Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 7 من 7
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    وقفات تأبطيّة ..



    " الحين يعني ايش كلمة تأبط شرا؟ " ، " لقب لشاعر جاهلي " ، " جد؟ " ، " والله " ، "شاعر شاعر؟" ، "شاعر شاعر" ..



    أنْ يوجد أحد لا يعرف من هو تأبط شرا في العصر الحديث ، ليس بأمر مستغرب ، بل هو إهمال له ـ ولطائفته ـ من العصور القديمة ، لكنّ اللوم لا يقع على النقاد فقط الذين لم يهتموا به وقلة الذين تعرضوا له ـ وأغلب تعرضاتهم له كانت في أبواب المسائل اللغوية والنحوية ـ بل يقع أيضا على هذا الشاعر المتصعلك ، وصعوبة حصر كل ما قال أثناء تنقله غازيا تلك القبيلة أو سالبا ذلك الحي ، ليصل إلينا ديوان شعري قليل العدد من القصائد الطويلة ، وبعض المقطوعات الشعرية ، وأبيات متفرقة ، والأدهى أن ليس كل ما نسب إليه فهو حقا له ..
    ـ من هو تأبط شرا ؟
    هو ثابت بن جابر بن سفيان بن عميثل بن كعب بن حزن من بني فهم القيسيين المضريين ..
    أما أبوه فقد مات وثابت صغير ، ولم ترد عنه أخبار مشهورة، وأمه امرأة يقال لها أميمة يقال إنها من بني القين بطن من فهم ..
    وتأبط شرا لقب لقّب به ذكر الرواة له فيه عدّة أقوال :
    قيل أنه رأى كبشا في الصحراء فاحتمله تحت إبطه فجعل يبول عليه طول طريقه ، فلما قرب من الحي ثقل عليه الكبش فلم يقله فرمى به فإذا هو الغول ، فقال له قومه: ما تأبطت يا ثابت؟ قال: الغول ، قالوا لقد تأبطت شرا فسمي بذلك ..


    وقيل: أنه أتى بالغول فرماه بين يدي أمه، ولمّا سئلت عما كان يحمله، فقالت: تأبط شرا.
    وقيل أنه سمي به لبيت من الشعر قاله وهو :
    تأبط شرا ثمّ راح أو اغتدى .. يوائم غنما أو لسيف على ذَحل


    وقيل ـ وهي الرواية الراجحة ـ : إن أمه سُئلت عنه ، وكان قد وضع تحت إبطه سكينا أو سيفا أو جعبة سهام ، فقالت : لا أدري تأبط شرا ثم خرج ..
    فهي أقرب إلى الواقع ، لقربها من شخصيته المتصعلكة المتسمة بالشر ، وخروجه أيضا بهذه الأدوات تناسب أفعاله في أشعاره ، لكن الله أعلم إن كانت هذه القصة السبب أو لا ، أغلب الروايات تتفق أن أمه هي من أطلقت عليه اللقب ، وليت شعري ، هل كانت تدري أن ابنها ستلزمه هذه اللفظة التي أطلقتها عليه ، ولن يعرفه أحد إذا ذكر باسم : ثابت بن جابر ، وأن هذه التركيبة الجميلة (تأبط شرًّا) سيبنى منها تركيبات أخرى كثيرة على امتداد القرون بعدها : (تأبط منفى ـ تلظّى حبا ـ تنفّس قهرا ـ تجرّع همّا ..... إلخ)



    كان ينتمي إلى طائفة الصعاليك المشهورة في العصر الجاهلي ـ والتي بدأت تخفّ بعده ـ يقول عنها الدكتور شوقي ضيف : (الصعلوك في اللغة الفقير الذي لا يملك من المال ما يعينه على أعباء الحياة، ولم تقف هذه اللفظة في الجاهلية عند دلالتها اللغوي الخالصة؛ فقد أخذت تدل على من يتجردون للغارات وقطع الطرق. ويمكن أن نميز فيهم ثلاث مجموعات: مجموعة من الخلعاء الشذاذ الذين خلعتهم قبائلهم لكثرة جرائرهم مثل حاجز الأزدي وقيس بن الحدادية وأبي الطحان القيني. ومجموعة من أبناء الحبشيات السود، ممن نبذهم آباؤهم ولم يلحقوهم بهم لعار ولادتهم مثل السليك بن السلكة وتأبط شرًّا والشَّنْفَرى، وكانوا يشركون أمهاتهم في سوادهم فسموا هم وأضرابهم باسم أغربة العرب. ومجموعة ثالثة لم تكن من الخلعاء ولا أبناء الإماء الحبشيات؛ غير أنها احترفت الصعلكة احترافًا، وحينئذ قد تكون أفرادًا مثل عروة بن الورد العبسي، وقد تكون قبيلة برمتها مثل قبيلتي هذيل وفهم اللتين كانتا تنزلان بالقرب من مكة والطائف على التوالي.
    وتتردد في أشعارهم جميعًا صيحات الفقر والجوع، كما تموج أنفسهم بثورة عارمة على الأغنياء الأشحاء، ويمتازون بالشجاعة والصبر عند البأس وشدة المراس والمضاء وسرعة العدو؛ حتى ليسمّون بالعدائين، وحتى لتضرب الأمثال بهم في شدة العدو؛ فيقال: "أعدى من السليك" و"أعدى من الشنفرى" )


    إذن شاعرنا كان من المنبوذين من مجتمعهم، ومن خلعائه، واتخذ لنفسه طريق حياة بعيد عنهم، فعاش ثائرا فاتكا صعلوكا يغزو ويحارب ويسلب، وله عدد من الرفقاء لهم مذهب مثل مذهبه، كالشنفرى ـ ابن أخته ـ ، عروة بن الورد، وعمرو بن براق ..
    وكان من أغربة العرب الأشراس، عدّاء يسابق الخيل والطير قال عن نفسه : (أجاري ظلال الطير لو فات واحدٌ .. ولو صدقوا قالوا بلى أنت أسرع ) ، ويروى عنه أنه إذا جاع لم تقم له قائمة ، فكان إذا نظر إلى قطيع من الظباء انتقى أسمنها ، ثم جعل يجري وراءه حتى يمسكه ..
    وهذا شيء عجيب إذا عرفنا أن الظباء تصل سرعتها في أوقات الخطر إلى 90 كيلومتر في الساعة ! ..
    وهناك كثير من الصفات التي يتصف بها تأبط شعرا ، والتي لن نعرفها إلا بعد الاطلاع على شعره الحافل بالحركة ، المصبوغ بطابع الصعلكة ، حتى ذُكر أنه لن نجد في ديوان الصعلكة شعرا أخلص لها من الشعر الذي نظمه تأبط شرّا ، فإلى أشعاره :



    هل أتى الحسناء


    قال حمزة ولقي تأبط شرا ذات يوم رجلا من ثقيف يقال له أبو وهب ، كان جبانا أهوج وعليه حلة جيدة ، فقال أبو وهب لتأبط شرا: بم تغلب الرجال يا ثابت وأنت كما أرى دميم ضئيل؟ قال باسمي إنما أقول ساعة ما ألقى الرجل أنا تأبط شرا فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت ، فقال له الثقفي: أقط؟ ، قال: قط ،قال: فهل لك أن تبيعني اسمك؟ ، قال: نعم فبم تبتاعه؟ ، قال: بهذه الحلة وبكنيتك قال له أفعل ففعل ، وقال له: تأبط شرا لك اسمي ولي كنيتك وأخذ حلته وأعطاه طمرية ثم انصرف وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي:

    ألا هل أتى الحسناءَ أن حليلَها .. تأبّطَ شراً واكتنيتُ أبا وهبِ

    فهبه تسمى اسمي وسماني اسمه .. فأين له صبري على معظم الخطبِ

    وأين له بأسٌ كَبأْسي وسَوْرتِي .. وأين لهُ في كلِّ فادِحةٍ قلْبِي


    ــ


    ولا أتمنى الشر


    ولا أتمنى الشر والشر تاركي .. ولكن متى أحمل على الشر أركب

    ولست بمفراح إذا الدهر سرني .. ولا جازع من صرفه المتقلب


    ( البيتان هذان ذكرا في ديوان تأبط شرا ، لكن في مصادر كثيرة نسب إلى هدبة العذري ، نحن لا نقطع القول أنه لهدبة ، لكن المعنى يجعلنا نميل لكفة هدبة )

    ــ


    ويوم أهزّ السيف


    خرج تأبط في سرية من قومه فيهم عمرو بن براق ومرة بن خليف والمسيب بن كلاب وعامر بن الأخنس وهو رأس القوم وكعب حدار ، وريش كعب ، والسمع وشريس بنو جابر إخوة تأبط شرا ، وسعد ومالك ابنا الأقرع ، حتى مروا ببني نفاثة بن الديل وهم يريدون الغارة عليهم ، فباتوا في جبل مطل عليهم ، فلما كان في وجه السحر أخذ عامر بن الأخنس قوسه فوجد وترها مسترخيا فجعل يوترها ويقول له تأبط : بعض حطيط وترك يا عامر ، وسمعه شيخ من بني نفاثة فقال لبنات له أنصتن فهذه والله غارة لبني ليث - وكان الذي بينهم يومئذ متفاقما في قتل حميصة بن قيس أخي بلعاء وكانوا أصابوه خطأ - وكان بنو نفاثة في غزوة والحي خلوف وليس عندهم غير أشياخ وغلمان لا طباخ بهم فقالت امرأة منهم اجهروا الكلام والبسوا السلاح فإن لنا عدة فواللات ما هم إلا تأبط وأصحابه فبرزن مع نوفل وأصحابه .
    فلما بصر بهم قال انصرفوا فإن القوم قد نذروا بكم فأبوا عليه إلا الغارة فسلّ تأبط سيفه وقال: لئن أغرتم عليهم لاتكئن على سيفي حتى أنفذه من ظهري ، فانصرَفوا ولا يحسبون إلا أن النساء رجال ، حتى مروا بإبل البلعاء بن قيس بقرب المنازل فأطردوها ، فلحقهم غلام من بني جندع بن ليث ، فقال: يا عامر بن الأخنس أتهاب نساء بني نفاثة وتغير على رجال بني ليث؟ هذه والله إبل لبلعاء بن قيس فقال له عامر: أو كان رجالهم خلوفا؟ قال نعم قال أقرىء بلعاء مني السلام وأخبره بردّي إبله وأعْلمه أني قد حبست منها بكرا لأصحابي فإنا قد أرملنا ، فقال الغلام لئن حبست منها هُلبة لأعلمنّه ، ولا أطرد منها بعيرا أبدا . فحمل عليه تأبط فقتله، ومَضوا بالإبل إلى قومهم ، فقال في ذلك تأبط :


    ألا عَجِب الفِتْيانُ من أمّ مالك .. تقول أراك اليوم أشعَثَ أغبرا

    تَبوعاً لآثار السَّرِيَّة بعد ما .. رأيتُك بَرَّاق المَفارق أَيْسرا

    فقلتُ له يَوْمان يَومُ إقامة .. أهزّ به غُصْناً من البانِ أخضَرا (1)

    ويومٌ أهزّ السَّيفَ في جيد أغيد .. له نِسوةٌ لم تلق مثلي أنكرا (2)

    يخفن عليه وهو ينزِع نفسَه .. لقد كنت أبّاء الظلامة قَسْورا

    وقد صِحْت في آثار حَوْم كأنها .. عَذارَى عُقيل أو بَكارةُ حِمْيرا (3)

    أبعد النّفاثيّين آمل طرقةً .. وآسَى على شيء إذا هو أَدْبَرا (4)

    أكفكِف عنهم صُحْبَتِي وإخالهم .. من الذلّ يَعْراً بالتّلاعة أَعْفَرا

    فلو نالت الكَفَّان أصحابَ نوفلٍ .. بمهمهةٍ من بطن ظَرْء فعَرْعَرَا (5)


    (الرواية تذكر أن الليثي أبى الرجوع دون بكرهم ، لكن تأبط له رواية أخرى)

    ولمّا أَبَى الليثيُّ إلا تَهَكُّما .. بِعرضي وكان العِرضُ عِرضي أوفرا

    فقلت له حقَّ الثناءُ فإنّني .. سأذهب حتى لم أجد متأخًّرَا

    ولما رأيتُ الجَهْلَ زادَ لَجاجةً .. يقول فلا يأْلوك أَن تَتَشَوَّرَ

    دنوت له حتى كَأنَّ قَميصَه .. تَشرَّب من نضح الأَخادِع عُصْفُرا (6)

    فمن مُبلغٌ ليثَ بنَ بكرٍ بأنَّنا .. تركنا أخاهم يوم قِرْنٍ مُعَفَّرا (7)


    1ـ البان: شجرة ذات زهر أبيض . 2ـ أنكر: ذو بأس شديد. 3ـ حوم: القطيع من الإبل أو البقر ، عقيل: قبيلة عربية ، حمير: قبيلة عربية يمانية. 4ـ النفاثيون: قوم غزاهم الشاعر. 5ـ المهمهة: البلد المقفرة ، ظرء وعرعر : أسماء مواضع . 6ـ نضح: إخرا الشيء من منبعه ومكمنه. الأخادع: جمع أخدعان: عرقان في جانبي العنق ، العصفر: صبغ يستخرج من نبات. 7ـ يوم قرن: يوم من أيام العرب. معفر: ملطخ بالتراب.

    ــ


    على الشنفرى ساري الغمام


    ابن أخته وصديقه الحميم قد قُتل ، فرثاه ذاكرا شجاعته وبطولته:

    على الشَّنْفَرَى ساري الغمام ورائحٌ .. غزيرُ الكُلى وَصَيِّبُ الماء باكرُ
    عليك جزاءٌ مثلُ يومِكَ بالجَبَا .. وقد أُرعِفتْ منك السُّيوفُ البواتر
    ويومِكَ يوم العَيْكَتَيْن وعطفةٍ .. عطفْتَ وقد مَسَّ القلُوبَ الحناجِرُ
    تُجيلُ سِلاحَ الموتِ فيهِم كأنّهُمْ .. لِشوْكتكَ الحُدّى ضَئينٌ نوَافرُ (1)
    وطعنةِ خَلسٍ قدء طعنتَ مُرِشّةٍ .. لَهَا نفَذٌ تَضِلُّ فيها المسَابِرُ
    يظلُّ لها الآسِي أمِيماً كأنّهُ .. نزيفٌ هرَاقتْ لُبّهُ الخَمرُ سَاكرُ (2)
    فإنك لو لاقيتني بعدما ترى - .. وهل يُلقَيْن مَنْ غَيَّبته المقابر –


    (وهل يلقين من غيبته المقابر ؟! ، الاستفهام هذا لغة للموجوعين بالفقد على اختلاف أزمانهم ، في خضم حزنهم يسهُون ويحدثونهم ، ثم يطلبون منهم العودة ليروا بأي حال تركوهم ، ثم يأتي الاستفهام المنفي الإجابة دائما بطرق مختلفة ولغات أيضا)


    لألفيتني في غارة أنتمي بها .. إليك وإمّا راجعاً أنا ثائِرُ
    وإن تكُ مأْسوراً وظلْت مُخَيِّماً .. وأبْليت حتى ما يكيدك واتِرُ
    وحتى رماك الشَّيْبُ في الرأس .. عانسا وخيرُك مبسوطٌ وزادك حاضرُ
    وأجملُ موتِ المرء إذ كان ميتا .. - ولا بد يوماً - مَوتُه وهو صابر
    فلا يَبعَدنّ الشَّنْفَري وسِلاحُه .. الْحَديدُ وَشدَّ خَطْوُه متواتر (3)
    إذا راع رَوْعُ الموت راع وإن حَمَى .. حَمَى معه حُرٌّ كريم مُصابِرُ



    1ـ الحدى: البتّارة . 2ـ الأميم: الهاذي بالأمر ، هراقت: أراقت وهي لغة من لغات العرب. 3ـ لايبعدنّ: دعاء من أدعية الجاهلية يطلق على كل مفارق بسبب الموت أو السفر بداعي رغبة البقاء في الأهل أو بقاء ذكره فلا ينسوه ، متواتر: متتابع.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    قريع الدهر


    (هنا تأبط شرا المتحايل الذكي ، والطريف أيضا، الذي يأبى الاستسلام ويعلمنا كيف إذا جدّ الجد؛ نتحايل بالبحث عن الحلول ، لا يهم، انقب غارا ، تسلق، تدلى بالحبل، انزلق على العسل، أيا يكن، الهام أن تجد طريقة للخلاص)

    كان تأبط شرا يشتار عسلا في غار من بلاد هذيل يأتيه كل عام، وأن هذيلا ذكرته، فرصدوه لإبان ذلك حتى إذا جاء هو وأصحابه تدلى، فدخل الغار وقد أغاروا عليهم فأنفروهم فسبقوهم ووقفوا على الغار فحركوا الحبل فأَطْـلع تأبط شرا رأسه فقالوا: اصعد، فقال: ألا أراكم، قالوا بلى قد رأيتنا، فقال: فعلام أصعد أعلى الطلاقة أم الفداء؟ قالوا: لا شرط لك، قال فأراكم قاتلي وآكلي جناي لا والله لا أفعل . وكان قبل ذلك نقب في الغار نقبا أعده للهرب فجعل يسيل العسل من الغار ويُهريقه ثم عمد إلى الزق فشده على صدره ثم لصق بالعسل فلم يبرح ينزلق عليه حتى خرج سليما وفاتهم وبين موضعه الذي وقع فيه وبين القوم مسيرة ثلاث، فقال تأبط شرا في ذلك :

    إذا المرءُ لم يحتل وقد جدَّ جِدُّهُ .. أَضَاعَ وَقَاسَى أمْرَهُ وَهْوَ مُدْبِرُ(1)
    لكن أخو الحزمِ الذي ليسَ نازِلاً .. بِهِ الخطْبُ إلاَّ وَهْوَ لِلْقَصْدِ مُبْصِرُ
    فذاكَ قريعُ الدّهرِ ما عاشَ حوَّلٌ .. إذْا سُدَّ مِنْهُ مَنْخِرٌ جَاشَ مَنْخِرُ(2)
    أقول للحيانٍ وقد صَفِرت لهم .. وِطابي ويَوْمي ضَيّق الحَجْر مُعوِرُ (3)
    هما خُطَّتا إما إسارٌ ومِنَّةٌ .. وإما دَمٌ والقتلُ بالحُرّ أجدَرُ
    وأُخرى أصادِي النّفسَ عنها وإنها .. لمورِدُ حَزْم إن ظَفِرت ومَصدَرُ
    فرَشْتُ لها صدري فزَلّ عن الصّفا .. به جؤجؤٌ صَلْبٌ ومتنُ مُخصَّرُ(4)
    فخالطَ سهلَ الأرض لم يكدح الصَّفا .. به كَدْحَةً والموتُ خَزيانُ يَنْظُر
    فأُبْتُ إلى فَهمٍ وما كُنتُ آئباً .. وكم مثلها فارقتُها وهي تَصْفِر
    فإنّك لو قَايَسْت باللِّصب حِيلَتي .. بلُقْمان لم يُقصِر بي الدهرَ مُقْصِرُ


    (نلاحظ هنا أنه يعد هربه مفخرة من مفاخره ولا يعيبه على نفسه، بعكس الغير متصعلكين الذين يصفون أنفسهم بالثبات عند اللقاء وأن الطعن لا يقع إلا في نحورهم مثلا)


    1ـ يحتل: غير وجهته وانقلب عنها . 2ـ قريع: المجرب للأمور، حوّل: أي ذو تجارب بتحويل الأمور. 3ـ لحيان: قوم من هذيل، الوطاب: جمع وطب وهو ظرف العسل، معور: متطشف العورة. 4ـ الجؤجؤ: عظم الصدر أو الصدر نفسه، عبل: ضخم.


    ــ



    إنّي لصرّام
    فإن تصرِميني أو تسُسِيئي جنَابتي .. فإنّي لَصرَّامُ المهينِ جذَامرُ (1)


    (الوصل بالوصل ، والقطع بالقطع)

    1ـ الصرم: القطع، جذامر: الذي يقطع العهد والرحم.



    لابس الليل


    خطب تأبط شرا امرأة من بني عبس فأرادت أن تتزوجه ووعدته بذلك فلما جاءها وجدها قد رغبت عنه، فقال لها: ما غيّرك؟ فقالت: والله إن الحسب لكريم، ولكن قومي قالوا: ما تصنعين برجل يُقتل عند أحد اليومين وتبقين بلا زوج؟ ، فانصرف عنها وهو يقول هذا الشعر:

    وقالوا لها لاتُنكحيهِ فإنهُ .. لأوَّلِ نَصْلٍ أَنْ يُلاَقِيَ مَجْمَعا
    فَلَمْ تَرَ مِنْ رَأْيٍ فَتِيلاً وَحَاذَرَتْ .. تأيُّمها من لابسِ الَّليلِ أروَعا (1)
    قَلِيلُ غِرَارِ النَّوْمِ أَكْبَرُ هَمِّهِ .. دمُ الثَّأر أو يَلقى كميّاً مسفَّعا
    يُمَاصِعُهُ كُلٌّ يُشَجِّعُ قَوْمُهُ .. وَمَا ضَرْبُهُ هَام العِدَا ليُشَجَّعَا (2)
    قليل ادِّخارِ الزَّاد إلاَّ تعلَّةً .. فقد نشزَ الشُّرسوفُ والتصق المِعا
    يبيتُ بمغنى الوحوشِ حتَّى ألفنهُ .. وَيُصْبِحُ لاَ يَحْمِي لَهَا الدَّهْرَ مَرْتَعَا
    على غرةٍ أو نهزةٍ من مكانسٍ .. أطالَ نِزالَ القومِ حتّى تسعسَعا
    رَأَيْنَ فَتىً لاَ صَيْدُ وَحْشٍ يُهِمُّهُ .. فَلَو صَافَحَتْ إنْساً لَصَافَحْنَهُ مَعَا
    ولكنّ أربابَ المخاض يشقّهم .. إذا افتقدوه أو رأوه مُشيّعا (3)
    وَكُنْتُ أَظُنُّ المَوْتَ في الحَيِّ أَوْأُرَى .. ألذَّ وأُكرى أو أموتَ مقنَّقا
    ولستُ أبيتُ الدَّهرَ إلاّ على فتى .. أسلِّبهُ أو أُذعرُ السربَ أجمَعَا
    وإنِّ وَإنّي عُمِّرْتُ أَعْلَمُ أَنَّنِي .. سَأَلْقَى سِنَانَ الْمَوْتِ يَبْرُقُ أَصْلَعَا
    وَمَنْ يَفُرَّ بِالأعْدَاءِ لا بُدَّ أنَّهُ .. سَيَلْقَى بِهِمْ مَنْ مَصْرَعِ الْمَوْتِ مَصْرَعَا (4)


    (عند قراءة مناسبة القصيدة ؛ نتخيله وقد خُذل من المرأة التي وعدته بالزواج ولم تفِ بوعدها، بحجة فتيلة: أن أول نصل مستقر في صدر امرئ؛ مستقر في صدره ولابد، لكن في الحقيقة نحن من نخذل إذ نتصور أن تأبط شرا سيأتينا بقصيدة يبث فيها أشجانه وينفث آلامه، فوجدها فرصة سانحة للفخر بنفسه والاعتداد بها ، يلبس الليل ـ وما أروعها من صورة ، قليل النوم، قليل الأكل، بيّات مع الوحوش التي ألفته، سلاب الفتيان، مذعر السرب، العالم بأنه إن لاقي الموت، لأنه من يحمل على القتل في الأعداء سيلقى منهم مصرعا كما صرعهم من قبل)




    1ـ الفتيل: ما يضرب به المثل في حقارته. 2ـ يماصع: يقاتل ويحاوره المصارعة والجدال. 3ـ المخاض: النوق الحوامل.4ـ يفرى: يحمل على القتل.


    ــ


    يا عيد مالك


    (هذه القصيدة أشهر وأجمل قصيدة لشاعرنا ، وهي التي افتتح بها المفضّل مفضلياته، إشعارا بفضلها. مناسبتها المدخل الكبير لها)

    أغار تأبط شرا ومعه ابن براق الفهمي على بجيلة فأطرَدا لهم نَعَما، ونذرت بهما بجيلة فخرجت في آثارهما ومضيا هاربين في جبال السراة، وركبا الحزن، وعارضتهما بجيلة في السهل فسبقوهما إلى الوهط ـ وهو ماء لعمرو بن العاص بالطائف ـ فدخلوا لهما في قصبة العين وجاءا وقد بلغ العطش منهما إلى العين، فلما وقفا عليها قال تأبط شرا لابن براق أقِلّ من الشراب فإنها ليلة طرد، قال: وما يدريك؟ قال: والذي أعدو بطيره إني لأسمع وجيب قلوب الرجال تحت قدمي. وكان من أسمع العرب وأكيدهم. فقال له ابن براق: ذلك وجيب قلبك، فقال له تأبط شرا والله ما وجب قط ولا كان وجابا وضرب بيده عليه، وأصاخ نحو الأرض يستمع فقال: والذي أعدو بطيره إني لأسمع وجيب قلوب الرجال فقال له براق: فأنا أنزل قبلك فنزل فبرك وشرب وكان أَكلّ القوم عند بجيلة شوكة، فتركوه وهم في الظلمة ونزل ثابت فلما توسط الماء وثبوا عليه فأخذوه وأخرجوه من العين مكتوفا وابن براق قريب منهم لا يطمعون فيه لما يعلمون من عدوه، فقال لهم ثابت: إنه من أصلف الناس وأشدهم عُجبا بعدوه وسأقول له أستأسر معي فسيدعوه عجبه بعدوه إلى أن يعدو من بين أيديكم، وله ثلاثة أطلاق أولها كالريح الهابة والثاني كالفرس الجواد والثالث يكبو فيه ويعثر، فإذا رأيتم منه ذلك فخذوه فإني أحب أن يصير في أيديكم كما صرت إذ خالفني ولم يقبل رأيي ونصحي له، قالوا: فافعل، فصاح به تأبط شرا: أنت أخي في الشدة والرخاء وقد وعدني القوم أن يمنوا عليك وعلي فاستأسر وواسني بنفسك في الشدة كما كنت أخي في الرخاء فضحك ابن براق، وعلم أنه قد كادهم، وقال: مهلا يا ثابت أيستأسر من عنده هذا العدْو ثم عدا فعدا أول طلَق مثل الريح الهابة كما وصف لهم، والثاني كالفرس الجواد، والثالث جعل يكبو ويعثر ويقع على وجهه، فقال تأبط شرا: خذوه فعدوا بأجمعهم فلما أن نفسَهم عنه شيئا عدا تأبط شرا في كتافه وعارضه ابن براق، فقطع كتافه، وأفلتا جميعا، فقال تأبط شرا قصيدته القافية في ذلك:

    يا عِيدُ مالَكَ من شَوْقٍ وإِيراقِ .. ومَرَّ طَيْفٍ علَى الأَهوالِ طَرَّاقِ (1)
    يَسْرِي علَى الأَيْنِ والحيَّاتِ مُحْتَفِياً .. نفسي فِداؤُكَ مِن سارٍ علَى ساقِ (2)
    إنى إِذا خُلَّةُ ضَنَّتْ بِنَائِلِها .. وأَمْسكَتْ بضعيفِ الوصلِ أَحذَاقِ
    نَجوْتُ منها نَجائي مِن بَجِيلةَ إِذْ .. أَلْقَيْتُ ليلةَ خَبْتِ الرَّهِط أَرواقى (3)
    ليلةَ صاحُوا وأَغْرَوْا بِي سِرَاعَهُمُ .. بِالعَيْكَتَيْنِ لَدَى مَعْدَى ابنِ بَرَّاقِ
    لا شيءَ أَسْرَعُ مِنَّي ليس إذا عُذَرٍ .. وذا جَناحٍ ِبجنْبِ الرَّيْدِ خَفَّاقِ
    حتى نَجَوتُ ولمَّا ينْزِعُوا سَلَبي .. بِوَالِهِ مِن قَبِيض الشَّدِّ غّيْدَاقِ
    ولا أَقولُ إِذا ما خُلَّةٌ صَرَمَتْ .. يا وَيحَ نفسيَ مِن شوقٍ وإِشْفاقِ
    لكنَّما عَوَلِي إِنْ كنْتُ ذا عَوَلٍ .. علَى بَصيرٍ بِكَسبِ الحمدِ سَبَّاقِ (4)
    سَبَّاقِ غاياتِ مَجدٍ في عَشِيرَته .. مُرَجِّعِ الصَّوتِ هَدَّا بينَ أَرْفَاقِ
    عارِى الظَّنَابِيبِ، مُمْتدٍّ نَوَاشِرُهُ .. مِدْلاجِ أَدْهَمَ وَاهِي الماءِ غَسَّاقِ (5)
    حَمَّالِ أَلويةٍ، شَهَّاِد أَندِيةٍ .. قَوَّالِ مُحْكَمَةٍ، جَوَّابِ آفاقِ

    (سباق غايات ـ مرجع الصوت ـ عاري الظنانيب ـ حمّال ألوية ... إلخ ، يجب أن تضاف في أمثلة الكناية مع نؤوم الضحى وزيد طويل النجاد)

    فَذَاكَ هَمِّي وغَزْوى أَسْتَغِيثُ به .. إذا استَغَثْتَ بِضَافِي الرَّأْسِ نَغَّاقِ
    كالحِقْفِ حَدَّأَهُ النَّامُونَ قلتُ له: .. ذُو ثَلَّتَيْنِ وذُو بَهْمٍ وأَرباقِ
    وقُلَّةٍ كَسِنَانِ الرُّمْحِ بارزَةٍ .. ضَحْيَانَةٍ في شُهورِ الصَّيفِ مِحرَاقِ
    بادَرتُ قُنَّتَها صَحبي وما كَسِلُوا .. حتَّى نَميْتُ إِليها بَعدَ إِشْراقِ
    لا شيءَ في رَيْدِها إِلاَّ نَعَامَتُهَا .. منهَا هَزيمٌ ومنها قائمٌ باقِ
    بِشَرْثَةٍ خَلَقٍ يُوقَى البَنَانُ بها .. شددتُ فيها سَرِيحاً بعدَ إِطْرَاقِ (6)
    بَلْ من لِعَذَّالةٍ خَذَّالةٍ أَشِبٍ ... حَرَّقَ باللَّوم جِلدي أَيَّ تَحْرَاقِ
    قولُ أَهلكْتَ مالاً لَّو قَنِعْتَ به .. مِن ثَوبِ صِدْقٍ ومن بَزٍّ وأَعلاقِ
    عاذِلَتي إِنَّ بعضَ اللَّومِ مَعْنَفَةٌ .. وهَلْ متاعٌ وإِنْ أَبقيْتُهُ باقِ
    إِني زَعِيمٌ لئن لم تتركُوا عَذَلي .. أَنْ يَسْئَلَ الحيُّ عنِّي أَهلَ آفاقِ
    أَن يَسْئَلَ القومُ عني أَهلَ مَعْرِفَةٍ .. فلا يُخبِّرُهُمْ عن ثابتٍ لاَقِ
    سَدِّدْ خِلاَلَكَ من مالٍ تُجَمِّعُهُ .. حتَّى تُلاَقِي الذي كلُّ امرىءٍ لاقِ
    لَتَقْرَعَنَّ عليَّ السِّنَّ من نَدَمٍ .. إِذا تذكرتَ يوماً بعضَ أَخلاقي


    (يذكر الدكتور شوقي ضيف أنه هنا صعلوك مثالي: يشترك في الغزوات والذي يتصف بسبقه إلى المحامد في عشيرته، كما يتصف بجهارة صوته وزعامته بين الرفاق وبضمور جسمه وقوته وصلابته، وجرأته في اقتحام الليالي المظلمة الممطرة؛ حتى إذا كانت الحرب كان المقدم فيها الذي يحمل لواءها، وإذا كانت السلم كان ذا رأي صائب يتردد في مجالس العشيرة وأنديتها. ولا ينسى أن يضيف إلى هذه الخصال خصلة الكرم، ويجعلا حوارًا بينه وبين شخص يعذله على كثرة كرمه وإفراطه فيه؛ حتى إنه لا يبقي على شيء لغده، ويزجره زجرًا شديدًا، يقول:
    بل مَن لِعَذّالَةٍ خَذّالَةٍ أَشِبٍ حَرَّقَ بِاللَومِ جِلدي أَيَّ تِحراق)

    1ـ العيد: ما اعتاده من الشوق واللوعة، الإيراق: من الأرق، طرّاق: المبالغة من الطارق وهو الزائر ليلا. 2ـ الأين: التعب والإعياء، وقيل هو نوع من الأفاعي. 3ـ الخبت: الأرض اللينة، ألقيت أرواقي: استفرغت مجهودي في العدو. 4ـ العِول: رفع الصوت بقصد الاستغاثة أو البكاء. 5ـ الظنابيب: جمع ظنبوب وهو حرف عظم الساق، النواشر: العرق الظاهر بالذراع. 6ـ شرثة: نعل، خلَق: بال ممزق، السريح: هي السيور التي يشد بها النعل.

    ــ


    لقيت الغول تهوي


    ليس هاربا من مطارديه، ولاتقول سالبا أقوام، ولا هاجيا أعدائه أو مادحا رفاقه، هنا يصف معركة ليست مع فرسان هذيل أو أزد، لكن مع غول! ، الرواية تقول : كان تأبط شرا يعدو على رجليه وكان فاتكا شديدا، فبات ليلة ذات ظلمة وبرق ورعد في قاع يقال له رحى بطان فلقيته الغول، فما زال يقاتلها ليلته إلى أن أصبح وهي تطلبه، والغول سبع من سباع الجن، وجعل يرواغها وهي تطلبه وتلتمس غرة منه فلا تقدر عليه إلى أن أصبح فقال في ذلك ـ وهو أكثر الصعاليك وصفا للقاءات الغول :

    ألا مَنْ مُبلغٌ فتيانَ فهمٍ ** بِمَا لاَقَيْتُ عِنْدَ رَحَى بِطَانِ
    بأني قد لقيتُ الغولَ تهوي ** بِشُهْبٍ كَالصَّحِيفَةِ صَحْصَحَانِ (1)
    فقلتُ لها : كلانا نضوُ أينٍ ** أَخُو سَفَرٍ فَخَلِّي لِي مَكَانِي (2)
    فَشَدَّتْ شَدَّةً نَحْوِي فَأَهْوَى ** لها كفِّي بمصقولٍ يماني
    فأضرِبها بلا دهشٍ فخرَّت ** صَرِيعاً لِلْيَدَيْن وَلِلْجِرَانِ (3)
    فقالت عد فقلتُ لها رويداً ** مكانك إنّني ثبتُ الجنانِ
    فَلَمْ أَنْفَكَّ مُتَّكِئاً عَلَيْها ** لأنظرَ مُصبحاً ماذا أتاني


    (إذن كان يقاتلها في ظلمة الليل، وبعد أن خرّت اتكأ عليها وانتظر الصباح لينظر ماذا أتاه ـ تالله إنه لرعب ـ فكان : )

    إذا عينان في رأسٍ قبيحٍ ** كَرَأْسِ الْهِرِّ مَشْقُوقِ اللِّسَانِ
    وَسَاقَا مُخْدَجٍ وَشَوَاةُ كَلْبٍ ** وثوبُ من عباءٍ أو شنانِ (4)


    1ـ تهوي:تنقضّ وتفترس، السهب: الأرض المتسعة السهلة. صحصحان/ صفة للأرض الجرداء التي لا صخر ولا شجر فيها. 2ـ النضو: كل ضعيف ومهزول، أين: النصب والتعب. 3ـ الدهش: الذي ذهب عقله خوفا، الجران: باطن العنق. 4ـ المخدج: المولود قبل موعده مع نقص في النمو. شواة كلب: قحف رأس الكلب، الشنان: جمع شن وهي القربة الصغيرة البالية.




  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    ووادٍ كجوف العير


    وَقِرْبَةِ أقْوامٍ جَعَلْتُ عِصامَها .. على كاهِلٍ مني ذَلُولٍ مُرَحَّلِ
    وَوادٍ كجَوْفِ العَيرِ قَفْرٍ قطعتُهُ .. بهِ الذئبُ يَعوي كالخَليعِ المُعَيَّلِ
    فَقُلتُ لَهُ لما عَوى : إنّ شَأنَنا .. قليلُ الغنى إنْ كنتَ لمَّا تموِّلِ
    كِلانا إذا ما نالَ شَيْئاً أفاتَهُ .. وَمن يحترِث حَرْثي وَحرْثَك يهزُلِ
    [/CENTER]

    (معارض الحديث مع الذئب والاستئناس بعويله، كثير من الشعراء تحدثوا عنها حتى عصرنا الحديث، ربما تأبط شرا هو من قصّ شريطها، ثمّ دخل الشعراء من بعده)

    (الأبيات الأربعة هذه ، نسبت لتأبط شرا، ليس لأنهم كانوا في معرض جمع أشعاره، بل نسبوها إليه دفعا عن الملك الضليل امرئ القيس عن أن يقول في معلقته مثل هذا الشعر الغير مشاكل لشعر الملوك، والشبيه بشعر الصعاليك واللصوص، ف وصفه للعصام ـ الحبل الذي تحمل به القربة ـ الذي يضعه على عاتقه وصدره وعلى كاهله الذلول المسهل والمنقاد المرحّل؛ وصف لمن يخدم أصحابه.)

    ــ



    ولكنني


    (كأن هذا البيت مجتزأ من قصيدة، فبدايته استدراك، رغم ذلك تصوير البيت جميل، حتى قبل أن نعرف عن ماذا كان يستدرك)

    وَلَكِنَّنِي أَرْوِي مِنَ الْخَمْرِ هَامَتِي .. وأنضُو المَلاَ بالشَّاحبِ المُتشلشلِ


    (علاقته مع الخمر ليس جسد بالسكر يتهاوى، أو عقل به يغيب، بل هامة تطلب الخمر ارتواءً، نستطيع تخيل الارتواء بالماء بعد الجفاف لنبتة، فكيف بهامة! . وسيف يجوب به الملا متغير اللون لما يبس عليه من الدم ومتشلشل "مغموس بالدماء" . سيفه إذن يشارك هامته الارتواء)

    ــ



    إذا الحرب

    إذا الحربُ أولَتكَ الكليبَ فوَلِّها .. كَلِيبَكَ وَاعْلَمْ أَنَّهَا سَوْفَ تَنْجَلِي (1)


    (منطق رائع، ندّ بندّ، الحرب أولتك جريئ مقدام؛ أنت أيضا أرها جراءتك وشجاعتك، وأمر انقشاعها بعد ذلك من اليقينيات. ماذا لو استخدمنا المنطق ذاته في أشياء أخرى: الحياة أولتك مصيبة، الصداقة أولتك بغيضا، الطيبة أولتك المسيئين)

    1ـ الكليب: بمعنى المكالب أي الجريء.


    ــ

    وذي رحم أحال الدهر عنه


    كان حاجز بن أبي الأزدي قد رد على شعر لتأبط شرا، افتخر فيه ـ تأبط ـ بغزوة له على الأزد، سلب فيها إبلا لهم، وقتل رجلين منهم (كان مطلعها ترجي نساء الأزد طلعة ثابت) ، فأجابه تأبط شرا بهذه القصيدة يفخر فيها بشجاعته وانتصاره عليهم ويصف امرأته واستهتاره بالموت:

    لقدْ قالَ الخليُّ وقالَ حُلساً .. بِظَهْرِ اللَّيْلِ شُدَّ بِهِ الْعَكُومُ (1)
    لَطِيْفٍ مِنْ سُعَادَ عَنَاكَ مِنْهَا .. مُراعَاةُ النُّجُومُ وَمَنْ يَهِيمُ
    وَتِلْك لَئِنْ عُنِيتَ بِهَا رَدَاحٌ .. مِنَ النسِّوَانِ مَنْطِقُهَا رَخِيمُ
    نَيَافُ الْقُرْطِ غَرَّاءُ الثَّنَايَا .. وريداءُ الشَّبابِ ونِعمُ خيمُ (2)
    وَلَكِنْ فَاتَ صَاحِبَ بَطْنِ رَهْوٍ .. وصاحبهُ فأنتَ به زعيمُ
    أُوَاخِذُ خُطَّةً فِيهَا سَواءً .. أبيتُ وليلُ داثرِها نؤومُ
    ثَأَرْتُ بِهِ وَمَا افْتَرَقَتْ يَدَاهُ .. فَظَلَّ لَهَا بِنَا يَوْمٌ غَشُومُ
    نَحِزُ رِقَابَهُمْ حَتَّى نَزَعْنَا .. وَأَنْفُ الْمَوْتِ مِنْخَرُهُ رَثِيمُ (3)
    وَإنْ تَقَعِ النُّسُورُ عَلَيَّ يَوْماً .. فَلَحْمُ الْمُعْتَفَى لَحْمٌ كَرِيمُ (4)
    وَذِي رَحِم أَحَالَ الدَّهْرُ عَنْهُ .. فَلَيْسَ لَهُ لِذِي رَحِمٍ حَرِيمُ
    أصابَ الدَّهرُ آمنَ مِروتيهِ .. فَألْقَاهُ المُصَاحِبُ والْحَمِيمُ (5)
    مددتُ لهُ يميناً من جناحي .. لَهَا وَفْرٌ وَكَافِيَةٌ رَحُومُ
    أُواسيهِ على الأيامِ إنِّي .. إذا قعَدتْ بهِ اللُّؤَمَا أَلُومُ (6)


    (قريب رحمه الذي تحول الدهر عنه، فليس له شيء محرم انتهاكه، فأصابه الدهر في آمن ما لديه، فأبعد عنه أصحابه وأحباءه، كما حين ينقطع الحبل الذي يشد به الرحل على ظهر البعير، وحين ينقطع لا يكون شيئا من المتاع إلا وقد سقط. وبعد إصابة الدهر له؛ يمد له تأبط شرا الوفي الراعي حقوق القربة يمين مباركة وافية كافية لهذه الإصابة، مواسيا له على الأيام، فإذا ما تعرض له لؤماء يعاونه ويلومهم. لكننا نجهل الماهية التي سيكون عليها اللوم )


    1ـ الخلي: من خلا من الهموم والأحزان وقيل من لم يتزوج. 2ـ الخيم: الأصل والسجية. 3ـ رثيم: مكسور. 4ـ المعتفى: الطالب المعروف. 5ـ المروى: الحبل الذي يشد به كل رحل ومتاع على البعير. 6ـ قعدت به: أي جعلته يقعد أو كانت ندا له، اللؤما: أي اللؤماء، ألوم: ألومهم.


    ــ



    تنفرت عصافير رأسي

    ولمَّا سمعتُ العوصَ تدعو تنفَّـرتْ .. عَصَافِيرُ رَأسِي مِنْ نوىَ وتوانِيا (1)


    (عصافير رأسي، مجاز مستخدم من القدم إذن، لكنّه هنا لغرض آخر)

    1ـ العوص: قبيلة، تنفرت: تطايرت، النوى: الفراق، التواني: التباطؤ في الأمر.


    ــ


    يا طير


    قال: ومن يفر بالأعداء لابد أنه سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا، وها قد تحقق مبلغ علمه، رغم شجاعته وإقدامه إلا أن نهايته لم تكن إلا على يد غلام اسمه سفيان بن ساعدة تخبأ له وكمن وراء شجرة يترقبه، حتى إذا اقترب أطلق عليه سهما فأصابه في قدمه، فأدمى تأبط شرا ولحق بسفيان وقتله ثم عاد يعرج إلى رفاقه ليموت بينهم.
    وقيل في رواية أخرى إن موته كان في غزوة من غزواته، فعرض له بيت من هذيل، فأراد أن يغزوه، فرده رفاقه لأنهم رأوا ضبعا يخرج من قرب البيت، فتشاءموا وتطيروا، بيد أنه لم يألف من ذلك وهجم على البيت مع جماعته فقتلوا شيخا وعجوزا وحازوا جاريتين ونوقا، وفرّ غىم إلى الجبل، فتبعه تأبط شرا، فرماه الغلام بسهم أصاب منه المقتل، وحمل تأبط على الغلام وهو جريح فقتله، ثم مات بسبب إصابته بالسهم في قلبه.
    قيل أن سنة وفاته كانت 530 م وقيل سنة 540 م ، ومات تأبط شرا، ومات صعلوك بني فهم، وأنشد وهو يموت:


    ولقد علمتُ لتعدُوَنَّم .. عليّ شتْمٌ كالحساكل (1)
    ياكلنَ أوصالا ولحما .. كالشَّكاعِي غيرَ جاذِل (2)
    يا طيرُ كُلْنَ فإنني .. سُمٌّ لَكُنّ وذو دَغَاوِل (3)


    1ـ الحسكل: كل ما تطاير من شرر الحديد المحمّى. 2ـ الشكاعي: ضرب من النبت الصغير له شوك وعيدان كثيرة، جاذل: غير منتصب. 3ـ الدغاول: جمع داغلة، وهي الداهية.


    [/COLOR]

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المكان
    الباب العالي
    الردود
    1,272
    لا أعرف عن تأبط شراً إلا الرواية الثالثة في اسمه , وبضع أبيات له !!

    لا شك أني أحتاج لمثل هذا الموضوع , سأعود لأكمله !

    شكراً لحظة فرح .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    أهلا بك عمر بك ..

    قراءة ممتعة له ..
    مع شعره الذي يشابهه في الحركة ..


  6. #6
    لحظة فرحْ ، شُكراً جزيلاً !.
    جميلٌ ما كانَ هُنا ، أمتَعني جداً . وحفظتُه لديّ .
    : )
    ..
    فالسّلامُ على ضَياعِك من دَمي .. سكتَ الكَلامْ *

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المكان
    في كتاب .
    الردود
    3,340
    قراءة ماتعه بحق ,,
    شكراً لحظة فرح ..

    .

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •