Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 31 من 31
  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    من أيّ شيء ، فكرة ..


    "نموذج 14"


    لكل مقام لباس :
    القميص الرياضي غير مناسب في الجامعة . بغض النظر عن أنه غير لائق بفتاة ويتخذ معنى السخافة والسطحية في التفكير ، ومدعاة للاستهجان بالنظرات غير المصدقة لهذا المرأى والتي كادت أن ترمي أمامها كرة لترى الاستجابة للعدو ورائها ، أو اتقاء شر الألسن المنادية باسم اللاعب الذي يتوشح ظهرها لرؤية كم ثانية يستغرق انتباهها لهذا العزيز على قلبها .


    النظافة أولا ثم الزينة :
    بغض النظر عن أنها أشغلتني عن رؤية الجدول ـ الذي بدأت أتابعه ـ بسبب جفنها ، الأصفر والأسود كقميص لنادي ، ووضعته بطريقة تجعل من إحضار تماثيل الشطرنج ، وبدأ اللعب عليها ، شيئا ملحّا ، وإذا تقلصت الشفتان عن الفم ؛ "خلص" ، صديقتي تستعجلني : "طوّلتي" .


    الجميع له مطلق حريته في ممارسة أفعاله الخاطئة :
    بتركيز النظر أن هذه الممارسة طبيعيا تكون بتعتيم ، ومن غير الطبيعي أمام هذا الجمع على المرآة أن تعيد ماكياجها بهذا القلق والتوتر ، وإعادة النظر في عباءتها كل حين من الأمام والخلف ، ثم حين تستعجلها صاحبتها بهدوء ، تصرخ : "لحظة ، هذي فرصة العمر" ، وبعد قليل خرجت ، ودخل في بالي : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) .
    أتذكر الآن كلاما لإحداهن حول أن هذا من النفاق أن تخفي سيئاتك عن الناس وتظهر بالصلاح أمامهم ولا تتحدث عن الأشياء التي تفعلها ، وهي خاطئة كثيرا ، الإسلام لا يستهدف صلاح الفرد دون المجتمع ، فللمجتمع كرّه المجاهرة بالذنوب ، وأن يحدث المرء الآخرين بذنوبه التي سترها الله عليها ، ليكون سمته سمتا إسلاميا يخشى من إظهار الذنوب فيه ، وتكون من الأمور التي يستحي صاحبها أن يتحدث فيها ، ولا يستهدف صلاح المجتمع دون الفرد ، فأصّل مفهوم المراقبة تأصيلا قويا ، فالله بصير بكل شي ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وليس بغافل عما تعملون ، ولا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء ، وقرر في كثير من الآيات خشية الله بالغيب . ثم للموازنة بين النوعين ، كان لابد أن ستكون حالة صالحة ظاهره ومقيمة شعائرها أمام الناس ، والتي إذا خلت بمحارم الله انتهكتها ، جاء الوعيد بأن تكون حسناتها تلك هباء منثورا يوم القيامة .


    إذا كان هناك هاجس ثقافي في هذا المجتمع ؛ فإن وجوده سيكون بعد أن تموت مئات الهواجس التافهة والتي لا تشكل من الفائدة شيئا :
    لا أرمي بمسامعي وسطهن كثيرا ـ وإذا رميت بحسن النية طبعا ، للاستماع إلى إذاعة : صوت الشعب ـ ، إلا أن لفظة معرض الكتاب انتشلتني من أفكاري ، ومابين السرعة المستغرقة في إلقاء أجهزة التصنت إلى وصولها تحول موضوع حديث الإذاعة عن "سيتي ماكس" ، حسنا لملمت أجهزة التصنت التي ألقيتها ، بعد أن رمقتها بنظرة استحقار جراء انقلابها من الضحك ، وزاولت الانهماك في الرواية .
    بغض النظر عن أني تركت الآن قراءة الروايات أثناء المحضرات المملة ، وأفضل وسيلة لطرد هذا الملل من جذوره هو امتطاء صهوة رواية ، ولم أكن أعبأ بالنظرات الغازية من الميمنة والميسرة ، وأعظم من ذلك نظرات كتيبة المقدمة ، أما الخلف فأمنت ظهري من أي استطلاع قادم ، إلا في حالة كان الجدار قد اكتسب عادة التطلع فيما لا يعنيه . بعض هذه النظرات كانت تستوقفني : "ايش تقري" ، "رواية" ، "حقيقية يعني ؟" ، فأسهم إلى أن أجد إجابة : "من الواقع يعني" ، "آه" . ثم تركتُ هذه العادة لأسباب لا تحصر ، وبعد فترة قابلت إحدى السائلات وأحيانا المزعجات التي تكثر علي : هل هي جميلة ، من مؤلفها ، عن ماذا تحكي ، ألا تملّي يبدو أنها طويلة ، وهي لطيفة على كل حال . أقول أني قابلتها في المكتبة الجامعية تصور أوراقا ما ، فقالت لي "الله يقطعك صرت أحب القصص" ، فبادلتها ضحكة ظاهرها المبادلة ومن دونها الفزع من الدعوة .


    اللغة ضيقة ، من يقول بغير ذلك؟! :
    "الشباب حلوين" ، "لا مو حلوين" طرف معارض ، طرف ثالث : "لا حلوين" ، الطرف الثاني : "صدقيني مو حلوين" ، طرف متفهّم : "مو كلهم" ، طرف مؤازر للرأي السابق : "صح ، في بعضهم حلوين مرة" ، الطرف المثير للمشكلة : "بس كثير الحلوين اللي يسوون مسؤوليات لأهلهم" . قبل هذا الرأي كنت أحسب أن الحوار يدور حول الوسامة من عدمها .

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197


    "نموذج 15"



    صباح هذا اليوم ؛ أي الصباح الذي يمتثل فيه الشعراء في أفق القاعة ، رأيت كثير من الإجابات تنساب منّي إلى الصفوف قبالتي ، فأخذت ألعب مع العفاريت التي تنقلها ؛ أن تنقلها بنفس مبناهم لأنها تأتي بنفس معناهم . لكن عند الظهيرة بعد العودة إلى الجامعة مرة أخرى ، نظرا لفراغ أربع ساعات هائل وقلة الأمكنة المعدة لقضاء لحظات ، كانت العفاريت الناقلة قد قيّلت ، واستغللت غيابها فأخذت أنطق الإجابات من لساني ، لكن هيهات ، المحاضرة بواسطة الشبكة ، والإجابة قد تصل وقد لا تصل ، وفي حين أن يسأل المحاضر "رقم كم" استفسارا عن تلك الإجابات الطائرة ، يكون الأوان قد فات ، فالإجابات ملقاة في الطريق ، يأخذها النائم والمستيقظ ، وبمجرد قولها تفقد حقوق ملكيتها ، وتصبح سبيل للجميع .

    حسنا ، سُرقت إجابة وسُر بها المحاضِر ، وأيضا أثنى عليها ، لا يهمّ ، لكن عرفت جذور السرقة المتأصلة في الشعراء وقابليتهم لسرقة المعاني بسرعة فظيعة دون أن يلحظهم أحد ، وإضفاء صوت مؤثر عليها ـ كما عادتهم ـ كأنهم مستخلصوها ، ولا أدري حقيقة شاعريتها ، لكنها عُرفت بذلك بين القوم ، وحدسي يقول بأنها شويعرة على كل حال .

    وبمناسبة الشعراء الذين أراهم في الأفق ، كان ضيف هذا الأسبوع أبو ذؤيب الهذلي ، رأيته قد ندم أن ذكر زوجته في مطلع القصيدة وهي تسأله عن حاله ، ولو علم أن ذكرها سينحي به منحى المرأة المثالية التي تحسن بدء الحديث مع زوجها وتسأله عن أمور مختلفة لكي لا تجرحه وتذكره بالسؤال عن الحزن الذي تعرف مبعثه فيكون هذا تسرية عنه لكي يجيش عما في صدره . ومن يدري أنها خافت قلة المال فسألته عن سبب شحوبه رغم وجود ماله . أقول لو علم لما ذكرها أصلا ، بينما القصيدة لا تحتاج غير أن نفتح قلوبنا لحزنه على فراق أبنائه الأربعة الذين فجعه الدهر بهم ، وغيبتهم الأرض عنه ، وغدا غريبا بدونهم ، بقوة أبيات وسبك كلمات ، ورصف عبارات رنانة تميل إليها القلوب قبل الأسماع ، وتتفطر الأكباد إلى بيته الذي لا يقوله إلا عظيم بعد هذا الرثاء : وتجلدي للشامتين أريهم ... إني لريب الدهر لا أتضعضع .

    هذا ما كنت أريد أن أصل إليه للتنبيه من تشويه القصائد ، وإسقاط كل ما يخطر على البال عليها ، ما كنت أريد الحديث عن الإجابات الطائرة ولا عفاريتها ، فتبسمي للسارقين أريهم ، إني لنحل القول لا أتململ .

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197
    أهلا بك وقار ..
    حسنا إذن ، كنت أظن أن مشاهد حياتي فريدة لا تحصل لأحد .
    وشكرا على الظن الجميل في القسم وفي أمر المؤلفات .
    صحيح أني تخيلت أن يحدث لي مثلما حدث لبراون في روايته الأخيرة ، لكن مع نفسي يعني ، ومن غيري أشعر أن في الموضوع سخرية على نحو ما ..
    ليس بوسعي إلا أن أشكرك مرة أخرى ..


    مرحبا غدير مرة أخرى ..
    سعيدة كثيرا بك هنا مثلما هناك ..
    وأنتظرك لتحدثيني عن الكتابة ، أنا فعلا أتوق لذلك ، أشعر في ما هنا أشياء غير جيدة كثيرة ، أم أنها برأيك قليلة فقط ..
    أحاول جاهدة أن أنتهي منها ، لأجلك أسرعت كثيرا ، وأنت تعرفين منهج توثيق المخطوطات التاريخية كيف هو شاق ومتعب ..

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المكان
    في الركن البعيد الهادي !
    الردود
    1,019
    بخصوص الفصل الذي يتكلم عن أهمية الخبز في حياتنا اليومية ..
    هل يمكن لأحدهم مساعدتي في هذا السؤال الذي يجهدني ..

