Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 13 من 13

الموضوع: نعيّ ساعي بريد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110

    نعيّ ساعي بريد

    ركلَ الوسادة بعيداً عنه ، ثم بصق على كفّه و مسح فوق جفنه الذي لا زال يُثقله النعاس . لا يذكر تماماً الساعة التي نام فيها و لمّا أراد
    أن يعرف الوقت أطلّ من خلف زجاج النافذة ، فوجدَ الشمس و القمر يعتمران قَرعة السماء مُمزِجان الغروب بالشروق . همّ من جديد أن
    يبصق على كفه و يمسح لكنه تذكّر أنه يمكن له الإغتسال بالماء كخيار أفضل . دخل الحمّام بنفاد صبر رافعاً عُنقَ الصنبور للأعلى فتدفّقَ
    الماء طاهراً عَذباً ، مدّ يديّه سوى أن لون الماء انقلبَ فجأة ً ، ما زال أن تحوّل كليّاً إلى دماء . صعقه المنظر ، فلم يتخيّل أبداً أنه منذ
    سنوات مديدة مع زوجته لم يكن يأكل و يشرب إلا الدماء ! . لم يلبث أن تحولّت دهشته المصدوعة إلى حَنق ، بدأ كشرنقة صغيرة أسفل
    اللسان حتى أعلى الحلق ثم عَدِل عن قراره بالإنفجار بالبكاء لأنه و حَسبْ منطقه ، لم يكن وقت ما بعد الإستيقاظ وقتاً يصلُح لذرف الدموع .
    وجد نفسه يخرج من الحمّام إلى المطبخ .. كان الرواق أقصر مما اعتاد عليه و لم يجد زوجته في المطبخ .
    ظنّ أنها خرجت للتسوّق ، لكن هذا أيضاً لم يكن مسوّغاً لكي يتراجع عن تصميمه الأخير بأن يختفي خلف الباب مُتحيّناً الفرصة ثم
    يطعنها طعنة واحدة في صدرها .
    كيف يخرج من الصنبور الدم فيما لم يكن في البيت إنسانٌ فاجر ؟! ، أما هو فكل ما يعلمه أنه لم يقصّر في حق طفلته الوحيدة قطّ ، ذلك
    أن كل ما حدث .. حدث دون أي قصد ٍ منه ، مع أنه يذكر جيّداً أن الكلب الصغير في أسفل الدرج كان مُسالماً ، و أعتقد هو في تلك اللحظة
    ، من غير خِلاف ، حول ترك طفلته الصغيرة من خوض اللعب و الكلب . كانت الصغيرة تَدرُجُ على السّلم بخطوات متعثرة و بات يبدو أنها
    سقطت ، أراد أن يساعدها على النهوض ، و هو كلمّا استرجع الأمر مع زوجته و الذهول يصفعه يُمنة ً و يسرى ، يكادُ يُقسم أنه أراد أن
    يُنهضها لولا أن الكلب كان قد قفز و انقضّ عليها و أخفاها في فمه ، هكذا استطاع تبرير الأمر لزوجته عندما سألته عن الطفلة ، و لمّا كفّت
    زوجته عن البكاء كان قد فَهِمَ أن الصغيرة ماتت في فمّ الكلب ! .
    دَخلَ مجدداً إلى المطبخ ، سحب درج السكاكين و لم يجد شيئاً . " إذاً كيف كنّا نأكل كل هذه السنوات من غير سكاكين ؟! .. لقد كانت مجرد
    إمرأة خائنة و صار لها أن تموت .
    خطر له أنه فيما لم يجد زوجته في الشارع فلسوف يقتل اي شخص ٍ آخر ، ما دام أنه من غير الصعب أن تصادِفَ إنساناً خائناً أثناء عُبورك
    الطريق ! .
    ارتدي معِطفه مُفرغاً ما في جيوبه من أوراق رسائل على ملاءة السرير ، و لم يتوقف تساقطها على الأرض إلا عندما وجد نفسه في الشارع.
    لم يكن القمر عندئذ ٍ في السماء ، كانت فقط الشمس ، و إبطّ السماء الأزرق يمتدّ مع شعراته البيّض حول الشعلة المدوّرة الصفراء التي
    انطلقت تُمخر تحت سفينة من العَرق . كم أسعده المنظر لكنه فَطِنَ إلى أن مدّة وقوفه أمام الشارع المزدحّم قد طالت كثيراً ، نظرَ إلى معصمه
    فلم يجد ساعة و أزعجه إفساح السيّارات لشجرة كانت تمرّ إلى الرصيف المُقابل و لم تُفسحْ له إنما تدفّقت من جديد كالدماء ..
    عند المنعطف الأخير لوجْهَتِه عثر على عمود إنارة ، أسندَ ظهره عليه هنيّهات ٍ ليلتقطَ أنفاسه ، التي انطلقت بدورها كتنهيدات ٍ مُتحسّرة
    علام شاهده من حمام ٍ يبني أعشاشه على خطوط الضغط العالي . قرر بينها و بين نفسه أن الوقت قد حان لكي يستقيّل من عمله كساعي
    بريد ، يبدأ عمله ما بعد صلاة العِشاء و يبقى طيلة النهار يستغرِب عن سبب عدم إحتواء صندوق الرسائل على أية واحدة ، تاركاً المجال
    للحمام ليُجدد مجده كحمام ٍ زاجل و لو قليلاً .
    ألتقطَ أنفاسه بصعوبة شديدة فوق البلاطة الأخيرة المجاورة لباب منزل الوالدين . كان يعتزّ تماماً بذاكرته القويّة التي توقّدتْ اليوم خصوصاً
    بمعرفة أنه أولاً ساعي بريد و ثانياً اكتشافه للموقع الصحيح لمنزل والديه . كان الباب مفتوحاً كالعادة و أمه ترقد خلفه تصليّ على ركبتيّها
    ، شدّ من أعصابه و بدأ يتذمّر من سهرة البارحة و سأل عن أبيه ، أشارت الأم أن الأب قد ذهب ليسلّم عكازتيه إلى المشفى صباحاً ثم توجه
    مباشرة ً إلى المطار مُسافِراً كي يبحث عن عمل .
    آلمه منظر العجوز كثيراً ، أرادَ تقبيلها ، فنزل على كوعيه كالكلب ، إلا أن العجوز دفعته بقوة في صدره و ندّت عنها كلمات غاضبة ..
    - لم يرد أبوك أن يكون مشلولاً بقيّة عمره فسافر ، لكنه لا يُريد أن يعود و يراك أعزباً و قد تجاوزتَ التسعين من عُمرك !
    سأل نفسه : " ماذا يكون عنوان صندوق بريد أبيه يا تُرى ؟ "
    عندما رَجِعَ كانت الشمس قد امّحت ، و وقف القمرُ مرتديّاً زي عناصر الشرطة و دويّ الصافرة ينطلق عاليّاً . أضاع وقتاً طويلاً في البحث
    عن مصدر البكاء في حجرة نومه . كانت الزوجة لا تزال تفقِدُ الكثير من وزنها بين الملابس و الحاجيّات على رفّ الخزانة . تمدد على
    السرير ثم شعرَ بدنو أجله ، فلقد صُدِمَ اليوم مرة ً أخرى عندما أخبرته أمه أنه تجاوز التسعيّن عاماً .
    قُبيل منتصف الليل انتفضَ في الفراش كثيراً على أنه فقد روحه أخيراً ..
    أطلّ الصباح ، ظهرت الشمس كأي يوم ٍ آخر ، زقزقت العصافير فوق أكفّ الجنائن ، و خرج الناس من منازلهم صامتين كالحجارة . لم
    يكن أحدٌ في منزله حينئذ ٍ إلا هو ، وقف على رأس حفرة حاملاً رخامة ضخمة باردة بين ذراعيه ، ببراعة و حَذر ، نُقِشَ عليها اسمه و
    تاريخ الولادة ، على أنه لم يفته إرسال الكثير من الرسائل ، طمعاً ، من أن ينعيّه أحدهم و لو لمرة واحدة على الأقل ! .

