رأس في السماء وقدمان على الأرض ، وخطى تسير كالجذور المنفية من تربتها ، وتظل تسقيها الدروب وتنمو أغصان الفكر تشحذ الثمار مما حولها . كان شابا مراهقا ، وتلك الأداة الناقصة تشفع له بعضا من حاضره ، وبعض منه يرفض الكل حوله ، والكل في الطرف المقابل يراه شيئا يضمحل في هدوء ويذوب في نفسه .
ظل يتحدث عن الله حتى تحدث باسمه ، وأغدق على الناس يصف لهم رؤاه ، تغلف بالهدي والحق فاعتزل تفاصيل الحزن والألم تلك التي لا يتعمدها الفقراء ولا المظلومين ، القدر ينثرها كأنها تخصهم دون غيرهم ، ولا انتقاء يبيح لنا التفكر في ذنوبهم ،ماذا فعلوا ؟ ماذا اقترفوا ؟
فلماذا يسأل هو ، وكل شيء يرى له حكمة ، ومنبعها فهمه لكل هذه الحضارة ، يوسع دائرته متى ضاقت به جرائم البشر ، ويعود ليوسعها متى خف عهر الأرض ، ويدعوا إلى المتعة المباحة . فيحلل زواج المسيار والمتعة، وفي ظرف مكان لا يراه يبيح لهم هناك الزواج بنية الطلاق .
كان خطابه رفوف تجمع ذمم الناس حين يتجرأون على الدخول في الثغرات ، وكم من شخص يرى أن القفز على الأسوار من مجاهرة العصاة ، وأما الدخول عبر الشقوق فهي من فعل المستترين ، ينسابون إلى الدنيا التي جعلها صورة قبيحة لأصل الجنة .

أريد أن اعصم نفسي .!
يتبسم وكأنه يلتقط الاعتراف بذنب لم اقترفه بعد ، وغرائزنا التي نخفيها إدانات نخجل من ذكرها علنا ، حتى لو كانت اعتراف يطلب النقيض لها .
-الزواج ، جزاك الله خيرا .!
-لا املك أمر نفسي وحريتي مرهونة لهذا العالم ، انتظر الربح فأعود بشيء مني . فكيف لي أن أرهن إحداهن معي ، الدَين لا يعار . وانا دَينٌ للدنيا تنتظر مني سداده .
يرف رمشه ابتهالا لرؤية يريد البوح بها ، الحلول المرتبة في ذاكرته ، أوراق مختومة سلفا ،وجاهزة للصرف لكل عليل يشكي علته . أخذ يحدثني عن الشيخ فلان والشيخ علان ثم اختصر كل أقوالهم
- " فإن الصوم لك وجاء "
قال : " لك " أين كنت من هذا ، كيف للماضي أن يحدثني على لسانه . عن ماذا أصوم .؟

إن كان الصوم سيمنع نشاطي الجنسي من الانفجار يوما ، فهذا النشاط هو بالكاد بقايا جهدي المسروق من أنشطة اليوم الأخرى ، تصوير أوراق ، شراء كتاب ، غسيل الملابس ، كي البالطو ، تحضير الطعام ، التفكير في موعد نهاية الشهر . هل أصوم عن ذلك كله .
لم أكن أفكر في أي نشاط يعتقده هو ، سوا نشاط الاستقرار .
بيت ، يشبه ذلك الذي خرجت منه . مسمى عائلة من شخصين كفيل بأن يعدل كل اختلال في توازن العيش ، هكذا أحسست وهكذا أخبروني ، ورغم مشاكلهم وشكواهم من النساء والأطفال ، لم يعترضوا على أنه استقرار.
وفي حياة العزوبية يطغى الهدوء على حياتهم خلال أيام الإسبوع ، تلك الشقة المجاورة فيها أشخاص يتحدثون بصوت مرتفع ، حسنا!
هم ساكنون جدد ، للتو انتقلوا ، ومازل الوقت لم يمر بما يكفي ليأسرهم في الملل ، سننتظر عليهم إسبوع آخر ، قبل أن تتحول شقتهم إلى مقبرة أخرى ، تدفن أحلام الجامعيين والعاطلين والمنقطعين .
ما أجمل ضجيج العوائل يتناغم حتى يصبح هدوءا ، متى سكت الأطفال عن الصراخ ، أحس الجميع بضجيج القلق .


صديقي الشيخ حياته أتت بغير ما كان يتوقع ، في البدايات كان مراسلنا نحن يا من اطلقوا علينا مسمى ( الدشير ) إلى ( المطاوعة ) الذين أعلنت ذلك سماتهم لا أفعالهم ، فهو الوحيد الذي كان يدعو لنا بالهداية ،وهناك نسمعه يؤمن على دعائهم علينا بالزوال ، وبقينا ، وزالوا في جهادهم متفرقين بين أفغانستان والعراق .
ذكرته بالذي مضى ، فمضى يذكرني بالذي هو قادم ، الجنة لا تنتظر أحدا مثلي ، وجهنم تشتاق لرؤيتي ، هكذا يحدثني عن اللقاء والأشواق ، واذكره عن آخر سهراتنا على طريق الحجاز حين كان يتغنى ( الله يثبتني على الأرض لا أطير ... لين اضبط البراد وآخذ علاجي ) .
يمتعض وترتفع على وجهه كل علامات التشكيل في اللغة ، يضم شفتيه ، ويشد حاجبيه ، ويفتح عينيه ، ويكسر حشوة أسنانه يزر عليها ، لقد نصب لي في ذهنه التوبيخ ، ورفع إلى السماء لعناته ، وبالكاد يجر قدميه ليبتعد دون أن يجاهد في أرضي ومحيطي ، أمامي هو في حالة جهاد طلب ، وأنا في حالة جهاد الدفع ، وبعكس ما شرح له الفقهاء ، أصبح ما علي فرض كفاية يؤديه عني كل ( العاديين ) ، هل تعلمون منهم .؟


العاديون ..
آليات حية مهمتها التعبير عن ردات الفعل المتوقعة من كوارث الدنيا ومصائبها وأفراحها وأتراحها ، لديهم الكميات المناسبة من الحزن والفرح والبكاء والضحك ، يتم صرفها بحسب المحفز الذي يوقعه عليهم القدر ، لم يبلغوا مستوى التكوين المؤهل ليصبحوا أدوات في يد القدر ، مازال القدر يبحث عن كائنات قادرة على التغيير ، تملك في إرادتها مجموع الإرادة المسلوبة في تلك الكائنات المسماة ( عاديون ) . أولئك الذين تختارهم الدنيا لتحريك أحجارها يرون في ضعفنا قوتهم ، ويزايدون على قدرتهم بعجزنا .


كان الشيخ الجليل صديقي حفظه الله ،قد قرر ذات ليل أن ينتقل إلى مرحلة أخرى من التطور الإنساني ، ويشق شرنقة ( العادي ) ليتحول إلى عالم وفقيه في الدين . يراه الجميع فراشة ، ولكن بعكس المتوقع ، يخلق من هذه الدنيا نارا نترامى فيها . وتشتعل الكلمات في لسانه ، وتتشنج أطرافه من كل ( حرف ) لا يذكر فيه ( كلمة ) الله .
كالموقد الذي يرمي بجزيئات المادة نحو جدران الوعاء ، يجعلها تتصادم فيما بينها ليظهر تأثيره عليها ، ليظهر سطوته على تراكيبها ، هكذا نحن وهو .
وكلام الدين على العاديين ، ككلام السحر ، رقية تكتنفهم دون سحر يتلبسهم أو حسد يصيبهم، هو فقط عارض وهمي يسمى الخشوع ، يجعلهم متيبسين ، ويجعل من أرائهم وساوس يحاول الشيطان دفعها إلى الخارج ، يتعوذون بصمت لا يسمعه إلا إبليس .



وخرج من بين الظلال ذلك المنسي .
حدثوني عنه ، ونسيت حتى أحاديثهم ، كان هادءا لدرجة الانعدام ، مبتسما في كل الحالات ، لا اذكر سوى شفتيه . ماذا حل به .؟
لقد تحول هو أيضا إلى ما يصفه الناس بالعث .
يطلقون عليه ( ليبرالي ) .
. لم يعد هو أيضا شخص ( عادي ) .
الحالم في مراهقته ، بين صفحاته الوردية ، يضخم مايكتبه فيها على جدران المدارس ، نعرف أنه يحب ( نورة ) ، و تحبه كل فتيات الحارة ، ولكنه يحب تلك التي لا تحبه ، كم يهوى الإنسان تعذيب نفسه ، ويتغنى في سره ( يا مدور الهين ترى الكايد أحلى ) ، يمشي بروية يخاف أن تشكو الأرض من وقع أقدامه فتفضح سر هواه ، يناديني خلسة ويطلب مني أن ارفعه على السور ، يصعد على كتفي حنطي البشرة ويعود أحمرا كأن قلبه هاجر إلى وجهه . ولكنه صعد ذات يوم ولم يعد ، وتركت السور وعدت لكي أنام ، احلم بما ورائه ، نسيته وتركته يبحث عن الكايد حتى أوصله إلى بريطانيا . هل كان هذا ما وراء السور ...؟
عاد ولم أسأله عن السور ، سعادته المفرطة تطغى على كل من حوله يتحدث عن نفسه وكأنه أنا وأنت ونحن ، ينظر إلينا بعطف وإلى شوارعنا بالرأفة ، ما نراه تطورا في الخدمات يراها ذكريات لعالم لم يتغير منذ أن غادره . سألته وهو الاكثر خبرة في أمور القلب وتاء التأنيث .
- اريد أن اعصم نفسي .
ابتسم وحدثني عن المفكرين والفلاسفة ، قال لي أن أفلاطون جعل القلب طاقة كامنة تعمل من أجل العقل ، حدثني عن الحرية وعن العمر الذي لي وكيف سيصبح لغيري . فرحت لكلماته فهي الأنسب لحياتي المبعثرة ، يصفها بالفوضى التي تخلق الإبداع ، ما أجمل أن أكون مبدعا في نظر أحدهم .
سألته عن الحياة كيف نعيشها ، ولماذا بلادهم أكثر مطرا وأجمل وأفضل وأنظف ، يحدثني ببساطة ، الحب مشرع الأبواب في كل زاوية ، إنهم يحبون منذ ان خلقوا ، ويحلمون بالحب حتى يموتون .
بالطبع لم يقصد حب ( الأمهات ) و ( الأباء ) و ( الإخوان ) و ( الأخوات ) ، يقصد ( نورة ) التي أصبحت ( جانيت ) وكلهن متشابهات أمامه ؛ لأن حبه لا يختلف .
أخذ يتلمس العزاء في سواد التوقعات الممهورة بها جباهنا ، عن حاضرنا ومستقبلنا ، نسينا الحاضر من هول ما يعاد على مسامعنا من قمم الماضي العظيمة ، وقيعان المستقبل السحيقة ، يرانا على الحافة ننتظر منه كلمة واحدة نتشبث بها ، لعل مستقبل تلك البلاد لا يشبه مستقبلنا . ولكنه لا يجيب ، ويسارع عقلي للإجابة ، لعل طرفة البدوي تلك فيها شيء من الصدق ، حدثنا في لحظة انفراط الخوف ، يمارس عفوية البدو ، وسذاجة البسطاء : ( يا أبو هادي اشك ان اوروبا وخضارها هو الجنة ، وديرتنا وقيضها هو جهنم ، ويوم القيامة ربي بياخذنا يالمسلمين هناك ، ويجيب الخواجات هنا يتعذبون ) . إذن صديقي الليبرالي عاد من الجنة إلى الجحيم ، عاد يرى هذا الذي نحن فيه غارقين ، من تنازعات ومناقشات ، وحوارات ، وفتاوي ، يراه ( هين ) ، ومازال مبتسما وبدون ( شنب ) ، يجلس في هدوء وظله أوسع من جسده ، وأطرافه فضفاضة تلتقط استغرابنا وتخفيها بعفوية في سمات وجهه الهاديء ، بارد كأنه يجمعنا ويخفف من روعنا ، كلماته كقالب الثلج الذي يذوب على جبين طفل محتم . يجعل من أسوأ احتمالات الواقع جنة ممكنة لنا.
وهكذا يا إخوان كان يا مازال
أن جلس وفد من ( العاديين )
بين الجنة والنار
وبين الشيخ واللاشيخ
ينتظرون وقت المغادرة إلى يوم آخر يشبه كل يوم .
وغدا يعودون ويسأل رجل عادي
أريد أن أعصم نفسي ..