    كيف أمكن لعقل الانسان البدائي تصور فكرة أن يضع القمح على النار ..
    ليتمتع بالخبز الذي تعتمد عليه أغلب الحضارات والمطابخ في يومنا هذا ؟

    ساكون ممتناً .. بقدر امتناني للحظة فرح وانسياب حروفها المفعم جمالاً .
    محمد ديريه
    @mohdiriye

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المكان
    في الركن البعيد الهادي !
    الردود
    1,019
    بخصوص الفصل الذي يتكلم عن أهمية الخبز في حياتنا اليومية ..
    هل يمكن لأحدهم مساعدتي في هذا السؤال الذي يجهدني ..

    كيف أمكن لعقل الانسان البدائي تصور فكرة أن يضع القمح على النار ..
    ليتمتع بالخبز الذي تعتمد عليه أغلب الحضارات والمطابخ في يومنا هذا ؟

    ساكون ممتناً .. بقدر امتناني للحظة فرح وانسياب حروفها المفعم جمالاً .

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    يا حافظ ..



    "نموذج 16"



    حسنا ، السماء التحفت بالغيم وانتصرت الشمس لنا ، والهموم نائمة والسعادة مستيقظة ، والسرور فرش لنا بساطا نمشي عليه ، وهب الأنس مع النسيم البارد ، وكل ما يمكن أن يقال في سيمفونيات الغيث ، لكن بحق الله ما هذا ، هل السماء حين أمطرت ؛ أمطرت بناتا معها؟ ، ونقّبت القطرات المتساقطة عن بنات أخريات ، وهل البركات المتجمعة من أنابيب التصريف جمعت من شقوق النوافذ وغياهب المباني والأروقة بناتا جددا ؟ .

    تكشّف لي معنى جديد من آثار نزول الماء على الأرض ، ربما ليس اخضرار الأرض بعد شحوبها ، وارتواء الأشجار بعد جفافها فقط . بل عن مخلوقات أخرجتها قطرات الماء عندما اهتزت ذرات التراب منها ، حتى أني شغلت عن تأمل السماء والاستمتاع بنسيم الهواء وصوت الماء وتمايل الأشجار ، عموما شغلت عن استغلال مضاحكة الكون قبل أن يعبس غدا بالتأكيد بتأمل هذه الجموع الغفيرة . المرة السابقة لم أشغل بحكم كوني حديثة عهد بالمكان وكل الأوجه في عمومها جديدة ، لكن هذه المرة ظننت أن كثيرا من الأشكال قد مرت عليّ ، وأنا أعرف الوجه الذي فتحت عيناي غلافه من الذي لم تفتحه ، فعرفت أني لم أفتح سوى أغلفة كيس واحد لامرأة تبضعت بعربيتين استعدادا لرمضان ، صحيح أن بوادر مثل هذا الشعور قد ظهرت لي مسبقا حين أضطر للذهاب إلى دور في مبنى معهود ، لا محاضرة قريبة به ، كنت ألاحظ أن الكل جديد ، لكن اليوم مختلف جدا لدرجة لا تكاد تستوعب ، من بعده وأنا أجزم أن خلف كل عمود إنارة ، وتحت كل حجرة ، وعند كل نافذة ، وداخل كل سيارة يوجد بنتا ولابد ، والأمر عظيم لو تذكرنا أن هناك فروعا أخر للجامعة ربما تحوي مثل هذه الأعداد ، وهناك معاهد ، وهناك من لم يتاح لهن الدخول ، وهناك من تخرّجن ، وهناك من سيأتي في الأعوام القادمة . أوه ، إني أصاب بالدوار ، ماذا سيفعل بهذه الجموع في الدولة بعد دراستها ، الانتظام في سلك التدريس؟ محال ، إلا في حالة أن يجعل لكل طالبتين معلمة . طبّ؟ ، وإن يكن ، هل يعقل أن مئة متخرجة يتوظفن في سنة واحدة ، إلا في حال مساعدة من منظمة ماسونية تدس مسببات الأمراض لنصف الشعب ليتسنى الاستعانة بهن في علاجه ، والإبقاء على النصف الآخر لتدريسه . والأهم من سيتزوجهنّ ، ونسب مواليد الإناث تفوق الذكور ، ثم بعد ذلك وفيات الذكور أضعاف وفيات الإناث ، ثم أسباب كغلاء المهور والدراسة معوقات في سكة قطار الزواج ، ولأن عرض المشاكل بدون التفكير الجدي بحلها ؛ مشكلة أخرى ، فهناك حلان لا ثالث لهما لمواجهة الانفجار الإناثي ، إما أن يصدرن للخارج ، للدول التي تحتاج نساء ، مع مراعاة توفر الشقر فيها ، فنساؤنا أثبتن ولعهن بهم في فترة قريبة ، إلى غير الأسباب الخفية التي تجعلنا نكسب مسلمين جدد ، فهن في هذا ما عليهن كلام وسنتغاضى عن عيب إنجابهن المولعين بالكلام ، وإما الحل الآخر الذي لا يغضب الرجال كالسابق ، أن يتزوج كل رجل أربع نساء ويتسرى بأربع . الرجال راضون أخال ، النساء ساخطات أتيقن .

    أشعر أن شطر الطلاب مختلف تماما عنّا ، ففي الوقت الذي تكون فيه أروقة مبانينا مزدحمة وطاغية بالمارات وحالات من الاختناقات المرورية والمزاحمات بالمناكب ، تكون أروقة مباني الطلاب هادئة وهناك في آخر الرواق طالبان يتهامسان قد انعطفا للرواق الآخر ، فتلحق بهما فتجدهما قد دخلا قاعة ، وتعود للرواق فتجد طالبا يمشي في نهايته ، فتسارع لتلحق به ، فإذا هو قد اتخذ طريقه خارج المبنى ، وفي الوقت الذي تحضر فيه الطالبات كراسي إضافية للقاعات لنفاد المقاعد ، وتسد الممرات في القاعة كلها ويستحال عندها فكرة الخروج ، أشعر أن قاعات الطلاب تكون على شكل ثلاثة صفوف أمامية ممتلئة ، ثم يتناثر الطلاب بعدها إلى أن نصل إلى الأربعة الصفوف الأخيرة وهي فارغة تماما . وفي الوقت الذي يكون مركز التصوير مكتظا بالطالبات ومن الصعب الخروج قبل خمس عشرة دقيقة من دخوله ، والكل يرفع رايات الأوراق ويصرخ "لو سمحتي" استجداء للعاملات ، يكون مركز تصوير الطلاب هادئ ، عند الزاوية هناك طالب بدأ العامل بتنفيذ طلبه ، وعند المقدمة القريبة من الباب طالب يشرح له ما يطلب ، وطالب آخر ينتظر أن يفرغ من طلبه ؛ ليطلب ما يريد .

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    "الاختبارات حلوة ، بس نفهمها"



    "نموذج 17"



    المخلوق الذي في اختباره لا يدري ما القوم يصنعون ، ويقلب النظرات في الورقة دون أن يتبين شيئا ، وإن أجاب بـ أ أو ب فالأمر سيان ، لأنه لا شك لديه البتة في أن تكون واحدة آكد من الأخرى ، ليس لشيء ، فقط لأنه ردد داخل نفسه "مادة تربية إسلامية؟ ، وهل كانت تربيتي مسيحية مثلا" ، ثم آثر التقليب في مكتبة الكتب المستعملة ، وظنّ ـ والظن أكذب الحديث ـ أن المذاكرة في السيارة تغني عند الحلّ شيئا .

    هذه المخلوقات لا ذنب لها في الكوارث التي تحدث لها أثناء توزيع الأوراق ، بل ذنب واضعي الأوراق في ارتطامات الظنون وأهوال الصدمات أن السؤال التالي كالذي قبله لم يمر آن المذاكرة على مذاكرِه . الروح البشرية تحتاج إلى كثير من الرفق في التلقي ، لا هكذا بإحداث ثقوب في جدار الثقة النفسية وفجوات ندم عند الرب خبرها ، ثم الكثير من الحسد للذين لم ترتفع رقابهم عن أوراقهم ولا تبد عليهم أمارات الخيبة ، بعكس الذين انتبهوا أول مرة للسقف وتوزيع الإنارة فيه ، وانتبهوا لمصباح الزاوية المحترق ، وللشعور الجافة والمنهوكة ، ولمسّاكاتها التي عند أختهم مثلها .

    ثم ما هذا بحقهم؟! ، ما إن يعلن أحدهم عن اختبار ؛ حتى يعلن الجميع كشائعة تتلقفها عجائز الحيّ ويلكنها طويلا ، أثناء تقليدهم لأول معلن عن امتحانه كسرب يلحق بقائده ؛ يعلن المشرع الأول عن اختبار دوري ثاني ، فما يفتأ السرب حتى يلقي علينا باختباراته . فاليوم اختبار ، وفي الغد اختبار ، وهذا لا يمنع أن الأمس لم يكن فيه اختبار ، وأن الأسبوع الذي قبله كان يرزح بعدة اختبارات ، بالإضافة إلى أن السبت اختبار ، ومن غده اختبار أيضا ، والسبت الذي يليه اختبار نهائي ، ثم قطيع من الاختبارات بعده .

    لكن ما أسهل تخويف القطيع ، أظهر فقط أنك ستنطلق جاريا نحوه ، ضاربا بقدمك الأرض دون أن تنطلق ، حتى ترى القطيع بأسره قد ولاك دبره ، بما فيهم قائده ، وانبجست قلوبهم خوفا منك، فهكذا نرعاها .

    وهكذا يجب توعية طلائع الجيل الجديد بحقيقة غيبوها عنّا ـ كما حال كثيرها ـ أن الاختبار لم يسمّى اختبار لأنه يختبرك في المادة التي درست ، حفظا أن نسيانا ، انتباها أم سرحانا ، استيقاظا أم نعاسا ـ أحايين شحيحة نوما ـ ، اجتهادا أم إهمالا ، وإنما لكي يختبروك في إمكانية مزاولة الأشياء التي تحب بانحراف يسير في وتيرتها لا يكاد يُلحظ ، هل ستتراجع عنها؟ ، هل ستخذلها بتركها أسابيعا ، هل ستتخلى عنها حين تفاجئك الشدائد ، لكن أين وفاؤك؟ ، بل أين حبك؟ ، كذبْت حين زعمت أنها هوايتك ، منذ متى يترك الهاوي مهويه؟ ، يا لكذبات المحبين ، وانتكاسات المحبوبين حين يُتركون عند أول محكّ ، حين تُعرف في الرخاء ، وحين فقاعات الشدائد : "لا ، الحين اختبارات مو وقته" .

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    أشياء من تحت عدسة ، لونها أبيض !



    "نموذج 18"


    تعالي يا صديقة ، أداوي خيباتك الصحيحة .
    أريحي بكفي كفك المرتجفة ، ولنترك السقوف والكراسي الملتصقة الكئيبة ، ولنجلس على رصيف العابرة .


    امسحي الدمعة المترقرقة في عينيك أولا يا صديقة ، أعرف أن أحزان الليل التي لا تبددها مسرات الصباح هي أحزان أليمة ، لكن هوني الأمر عليك ، لا نحن باقون ، ولا هذه الأحزان باقية ، فلم كل هذا العبأ؟ . أترين ذلك الصدّاح فوق الشجرة ، وهذه الشجرة الخضراء التي تعانق السماء ، وهذه السماء الصافية الزرقاء ، وأشعة الشمس المبتهجة بانتصارها على انتشار الليل ، انتصرتْ يا صديقة ، كل يوم نشهد انتصارا عظيما لا ننتبه له ، فلتنتصري أنت أيضا ، انتصري كل صباح ولتتركي أحاديث الليالي التي أثقلتك همّا ، وتأملي هذه الوجوه العابرة التي تهذر وتضحك ، ألا تدخل عليك ولو قليلا من التسلي؟ ، وانظري لهذا القط المضحك كيف يحاول اصطياد العصافير المتحلقة حول بركة الماء ، اقترب ، لكن طارت العصافير على الشجرة وأكملت شدوها غير مبالية ، ما رأيك لو كنت عصفورة الآمال تطير من قط الأحزان كلما فكر بالانقضاض؟ ، تضحكين يا صديقة ، لا تضحكي ، هذا الكون كله لنا ، أتدركين؟ ، ليس لمواد سكننا وأكلنا وشربنا فقط ، لكن لنجعله مثار تأملاتنا وتملياتنا وأغنياتنا .

    يا صديقة ، افتحي يديك وعدي على أصابعك النعم التي حولك ، ثم أعيدي الكرة لكن بعدّ مآسيك ، أتلحظين؟ ، آه تشيحين ببصرك عني وتلتمسين الخلاص بالنظر هناك ، وهذا درس أن تنظري هناك في الآفاق الأخرى كلّما اكفهرّ أفق لك ، لو عددنا نعمك السعيدة لاحتجنا إلى أصابع المارة مع أصابعك وأصابعي ، لكن المبائس كفك وحدها كافية ، أرأيت؟ إنه النسيان يا صديقة . احزمي أمتعة خيالك ولنسافر هناك ، هناك يا صديقة حيث الأسوار العنيدة تحيط بمدينتك ، المدينة بأسرها ، أي إنهم لا يفكرون في المصيف ، وحيث أبسط الأشياء التي لا تستشعري وجودها يعدونها هناك أحلاما بعيدة ، سافرتي ؟ ، حسنا ، استحضري النسوة الذين ما انفككنا صغارا ونحن نراهم يصرخن بكاء ، لا تسأليني عن أسبابهن فهي كثيرة ، لتأيمهن لترملهن لفقد إخوانهن لموت صغارهن ، أنا لا أعرف ، نحن من خلف الشاشة حينما نأكل لا نعقل إلا هذه الأسباب ، لكن أنت أيتها المرفهة المنعمة التي ترتدي أجمل الملابس ، والتي تترك الأكل لأن ليس لها نفس فيه ، ما أسباب هذا الحزن الكبير؟ ، سأعفيك من الإجابة يكفيني هذا التقلص الكبير أيضا في ملامحك .
    يا صديقة خذيها من التي عركها الزمان وعركته صغيرة ، رغما عن ابتسامتك الماكرة ، لن أخبرك كيف كنت أتدبر أمر مواساة نفسي خلف الخزانة ، حسنا كفي عن الابتسام ، أقول لك : إذا وجدت من بإمكانك أن تجدي العزاء لنفسك من بلاياه فأنت في خير عميم ، ولن تعدمي أبدا من بلواه عزاء لك إذا ما بلوى بنفسك حلّت . والحقيقة أنه ليس في حقيبتي خريطة ، لأريك مواطن بائسة بالفقر والجهل والمرض كبيرة .

    _
    تقولين يا صديقة أنك ضقت ذرعا بمن حولك ، ووطدوا الضيق بصدرك ، يوخزك تعليقهم ، ويجرحك قولهم ، يكدرك قربهم ، لكن ماذا أفعل بشأنهم؟ ، هل أرسل لهم كتاب الأخلاق الفضيلة كيلا يؤذوا هذه الصديقة ، لكن سأقول لك أن سيسعدك بعدهم ، جربي وستربحي ، نعم ، لماذا أتحتي لنفسك كل هذا القرب منهم ، ذاتك يا صديقة سيخدشونها ، ولن يعبئوا إذا ما اخترقوها ، انئي بنفسك عنهم ، آثري الراحة ، الطرق المزدحمة يبتعد الناس عن السكنى بجوارها ، مزعجة يا صديقة ، لكنهم سيعودون حتما ليعبروها ، فيش بعض الأجهزة لا يعمل إذا أدخلته بكامله في المقبس ، جربي أن تبعديه قليلا سيعمل مباشرة ، تخيلي لو أن هذا الجهاز كان مكنسة ، فإذا صوتها القوي يبدأ ، طربا بقليلٍ من البعد ، تجاوزي تشبيهاتي السخيفة ، لكن لا تغامري بالدخول مع أوغاد المعاملة ونبضك سيوافيك كالمكنسة تماما .

    سرا سأخبرك ، لكن لا تنزعجي ، أولئك الذين ابتعدت عنهم من إرباكهم لك ، إذا عدت إليهم ـ حال احتياجنا للطرق المزدحمة ـ لن يختلف إرباكهم كثيرا ، فقط سيصبح مركّزا أكثر ، والحقد متراكما فيه أكثر ، وفي الماضي كان خفيفا متصلا ، وماذا تفضلين يا صديقة ، أن تفاجئك الثمرة الفاسدة بنتن فتلفظيه من أوانه ، أم تتركي نتنها عالقا في فمك إلى أن يسمح الذوق بإخراجه ، عرفت خيارك ، حصيفة أنت يا صديقة .

    -
    تقولين بمخاصمة والدك الشديدة ، حقا أنا آسف لك منه ، لا تجزعي سيؤوب لرشده صدقيني ، نزوة غضب عابرة فقط ، لأجلي انسيها له ، وتذكري جمائله لك ، أعرف أن فعلته لمن في سنك قاسية ، لكن يا صديقة تذكري أن لن تعدمي عزاء لمن هم دونك ، أنت الآن كبيرة ، ونفسك أيضا ، تستطيعين تدبر تفهيم نفسك بنفسك أنه بالغ في ردة فعله ، وإيهام نفسك بكبر خطئك ، لكن ماذا إذا كنت صغيرة يا صديقة ، وضربتي بدون خطأ فقط اتهاما ، وتُدفعين على كرسي ، وتسقطين وإياه أرضا ، لا تدرين من آلم الآخر أكثر من الثاني ، وتبكين وحدك وتسقط معك الأشياء الكثيرة ، وأنت صغيرة لا تحسني وضع الأشياء بأماكنها الصحيحة . وخذيها من التي لا علاقة لها أبدا بالزمان لترضين : ربّ ضرب يبرح الأجساد ولا يمسّ النفوس ، وتعرفين عكسه يا صديقة .

    -
    تتوجدين على الذي تركك يا صديقة ، بعدما علقك حولا ، اقسي على قلبك كثيرا ، تقولين كيف؟ ، سأقول لك إن حبات القلوب هذه عجائب ، مضغ اللحم تلك حالها غرائب ، لكن سأعللك ، علّه يذهب بعض ما بك ، ركزي تفكيرك وعقلك أنه تركك ، أنه تحول عنك ، أنه انصاع لأمه ، أنه لا يريدك ، ثم يشجيك فراقه ، أوه إن هذا في شخصك يا صديقة ، سامحيني أن شددت شعرك ، لكن تستفزني طيبتك ، أتمنى أن يبرز بإزائه جانب حقدك ، وإن لم تنسي ، سينسيك الغبار الذي يصيب كل الأشياء التي لا تحرك ولا تمسّ ، أدعوه أن تهب على قلبك عواصف غبار الصيف ، ثم إذا اغبرّ ، حافظي عليه ، أبعدي كل محاولات التنظيف عنه ، لا يأخذه أحد ، إنها تعود ممزقة دائما يا صديقة . أعرف أنها أحيانا تسرق ، لكن الأمن يعيد المسروقات دائما إذ لم يكن في بلادنا ، يا صديقة أشعر أن قلبك يهدد عقلك من كلامي بوقف ضخ الدم له ، فانتهره عقلك قائلا :"ليس الأمر إليك ، من هنا كل الأوامر صادرة" ، فأجابه القلب :"ولكن صاحبتنا أنثى" ، وتدخلت المعدة قائلة ، تضحكين من قولي يا صديقة ، لا لن أكمل ، أنا حقا لم أكن أدري بماذا كانت ستجيب .

    قبل أن نقوم يا صديقة ، يؤلمني أن أخبرك ، أن لا تنتظري دائما من يوسد حزنك وتبثي له همك ، هناك أيام لن نجد فيها كل الجدران قائمة ، ولا كل الأبواب مشرّعة ، وسنعدم الأيادي التي على الأكتاف مربتة ، عندها ؛ عندها يا صديقة ليس لك إلا الذي هناك في الأعالي ، الذي لم يتركنا لحظة واحدة ، الذي يذكرنا وننساه ، ويرزقنا ونجحده ، عندها اتصلي به ، وسيتصل عندها النقص بالكمال ، والضعف بالقوة ، والفقر بالغنى ، والفناء بالأبد ، وسيغشاك عندها نوره السرمديّ .


    هذا المقهى جميلا يا صديقة ، فلنأخذ منه شطائر وعصائر .
    ما عاد في العمر للهموم متسع ، وبعدها دونك الدرب هذا ، وكل منّا لدربه ماضي .



  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197


    "نموذج 19"



    كنت اليوم أجلس والقاعة أشبه ما تكون بالفارغة أنتظر صديقة ، ليس بالمعنى الحرفي للانتظار ، أي أن الدقائق كانت ترزح بثقلها عليّ ولا تمرّ ، لكن كان قدري أني أنتظرها هكذا وأأرجح بعض الأفكار ، حتى إذا تدللت سحبت مقعدها وعفرتها في التراب ، وقبل أن أغريها بالرجوع إلى مقعدها ، إذا بفتاة تجلس في المقعد الذي بجانبي ، ومن شدة السرعة التي جلستْ فيها لم ألحظ إقبالها ، ولما التفت ناحيتها رشقتُ المكان بنظرة أتأكد من أنها لم تجئ على ظهر مكنسة ، وتمسك بهاتفي المطروح على الطاولة وتشير أنها ستتكلم به ، وتجدر الملاحظة إلى أنها لم تكن تستأذن ، الأمر انتهى ، قالت كلاما ولم أسمعه فبادرتها بـ"ايش؟" ، وهذه عادة سيئة أن الغرباء لا ألقط ما يقولون من المرة الأولى ، لكن هذه كانت حالتها خاصة لسرعة الأشياء التي فعلتْها في لحظات ، فسمحت لها طبعا ولما انتهت كنت أسمع أنات جهازي العتيق الذي قاوم كل موجات الحداثة يئن تحت أصابعها من قوة الضغط . ولتفادي أي حادث سألتها عن مصيبتها ، فقالت : "مو عارفة أشيل الرقم" ، فضغطتُ على الزر الأحمر ، فقالت: "لا ، قصدي امسحه" ، وبعفوية طرحته مجددا على الطاولة ، فقالت: "امسحيه" ، فدهشتُ " "ليه؟" ، ردت: "عشان ما يكون عندك" ، هنا كدت أن أمسك بتلابيبها وأحشرها في الزاوية وأسألها : "اش قصدك؟" ، لكن فضلت الحِلم والسماحة فقلت لها : "طيب" ، وقبل أن تنصرف : "امسحيه لا تنسين" ، وفي الوقت الذي كنت أستعد لسماع عبارات الدعاء والثناء عليّ إذا بخطواتها أسمعها منصرفة .

    لا يهم ، الهامّ أن اليوم وقعت جريمة تزوير أدبي ، وتلفيق قصة ما أنزل الله بها من سلطان ، مفادها : أراد المحاضر أن يشرح لنا علاقة الشكل الجميل والقبيح بالتعامل في الصف ومؤثراته فأراد أن يضرب مثلا ، فقال : "الجاحظ كان أكبر مثال على ذلك ، إذا جاء في أخباره ، أن امرأة أمسكت بيده في السوق وقالت له تعال ـ والعياذ بالله ـ وذهبت به إلى الصائغ وقالت له : سوي لي خاتم على شكل هذا ، لكي أخوف به أطفالي حين يغضبونني . أرأيتم كيف تأثير الشكل .... إلخ" ، والخبر من مصادره الأصلية عن مخبره : "ما خجلتني إلا امرأة، حملتني إلى صانع فقالت: مثل هذا؛ فبقيت مبهوتاً، فسألت الصائغ فقال: هي امرأة استعملتني صورة شيطان، فقلت: لا أدري كيف أصوره، فأتت بك فقالت مثله" وكدت أن أتصل على الأمن لهذا التحوير الكبير ، لولا أني تذكرت أنهم لا يعنون بجريمة تزوير الأخبار الأدبية كما السلطانية ، وهدأت ثائرتي وسكنتها بأن هذا وقع في غابر القرون أفلا يقع في غاشمها .

    لا يهم أيضا ، الهام أن اليوم آخر يوم دراسي لهذه السنة ، وهو افتتاحية الإجازة الصيفية الصغرى ، الممهدة للكبرى طبعا ، عشرة أيام لن أرى الجامعة ولن تراني ، واشتريت مؤونة غذائية ترفيهية كاملة من أفرع التموينات المنتشرة بكثافة في الجامعة ، والتي تجعل من أمر عدم افتتاح سوبر ماركت مدعاة للاستغراب ، وسأمارس فيه ما يحلو إلى أن يتبقى نهار ونصفه على الاختبار وإلى حينه ؛ أمر الله من سعة .

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    النموذج الأخير ..



    "نموذج 20"



    الاختبار في القاعة ذاتها ، لابد أن شؤما ما سيحصل . في اختبار الدوري الأخير انتبهت أن إجابة التي بجانبي كانت خاطئة ، فلم أتمالك نفسي وقلت لها: "منى إجابتك الأولى غلط" ، فإذا بصوت يصرخ من الأمام ، بدد كل السكون الذي كان يلفّ القاعة :"أم طوق أبيض تعالي قدام" ، بغض النظر عن أن طوقي لم يكن أبيضا ، لكن عرف المريب نفسه دون أن يقول خذوني ، وأخذت طريقي إلى الأمام ، أعبر الصفوف التي تحدق فيّ ، والتي أنعكس داخل رأسها على منظر غشاش دنيء ، يكتم ضحكة من سخرية الموقف الذي وقع فيه ، ثم تبًا للمراقِبة لم تقدّر النوايا الطيبة ، وسأترك أنا كل محاولات الغش ، منذ اليوم الأول الذي مارسته في الابتدائية وأنا أثبت فشلي فيه ، عندما نسيت الأجزاء التي تتكون منها النبتة ، فاستطعت التقاطها من ورقة التي أمامي ، ثم خاب الانتصار عندما عرفت بضلالية الإجابة المأخوذة ، وهذه نتيجة طبيعية لمن يسرق من أحد كان يعيد السنة الدراسية نفسها للمرة الثانية ! .

    الشهادة لله ، أن معصمي قد تمزقت أربطته ، وظهري ما عاد بظهر ، إجابة تستغرق صفحة كاملة وطاولة الكرسي على جهة اليمين ، ولسوء الحظ أكتب باليسار ، والحالة مزرية ، لابد أن أميل على الطاولة وأنسى أن خلفي متكأ ، وعندها لا مانع من أن تأتيني مراقبة تحسبني أتحين الفرصة لألتهم ورقة من بجانبي ، فتأمرني بتعديل الجلسة ، وأشتم حينها كل من لا يعتني بذوي الاحتياجات الخاصة ، وأرضي نفسي أن هذا ديدن عظماء اليسار الذين يشغلون 5% من هذا العالم ، وأعد نفسي من جملة عمر بن الخطاب ونابليون ودافنشي ، صحيح أن الصدفة مرة قادتني إلى الجلوس في مقعد إضافي ، فلما هممت بوضع الحقيبة على طاولته لم أجدها ، هنا أغمضت عيني ولم أكن أجرأ على تحمل مثل هذه المفاجأة ، طاولة على اليسار؟! ، إن هذا ما لم أراه من قبل ، وفتحتها حقا لقد كانت على جهة اليسار ، وفرحا بهذه المناسبة ، قررت أن أكتب معهم المحاضرة . ثم لم أرى مثل هذا الكرسي مرة أخرى أبدا .


    اليوم آخر يوم قد طل بعد طول انتظار ، ولو علمت أن سيكون بالبرودة هذه لما فكرت بانتظاره ، ورقة اختبار بياضها الفسيح يوحي أن كاتبها قد نسي كتابة الأسئلة ، مراقبات من المعيدات يشعرن بأنه لولا تنظيمهن للخروج من الاختبار لانحلّ النظام الجامعي ، اعتراني شيء من الحماس وأنا أقف أمام حاوية الورق ، أن الآن لحظة الفرح الكبير بالانتهاء ، أخرجت كومة الأوراق التي جمعتها استعدادا لهذه اللحظة ، ولم أرم أية ورقة طيلة فترة الاختبارات ، ألقيتها حتى وصلتْ آخر الحاوية ، ولم أشعر بشيء ، رغم أني توقعت أن أحظى بشعور المنتصرين عندما يلقون جثث الأعداء في الحفرة . عندما ركبت السيارة تصنعت أني أثبت نظري في بوابة الجامعة وألصق وجهي في زجاج الباب ، لكن ذلك لم يجد نفعا أيضا ، فأيقنت أن الفرحة ستكون عند وصولي للبيت ، ولم يتغير من البرودة شيئا ، عرضت على أمي حالتي الكئيبة ، فأخبرتني أن الأيام الطويلة من الراحة حالت دون تذوق هذا الشعور ، فصدقتها طبعا ، وتوجهت لدفتري أكتب هذا الشيء وأغلقه ، ولن أفتحه إلا حين أقدم من أول يوم دراسي للسنة الثانية ، بُعد نظري يخبرني بما سأكتب ذلك اليوم ، فالحياة في مجموعها مشاهد مكررة : عادت الوجوه التي فرقتها شهور الصيف ، الجميع يسلم على الجميع ، وكم كان سداد رأيي حين سطحت العلاقة مع شعبتي ولم أجعل بيننا حب وشعير ، واضطررت الآن إلى مصافحة وتقبيل العشرات منهن ، والمؤسف أننا مجتمع يضاعف عدد القبلات بعد فترات الغياب إمعانا في الشوق إلى اللقاء ، حتى لو كان الشخص المسلَّم عليه مجرد شخص لقيته وسألته عن المحاضرة موعدها ، فرد عليك ثم رددت عليه برد يقلص الحديث ويمدد فرصة الهروب ، فتجده يسلم عليك ويسألك بلهفة عن أخبارك التي لم يعلمها يوما . ثم سأتحدث عن المستجدات : أوه ما أكثر المستجدات ، يا لحماستهنّ ونظرات النشاط واستكشاف المكان البادية في أعينهن ، وما أكثر السائلات عن المباني منهن ـ وأفكر جديا من الآن هل أتبرع وأشرح موقع المكان أم لا ـ ، وملابسهن توحي بأن هذا من تنسيق طويل لما سيلبسن في أول يوم ...
    حسنا ، هذا استباق للأحداث غير مقبول ، ولن يدع لي فرصة لأقولها في ذلك اليوم ، بغض النظر عن أن مخيلتي جيدة وتمدني بأحداث لم أعشها ، أو المبالغة في أحداث عشتها ..


    ــ

    "اللهم إنها تمّت"



  11. #31
    .. كيفَ حالُكِ ، فرح ؟. ( :
    العُمقُ المختلطُ بالمُباشِر شكّل مزيجاً جميلاً في بعض المقتطفاتِ هُنا ، شيءٌ -من بين أشياءَ أخرى- كان يجبُ أن أخبرك به قبلَ اليوم ، ولم يحدُثْ. ثمّ إن لديكِ قدرة جميلة على الصياغةِ بحيثُ تظهرينَ الأشياءَ بحيادٍ حتّى وإن كانت تمسّ روحَكِ أنتِ ، لتصل إلى القارئِ مجرّدةً كما هِيَ ، وبصفاتها الحقيقية التي لم تلبَس مشاعر الكاتِبِ، حتى وإن كان صاحب إحساسٍ عالٍ كأنتِ ، فرح .

    ثمّ إلى الروائِعِ ، هذهِ النماذج المحبوكة ببراعة. شُكراً كثيراً لكِ .

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •