وما هي طقوس قراءتك وكيف شكل علاقتك بالكتاب.. متى تقرأ، كيف تقرأ؟
لا توجد طقوس ولا ترتيبات معينة في قراءتي. هل لدي قابلية للقراءة ولدي الوقت الكافي؟ إذا كانت الأجوبة بنعم فإن باب القراءة سيفتح على مصراعيه, وإن كنت أجد صعوبة كبيرة في اختيار الكتاب ونوعيته. في المرحلة الثانية من علاقتي بالكتاب بعد أن عرفت الروايات والقصص غرقت في الجانب الأدبي من الكتاب. تلك الفترة كانت بعد التخرج من المرحلة الثانوية. وجدت باب كامل كنت مشتاق لخوض غماره, وها هو يفتح الباب على مصراعيه. لم أكن أهتم بنوعية الترجمة, المهم أن أقرأ رواية, قرأت الروايات الصادرة عن دار البحار, والتي تعنى بنشر الكلاسيكيات العالمية بنسخ مختصرة وصغيرة جداً. قرأت بؤساء هيجو و مرتفعات وذرينغ وجين اير والكثير. لم تكن القراءة تخضع لتنظيم ولا توجد علاقة قوية مع المترجم أو الكتاب عموماً. ما أتذكره جيداً من هذه المرحلة هي بؤساء هيجو المختصرة. عندما انتهيت منها أخبرت كل من في المنزل أني قرأت رواية البؤساء للشاعر الفرنسي الكبير فيكتور هيجو. كان اعتقادي أني أول شخص في المنزل يقرأ هذه الرواية, ولكن .. تلقيت رداً من والدتي أثار فيني الشوق لقراءة الترجمة الكاملة ذات الأكثر من 1600 صفحة. قالت والدتي أنها سبقتني لقراءة الرواية من فترة طويلة جداً. وأني تأخرت كثيراً في قراءتها, ويجب البحث عن الرواية الكاملة. ما قرأته سابقاً ذات الـ 200 صفحة لا تشكل شيئاً من بؤساء هيجو الحقيقية.
بقدر صدمة هذه الأجوبة بقدر ما كانت دافعاً قوياً للبحث عن الترجمة الكاملة. تلك الفترة لم أكن من مستخدمي النت التي فتحت لي المجال الواسع لتنظيم القراءة وإعادة ترتيب جدول أولوياتي. كانت الرواية تشغل تفكيري, ثم حصل التطور بعد مشاهدة محاضرة رائعة على قناة دريم لأستاذ فلسطيني في الجامعة الأمريكية بمصر : أقصد المفكر اللامع إدوارد سعيد.
إدوارد سعيد, والذي اعتبره أحد أصدقائي المقربين قبل أن يكون مفكراً قديراً غير من اتجاه القراءة لدي, من الإنغماس الحاد في الرواية إلى عالم الفكر. وجدت باب هائل لم أفكر بدخوله. معرفتي بإدوارد سعيد ليست بالطويلة جداً. كنت أسمع بعض المفكرين والكتاب يستشهدون بأقواله, لكن في الحقيقة لم أعرف حقيقة من هو هذا الرجل! شاهدت بالصدفة قبل سنة من وفاته محاضرة له في الجامعة الأمريكية في مصر. لم أعرف من هو هذا الرجل الذي يتكلم بهذه البلاغة والسلاسة في الطرح. تابعت المقابلة وأنا معجب بهذا الرجل وبطرحه الساخر الممتع, ولم انتبه إلا قبيل انتهاء المحاضرة أن هذا المفكر هو إدوارد سعيد, المفكر الفلسطيني الذي حطمت شهرته الآفاق, وملئ الدنيا بأفكاره وشغل المفكرين والباحثين. بعد أن تعرفت عليه بعد هذه المقابله بحثت عن كتاباته للتعرف أكثر عن أفكاره وأبحاثه النقدية. وأستطيع القول أن إدوارد سعيد صاحب فضل كبير علي في القراءة . هو الكاتب الذي حول اتجاه قراءتي من الانغماس الحاد في الرواية إلا قراءة الكتب الفكرية والابحاث النقدية.
كان يخجل من اسمه الأول - إدوارد-. ألزمه مدة خمسين عاماً كي يعتاد عليه ويخفف الحرج الذي يسببه هذا الاسم الإنجليزي الأخرق حسب وصفه. من الدلائل التي يذكرها أنه كان يذكر الاسم الأخير فقط وأحياناً يذكر اسمه الكامل بسرعه من أجل عدم لفت الانتباه. ورغم كل مايفعله إلا أنه يُصاب بالحرج أحياناً نتيجة ردة الفعل من أصدقاءه .. إدوارد ؟ سعيد ؟!
قرأت أغلب كتب إدوارد, باستثناء الإستشراق, ومع ذلك ف لدي من المعرفة عن كتاب الإستشراق ما يغنيني عن قراءة الكتاب, من مقالات ودراسات عن الإستشراق. تتلحص مقولة أطروحة إدوارد الرئيسية عن الإستشراق بأن معظم ما كتبه الغرب عن الشرق لا يعدو كونه في غالبيته صورة وهمية ابتدعها الكتاب الغربيون, وهي بذلك تعكس الشرق مصادفة أو عرضاً لا أكثر, وتتكون هذه الصورة من مجموعة من التصنيفات والتنميطات التي تظهر صورة الشرق من زاوية فهم غربية, وهي صورة افترضت أن الشرق مختزل في كونه شيء غير أوروبي. بمعنى أن الشرق في نظر أولئك المستشرقين لا يمثل قوة في الطبيعة, وليس واقعاً تخضع صورته لوصف واقعي, وإنما هو نتاج ثقافي من عقول وأقلام المستشرقين.
آخر كتاب قرأته له "تأملات حول المنفى ". علي أن أعترف, رغم أن الكتاب محصور بمقالات متنوعة فكرية وثقافية وفنية إلا أن بعضها اتسمت بالغموض الشديد والتعقيد. أجمل المقالات هي تلك التي يتحدث فيها إدوارد سعيد عن المنفى, وهو العربي الأمريكي المنفي الكبير, غريب اللغة والمكان.
بعد قراءة إدوارد سعيد حاولت معرفة حقيقة الرواية..
الكلاسكيات المختصرة التي قرأتها جميلة ولكنها لا تستحق كل هذه الضجة ! هل يعقل أن كل هؤلاء الذين يتحدثون عن الروايات بكل هذا الشغف والحب, يتحدثون عن هذه الأعمال المختصرة ؟
للبحث عن الأجوبة بدأت ابحث وأسأل. وجدت أحد الأعضاء - الزميل والصديق العزيز علي الزيبق - في المنتديات يكتب مقالات ممتعة عن دستويفسكي وأدباء آخرين. لم أكن أعرف هذا الروسي النحيل. وجدت المقال ممتعاً, حتى أذكر أني قرأت المقال مرات عديدة. بدأت بالبحث عن دستويفسكي ووجدت شيئاً هائلاً لم أستطع الصمود أمامه. المتأثرين به كانوا من صنوف شتى, ليسوا روائيين فقط, وإنما فلاسفة ومفكرين كبار : نيتشه, همنجواي, آين راند, بوب ديلان, جاك كيرويك, جوزيف كونراد, جوزيف هيلر, دي اتش لوران, ماركيز, كافكا, نابكوف, فرجيينا وولف, مارسيل بروست, هنري جيمس, هنري ميللر, هيرمان هيسه, آينشتاين, فرويد وغيرهم. كيف وصل تأثير هذا الصحفي والروائي إلى كل هؤلاء؟
عشقت أعمال دستويفسكي قبل أن أبدأ بالقراءة له! مذكرات زوجة دستويفسكي آنا كشفت لي الوجه الحقيقي لهذا الروسي. هل من الممكن أن تحب أعمال أديب قبل أن تقرأ له؟ تلك كانت علاقتي مع أدب دستويفسكي, والتي تميزت بعلاقة قوية جدأً مع الكتاب عموماً. أصبحت انظر للكتاب بشكل مختلف, أصبح هو الصديق الرفيق والأنيس. بجنون لا يعرف التعقل, ذهبت لأحد المعارض وأخذت كل أعمال دستويفسكي بأفضل ترجمة : ترجمة الدكتور سامي الدروبي. قلبت تلك المجلدات بكل فرح, وأخذت المجلد الأول من الجريمة والعقاب, ولم أتم الصفحة الخمسين حتى أعدت الكتاب للرف بسبب الحوار الهذياني بين راسكولينكوف ومارميلادوف. لم يتحمل عقلي قراءة هذا الجنون, مثلما لم يتحمل تشيخوف قراءة الجريمة والعقاب. شيء جديد غريب يضرب الوتر الحساس بالقارئ. توقفت عن قراءة الرواية وعدت لها بعد أكثر من تسعة أشهر.
هذا اللوحة التشكيلية تصف الجزئية التي توقف بسببها. هذا المشهد المغرق في البؤس يجبر قارئ مثلي على عشق أعمال دستويفسكي إلى درجة الجنون! واعتبار دستويفسكي أعظم روائي على الإطلاق. لو لم أقرأ هذا المشهد من الجريمة والعقاب لما عرفت دستويفسكي جيداً, ولما عشقت أعماله و حصلت عليها كلها. بدأت بقراءة الرواية, وشدتني منذ البداية, لكن ما إن وصلت إلى مشهد هذيان مارميلادوف, هذا المشهد الفضيحة كما يجب أن يسمى, ما إن وصلت قراءة هذا المشهد و مارميلادوف أحد الأبطال الفرعيين يقول للبطل الرئيسي راسكولينكوف وهو في حالة سكر شديد:
"
أيها السيد العزيز, ليس الفقر رذيلة, ولا الإدمان على السكر فضيلة ..
ولكن البؤس رذيلة, البؤس رذيلة! "
حتى قلت أن هذا الرجل الذي كتب هذا المشهد مجرم بدرجة امتياز. من يتوقع أو يفكر أن بإمكان بطل رواية ما أن يتحدث بشكل منفرد إلى درجة احتلاله لأكثر من عشرين صفحة, ليس حواراً مع أبطال آخرين, هو من يتحدث وحده ويفضح نفسه, هذا المشهد كما قلت : فضيحة.
من يريد أن يرى البؤس بصورته الفضائحية فليسمع مارميلادوف في مشهد هذيانه الشهير بالجزء الأول وهو يخاطب راسكولينكوف بقوله :
"
هل تعلم أيها السيد العزيز أني شربت خمراً بثمن جوربيها! لا بثمن حذاءيها, فلو قد شربت خمراً بثمن حذاءيها لكان الأمر طبيعياً بعض الشيء, ولكني شربت الخمر بثمن جوربيها, نعم بثمن جوربيها!"
هذه المشاهد الفضائحية لم يتقنها سوى ثلاثة من وجهة نظري الشخصية,
دستويفسكي أولاً, وفيكتور هيجو ثانياً, وتولستوي ثالثاً.
بعد قراءة الجريمة والعقاب قمت برتيب أولوياتي التي أسير عليها الآن.
أولى الأوليات في قراءة أي أدب يجد أن تجد مدخل, وثانياً قراءة أعمال كل أديب دفعة واحدة لتكون على اطلاع بالأوضاع التاريخية لحظة كتابة الرواية وما قبلها. مثال ذلك في الأدب اللاتيني الذي لم أدخله حتى الآن, لم أختر ماركيز رغم أنه الأشهر حالياً ولا الليندي, وإنما بدأت ببورخيس, أحد سادة اللغة الإسبانية. رغم أنه لم يكتب رواية واحدة في حياته, ولكن تأثيره عبر قصصة القصيرة ومقالاته المسكونة بالفلسفة امتدت وتوسعت ليصبح بورخيس من أباء النهضة الأدبية في أمريكا اللاتينية. من سيدخل باب الأدب الروسي مثلاً عن طريق دستويفسكي سيغرق. دستويفسكي يفسد قارئه, لن يجد القارئ شيء يستمتع فيه بعد قراءة دستويفسكي. ولذلك, توقفت عن أي شيء لدستيوفسكي واتجهت لمكسيم غوركي, والتي اعتبرها البوابة الأولى للأدب الروسي. بعد مكسيم سرت بخط مستقيم, رجعت إلى الوراء, إلى أباء النهضة الرومانسية في الأدب الروسي : بوشكين وليرمنتوف. المشكلة التي وجدت نفسي أغرق فيها هي التفاصيل. من المستحيل أن أمر على بوشكين دون القراءة عنه وعن التأثير العربي والإسلامي الهائل في أدبه, بالإضافة لتأثيره الروحي لدرجة اعتباره الأب الروحي للآداب الروسية. لا يمكن القول بأن تأثير بوشكين بالثقافة الإسلامية والقران الكريم كان بسيطاً. فقد أسهم من خلال شعره بنشر اسم القرآن في الاتحاد السوفييتي وبتعريف القراء الروس باسم محمد, لأنهم يقرؤون شعر بوشكين ويتابعون كل ما صدر له. فبوشكين، كما يقول عنه الكاتب الكبير غوغول " بوشكين معجم انحصر فيه كل غنى لغتنا وقوتها ومرونتها. إنه ظاهرة خارقة، ولعله الظاهرة الوحيدة التي تجلت فيها الروح الروسية "
بعدما انتيت من مكسيم وبوشكين وليرمنتوف دخلت في العمق, في أدب دستويفسكي ومنافسه الأكبر تولستوي. رغم عشقي لأعمال دستويفسكي إلا أنه تأثيره السلبي طغى لفترة عليّ, وأثر على قراءتي. أصبحت قراءة الرواية ليس لها طعم بدون روح هذا الروسي. هل توجد روايات تنافس أعمال دستويفسكي؟ قبل سنة تقريباً لو سئلت هذا السؤال لقت بالتأكيد لا يوجد, ولكن الآن سأقول أن فيكتور هيجو و تولستوي عبر أعمالهم يضارعون دستويفسكي ويقفون في وجهه.
فيكتور هيجو عبر البؤساء أعطاني الدافع لقراءة الجميع وعدم اعتبار أحدهم متسلطاً عليهم. تولستوي الذي كنت أكرهه بعد قراءة نصف الجزء الأول من الحرب والسلم, وبعد قراءة آنا كارينينا قال لي : أنا هنا .. أقف في وجه منافسي الأوحد في الآداب الروسي فيدور دستويفسكي.
أخيراً, أنا تلقائي مع الكتاب : هنالك مجالات ساعدتني بتقوية علاقتي بالكتاب. وتحديداً في حقلي الرواية والتاريخ. كنت أحب مشاهدة الأفلام الكرتونية القديمة, وأجد فيها طاقة ثقافية و فكرية لا تضاهى ولا توجد في الأفلام الحالية. إنها تعلم المشاهد الصغير كيف يكون الإحسان للفقراء, ومداوة الجرحى, والعطف على الصغير من قبل الكبير, وبر الوالدين, والإحسان لهما.
لن أنكر أني أرثي جداً للجيل الصغير الحالي, الذي لم يعش قبل أكثر من خمسة عشر سنة من الآن, ليشاهد الروائع العالمية المقتبسة من الآداب العالمية كيف تثقف وتعلم المشاهد الصغير, أغلب ما يشاهده الآن مشبع بدرجة كبيرة من الدم والقتل, بعيد كل البعد عن الجمال الذي كان قديماً. أحد المسلسلات العالقة بذاكرتي مسلسل وردة فيرساي, وسأذكر حسنة واحدة فقط من هذا المسلسل, يكفيه عندي أنه علمني تاريخ فرنسا قبل الثورة, وتاريخ الثورة الفرنسية وأنا صغير, كيف رسمت الثورة من البداية وما مسبباتها وأبرز شخصياتها. هذا بعيداً عن القصة التي كانت رائعة جداً. أثار انتباهي في المسلسل شخصية روبيسبير. هل هو ثائر؟ أم مجرم ؟ أم ماذا بالضبط.
هذا المسلسل فتح لي المجال لقراءة الكتب التاريخية, وبالتحديد الثورة الفرنسية. قرأت كتاب لويس عوض عن الثورة الفرنسية, رغم أنه أعطاني معلومات كنت بحاجة إليها, إلا أنه لا يمكن المقارنة بين كتابه هذا وبين عمل ويل ديورانت قصة الحضارة التي وجدت فيها ما كنت ابحث عنه, من تفصيل للشخصيات وتبيان الحالة قبل وبعد الثورة.
في ساعات الفرح أو الجنون مع الكتاب أحب القفز من أعلى مسافة. أتذكر جيداً بعد أن أنتهيت من قراءة آنا كارينينا خرجت من مكتبي في العمل في الساعة 4 صباحاً, وبحثت عن أقصى مكان مرتفع أقفز فيه وأصرخ لأعلن النهاية لهذه القراءة المحمومة للرواية. الروائي الذي يجبرني على البكاء أعشقه بجنون, ابحث عن كل مؤلفاته, كل أعماله, وأقرأ كل شيء عنه, لأنه بالنسبة لي عظيم, استطاع أن يخرج من عيني دمعة كانت لا تخرج في مثل هذه المشاهد الروائية. غالباً ما أطرب لمشاهد الحزن في الروايات, أو يزيد التنفس, الشهيق والزفير, ولكن البكاء, فتلك أيام نادرة. مشهد وفاة الثائر الصغير غافروش في رواية البؤساء لفيكتور هيجو, ومشهد وفاة كاترين ومشهد الحصان القتيل في الجريمة والعقاب لدستويفسكي, ومشهد آنا كارينينا في سكة القطار هي المشاهد التي لا زالت محفورة بذاكرتي للأبد, لأنها مشاهد حزينة خالدة تعصف بالقارئ.
وإن أمسكنا بكتاب قمت بقراءته هل سنجد فيه ما يوحي أنك كنت هناك؟..
إذا كانت كل صفحة من الكتاب فيها كم هائل من الخطوط, من الممكن أن يكون هذا الكتاب لي.
أتمنى أن يكون الكتاب بعد القراءة نظيفاً كما حصلت عليه أول مرة, ولكن الواقع, أن الكتاب يخرج من يدي وكأنه للتو خرج من معركة.
الروابط المفضلة