    - انتهت -

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    أحاول أن : الجنة !.
    الردود
    1,802
    أنت رجل مجنون ... أقصد كاتب مجنون , مافي ذلك شك ! .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197
    أتفق مع رأي غدير طبعا ، هذا نص معقود بالدهشة ملغوم بالغموض ..
    متمكنٌ أنت ، شكرا لك ..

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة غدير الحربي عرض المشاركة
    أنت رجل مجنون ... أقصد كاتب مجنون , مافي ذلك شك ! .
    ماذا ؟
    هل حقاً أنا مجنون ؟ .. لا لا أبداً لستُ مجنوناً أستاذة غدير
    أنا فقط حزين .
    في إنتظار ردّ مفصّل منك يشرفني و قصتي ( أقصد قصته )

    حيّاك الله

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة لحظة فرح عرض المشاركة

    أتفق مع رأي غدير طبعا ، هذا نص معقود بالدهشة ملغوم بالغموض ..

    متمكنٌ أنت ، شكرا لك ..
    و حضورك مُسلّم به إلى الروعة

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    المملكة العربية المسروقة
    الردود
    53
    قصة ممتعة ،

    الأخ / معتصم
    استطعت بجدارة أن تأخذني برحلة داخل قصتك ، وهنا مكمن التميز.

    ود

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    عُمــان نبـض واحـد
    الردود
    149
    هل السائل الأحمر المنساب من الصنبور دم؟؟؟
    وهل يعني ذلك وجود فرد فاجر في البيت؟؟
    لم أكن أعلم!!
    يكتسي القصة غموض محزن
    دمت بدفء...

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    قلب العالم
    الردود
    415
    خطر له أنه فيما لم يجد زوجته في الشارع فلسوف يقتل اي شخص ٍ آخر ، ما دام أنه من غير الصعب أن تصادِفَ إنساناً خائناً أثناء عُبورك
    الطريق !
    هنا سخرية مبكية ..


    القصة رائعة..
    والغموض يسود المكان من حولي ..

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    ؟؟
    الردود
    88
    القصة هٌنا كَفِيلَةٌ بِإنْبَاتِ الجُنُونِ
    عَلى بِسَاطِ الحرفِ
    وإسْتِثنَائِيَّةُ الأبجَدِيَّةِ الَعالِيهْ

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المكان
    البيضة
    الردود
    665
    أهلا عزيزي..

    في البداية أتمنى أن تضيرك آراء الجميع على نصوصك، فتلتفت لها..
    ثم إنني فكّرت في إنك قد لا تحتاج إلى سماع رأيي، ثم استطردت : يظلّ في النهاية رأي، هل نهتم نحن ليهتم الآخرون؟!

    على أيّ حال : قصتك هذه قرأتها جيداً وبتؤدة غير ذي مرة، وأعتقد بأنها احتملت عدّة عناصر جمالية في فن القصة ليس أولها طابعها السريالي المتقن والمضروب بأشكال سردية أخرى بحرفية جميلة أعطته شكلاً سلساً و مرغوباً لدى الجميع لكونها قامت بالأساس على فِعل التفكير والخلط و"الفلاش باك" وكلمات بسيطة في متناول القارئ.

    ثم.. لاحظت كم أنت تتقن -وتتكئ بشدة- السخرية الملفّحة بالرمز الذكي..
    كانت قصّة -وبحسب الفكر السريالي- تجعل اللاوعي هو البطل أو الشخصية الأساسية، وما الجسد المتحرّك في الأحداث إلا دمية اسفنجية تتشرّب -بسرعة فائقة- الاشارات التي تبثها الجمادات في النص، وأنوّه هنا إلى أن الجمادات (أو النكرات) صارت شخوصاً فاعلة في قصتك وهي قدرة لا يتقنها الكثير : كالصنبور والكلب والشجرة..... إلخ

    هذا ما تتحول إليه قنبلة ظلّ موعد انفجارها مجهولاً.. بالقدر الذي يصير فيه الشخص نكرة تتعظّم بداخله مشاعر مضطّرة تجاه الأشياء والعناصر من حوله، فيعطيها صفاتاً ليست صفاتها الحقيقية بل انعكاس لما تضخم بداخله فتكون تلك هي الوسيلة الوحيدة -التي يلجأ لها وعيه- ليتخفف من ساعة الصفر، لكنها تقترب أكثر فأكثر.

    لي مآخذ جمّة على النص ليس أولها اتكاؤك على تفسير بعض الأفكار في حين أنك انتهجت أسلوباً يقوم على طي الفكرة في رمزية الأشياء والسلوك.. وهذا مما يعني تناقضاً قد يفضح تخبطاً فظيعاً في رصف الأحداث لديك.. لكنّك كنت تفلت من هذا بكون القصة برمّتها قائمة على الرمز، وشائكة، فيصعب على القارئ معرفة أين ما تقصده حقاً وأين ما هو محض حشو و زيادة..

    أيضاً هناك عبارات عديدة صيغت بأسلوب مال إلى الركاكة بشكل واضح لا يتناسب و قوّة الأفكار والسرد الجميل كقولك : "همّ من جديد أن يبصق على كفه و يمسح لكنه تذكّر أنه يمكن له الإغتسال بالماء كخيار أفضل" وغيرها.

    القصة جميلة جداً.. وهي ممتعة في المقام الأول والأخير.

    أشكرك.
    قلبي م الحامظ لاوي





    ميم دال حالياً

  11. #11
    ياإلهي ! !
    أظن أن ارتباك بطل قصتكِ وتخبّطه ,
    قد انتقل إليّ !
    في رأسي أفكارٌ كثيرة , وعلى طرف لساني تتزاحم كلماتٍ عدة ,
    لكني لاأحسِن إمساك أيٍ منها !

    كنت رائعاً بحق !
    كل هذا الجنون , التخبّط , الضياع , الألم !
    حزنتُ لتشرده , تيهه , خسائره ,
    لكني سعدتُ حتماً بقراءة أحرفك ,
    كل الشكر .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة كاتب عمومي عرض المشاركة
    قصة ممتعة ،

    الأخ / معتصم
    استطعت بجدارة أن تأخذني برحلة داخل قصتك ، وهنا مكمن التميز.

    ود
    لك عيناي عزيزي

    دمت بودّ

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    إلى الروائع..
    وشكراً لك.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •