Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 7 من 7
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    في بلاد الله
    الردود
    17

    اللاهوت العربي د. يوسف زيدان

    بسم الله
    وصلني، ما ادعى مرسله أنه بعض مما نشر من كتاب الدكتور يوسف زيدان المقبل وهو اللاهوت العربي، إذا كان هو فعلا فسأقدم لمحة عنه أو عما وصلني على أساس أنه هو.
    حيث يبدأ بطبيعة الحال بمقدمة، ثم الفصل الأول في جُذُورُ الإِشْكَال صفاتُ الله فى التوراة ثم الفصل الثاني الحل المسيحي من الميثولوجي إلى الكريستولوجي و الفصل الثالث النبوة أو البنوة والفصل الرابع الهرطقة جدل الأرثوذوكسية أما الفصل الخامس فهو الحل القرآني الفصل السادس كلام الإسلام وخاتمة المطاف تشتمل على مواد مهمة وملحق السياسة جدلية العلاقة بين الدين، العنف.
    تفتح هذه الصفحات بالحديث النبوي المعروف :
    لتتبعُنَّ سُنَنَ مَنْ كان قبلكم ، شبراًبشبرٍ، وذراعاً بـذراع ؛ حتى إذا دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ ، لدخلتموه.
    قالوا: اليهود والنصارى يارسول الله؟ قال : فمَنْ!
    مما يعطيك انطباعا أوليا أن التدين سلسلة متصلة من التطورات الفكرية إذا فهمت نص الحديث على أساس أن اتباع السنن الوارد هو قد حدث قبلا وليس هو مآل المسلمين مع السنين.
    أما فكرة الكتاب فتتلخص في تأثير واقع الأمم على فهم أوتقبل فكرة الدين ففي حين نرى لليوناني ،حسب إعتقادهم الأول قبل المسحية، آلهة وأنصاف آلهة أي ما يتولد من تزاوج الآلهة مع البشر، سهل ذلك عليهم تقبل فكرة أن يخوضوا في تكوين الإله بحثا عن حل لإشكالية المسيح الذي أصبح محور إهتمام الدين الجديد ولم يعد الإله محط اهتمام كما كان في اليهودية، من الجانب الآخر يظهر لنا العربي متمثلا في سكان الهلال الخصيب على واقعيته لا يستطيع تصديق الإندماج بين الآلهة والبشر، لأنه لم يصادف ذلك وبالتالي جنح إلى رفع الإله بعيدا عن البشر، ويرى من خلال هذا الطرح تبريرا لكون الهرطقة بمفهومها الكنسي لم تخرج أساسا عن لاهوتي هذه المنطقة.
    عموما يتميز ما وردني بطرح عقلاني متسلسل يقودك هذا التسلسل إلى فهم الأفكار المركبة بسهولة.


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المكان
    العراق
    الردود
    57
    شوقتني للكتاب 00 أسلوب يوسف زيدان مشوق 00

    شكرا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,536
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة الساخر المتمرد عرض المشاركة
    بسم الله
    وصلني، ما ادعى مرسله أنه بعض مما نشر من كتاب الدكتور يوسف زيدان المقبل وهو اللاهوت العربي، إذا كان هو فعلا فسأقدم لمحة عنه أو عما وصلني على أساس أنه هو.

    هل إذا ضفت على عنوان الموضوع اسم يوسف زيدان فبرأيك صار الموضوع يستحق يبقى بالمطابع؟
    http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=145872
    يعني ما يكفي أنك لم تقرأ الكتاب أصلاً ووصلك وممن ادعى وبعض ما نشر
    إن كنت لا تثق بالمصدر الذي وصلك منه هذا الادعاء كيف علينا أن نثق بما تعرض لنا
    ننتظر عودتك للمطابع بعد قراءة الكتاب والتأكد من محتواه
    وأهلا وسهلا
    To be or not to be
    That is the question


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    في بلاد الله
    الردود
    17
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة سقف العالم عرض المشاركة
    شوقتني للكتاب 00 أسلوب يوسف زيدان مشوق 00

    شكرا
    شكرا لك أخي على المرور، وإليك المقدمة وهي كما ذكرت على ذمة المصدر.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    في بلاد الله
    الردود
    17
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة Ophelia عرض المشاركة
    هل إذا ضفت على عنوان الموضوع اسم يوسف زيدان فبرأيك صار الموضوع يستحق يبقى بالمطابع؟
    http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=145872
    يعني ما يكفي أنك لم تقرأ الكتاب أصلاً ووصلك وممن ادعى وبعض ما نشر
    إن كنت لا تثق بالمصدر الذي وصلك منه هذا الادعاء كيف علينا أن نثق بما تعرض لنا
    ننتظر عودتك للمطابع بعد قراءة الكتاب والتأكد من محتواه
    وأهلا وسهلا
    العفو أولا لهذا التكرار، وهو راجع بالأساس أنني بعد كتابة الموضوع لم أعثر عليه لإضافة المحتوى فأعدت كتابته ظنا أنه لم يتم إدراجه أو لعلي توقفت عند استعراضه قبل إضافته. ولم يكن ظني أن أقسام الساخر تتدرج برتب عسكرية، لهذه الدرجة.
    على كل شكرا لك على التنبيه ودمت.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    في بلاد الله
    الردود
    17

    اللاهوت العربي مقدمة

    د. يـوسـف زيــدان


    لتتبعُنَّ سُنَنَ مَنْ كان قبلكم ، شبراًبشبرٍ، وذراعاً بـذراع ؛ حتى إذا دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ ، لدخلتموه.
    قالوا: اليهود والنصارى يارسول الله؟ قال : فمَنْ!

    (حديثٌ نبوىٌّ)



    مُقَـدِّمَـةٌ
    تشتملُ على تمهيداتٍ ضرورية


    اللاهوتُ العربىُّ قبل الإسلام، وامتدادُه فى علم الكلام. ذلك هو عنوانُالبحثِ المختصر الذى ألقيته بمؤتمر (القبطيات) المنعقد بالقاهرة، بمقر الكاتدرائيةالمرقسية، فى منتصف شهر سبتمبر 2008، بحضور عدد كبير من كبار الباحثين الدوليين فىميادين التراث (المصرى) القبطى . وكان انعقاد المؤتمر قد تزامن مع ازدياد الضجةالتى أثارتها روايتى عزازيل بل كانت هذه الضجة قد بلغتْ من صخبها المنتهَى، حسبماظننتُ وقتها؛ فكان من العسير على كثير من المشاركين بالمؤتمر، أعنى أولئكالمستنفرين منهم مسبقاً؛ أن يتقبَّلوا ما قَدَّمته يومها من أفكارٍ ورؤىً تتعلقبالامتداد التراثى الواصل بين المسيحية والإسلام . إذ كان معظمهم يتَّهمنى أصلا،بما يتوهَّمونه من عدائى للتراث القبطى ، وهو اتهامٌ عجيب !
    كان منظِّمو المؤتمر، من القسوس والأساقفة العقلاء الواعين، يعرفون أنتلك الاتهاماتِ محضُ توهُّماتٍ، وكانوا يعرفون أننى أرى فى الزمن القبطى، مرحلةًتاريخيةً من تراث مصر والمنطقة . وهى مرحلةٌ لابد من دراستها، وإلا فلن نفهم بقيةالمراحل . وهذا كُلُّ ما فى الأمر. ومن ثم ، فقد أصرَّ هؤلاءِ الأفاضلُ من القسوسوالأساقفة، بل ألـحُّوا، من أجل حضورى المؤتمر؛ لأُلقى بحثى فى اليوم الأول منه ،وأدير الجلسات الخاصة بالمخطوطات فى اليوم الثالث، وهو ما تمَّ بالفعل. ولكن نظراًلالتهاب بواطن الكثيرين، يومَها، رأيتُ الأنسبَ أن يكون البحث الذى أُلقيه مختصراً،ومقتصراً على بعض الأفكار التى سوف تردُ وافيةً كاملةً ، فى هذا الكتاب الذى بينأيدينا.
    وبدايةً ، فإننى من خلال هذا المصطلح الجديد : اللاهوت العربى، الذىأطرحه للمرة الأولى، أُؤكِّدُ أن ثمة نقاطاً مفصلية ، مهمةً ومهملةً، تجمع بين تراثالديانتين الكبيرتين (المسيحية والإسلام) بل تجمع هذه النقاط المفصلية، الواصلة،بين الديانات الثلاث : اليهودية والميسحية والإسلام.
    وأشير أولاً ، قبل الدخول إلى الفصول والتفاصيل التى قد تطول، إلى بعضالنقاط الاستهلالية التى تلقى الضوء على تلك المنطقة الكثيفة، المعتمة الوعرة، التىنحن بصدد الدخول إليها. ولسوف نورد هذه النقاط الافتتاحية، المفتاحية ، من خلالمجموعة (الأقوال) التالية .
    القولُ الأولُ : فى سماوية الدين بالضرورة
    جرت عادةُ الناس فى أيامنا الحالية، بأن يصفوا اليهودية والمسيحيةوالإسلام، تحديداً ، بأنها دياناتٌ سماويةٌ. ولم يكن الأوائل، ولا الأواخر منالعلماء، يستعملون هذا الوصف أو تلك التسمية للديانات الثلاث. غير أن صفة (السماوية) طفرت فى ثقافتنا المعاصرة فجأة كوصفٍ معتاد للديانات الثلاث، وشاعاستخدامها فى كتاباتنا وكلماتنا اليومية ؛ من دون انتباهٍ إلى أن أىَّ دينٍ ،أيَّاً كان، هو بالضرورة سماوىٌّ لغةً واصطلاحاً ! فالسماءُ فى اللغة، أى من حيثالمفهوم الأصلى للكلمة ، تعنى العلو. ولذلك ، فحسبما يقول العلامة اللغوى الشهيرابن منظور وغيره كثيرون من علماء اللغة العربية: إن كل ما أظلَّك وعلاك ، فهو سماء. فالسماء فى حقيقة الأمر ، لفظٌ لا يقع معناه على شىءٍ محسوسٍ محدَّد، وإنما على أىسقفٍ كان، ولو كان سقف الغرفة. وقد قيل للسحاب، سماء ، لأنه يعلو ويظل ! لا أكثر منذلك ولا أقل .
    ومن هنا، لم يستخدم الأوائلُ من علمائنا وصفَ (السماوىِّ) للإشارة إلىواحدٍ من هذه الديانات الثلاث المشهورة. وإنما قالوا مثلما قال القرآن الكريم، بأنهناك دينَ الإسلام وهنالك الديانات الكتابية، نسبةً إلى أهل الكتاب (التوراة ،الإنجيل) وهناك من بعدهم الكفار الذين لا يؤمنون بالله. وأيضاً، لم يُستخدم وصفُوثنى فى فجر الإسلام ، وإنما أُشير فى القرآن إلى أن الكفار يعكفون على أصناميعبدونها من دون الله، فهم بهذا المعنى (يكفرون) آياتِ الألوهية الساطعة فى الكون،أيَّا ماكان ما يكفرون به، أى يخفون ويغطون. إذ لفظ الكفر يعنى أصلاً: الإخفاءوالتغطية، ولذا وُصف الزُّراع الذين يدفنون البذور فى الأرض، بالكُفَّار(). ولذلك،فقد يكون الكُفْرُ صنماً مقدساً عند عرب قلب الجزيرة قبل الإسلام، أو ناراً معبودةعند المجوس ، أو كواكب منيرة فى السماء عند الصابئة. وهؤلاء (الكفار) جميعاً،يتعالون بما يعبدونه من محسوسات، فيتسامون بها إلى مرتبة الألوهية. أى أنهم يرفعونمعبوداتهم إلى سقفٍ سماوىٍّ أعلى من واقعها المحسوس، بحسب ما يتوهَّمونه فىمعبوداتهم . ومن هنا نقول، إن كل دينٍ مهما كان، هو سماوىٌّ بالضرورة.
    ولعل الأصحَّ، إذا أردنا تمييز الديانات الثلاثالمشهورة عن غيرها، أن نصفها بأنها ديانات رسالية أو (رسولية) لأنها أتت إلى الناسبرسالةٍ من السماء، عبر رسولٍ من الله أو نبىٍّ يدعو إليه تعالى. سواءٌ جاء هذاالرسول بكتابٍ، أو عوَّلت دعوته على كتابٍ سابق، فكان نبياً. ومن هنا، كانتاليهودية هى رسالةُ موسى وأنبياء العهد القديم، الكبار الأوائل منهم أو الصغارالمتأخرين. وابتدأت المسيحية بنبوءة يوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا) ذلك الصوتالصارخ فى البرية، مؤذناً بمجىء (بشارة) المسيح، وتلاميذه الذين يسميهم القرآنالحواريين، ويسميهم الإنجيل الرُّسُل . وعلى المنوال ذاته، كان الإسلام هو رسالةالنبىِّ محمد، التى تلقَّاها من الله عبر الملاك جبريل، الذى هو عند المسلمين (الروح الأمين) وروح القدس، قياساً على ما هو فى المسيحية (الروح القدس) ولكن بدونألف الروح ولامه .
    إن وصف الديانات الثلاث (الرسالية) بالسماوية، إذن، هو وصفٌ غير دقيق. غير أن الناس اعتادوا استعماله ودرجوا عليه، فصار من كثرة استخدامه كأنه يقينىٌّ . وكذلك الحال فى صفة الوثنية، التى ألحقتها المسيحية أولاً بالديانات الأخرى، علىاعتبار أنها دياناتٌ تحتفى بالأصنام أو الأوثان. وهنا تجدر الإشارة إلى الفارقبينهما، فالصنم هو ماكان على صورةٍ وهيئةٍ محدودةٍ، كتمثال سيرابيس أو هُبَل أوغيرهما من التماثيل المعبودة. أما الوثن فهو المعبود الذى لايتخذ هيئةً محدودة،مثلما هو الحال فى أوثان اللات التى كانت غالباً، أحجاراً بيضاء مكعبة الشكل.
    وعلى الرغم مما سبق، فإنه لا يشترط أن تكون كلالديانات التى تحتفى بالتماثيل، هى بالضرورة وثنيةٌ. فالديانة البوذية مثلاً، تحتفىبأصنام بوذا، لكنها لا تقدسها قداسةَ التعبُّد لها، ولا تعدُّها بمثابة صورة حجريةللإله؛ وبالتالى يصعب وصف البوذية بأنها وثنيةٌ، بالمعنى الدقيق للكلمة. ومن هنانفهم، لماذا لم تثر ثائرة البوذيين فى العالم، حين دمَّر المخبولون من حركة طالبانفى أفغانستان، تمثالىْ بوذا الهائلين فى منطقة باميان . وقد صرخ العالمُ كلهمتوسلاً، واستصرخ علماءَ المسلمين فى بقاع الأرض، ليتوسَّطوا باسم الإنسانية لدىزعماء حركة طالبان (الطلبة الشرعيين) كى ينثنوا عن عزمهم تدميرَ التمثالين ، اللذينطالما أثارا إعجاب الرَّحَّالة من أهل الإسلام السابقين، والزائرين من غير المسلمينأيضاً. غير أن مدافع الأفغان من طالبان انطلقت نحو التمثالين، على مرأى من العالمكله، فأثارت فى الأرض الحسرة والحنق. ومع ذلك، احتفظ البوذيون الذين هم أكبر عدداًفى العالم من المسلمين جميعاً، بهدوئهم النفسى الذى أمرتهم به ديانتهم ، وحزنواحزناً عميقاً على تراثٍ إنسانىٍّ مبهرٍ، من دون أن يثوروا تلك الثورات التى طالماعرفناها عند اليهود والمسيحيين والمسلمين، إذا لُمست مقدساتهم، أو أشير إلى عقائدهمبأى تلميحٍ لا يحبونه .
    القولُ الثانى : فى أن الديانات الثلاث واحدةٌ
    يبدو لنا عند إمعان النظر، أن الديانات الثلاث (اليهودية، المسيحية،الإسلام) هى فى حقيقة أمرها ديانةٌ واحدةٌ ظهرت بتجلياتٍ عدةٍ، عبر الزمان الممتدبعد النبى إبراهيم (أبرام) الملقب فى الإسلام بأبى الأنبياء، والذى هو فى المسيحيةجَدُّ المسيح. فكانت نتيجة هذه المسيرة الطويلة، هى تلك التجليات الثلاثة الكبرى (الديانات) التى تحفل كُلُّ ديانةٍ منها بصيغٍ اعتقادية متعددةٍ، نسميها المذاهبَوالفرق والنحل والطوائف.
    ومهما كان من موقف المسيحية الحانق على اليهود، لأنهم أدانوا السيدالمسيح ، وقَدَّموه إلى بيلاطيس البنطى ليقتله، بحسب رواية الأناجيل. ومهما كان منموقف الإسلام الذى أدان اليهود لأنهم حَرَّفوا الكلامَ الإلهى، وقتلوا النبيين بغيرحق، وزعموا أن بأن يَدَ الله مغلولةٌ ، بحسب ما جاء فى القرآن. إلا أن الديانتين ،المسيحية والإسلام، اجتمعتا على الاعتراف بالديانة اليهودية، ونظرتا بكل تبجيل إلىأنبياء اليهود (الكبار) بل بدأتا بالإقرار بنبوتهم ، وبتأكيد الارتباط بهؤلاءالأنبياء. وهو ما أنكره اليهودُ، على الديانتين اللاحقتين زمناً على اليهودية. ومعذلك ، فقد بدأت المسيحيةُ باعتبارها امتداداً لليهودية، فاستهلَّ إنجيل متى آياتهببيان أن المسيح يسوع (عيسى) هو ابن داود الذى هو ابن إبراهيم: فجميع الأجيال منإبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلاً، ومن داود إلى سنى بابل أربعة عشر جيلاً، ومن سنىبابل إلى المسيح أربعة عشر جيلاً.. () واستهلَّ القرآنُ خطابه الإلهىَّ بالآياتالأولى من سورة البقرة، وهى الآياتُ المؤكِّدة أن المتَّقين هم ]الذين يؤمنون بماأُنزل إليك وما أنزل من قبلك[ واخَّتصت سورٌ كثيرةٌ بسيرة الأنبياء الأُوَل، علىاعتبار أنهم ]ذرية بعضها من بعض[ .
    وبطبيعة الحال، فقد بدت بسبب اختلاف الأزمنة،اختلافاتٌ تشريعيةٌ بين الديانات الثلاث . لكن الجوهر ظلَّ واحداً ، وظلَّالنَّسْجُ الأصلىُّ يتم على المنوال ذاته . ففى كل مرة، نرى الدين اللاحق يؤكِّدالدين السابق، بينما الدينُ السابق ينكر اللاحق ويستنكره .
    ومن ناحية أخرى، يطيب للكثيرين وصفُ الدياناتالثلاث بأنها ديانات (توحيدية) بمعنى أنها دعت إلى عبادة الله الواحد، فى مقابلالديانات الأخرى القائلة بتعدُّد الآلهة. غير أن صفة التوحيد، ليست هى المعبِّرالجوهرى عن وحدة الديانات الثلاث، وإلا فإن هناك ديانات أخرى سابقة ولاحقة، نادتبالتوحيد منذ عبادة آتون التى قال بها إخناتون ، إلى نِحْلة البهائية التى ألحقتذاتها بما سبقها من ديانات ثلاث، فلم تجد من أصحابها غير الإنكار والاستنكار. فالتوحيد إذن، ليس هو الموحِّد بين اليهودية والمسيحية والإسلام. خاصةً أن هؤلاءالموحِّدين المشهورين، سلكوا فى (التوحيد) مذاهب شتى، حظيت بموافقة البعض منهم،ورَفَضَها الآخرون، حتى داخل إطار كل ديانة على حدةٍ. ولذلك اختلفت المذاهبوتعدَّدت الفرق الدينية فى الديانات الثلاث، حتى صار الاختلاف المذهبى فى الديانةالواحدة، أعمق وأبعد أثراً من الاختلاف بين ديانتين .
    نخرج مما سبق، إلى تقريرِ أن الجوهر الجامع بين اليهودية والمسيحيةوالإسلام، هو تأسيسُ اللاحق منهم لذاته على السابق، وتأكيد نبوة الأنبياء فىالديانات الثلاث مجتمعةً، مع بعض الاختلافات فى صورة هؤلاء الأنبياء بين اليهوديةوالمسيحية من جهة، والإسلام من جهة أخرى. وبقطع النظر عن الصورة المثلى التى قدَّمبها الإسلامُ الأنبياءَ الأُول، فإن المهم هنا هو (الإجماع) على نبوتهم، والتأكيدعلى (جوهرية) النبوة. وهى نقطةٌ دقيقةٌ، سوف نتوقف أمامها لاحقاً، عند الكلام عنطبيعة العقلية العربية التى أبرزت الفكر الكَنَسِىَّ الموسوم، أُرثوذكسياً،بالهرطقات .
    القولُ الثالثُ : فى فحوى مقارنة الأديان
    كتابنا هذا، ليس بحثاً فى مقارنة الأديان بالمعنى المشهور لهذا التخصُّصالمعروف ، الذى يقارن بين الأديان بأن يبحث فى قضيةٍ ما، كالألوهية مثلاً؛ فيرصدالاختلاف أو الاتفاق حولها، فى ديانتين أو أكثر، ويحدِّد ما هنالك من الفروقالفارقة. أو هو العلم الذى يقارن بين الأديان، بأن يعرض لكل دينٍ على حدة، بقضاياهكلها، ثم يعرض لدين آخر على المنوال ذاته؛ فيرصد وجوه الاختلاف والاتفاق بينديانتين أو أكثر، بحسب عدد الديانات التى يتعرَّض لها مُقارنُ الأديان .
    ولأن المؤرخين المسلمين وضعوا كُتباً للتعريفبعقائد أهل الملل والديانات غير الإسلامية، فقد عَدَّ بعضهم (علم مقارنة الأديان) علماً إسلامياً أصيلاً ، اختفى عن المسلمين حيناً من الزمان، ثم عاد إليهم فى العصرالحديث. وهو ما يعبِّر عنه بوضوح ، د. أحمد شلبى (الحاصل على دكتوراه الفلسفة منجامعة كمبردج) فى الكتاب الأول من كتبه الأربعة المشهورة، المنشورة مراراً تحتعنوان مقارنة الأديان حيث يقول ما نصُّه :
    من مفاخر المسلمين أنهم ابتكروا علم مقارنةالأديان، وسنرى أن مفكرى الغرب يعترفون بذلك، ومن الطبيعى أن هذا العلم لم يظهر قبلالإسلام؛ لأن الأديان قبل الإسلام، لم يعترف أىٌّ منهما بالأديان الأخرى .. ومنهنا، لم يوجد علم مقارنة الأديان قبل الإسلام، لأن المقارنة نتيجة التعدُّد ، ولميكن التعدُّد معترفاً به عند أحد، فلم يوجد ما يترتَّب عليه وهو المقارنة .. والمسلمون فى عصور الظلام، قد أهملوا مقارنة الأديان لسبب أو لآخر .. بيد أنالمسلمين فى العصر الحديث، أفاقوا من غفوتهم وراحوا يحاولون أن يستعيدوا الزمام،وأن يحيوا من جديد علم مقارنة الأديان، ليكون فى أيديهم سلاحاً فى الحاضر، كما كانسلاحاً فى الماضى .. فعلم مقارنة الأديان، يُخرج منها ثروة فكرية رائعة، تُبرز جمالالإسلام ورجحانه على سواه .. إن الفكر الإسلامىَّ قمةٌ شامخةٌ، وإن ما سواه حافلبالانحراف والوثنية والتعدُّد، ومثل هذا ظهر عندما تدارسنا معجزات الأنبياء والكتبالمقدسة والتشريع، وغير هذه من القضايا .. وفى كلمة مجملة، نتمنى أن يعود علممقارنة الأديان إلى المعاهد الإسلامية، وأن يأخذ قدره بين العلوم الإسلامية، ليخدمالإسلام فى الحاضر والمستقبل، كما خدمه فى الماضى().
    وقد نقلنا الفقرات السابقة على طولها، بحروفها، لأنها تمثل (حالة) منحالات الزعم العلمى المأزوم، أو هى تعبِّر عن الأزمة التى تزعم لذاتها صفة العلمية. ففى حقيقة الأمر، لم يقدِّم علماء المسلمين الأوائل علماً لمقارنة الأديان، بالمعنىالمذكور، بل لم يقدِّموا تأريخاً للعقائد على النحو الواجب؛ إلا فى حالتين فقط سوفنشير إليهما بعد قليل. فأما ذاك الذى قدَّمه ابن حزم فى (الفِصَل فى الملل والأهواءوالنِّحَل) والشهرستانى فى (الملل والنحل) والمسبِّحى فى (دَرْك البغية) والنوبختىفى (الآراء والديانات) وأمثالُ هؤلاء، فى مثل هذه الكتب؛ فهو وصفٌ عامٌ لعقائدالفرق والجماعات الإسلامية وغير الإسلامية، لا أكثر. فكانت هذه المؤلفات المذكورة،حقيقةً، فى مجال التأريخ للاعتقادات والتعريف بالمعتقدات، وليس فى مقارنة الأديان.
    كما أن هؤلاء المؤرِّخين المذكورين، كانواجميعاً مسلمين، وكانت لهم مذاهب دينية معروفة ينتسبون إليها. وليس من السهل علىصاحب الدين والمذهب، أن ينصف أدياناً ومذاهب مخالفةً لما هو عليه. ناهيك عن أنهؤلاء المشاهير من مؤرخي العقائد والديانات، ما كانوا فى الغالب الأعم، يعرفوناللغات القديمة التى استعملها أهل الديانات والملل التى أرَّخوا لها، أو وصفوها. فكأن تأريخهم ووَصْفهم فى حقيقة الحال، هو (حكاية) ما بلغهم عن تلك العقيدة، أوذاك الدين .
    وليس صحيحاً أن الإسلام اعترف بتعدُّدٍ بين الديانات ، فقد ذكرت الآياتُالقرآنية عقائد غير المسلمين ، مؤكِّدةً بوضوح )إن الدين عند الله الإسلام( وأن )مَنْ يبتغ غير الإسلام ديناً ، فلن يُقبل منه( . ومعروفٌ أن الديانات الموسومةبالوثنية، كان كُلُّ دينٍ منها يفسح مساحةً لغيره من الديانات (الوثنية) الأخرى،المختلفة عنه. ولم يحدث يوماً أن تقاتل هؤلاء (الوثنيون) فيما بينهم، من أجل إعلاءديانةٍ وثنيةٍ فوق ديانةٍ وثنيةٍ أخرى، على نحوِ ما فعلت اليهودية مثلاً ، فى حروبالربِّ التى قادها يوشع بن نون لإجلاء سكان فلسطين قديماً، فأباد فى حربه المقدسةتلك، حسبما ذكرت التوراة، عشراتِ الممالك. فتحقَّق بذلك، كلامُ الربِّ للنبى موسى (التوراتى) حين قال الله له : متى أتى بك الربُّ إلهك إلى الأرض التى أنت داخلٌإليها لتمتلكها، وطرد شعوباً كثيرةً من أمامك: الحيثيين والجرجاشيين والأموريينوالكنعانيين والفرزيين والحِوِّيين واليَبُوسيين، سبعَ شعوبٍ أكثرَ وأعظمَ منك،ودفعهم الربُّ إلهك أمامك، وضربتهم، فإنك تحرمهم. لا تقطع لهم عهداً، ولا تشفقعليهم .. هكذا تفعلون بهم: تهدمون مذابحهم، وتكسرون أنصابهم وتقطعون سواريهموتحرقون تماثيلهم بالنار، لأنك أنت شعبٌ مقدَّس() . وهو ما تم فعلاً، على يد يشوع (يوشع) بن نون، خليفة النبى موسى، حسبما تحكى التوراة بصراحـةٍ : فعل يشوعُ حرباًمع أولئك الملوك أياماً كثيرة، لم تكن مدينةٌ صالحت بنى إسرائيل إلا الحِوِّيينسكان جعبون. بل أُخذوا الجميع بالحرب، لأنه كان من قِبَلِ الرَّبِّ، أن يُشدَّدقلوبهم حتى يُلاقوا إسرائيل للمحاربة، فيُحرَّموا ، فلا تكون عليهم رأفةٌ، بليُبادون كما أمر الربُّ موسى() .
    ومن ناحيةٍ أخرى، نعرفُ أن المسيحيين قادواباسم المسيح، حروباً كثيرة، امتد بعضها قروناً. كالحروب الصليبية الطويلة التى جرتمع المسلمين، والحروب المقدسة الأطول زمناً بين الجماعات الكاثوليكيةوالبروتستانتية. ونعرفُ كذلك، أن المسلمين خرجوا فى الغزوات والفتوح لنشر دين الله، انطلاقاً من الحديث الشريف: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله() . ومن الآيه القرآنية ) يا أيها الذين آمنوا، قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ((). والآية الكريمة )وما كان لنبىٍّ أن يكون له أسرى، حتى يثخن فى الأرض(() ومعنى يثخنفى اللغة العربية، يطعن بالرمح والسيف .. فأين إذن، ما يُزعم عن (الاعتراف) بالديانات الأخرى ، وما يُتوهَّم من أن (التعدد) مَهَّد لما يسمى بعلم مقارنةالأديان !
    أما الاثنان اللذان ذكرتُ سابقاً ، أنهمايمثلان حالةً فريدة فى التراث العربى الإسلامى، ويمكن النظرُ إلى إنتاجهم الفكرىعلى اعتبار أنه تأريخٌ جيد للعقائد أو مقارنة بين المذاهب أو مقاربة للأديان. فأحدهما رجلٌ مشهورٌ، هو أبو الريحان البيرونى، وذلك فى كتابيه: الآثار الباقية عنالقرون الخالية، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة فى العقل أو مرذولة. والرجلُ الآخرالإيرانشهرى مغمورٌ، فُقدت كتبه ولم نعرف عنه شيئاً، إلا من خلال إشارةٍ لناصر خسروفى كتابه (سفرنامة) ومن عبارةٍ حاسمة أوردها عنه البيرونى ، حين قال: وكان قد وقعَالمثالُ فى فحوى الكلامِ على أديانِ الهند ومذاهبهم، فأشرتُ إلى أن أكثَرها مما هومسطورٌ فى الكُتبِ، هو مَنحولٌ، وبعضُها عن بعضٍ منقولٌ، وملقوطٌ مخلوطٌ، غيرمهذَّبٍ على رأيهم ولا مشذَّبٍ. فما وجدتُ من أصحابِ كُتب المقالات أحداً ، قصدَالحكاية المجرَّدةَ من غير ميلٍ ولا مُداهنةٍ، سوى أبى العباس الإيرانشهرىِ، إذ لميكن مِن جميعِ الأديان فى شىءٍ، بل منفرداً بمخترعٍ له يدعو إليه ، ولقد أحسنَ فىحكايةِ ما عليه اليهودُ والنصارى، وما يتضمنُه التوراةُ والإنجيلُ، وبالغَ فى ذكرِالمانوية وما فى كُتبهمِ من خبر الملَلِ المنقرِضَة().
    والأهم مما سبق، أن مقارنة الأديان حسبما رأيناها عند د. أحمد شلبى، فىعباراته التى نقلناها فيما سبق؛ هى علمٌ يسعى لامتلاك (سلاح) يكون بيد المسلمين ! وهى بحثٌ يبرز جمال الإسلام ورجحانه، ويؤكِّد أن الفكر الإسلامى قمةٌ شامخة، وماسواه حافلٌ بالانحراف والوثنية والتعدد! وما كان ذاك فيما نرى، إلا خَلْطاًوتخليطاً. وإلا، فماذا لو كان الذى (يقارن الأديان) غير مسلم؟ وهل يرى غيرُ المسلمالإسلامَ، إلا مثلما يرى المسلمُ الديانات غير الإسلامية: حافلةً بالانحرافوالوثنية والتعدد ؟ وما الفارق إذن، بين علم مقارنة الأديان، المزعوم، وما يسمى فىالمسيحية بعلم اللاهوت الدفاعى ؟ .. ولعل قولهم (الدفاعى) يتضمَّن شعوراً خفياًبحالة (الحرب) بين الديانات، ولذلك أُلحقت صفة الدفاعية ذات النكهة الحربية،باللاهوت.
    ولما سبق، فنحن لا نعتد بفحوى ذلك (التخصُّص) الذى يسمى مقارنة الأديان،ولا نرى من الصواب أصلاً أن نقارن بين الديانات. وإنما نرى الأصوب أن نقرن بينالديانات الرسالية الثلاث (الإبراهيمية) أو نقارب بينها، على اعتبار أنها تجلياتٌثلاثة لجوهرٍ دينىٍّ واحد. وتلك هى الرؤية العامة والقاعدة الأساسية التى تقومعليها فصول هذا الكتاب، وهى منطلقاتٌ مناقضةٌ تماماً للدعوى التى يقوم عليها ذلكالمسمَّى علم مقارنة الأديان .
    ويضاف لما سبق، أن المتَّصَل التراثىَّ الممتدمنذ اليهودية المبكرة، حتى الفكر الإسلامى المعاصر، يشهد بتوالي الاتصال بيناليهودية والمسيحية والإسلام. بكل ما تحفل به هذه الديانةُ الإبراهيمية الواحدة منتجليـات كبرى، كان لكل منها أشكاله وأنماطه الفرعية المتعددة، المسماة بالمذاهبوالفرق. ومن هنا نرى أن (مقارنة الأديان) إن كان ثمة ضرورة لها، فإنها يمكن أن تكونبين الديانات الثلاث من ناحية، ومن الناحية الأخرى الديانةُ المصرية القديمة (مثلاً) أو إحدى ديانات الهند. فبهذا المعنى وحدَه، قد يجوز الكلامُ عن (مقارنة) أديان، أو تمكن المقارنةُ بين ديانات؛ لأنه فى هذه الحالة وحدها، يكون الاختلاف فىالجوهر قائماً. ومع ذلك ، فسوف تبقى أمامنا صعوبةٌ أساسيةٌ تعترض ذلك (العلم) المسمَّى مقارنة الأديان، وتتمثل فى أن دارسيه أنفسهم، يتبعون عادةً ديناً منالأديان التى يقارنون فيما بينها. ومن أشباه المستحيل ، أن يتجرَّد الدارس عن ذاتهتماماً، كى ينظر فى دين الآخرين بالحيدة والموضوعية اللازمين للبحث. خاصةً أن هذا (العلم) يُدرس عندنا فى الأزهر الشريف، وعند المسيحيين فى الكليات الإكليريكية،وكلها أصلاً معاقل ديانة. ولا أدرى كيف يمكن لهؤلاء المشايخ أو أولئك القسوس، أنيقارنوا بين ديانةٍ يَدينون بها، وديانةٍ يُدينونها مسبقاً.
    يتبع..,,

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    في بلاد الله
    الردود
    17

    اللاهوت العربي مقدمة (تتمة)

    القولُ الرابعُ : فى الفرضياتالأساسية
    هناك مجموعة فرضيات تنطلق منها (الرؤية) التى نقدمها عبر فصول هذاالكتاب. فمن ذلك فرضيةٌ أساسيةٌ مفادُها أن التراث العربى/ الإسلامى، لن يمكن فهمهأو الوعى به، من دون النظر المتعمِّق فى الأصول العميقة لهذا التراث. أعنى الأصولالأسبق زمناً ، التى كانت بمثابة مقدماتٍ له، وكان هو بمثابة امتدادٍ لها. وهكذاالحال أيضاً، فيما يخص التراثيات التى تزامنتْ أو تعاقبتْ فى المنطقة المسماةبالعالم القديم، أى منطقة شرق المتوسط وعمقها الجغرافى المشتمل على (الهلال الخصيب) الممتد شرقاً حتى منطقة القلب الفارسى (الإيرانى) وهى المنطقة التى يُشار إليها فىالدراسات المسيحية باسمٍ مبهمٍ عامٍ، بل يصل من الإبهام والعمومية لدرجة أن ملامحهتكاد لا تبين، أعنى قولهم العمومى المبهم: المسيحية الشرقية() .
    وإلى جانب هذه الفرضية الأولى، هناك فرضيةٌ ثانية مكمِّلةٌ لها، مفادُهاأنه فى حالة (التزامن) والمعاصرة بين الدوائر التراثية المتداخلة، فإنه لا يشترطبالضرورة، أن يؤثِّر الأقدمُ زمناً فى الأحدث منه أو التالى عليه. فأحياناً يحدثالعكس، فيؤثر اللاحقُ فى السابق حين يتعاصران. والأمثلةُ الدالة على بداهة هذهالفرضية عديدةٌ، منها مثالٌ واضحٌ هو أثر الأفلاطونية المحدثة فى التراث اليهودىالأسبق منها ظهوراً، من خلال شروح فيلون السكندرى للتوراة وتأويلاته لنصوص العهدالقديم، وهى التأويلات التى صارت مع الزمن تراثاً يهودياً، مع أنها استمدت مادتهاالأولى من أصولٍ فكريةٍ، تاليةٍ على اليهودية زمناً، ومختلفةٍ عنها تماماً .
    وهناك مثالٌ آخر، يصل من القوة بحيث يمسُّ جوهرَ الديانة اليهودية،عقائدياً. وهو استكمالُ المنظومة الدينية اليهودية لذاتها، اعتماداً على الديانتينالتاليتين عليها (المسيحية، الإسلام) بإدخال فكرة البعث أو القيامة وما يتعلق بهامن الأخرويات، وهو ما خلت منه النصوصُ اليهودية المبكرة (التوراة، أسفار الأنبياءالكبار) وتم إدخالها فى النصوص اليهودية المتأخرة، كالمشناة (المثناة) والجمارا،وهما يؤلِّفان معاً التلمود. ومن هنا صارت عقيدة البعث، جزءاً رئيساً من الديانةاليهودية. وهو جزءٌ رئيسٌ ، تأخَّرت إضافته قرابة سبعة قرون().
    نخرج من ذلك بحقيقةٍ مهمةٍ لا مجال لإنكارها، هى أن التفاعل بينالديانات الثلاث لم يقتصر على التعاقب الزمنى بين اليهودية والمسيحية والإسلام،وإنما تعدَّى ذلك إلى تفاعلات عميقة فى أصل كل دينٍ منهم، وإلى عملياتٍ جدليةٍمؤكِّدةٍ أن جوهر الديانات الثلاث فى واقع الأمر، هو جوهرٌ واحدٌ.
    ولدينا هنا فرضيةٌ أخرى، ثالثةٌ أخيرة، مفادُهاأن اختلاف اللغات المعبرَّ بها عن المفاهيم والاصطلاحات الدينية، قد يوهم بأن هذاالمفهوم أو ذاك المصطلح، مختلفُ الدلالة بين العرب والسريان واليونان، مع أن المعنىالمراد واحدٌ . غير أن اختلاف اللفظ بين اللغات، قد يؤدى إلى الظن بأن المعنىمختلفٌ. ومن ناحية أخرى، قد تؤدى الترجمةُ بين هذه اللغات، إلى تغيير مسمياتالأشياء الواحدة فتصير كأنها متعدِّدة، حتى فى أسماء الأشخاص. مثلما هو الحال فىيسوع الذى هو عيسى بذاته، ويوحنا المعمدان الذى هو يحيى بن زكريا، والعذراء (القديسة) التى هى (الصِّدِّيقة) مريم ابنة عمران، أخت هارون().
    ويلحق بما سبق، أن الطقس المسيحىَّ الخاص بتغيير أسماء الرهبان عندرسامتهم، غالباً ما يؤدى إلى إسقاط الاسم الأصلى للراهب والقَسِّ، بالكلية، لصالحالاسم الكَنَسِى الجديد المختار اختياراً. وهو أمرٌ من شأنه حجبُ الأصول التى انحدرمنها هؤلاء القسوس والرهبان، قبل ارتقائهم سُلَّمَ الإكليروس. لكن ذلك لا يعنىبالطبع، أن الخلفية الثقافية وطبيعة (العقلية) التى انتمى إليها هؤلاء أصلاً، قدأُلغيت تماماً مع أسمائهم الأولى، عند رسامتهم قسوساً ورهباناً . وهذه نقطةٌ دقيقة،سوف نتوقَّف عندها فى الفصل الرابع من هذا الكتاب، عند الكلام عن (الهراطقة) أوأولئك المفكرين الكنسيين من ذوى الأصول العربية، الذين اعتبرتهم الكنيسةُالأرثوذكسيةُ هراطقةً، وعَدَّت أقوالهم هرطقات .
    القولُ الخامسُ : فى تداخلالدوائر
    إن التراثيات المتزامنة والمتعاقبة ، فيما نرى، هى دوائرُ متفاوتةُالمساحة بحسب ما أعطاه هذا التراثُ أو ذاك لأهل زمانه، وللإنسانية من بعدهم. وهذهالدوائر قد تتماسُّ أو تتداخل، وفقاً للظروف الموضوعية التى أبرزت هذه الدائرةالتراثية أو تلك. ويمكن تقريب صورة التداخل بين الدوائر الثلاث التى ترتبط ببحثناهذا، أو يرتبط بها البحثُ، من خلال هذا الشكل الإهليلجى :


    فى هذا الشكل، تمثل الدائرة ( أ ) التراثَ المسيحىَّ بكل مشتملاتهوأطيافه المذهبية التى امتدت فى الزمان قروناً، تنوَّعت فيها الرؤى الروحيةوالمذاهبُ العقائدية، حتى تكثفت وتعمق اختلافها فى الزمن السابق على ظهور الإسلام. بينما تمثل الدائرةُ الوسطى، المشتركةُ (ب) العروبةَ التى عاشت زمانين، الأول مطموروالآخر مشهور. وأعنى بالمطمور، الزمنَ العربى السابق على ظهور الإسلام، المسمىاعتباطاً بالزمن (الجاهلى) مع أنه كان زمناً عربياً مديداً، مجيداً. غير أن مجدالعرب الممتد فى الزمن (الإسلامى) كان من السطوع، بحيث حَجَبَ المرحلةَ السابقة علىالإسلام من حياة العرب، وتركها حالكةً فى وعينا، بل ومهملةً، مظلمةً. والدائرة (ج) هى دائرة الدين الإسلامى الذى انبثق من قلب الجزيرة قبل أربعة عشر قرناً من الزمان،واشتد عُودُه مع الفتوح وكَرِّ الأيام والسنين، وقامت به الدولُ ودالت، وتوارثبعضها بعضاً : الخلفاء الراشدون، الأمويون، العباسيون، المماليك، الصفويون،العثمانيون .. إلخ .
    والتداخل بين الدائرتين ( أ ) و (ب) هو المنطقة التراثية الحافلة، التىينتمى إليها اللاهوت العربى. فى حين يمثل التداخلُ الأوسع مساحةً ، الذى بينالدائرتين (ب) و (ج) عملية امتزاجَ العروبة بالإسلامية. وهو امتزاجٌ بدأ بمقدماتٍواضحةٍ أدَّت إلى نتيجةٍ محددةٍ، أعنى المقدمات التى منها أن القرآن عربىٌّ مبينٌ،وأن الأئمة من قريش، وأن الصحابة كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، إلى آخر هذهالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومن بعدها وقائع التاريخ الفعلى لدول الإسلام؛التى أبرزت العروبة بشكلٍ واضح فى دين الإسلام. مع أنه طرح ذاته أصلاً ، كدينٍ لكلالبشر ، بل هو (الدين) مطلقاً من حيث ] إن الدين عند الله الإسلام..[ .
    وقد أكَّد الإسلام مبكراً ارتباطه باللغةالعربية على مستوى التمييز بين المؤمنين (المسلمين) والكفار (وأهل الكتاب) بقولالقرآن فى محكم آياته ]لسان الذى يُلحدون إليه أعجمىٌّ، وهذا لسانٌ عربىٌّ مبين[ وبإعلان النبى اعتزازه بأصوله العربية، بدءاً من جده الأعلى (إسماعيل) فى الحديثالنبوى: أنا ابن الذبيحين() ! وحتى جده المباشر عبد المطلب، فى الرجز الوحيد الذىنُسب إلى النبى، وهو قوله :
    أَنَاالنَّبىُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابنُ عَبْدِ المطَّلِبْ
    وهذه، وغيرها كثيرٌ، قرائنُ دالةٌ على التداخلالكبير بين دائرتىْ العروبة والإسلام. مع أن الدائرتين لاتنطبقان على بعضهمابالكامل، نظراً لوجود حقائق لا يمكن إنكارها؛ منها وجودُ العرب الصابئة واليهودوالنصارى، ومنها المشاركةُ غير العربية (الفارسية مثلاً) فى صياغة مفردات الحضارةالإسلامية التى صارت ظاهرةً إنسانيةً تتسع لغير العرب، وتسع القوميات الأخرى التىحافظ أهلها على ديانتهم الأولى، على الرغم من دخولهم فى حدود دولة الإسلام. بينماتشمل دائرةُ الإسلام أقواماً غيرَ عربٍ كالفرس والقبط والترك، وغيرهم من الذيندخلوا فى الإسلام من بعد الفتوح، وأعلنوا إسلامهم رغبةً أو رهبةً .
    القولُ السادسُ : فى ضَبْطِ المفردات
    هناك اصطلاحاتٌ وألفاظٌ وتسميات سوف نستخدمهاكثيراً فى هذا الكتاب، ولطالما استخدمها الباحثون من قبلنا حتى بهت معناها الأولوغام مدلولها، من فرط طفوها فوق سطح كلامنا المتكرِّر. ولذلك نرى من الضرورى أنننظر أولاً، بعمق، فى دلالاتها، حتى تنضبط وتتحدَّد بدقة. تلافياً للتشوش الدلالى،وللغموض الذى طالما أحاط بالكتابات التى تناولت هذه المنطقة المجهولة من تراثناالمشترك، بل عانت منها عموماً تلك العلوم المسماة بالإنسانية().
    وأول ما يتوجَّب الانتباه إليه فى هذه الناحية،هو تلك الصيغ المختلفة التى تُكتب بها أسماء الأعلام ومشاهير الرجال، فهؤلاء تردأسماؤهم وتتردَّد فى الكتابات المعاصرة بأشكالٍ مختلفة ، قد يُفهم معها أن هذاالشخص غير ذاك، مع أنهما واحدٌ! وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، منها الأسقف نسطور (المرعشلى) الذى ولد بقرية مرعش العربية القريبة من حلب، وهى البلدة المسماةباليونانية: جرمانيقى. وكذلك أستاذه، الأسقف تيودور، الذى يُشار إليه كثيراً باسم : ثيودوروس الموبسويستى، ويقال له أيضاً : تيودور المصيصى. لأن بلدة المصيصة، كانتتسمى باليونانية: موبوسويستا. ومن ذلك أيضاً، أسقف الرها (إديسا) فى النصف الثانىمن القرن الخامس، الذى يقال له: إيباس، إيبا، هيبا الرهاوى. وهى ثلاثة أشكال مختلفةلرسم اسمه، مثلما يُرسم بثلاثة أشكال أيضاً، المفكر الكنسى السكندرى الهائل: أوريجن، أوريجانوس، أوريجين.
    والأعقد مما سبق، تسمياتُ المراتب والألقابالكنسية ، مثل (البابا) الذى يفترض أنه شخصٌ واحدٌ يرأس المراتب الكنسية كلها،ويعلو فوق كل الدرجات الإكليركية. ومع ذلك يحدث كثيرٌ من الخلط فى ألقاب آباءالكنيسة الأوائل، مثل ثيوفيلوس رئيس الكنيسة القبطية من سنة 388 ميلادية حتى وفاتهسنة 412، وكيرلُّس خليفته على الكرسى السكندرى من سنة412 إلى وفاته (نياحته) سنة 444 ميلادية. هذان الرجلان، كلاهما، يُشار إليه عادة فى الكتابات المعاصرة بألقابمتعددة ، مختلفة الدلالة؛ فيقال للواحد منهما: بابا الأقباط، أسقف الإسكندرية،البطرك، بطريرك الكنيسة المرقسية. وكلها تسميات تدل على شخص واحد، مع أن (الأسقف) الذى هو فى بعض النظم الكنسية، رئيس (المطارنة) هو أدنى مرتبةً من (البطريرك) إذ أنفوق الأساقفة (الكاردينال) وهى رتبة فى الكنائس الغربية، لا يوجد لها مماثل فىالكنائس الشرقية. ورئيس الكرادلة، هو البطرك (البطريرك) الذى يعلوه البابا(). ومعذلك، نجد كُلاًّ من كِيرُلُّس (عمود الدين) وسلفه ثيوفيلوس، وغيرهما من الآباء (البطاركة) يقال لهم جميعاً، هذه الألقاب مجتمعة().
    وقريبٌ مما سبق، ما تُوصف به كنيسة الإسكندريةمن تسميات متنوعة، فهى الكنيسة (المرقسية) وكنيسة (اليعاقبة) وكنيسة (الأقباط) والكنيسة (الأرثوذكسية) والكنيسة المصرية! فالاسم الأول مشتقٌ من مرقس رسولالإسكندرية ، الشهيد، صاحب الإنجيل. والثانى مشتقٌ من مفكر كنسى عاش بشمال الشام،هو يعقوب البرادعى الذى نصر المذهب الدينى لكنيسة الإسكندرية، فنُسب إليه الأقباطتمييزاً لهم عن الملكانيين، الذين انتسبوا إلى الإمبراطور البيزنطى (الملك) فصاررئيس كنيسة الأقباط يُعرف بالبطرك اليعقوبى، ورئيس كنيسة الروم الأرثوذكس يُعرف فىمصر بالبطرك الملكانى .
    ويتصل بما سبق، ولكن فى التراث الإسلامى، مايُشار إليه بألفاظٍ غامضة أو بألفاظٍ دالة على عكس الموضوع . فمن أمثلة غامضالألفاظ، وصف أوائل المتكلمين (علماء الكلام) بأنهم: النُّفَاة ! ومن أمثلة عكسالدال والمدلول، تسمية إحدى الفرق الكلامية المبكرة، بلفظ (القدرية) مع أن مذهبهمكان النقيض تماماً للقول بالقضاء والقدر، وعبارتهم المشهورة تنفى القدرية تماماً : لا قَدَرَ والأمرُ أُنُف.
    ويتصل كذلك بما سبق، ما نراه فى النصوص العربيةالمعاصرة من خلط بين لفظىْ: الرومان، الروم. مع أن أولئك، غير هؤلاء . فالرومان همأصحاب الإمبراطورية المشهورة التى امتد سلطانها قروناً من الزمان، وكانت عاصمتهاروما. أما الروم، فهى التسمية العربية / الإسلامية لأهل الإمبراطورية البيزنطيةالمسيحية ، التى ورثت مجد روما، وكانت عاصمتها هى (بيزنطة) التى تعرف أيضاً بأسماءكثيرة، فهى القسطنطينية نسبةً إلى الإمبراطور قسطنطين الكبير، الذى بنى المدينة. وهى بيزنطة، بحسب التسمية المسيحية للمدينة ذاتها. وهى عند المسلمين الآستانة عاصمةالدولة، أو الخلافة، العثمانية. وهى بالأمس القريب، المدينة المسماة (إسلامبول) والمسماة فى أيامنا الحالية: استانبول، اسطنبول. وهكذا حملت المدينة ذاتها، ستةأسماء (مشهورة) قد تُربك مَنْ لاينتبه إلى أنها تسميات عدة، لمسمىواحد.
    ولضبط مثل هذه المفردات الملتبسة، حرصنا بينثنايا الكتاب على التوضيح الدقيق لمعانى الألفاظ والمصطلحات المستخدمة، كلما سنحتالفرصة لذلك. من دون الإغراق فى الشرح، واللَّجَج فى معانى هذا المصطلح أو هذهالمفردة. إذ أن غايتنا هى (التبيان) بغيةَ النجاة من خلط الدلالات، دون الاشتباك معالتعريفات المتعددة لكل مفردة. وقد اخترنا من أسماء الأعلام والمذاهب، ماهو الأشهروالأكثر تداولاً، مع الإشارة أحياناً إلى الصيغ الأخرى التى قد يكتب بها هذا أو ذاك .
    القولُ السابع : فحوى اللاهوتالعربى
    لن أطيل هنا فى الكلام عن دلالة هذا المصطلحالجديد ، اللاهوت العربى أو فحواه . ذلك أن فصول هذا الكتاب، كلها، هى بيانٌ لذلك،وتبيانٌ لهذا المعنى الذى أقصد إليه . وملخصُ الأمر أننى أرى ، ببساطة ، أن الديانةالمسيحة لم تعرف (اللاهوت) قط ، إلا من خلال بعض المحاولات التى أرادت أن تنتقلبالفكر الدينى المسيحى ، من الاشتغال بحقيقة المسيح ، إلى الانشغال بالذات الإلهية .
    وهذه المحاولات الأفكار والمذاهب الدينيةالمرفوضة أرثوذكسياً ، أو هى ما يسميه الأرثوذكس بالهرطقات، أى المذاهب الدينيةالمنحرفة عن الإيمان القويم ، وبكلمة واحدة : الكافرة ، أو الملحدة.
    وهذه المحاولات الهرطوقية، الكافرة الملحدة،ظهرت فى منطقة الهلال الخصيب التى سادت فيها الثقافة العربية فى العصر المسيحى ، منقبل ظهور الإسلام بقرون. وهى التى أدَّت بشكلٍ مباشر ، إلى صياغة (الأرثوذكسية) ذاتها ، وإلى صيغ (قانون الإيمان) المتعدِّدة .
    وهذه المحاولات الهرطوقية العربية ، سعت إلىإساء (لاهوت) مسيحى، لكنها لم تنجح فى مسعاها ، إلا بعدما ظهر الإسلام منتصراً لماكان يسمى بالهرطقة النسطورية ، والهرطقة الآريوسية . الأولى نسبةً إلى الأسقف آريوسالليبى .
    وهذه المحاولات الهرطوقية العربية الساعية إلىتأسيس لاهوت مسيحى، مضاد للكريستولوجيا الأرثوذكسية، ظهرت كلها فى محيطٍ جغرافىٍّمحدد، بين جماعة بعينها من الناس . فكان ذلك المحيط الجغرافى وتلك الجماعة ، همابذاتهما المجال الذى ظهر فيه، بعد ظهور الإسلام، ما سوف يسمى بعلم الكلام .. أو علمالعقيدة الإسلامية ، أو علم أصول الدين الإسلامى ، أو الفقه الأكبر للمسلمين .. بيد أن هؤلاء المفكرين (العرب) أو ذوى الثقافة العربية ، كانوا قبل الإسلاميعبَّرون عن أفكارهم فى إطار الديانة المسيحية ، ويكتبون باللغات التى كانت متداولةآنذاك بين أهل العلم (السوريانية، اليونانية) فلما انتشر الدين الإسلامى ، صَبَّتْأفكارهم فى هذا المسار الجديد، وكُتبتْ باللغة العربية .
    كان ذلك هو الملخَّص الموجر، وللأمر تفصيلٌيطول ، وسوف نتعرَّض له عبر فصول هذا الكتاب .
    * * *
    ولعل من المناسب هنا، أن نختتم هذه المقدمة المشتملة على تلك التمهيداتالضرورية ، بتأكيد أن هذا الكتاب لم يؤلَّف من أجل هؤلاء (المتعمِّقين) فى دراسةعلم الكلام الإسلامى، من ناحية، ولا أولئك (المتوغِّلين) فيما يسمى اللاهوت المسيحى، من الناحية الأخرى. إذ أن غالبية أولئك وهؤلاء، انشغلوا فقط بالجانب الذى فيهيدرسون ويبحثون، فلم يلتفتوا إلى الجوانب الأخرى الخارجة عن مجال نظرهم وميداناهتمامهم. وقد ظنَّ أولئك وهؤلاء، كُلٌّ من موقعه، أن (العلم) الذى يشتغل به فريدٌفى بابه، متميزٌ بقشره ولبابه، ولا غناء فيما عداه ولا استغناء بغيره عنه. ومن هنا،غرق فى لُجة هذا (العلم) أو ذاك، عقولٌ نيِّرةٌ كان من الممكن أن تزداد استنارةًوتوهُّجاً، لو نظر كل منهما فيما ينشغل به الآخر. أو عُنى أىُّ طرفٍ منهما، بما سوفنطرحه هنا من رؤى خاصة بالامتداد التراثى الواصل بين اللاهوت العربى الممتد قروناًقبل الإسلام، وبواكير علم الكلام التى سرعان ما انبثقت عنها مذاهب كلامية إسلاميةعاشت زمناً طويلاً.
    إن هذا الكتابَ وُضع بشكلٍ عام للمهتمين بالديانات، وبشكلٍ أعم للقارئالواعى المنشغل بالدين. وقد راعيتُ فيه، أن أعبِّر عن أدق التفاصيل بأيسر الألفاظ،وظللت عبر فصوله أقاوم إغواء السرد السهل المترهِّل للمباحث اللاهوتية والكلامية ،محاولاً قدر الطاقة والإمكان، التعبيرَ عن المفاهيم الغامضة المركبة، بكلمات موجزةواضحة، لاتهدر المعنى المراد فى علمىْ اللاهوت والكلام، كلٌّ منهما فى أرض جولانهوفى ميدان فرسانه .
    ولا أزعم، مع ما سبق وما سوف يأتى ، أننى بصدد تقديم معالجة ثورية، منشأنها أن تُحدث ما يشبه (الانقلاب) فى البحث اللاهوتى والدراسة الكلامية. وإنماأقول برفق، إنها محض رؤية قد تسهم فى التعرُّف إلى علمىْ اللاهوت والكلام، من زاويةالامتداد التراثى الذى أعتقده ، وأقول به. وأعرف مقدماً، أن الأكثرية سوف يكرهونهذا الجمع بين اللاهوت (المسيحى) والكلام (الإسلامى) ولكنهم قد يكرهون شيئاً، ويجعلالله فيه خيراً كثيراً .. فدعونا ننظر أولاً، من خلال الفصل التالى، فى أصل الحكاية .

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •