خلقهم لكانوا من طراز أبو لهب وأبو جهل ولرموا أصحاب الدعوة بالحجارة وضحكوا عليه واستهزأوا بقرآنه ومعراجه.


    يقول كانت/كانط أنه كان شيئان يملآن قلبه بالأعجاب والخشوع: السماء المرصعة بالنجوم فوق رأسه والقانون الأخلاقي في داخله، وأنت ماذا يملأ قلبك أعجابا وخشوعا؟

    "شيئانِ يملآنِ عقلي بتقديرٍ متجددٍ و حبورٍ متزايد كلما تفكّرتُ فيهما:
    "تأمل وقراءة سيرة حياة العظيم محمد عليه السلام,
    وقراءة الأدب الروسي, وبالتحديد دستويفسكي وتولستوي"
    دائماً ما نقرأ سير الأدباء والعلماء والمفكرين, والمصاعب التي اجتازوها للوصول إلى مرادهم. حين أقرأ هذه السير تعود إليّ صورة كتاب البداية والنهاية, المجلد الثالث والرابع, حين تبدأ النبوة المحمدية وتنتهي بقصيدة حسان بن ثابت " قصيدة رسم قبر الرسول ". طرح موضوع قبل شهرين في المنتدى الذي أشارك به : لو قابلت الرسول ماذا ستقول له ؟ لم أفكر يوماً بطرح هذا السؤال, حتى بيني وبين نفسي .كانت إجابتي لا تحمل أي سؤال له : سأقبل ما بين عينيه ورأسه وفي كل لحظة سأقول في حضرته .اللهم صلى وسلم وزد وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين.

    يرى كافكا بالحزن طاقة الحركة الكبرى - ربما- التي تؤثر بالطاقة الساكنة فينا فيقول: " نحن بحاجة إلى كتب تحزننا كثيرا، كموت شخص نحبه أكثر من أنفسنا، حتى يجسد الكتاب فصول البحر المتجمد داخلنا" فهل هو الحزن أيضا في رأيك؟ أو ربما أسأل ماذا يميز هذا الكتاب الذي يكسر "البحر المتجمد" فينا؟

    غالباً ما يكون هذا الحزن كارثياً يجعل الإنسان يتخذ قرارات انفعالية. بعكس ذلك الحزن المقدس الذي يصيب الإنسان ويجعله يتدبر ويفكر. سأعود لهذه النقطة بعد أن تعود رواية الشياطين إلى رفوف مكتبتي. بخصوص الكتاب الذي يكسر البحر: هل أصابك الكتاب في مقتل؟ مس شيئاً كان في مأمن فيك, ثم تعرض للصدمة والإهتزاز؟ هل تبحث عن تفاصيل هذا الكتاب متى وكيف ولماذا كتب وأين كتب وما دلالة هذا .. أسئلة كثيرة تنهمر عليك فجأة وأنت في مأمن من هذه الغارات.. حين تتعرض لكل هذا, فهذا الكتاب سيكسر تلك المساحات الجامدة فينا.
    وتحية تليق بك.


  15. #15

    كل عام وأنتم بخير .. وعيدكم مبارك يارب.
    أعاده الله على الجميع بالخير والبركات.


  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الردود
    47
    مرحبا اخ يوسف
    طل عام وانت طيب..اتيت انت والعيد سويا فلاندري نشتغل بايكما عن الاخر
    اقرء لك هنا وهناك ظننتك كبير في السن لكن من جديثك لايبدو ذالك..على فكره فيك كثيرا من استطراد الطنطاوي هل قرئت له ..؟
    احد اسالتي : هل ترى ان هناك فئه تحب القراءه فقط لان ليس في حياتها ما يقلقها وترغب في عيش حياة الاخرين كبؤسهم مثلا او فقرهم فيكون ذالك بالقراءه ؟
    لست قارئا جيدا ولا كاتبا جيدا ولكني منبهر بكثير ممن يحمل هاتين الصفتين هل من الضروري ان اسعى لذالك ؟
    الروايه كانت هي الموضه الماضيه حتى يكاد يكون في كل بيت روائي ماذا تتوقع ان تكون الوضه القادمه ؟

    لدي مشاكل في قرائتي مع الكتاب فاحيان انظر لها انها كلام بشري وضع عند بشري خطا اقصد تحتها فهي فكرة رجل اتته وهو اما مستلقي او متكا او غير ذالك نتيجة تراكم معين ماشئني انا كي اتقيد بها او تهمني هذه مشكله المشكله الاخرى ان كثير من ابطال الكتب يتطفلون في حياتي احيانا ..وغير ذالك هل لديك مشاكل مع الكتب ؟

    هل القراءه فعلا مترفا؟
    اسف اخي يوسف على هذه الفوضى ولكن طرحتها دون تصحيح دون معالجه فقط سريعه واتمنى اني اكون قد صدقت

  17. #17

    السيد مواطن
    وأنت بخير وبصحة وسلامة. أهلاً بك.

    اقرء لك هنا وهناك ظننتك كبير في السن لكن من جديثك لايبدو ذالك..على فكره فيك كثيرا من استطراد الطنطاوي هل قرئت له ..؟

    عن العمر, فهو ما ذهبت إليه من حديثي. أنا في الخامسة والعشرين. عن الشيخ الأديب الفاضل الطنطاوي أنار الله قبره بالنور والإيمان, لم أقرأ له إلا صور و خواطر. وإن كنت أمني النفس بقراءة ذكرياته بشكل كامل. بما أن الحديث هنا عن القراءة والكتاب, سُئل الشيخ عن عدد الكتب أو عدد الصفحات التي قرأها ، فقال : " ان قراءتي اليوميه في حدود مئة صفحة ، وبذلك يكون عدد الصفحات التي أقرأها يصل الى ثلاثة الاف صفحة شهرياً، وسنوياً يصل الى ستة وثلاثون الف صفحه ، واذا اردتم معرفة عدد الصفحات التي قرأتها حتى الان فأنا اقرأ منذ أكثر من سبعون عاماً ". رحمة الله رحمة واسعة. يوجد كثير من العلماء الذين يمتلكون علماً غزيراً, لكن لا يستطيعون التعامل والتخاطب المباشر مع الناس. الطنطاوي كان استثناءً, يجيد التخاطب مع الكبار والصغار, يمتلكهم ويجذبهم إليه بأسلوبه السهل الممتنع. لا أعتقد أن أحد ينسى على مائدة الأفطار, واستطرادته الكثيرة المحببة للقلوب . أقل تقدير يستحقه هذا العلامه, أن يقرأ, أن تقرا كتبه ومذكراته ومؤلفاته. من استطاع زرع الابتسامه والحب في قلوب الصغار, يستطيع أن يعلمهم الأدب والحكمه وهم كبار.



    هل ترى ان هناك فئه تحب القراءه فقط لان ليس في حياتها ما يقلقها وترغب في عيش حياة الاخرين كبؤسهم مثلا او فقرهم فيكون ذالك بالقراءه ؟

    لا أعتقد بوجود إنسان في هذا العصر المضطرب, ليس هناك ما يقلقه أو يفكر فيه بإستمرار. الأمور العائلية والعملية وأمور المعيشة وروح العصر المتمثلة بالإتصالات فتحت أبواب لا يمكن إغلاقها. الإنسان مجبر على التكيف والسير مع روح العصر وإلا سيبقى في الخلف. لذلك, لا وجود لهذه الفئة الغير قلقة, والتي تحاول الإنتقال لحياة الآخرين عبر القراءة.


    لست قارئا جيدا ولا كاتبا جيدا ولكني منبهر بكثير ممن يحمل هاتين الصفتين هل من الضروري ان اسعى لذالك ؟

    ولما لا. لا يوجد شيء مستحيل. أجمل أنواع الكتابة هي تلك التي قائمة على المعرفة. ليس عيباً أن تقول أنا لا أعرف , العيب ألا تبحث وتعرف وتؤسس لنفسك قاعدة معرفية تستند عليها.
    كان ينقصني مثل كثير من المبتدئين عدة أشياء لكتابة قراءة مبسطة.
    1 - اللغة وطريقة التعبير.
    2 - كتاب المقدمة.
    3 - تقديم للكاتب.
    4 - تقديم للكتاب.
    5- المعرفة.

    لم امتلك يوماً هذا الأدوات.. أستطيع وصف هذه المرحلة بمرحلة اثبات الوجود. أريد أن أقول فقط أنا هنا, أن أكتب مقال قراءة عن كتاب بشرط أن يكون الكتاب جميلاً وحاز على رضاي بالكامل, وابتعدت عن تقديم الكتب التي لم تحرك فيني شيئاً. مرحلة اثبات الوجود استفدت منها بشكل كامل. أصبحت أقرأ مقالات أكثر في الصحف وفي المنتديات واكشتفت سر جمال المقالات. السر في المعرفة : بإمكانك أن تقدم قراءة كتاب للجمهور لكن بدون معرفة, لن تنجح بشكل كامل. وستكون مشابهه ما هو موجود في موقع النيل والفرات ومواقع البيع الأخرى. حين قرأت قلب من بنقلان وهي تحكي فترة حكم الملك سعود أردت تقديم قراءة للكتاب لأن الكتاب أعجبني بشكل كامل وما تحكيه الرواية نادر الحدوث. بدأت بالكتابة ثم توقفت فوراً لأن المعلومات تنقصني. وبدأت رحلة المعرفة من جديد. قرأت مقابلة الأمير طلال بن عبدالعزيز في برنامج شاهد على العصر بشكل كامل. أفادتني كثيراً في معرفة علاقة عبدالناصر بالملك سعود وفترة حكم الملك سعود عموماً . وقرأت تاريخ الملك سعود من الموقع الرسمي له, مع التشديد على حفظ التواريخ لأن الأمر حساس. استمرت رحلة المعرفة ثلاثة أيام تقريباً. بعدما انتهيت جلست لمدة يومين أقارب بما توصلت إليه من معلومات مع ما هو موجود في الرواية. حينها كتبت عن الرواية بيوم واحد فقط, وحققت نجاح أكبر استطعت بعدها أن أقول أنا موجود.

    هذه المرحلة كانت مهمة جداً لي لأنها أعادت تأسيسي على نظام المعرفة. وكانت البداية للمتعة والجمال. سير الأدباء يجب أن تعرف عنها, التاريخ ولو بشكل مبسط يجب أن تفهم أحداثه وأهميته. الفلسفة بكل علومها بإمكانك أن تؤسس لها قاعدة معرفية عبر قصة الفلسفة لديورانت أو حتى رواية عالم صوفي. إذا أردت تقديم قراءة للجمهور دون معرفة, من الأفضل ألا تكتب شيئاً .

    المرحلة الثانية قلت أن الكتابة تستلزم ما يقارب الأسبوع على أقل تقديراً. لن يستطيع أحد الاستمرار على ذلك. وجدت نفسي في الأخير لا أحتاج لأسبوع ولا ثلاثة أيام. في جلسة واحدة بإمكاني أن أكتب عن الكتاب مع المقدمة وتحليل الكتاب بشكل كامل, لسبب واحد فقط : أنا أكتب من أجل الجمال, من أجل المتعة, للتلسية, أريد أكبر قدر من الجمهور أن يشاركني قراءة هذا الكتاب البديع أو ذاك. مثال واحد عن هذه المرحلة. في رواية الأم لمكسيم غوركي, لو كنت بلا قاعدة معرفية لجلست أسبوع كامل أحاول تأسيس بنية أساسية للكتابة عن ما تضمنته الرواية. الرواية كانت عن روح الثورة الإشتراكية في روسيا . من دعا للثورة الشيوعية ؟ ما كان شعاره ؟ كيف انتهت فلسفة الثورة الشيوعية؟ هذه الأسئلة غير موجودة في الرواية, وكنت أعرف إجابتها, وجدت في الأخير أن مكسيم غوركي استند على أحد شعارات ماركس الشهيرة ليبني عليها رواية ثورية بإمتياز. جميل, هنا المعرفة أفادتني في كتاب القراءة : الإشتراكية, العمال, ماركس, الثورة, روسيا وطبيعة الحكم السياسي, ثم الرواية, وانتهى. وهذا ما أسير عليه الآن!

    المرحلة الثالثة : الكتابة من أجل الجمال وتذوق الجمال والمتعة. ومن أجل المعرفة كذلك : أجمل الأيام هي التي أقضيها في تقصي حياة أديب أو سياسي أو القراءة في التاريخ, أو حتى مشاهدة الأفلام. أو قراءة مقالات لكتاب أحترمهم, وأحاول أن أتعلم منهم. هذه المرحلة واجهني تحدي جديد, الأعمال التي سأتحدث عنها ضخمة جداً, من ألف صفحة, كيف استطيع تقديم قراءة للجمهور؟ قبل الإجابة على ذلك هل استطاع الكتاب أو الكاتب أن يصيبني في مقتل؟ مس شيئاً كان في مأمن داخلي, ثم تعرض للصدمة والإهتزاز؟ هل يجبرني على البحث, عن تفاصيل هذا الكتاب متى وكيف ولماذا كتب وأين كتب وما دلالة هذا .. أسئلة كثيرة تنهمر عليك فجأة وأنت في مأمن من هذه الغارات.. حين أتعرض لكل هذه الأسئلة, فالكتابة عن الكتاب من أسهل الكتابات وأجملها وأمتعها على الإطلاق, وهي محصورة غالباً بالأعمال الكبيرة المذهلة. الفلسفة يكون لها مجال للكتابة, كالصراعات الفكرية ووجود الله. السياسة لها مجال للكتابة كالثورة والانقلاب والحرب من أجل التحرير. الجمال الأدبي واللغة الشعرية له مجال للكتابة عنها, مثل تصوير البحر كما صوره فيكتور هيجو. التحليل النفسي من أكبر المجالات المتوفرة أمام القارئ, كخروج جان فالجان من الإلحاد إلى الإيمان. المشاهد الخالدة لها مجال للذكر في الكتابة, وعددها لا يحصر في الأعمال الكبيرة.

    حين قرأت أعمال فيكتور هيجو وجدت نفسي غارقاً حتى أخمص قدمي في أعمال هيجو, كنت معجباً ولا زلت بالبؤساء الترجمة الكاملة : ذلك العمل المثير بتفاصيله المثيرة: استغرقت الكتابة عن الرواية ثلاثة أيام , وهو وقت قليل مقارنة بحجم الرواية البالغة 1600 صفحة. أتمنى أن أعيد الكتابة عن الرواية من جديد, وبشكل أطول , توجد تفاصيل مذهلة لم أتحدث عنها, من الذي يجبرني على كتابة قراءة طويلة عريضة قد لا يقرأها أحد : تذوق الجمال والمتعة هي السبب.



    الروايه كانت هي الموضه الماضيه حتى يكاد يكون في كل بيت روائي ماذا تتوقع ان تكون الوضه القادمه ؟

    لا يمكن أن أتنبئ ماذا ستكون - الموضة - القادمة. ذلك متعلق بالأوضاع السياسية والإجتماعية ومدى تطور التعليم لدينا. نحن لا زلنا في مرتبة متأخرة جداً في العالم. جميع الكتب المترجمة سنوياً في العالم العربي لا تشكل شيئاً مقابل ترجمات دولة أوروبية واحدة هي إسبانيا. تكلفة الأبحاث العلمية في الوطن العربي بأكمله لا تكلف شيئاً مقابل تكلفة أبحاث معهد وايزمن في إسرائيل

    لدي مشاكل في قرائتي مع الكتاب فاحيان انظر لها انها كلام بشري وضع عند بشري خطا اقصد تحتها فهي فكرة رجل اتته وهو اما مستلقي او متكا او غير ذالك نتيجة تراكم معين ماشئني انا كي اتقيد بها او تهمني هذه مشكله المشكله الاخرى ان كثير من ابطال الكتب يتطفلون في حياتي احيانا ..وغير ذالك هل لديك مشاكل مع الكتب ؟

    لم أصادف يوماً مشاكل مع الكتب.
    كيف بصديق اتخذته أنت الصديق والرفيق والأنيس أن يكون مصدر للمشاكل.
    لا يمكن أن يوجد ذلك.


  18. #18
    بما إنك قاريء متمرس, عندي سؤال, ما الحل أمام النسيان؟! إن هذه الحالة آفة, ولم أجد لها حل سهل. بالنسبة لي أقوم عادة بتسجيل الملاحظات. وهو ما يجعل الأمر يطول مع قراءة الكتب. مثلا أنا أقراء ومنذ ثلالثة أشهر كتاب "العلم الجذل" لنيتشه لم أنتهي منه بعد. أو حتى "الجريمة والعقاب" أنهيتها بعد معاناة شهرين أو أكثر.

    سؤال آخر...
    لا أعتقد ان من حولي مهتم بالقراءة من قريب أو من بعيد, بإستثناء أخت لي, خصوصا أي شيء يتعلق بالفلسفة. كيف برأيك بإمكاني حثهم على القراءة؟!

    "يتحدث الإنسان عن نفسه عندما يتحدث الآخرين. ولاتعجبنا أحاديث الآخرين إلا إذا وجدنا أنفسنا فيها".
    في أي مجال الكتب تجد نفسك أكثر؟! وهل تؤمن بضرورة وجود كتاب سيئين؟!

    وأخيرا أين تجد نفسك في الفلسفة؟!

    شكرا لك, وشكرا لأوفيليا على الموضوع الرائع.

    دمتم بود

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المكان
    في المــآقي ،،
    الردود
    50
    حبيبي يوسف ..

    ..

    سؤال يشغلني كثيراً ،،

    ( تولوستوي ) حينما اعتزل العالم الصاخب متجهاً نحو الفلاحين ، ماذا كان يدور بخلده عن هؤلاء الأجساد المتمنطقة بالكذب ،،

    سؤال آخر ،،
    (مفتاح سليمان) لبراون هل أخرتها المخابرات أم خوف الكاتب ؟
    أين يقع براون في سلم قراءتك؟

    سؤال :
    اطلاعك (السياسي) المترجم أو غيره ، هل يوازي الإطلاع الفكري ؟

    س/ لماذا بكيت بجد مع (لوركا) هل عشت نفس التفاصيل ؟

    ..
    ..
    أَخَذْتَ بِبَعْضِ حُبكَـ كُلَّ قَلْبِي ** فَإنْ رُمْتَ المَزِيْدَ فَهَاتِ قَلْباً

  20. #20

    مساء الخير على الجميع
    أعتذر عن هذا التأخير الغير المقصود. سأعود غداً للإجابة بإذن الله .
    للجميع أطيب تحية.


 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •