" الحين يعني ايش كلمة تأبط شرا؟ " ، " لقب لشاعر جاهلي " ، " جد؟ " ، " والله " ، "شاعر شاعر؟" ، "شاعر شاعر" ..



أنْ يوجد أحد لا يعرف من هو تأبط شرا في العصر الحديث ، ليس بأمر مستغرب ، بل هو إهمال له ـ ولطائفته ـ من العصور القديمة ، لكنّ اللوم لا يقع على النقاد فقط الذين لم يهتموا به وقلة الذين تعرضوا له ـ وأغلب تعرضاتهم له كانت في أبواب المسائل اللغوية والنحوية ـ بل يقع أيضا على هذا الشاعر المتصعلك ، وصعوبة حصر كل ما قال أثناء تنقله غازيا تلك القبيلة أو سالبا ذلك الحي ، ليصل إلينا ديوان شعري قليل العدد من القصائد الطويلة ، وبعض المقطوعات الشعرية ، وأبيات متفرقة ، والأدهى أن ليس كل ما نسب إليه فهو حقا له ..
ـ من هو تأبط شرا ؟
هو ثابت بن جابر بن سفيان بن عميثل بن كعب بن حزن من بني فهم القيسيين المضريين ..
أما أبوه فقد مات وثابت صغير ، ولم ترد عنه أخبار مشهورة، وأمه امرأة يقال لها أميمة يقال إنها من بني القين بطن من فهم ..
وتأبط شرا لقب لقّب به ذكر الرواة له فيه عدّة أقوال :
قيل أنه رأى كبشا في الصحراء فاحتمله تحت إبطه فجعل يبول عليه طول طريقه ، فلما قرب من الحي ثقل عليه الكبش فلم يقله فرمى به فإذا هو الغول ، فقال له قومه: ما تأبطت يا ثابت؟ قال: الغول ، قالوا لقد تأبطت شرا فسمي بذلك ..


وقيل: أنه أتى بالغول فرماه بين يدي أمه، ولمّا سئلت عما كان يحمله، فقالت: تأبط شرا.
وقيل أنه سمي به لبيت من الشعر قاله وهو :
تأبط شرا ثمّ راح أو اغتدى .. يوائم غنما أو لسيف على ذَحل


وقيل ـ وهي الرواية الراجحة ـ : إن أمه سُئلت عنه ، وكان قد وضع تحت إبطه سكينا أو سيفا أو جعبة سهام ، فقالت : لا أدري تأبط شرا ثم خرج ..
فهي أقرب إلى الواقع ، لقربها من شخصيته المتصعلكة المتسمة بالشر ، وخروجه أيضا بهذه الأدوات تناسب أفعاله في أشعاره ، لكن الله أعلم إن كانت هذه القصة السبب أو لا ، أغلب الروايات تتفق أن أمه هي من أطلقت عليه اللقب ، وليت شعري ، هل كانت تدري أن ابنها ستلزمه هذه اللفظة التي أطلقتها عليه ، ولن يعرفه أحد إذا ذكر باسم : ثابت بن جابر ، وأن هذه التركيبة الجميلة (تأبط شرًّا) سيبنى منها تركيبات أخرى كثيرة على امتداد القرون بعدها : (تأبط منفى ـ تلظّى حبا ـ تنفّس قهرا ـ تجرّع همّا ..... إلخ)



كان ينتمي إلى طائفة الصعاليك المشهورة في العصر الجاهلي ـ والتي بدأت تخفّ بعده ـ يقول عنها الدكتور شوقي ضيف : (الصعلوك في اللغة الفقير الذي لا يملك من المال ما يعينه على أعباء الحياة، ولم تقف هذه اللفظة في الجاهلية عند دلالتها اللغوي الخالصة؛ فقد أخذت تدل على من يتجردون للغارات وقطع الطرق. ويمكن أن نميز فيهم ثلاث مجموعات: مجموعة من الخلعاء الشذاذ الذين خلعتهم قبائلهم لكثرة جرائرهم مثل حاجز الأزدي وقيس بن الحدادية وأبي الطحان القيني. ومجموعة من أبناء الحبشيات السود، ممن نبذهم آباؤهم ولم يلحقوهم بهم لعار ولادتهم مثل السليك بن السلكة وتأبط شرًّا والشَّنْفَرى، وكانوا يشركون أمهاتهم في سوادهم فسموا هم وأضرابهم باسم أغربة العرب. ومجموعة ثالثة لم تكن من الخلعاء ولا أبناء الإماء الحبشيات؛ غير أنها احترفت الصعلكة احترافًا، وحينئذ قد تكون أفرادًا مثل عروة بن الورد العبسي، وقد تكون قبيلة برمتها مثل قبيلتي هذيل وفهم اللتين كانتا تنزلان بالقرب من مكة والطائف على التوالي.
وتتردد في أشعارهم جميعًا صيحات الفقر والجوع، كما تموج أنفسهم بثورة عارمة على الأغنياء الأشحاء، ويمتازون بالشجاعة والصبر عند البأس وشدة المراس والمضاء وسرعة العدو؛ حتى ليسمّون بالعدائين، وحتى لتضرب الأمثال بهم في شدة العدو؛ فيقال: "أعدى من السليك" و"أعدى من الشنفرى" )


إذن شاعرنا كان من المنبوذين من مجتمعهم، ومن خلعائه، واتخذ لنفسه طريق حياة بعيد عنهم، فعاش ثائرا فاتكا صعلوكا يغزو ويحارب ويسلب، وله عدد من الرفقاء لهم مذهب مثل مذهبه، كالشنفرى ـ ابن أخته ـ ، عروة بن الورد، وعمرو بن براق ..
وكان من أغربة العرب الأشراس، عدّاء يسابق الخيل والطير قال عن نفسه : (أجاري ظلال الطير لو فات واحدٌ .. ولو صدقوا قالوا بلى أنت أسرع ) ، ويروى عنه أنه إذا جاع لم تقم له قائمة ، فكان إذا نظر إلى قطيع من الظباء انتقى أسمنها ، ثم جعل يجري وراءه حتى يمسكه ..
وهذا شيء عجيب إذا عرفنا أن الظباء تصل سرعتها في أوقات الخطر إلى 90 كيلومتر في الساعة ! ..
وهناك كثير من الصفات التي يتصف بها تأبط شعرا ، والتي لن نعرفها إلا بعد الاطلاع على شعره الحافل بالحركة ، المصبوغ بطابع الصعلكة ، حتى ذُكر أنه لن نجد في ديوان الصعلكة شعرا أخلص لها من الشعر الذي نظمه تأبط شرّا ، فإلى أشعاره :



هل أتى الحسناء


قال حمزة ولقي تأبط شرا ذات يوم رجلا من ثقيف يقال له أبو وهب ، كان جبانا أهوج وعليه حلة جيدة ، فقال أبو وهب لتأبط شرا: بم تغلب الرجال يا ثابت وأنت كما أرى دميم ضئيل؟ قال باسمي إنما أقول ساعة ما ألقى الرجل أنا تأبط شرا فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت ، فقال له الثقفي: أقط؟ ، قال: قط ،قال: فهل لك أن تبيعني اسمك؟ ، قال: نعم فبم تبتاعه؟ ، قال: بهذه الحلة وبكنيتك قال له أفعل ففعل ، وقال له: تأبط شرا لك اسمي ولي كنيتك وأخذ حلته وأعطاه طمرية ثم انصرف وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي:

ألا هل أتى الحسناءَ أن حليلَها .. تأبّطَ شراً واكتنيتُ أبا وهبِ

فهبه تسمى اسمي وسماني اسمه .. فأين له صبري على معظم الخطبِ

وأين له بأسٌ كَبأْسي وسَوْرتِي .. وأين لهُ في كلِّ فادِحةٍ قلْبِي


ــ


ولا أتمنى الشر


ولا أتمنى الشر والشر تاركي .. ولكن متى أحمل على الشر أركب

ولست بمفراح إذا الدهر سرني .. ولا جازع من صرفه المتقلب


( البيتان هذان ذكرا في ديوان تأبط شرا ، لكن في مصادر كثيرة نسب إلى هدبة العذري ، نحن لا نقطع القول أنه لهدبة ، لكن المعنى يجعلنا نميل لكفة هدبة )

ــ


ويوم أهزّ السيف


خرج تأبط في سرية من قومه فيهم عمرو بن براق ومرة بن خليف والمسيب بن كلاب وعامر بن الأخنس وهو رأس القوم وكعب حدار ، وريش كعب ، والسمع وشريس بنو جابر إخوة تأبط شرا ، وسعد ومالك ابنا الأقرع ، حتى مروا ببني نفاثة بن الديل وهم يريدون الغارة عليهم ، فباتوا في جبل مطل عليهم ، فلما كان في وجه السحر أخذ عامر بن الأخنس قوسه فوجد وترها مسترخيا فجعل يوترها ويقول له تأبط : بعض حطيط وترك يا عامر ، وسمعه شيخ من بني نفاثة فقال لبنات له أنصتن فهذه والله غارة لبني ليث - وكان الذي بينهم يومئذ متفاقما في قتل حميصة بن قيس أخي بلعاء وكانوا أصابوه خطأ - وكان بنو نفاثة في غزوة والحي خلوف وليس عندهم غير أشياخ وغلمان لا طباخ بهم فقالت امرأة منهم اجهروا الكلام والبسوا السلاح فإن لنا عدة فواللات ما هم إلا تأبط وأصحابه فبرزن مع نوفل وأصحابه .
فلما بصر بهم قال انصرفوا فإن القوم قد نذروا بكم فأبوا عليه إلا الغارة فسلّ تأبط سيفه وقال: لئن أغرتم عليهم لاتكئن على سيفي حتى أنفذه من ظهري ، فانصرَفوا ولا يحسبون إلا أن النساء رجال ، حتى مروا بإبل البلعاء بن قيس بقرب المنازل فأطردوها ، فلحقهم غلام من بني جندع بن ليث ، فقال: يا عامر بن الأخنس أتهاب نساء بني نفاثة وتغير على رجال بني ليث؟ هذه والله إبل لبلعاء بن قيس فقال له عامر: أو كان رجالهم خلوفا؟ قال نعم قال أقرىء بلعاء مني السلام وأخبره بردّي إبله وأعْلمه أني قد حبست منها بكرا لأصحابي فإنا قد أرملنا ، فقال الغلام لئن حبست منها هُلبة لأعلمنّه ، ولا أطرد منها بعيرا أبدا . فحمل عليه تأبط فقتله، ومَضوا بالإبل إلى قومهم ، فقال في ذلك تأبط :


ألا عَجِب الفِتْيانُ من أمّ مالك .. تقول أراك اليوم أشعَثَ أغبرا

تَبوعاً لآثار السَّرِيَّة بعد ما .. رأيتُك بَرَّاق المَفارق أَيْسرا

فقلتُ له يَوْمان يَومُ إقامة .. أهزّ به غُصْناً من البانِ أخضَرا (1)

ويومٌ أهزّ السَّيفَ في جيد أغيد .. له نِسوةٌ لم تلق مثلي أنكرا (2)

يخفن عليه وهو ينزِع نفسَه .. لقد كنت أبّاء الظلامة قَسْورا

وقد صِحْت في آثار حَوْم كأنها .. عَذارَى عُقيل أو بَكارةُ حِمْيرا (3)

أبعد النّفاثيّين آمل طرقةً .. وآسَى على شيء إذا هو أَدْبَرا (4)

أكفكِف عنهم صُحْبَتِي وإخالهم .. من الذلّ يَعْراً بالتّلاعة أَعْفَرا

فلو نالت الكَفَّان أصحابَ نوفلٍ .. بمهمهةٍ من بطن ظَرْء فعَرْعَرَا (5)


(الرواية تذكر أن الليثي أبى الرجوع دون بكرهم ، لكن تأبط له رواية أخرى)

ولمّا أَبَى الليثيُّ إلا تَهَكُّما .. بِعرضي وكان العِرضُ عِرضي أوفرا

فقلت له حقَّ الثناءُ فإنّني .. سأذهب حتى لم أجد متأخًّرَا

ولما رأيتُ الجَهْلَ زادَ لَجاجةً .. يقول فلا يأْلوك أَن تَتَشَوَّرَ

دنوت له حتى كَأنَّ قَميصَه .. تَشرَّب من نضح الأَخادِع عُصْفُرا (6)

فمن مُبلغٌ ليثَ بنَ بكرٍ بأنَّنا .. تركنا أخاهم يوم قِرْنٍ مُعَفَّرا (7)


1ـ البان: شجرة ذات زهر أبيض . 2ـ أنكر: ذو بأس شديد. 3ـ حوم: القطيع من الإبل أو البقر ، عقيل: قبيلة عربية ، حمير: قبيلة عربية يمانية. 4ـ النفاثيون: قوم غزاهم الشاعر. 5ـ المهمهة: البلد المقفرة ، ظرء وعرعر : أسماء مواضع . 6ـ نضح: إخرا الشيء من منبعه ومكمنه. الأخادع: جمع أخدعان: عرقان في جانبي العنق ، العصفر: صبغ يستخرج من نبات. 7ـ يوم قرن: يوم من أيام العرب. معفر: ملطخ بالتراب.

ــ


على الشنفرى ساري الغمام


ابن أخته وصديقه الحميم قد قُتل ، فرثاه ذاكرا شجاعته وبطولته:

على الشَّنْفَرَى ساري الغمام ورائحٌ .. غزيرُ الكُلى وَصَيِّبُ الماء باكرُ
عليك جزاءٌ مثلُ يومِكَ بالجَبَا .. وقد أُرعِفتْ منك السُّيوفُ البواتر
ويومِكَ يوم العَيْكَتَيْن وعطفةٍ .. عطفْتَ وقد مَسَّ القلُوبَ الحناجِرُ
تُجيلُ سِلاحَ الموتِ فيهِم كأنّهُمْ .. لِشوْكتكَ الحُدّى ضَئينٌ نوَافرُ (1)
وطعنةِ خَلسٍ قدء طعنتَ مُرِشّةٍ .. لَهَا نفَذٌ تَضِلُّ فيها المسَابِرُ
يظلُّ لها الآسِي أمِيماً كأنّهُ .. نزيفٌ هرَاقتْ لُبّهُ الخَمرُ سَاكرُ (2)
فإنك لو لاقيتني بعدما ترى - .. وهل يُلقَيْن مَنْ غَيَّبته المقابر –


(وهل يلقين من غيبته المقابر ؟! ، الاستفهام هذا لغة للموجوعين بالفقد على اختلاف أزمانهم ، في خضم حزنهم يسهُون ويحدثونهم ، ثم يطلبون منهم العودة ليروا بأي حال تركوهم ، ثم يأتي الاستفهام المنفي الإجابة دائما بطرق مختلفة ولغات أيضا)


لألفيتني في غارة أنتمي بها .. إليك وإمّا راجعاً أنا ثائِرُ
وإن تكُ مأْسوراً وظلْت مُخَيِّماً .. وأبْليت حتى ما يكيدك واتِرُ
وحتى رماك الشَّيْبُ في الرأس .. عانسا وخيرُك مبسوطٌ وزادك حاضرُ
وأجملُ موتِ المرء إذ كان ميتا .. - ولا بد يوماً - مَوتُه وهو صابر
فلا يَبعَدنّ الشَّنْفَري وسِلاحُه .. الْحَديدُ وَشدَّ خَطْوُه متواتر (3)
إذا راع رَوْعُ الموت راع وإن حَمَى .. حَمَى معه حُرٌّ كريم مُصابِرُ



1ـ الحدى: البتّارة . 2ـ الأميم: الهاذي بالأمر ، هراقت: أراقت وهي لغة من لغات العرب. 3ـ لايبعدنّ: دعاء من أدعية الجاهلية يطلق على كل مفارق بسبب الموت أو السفر بداعي رغبة البقاء في الأهل أو بقاء ذكره فلا ينسوه ، متواتر: متتابع.