Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 15 من 15
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2004
    المكان
    مكان شمسه رمادية وجوربه مثقوب
    الردود
    984

    رحلة في طريق العودة


    1


    أمسكت بيدي ونحن نجوب شوارع تطوان الواسعة وأزقتها الضيقة ، كنت وقتها قد تجاوزت السادسة من العمر بقليل، أنفها المنتصب أحمر وعيناها دامعتان ، لم أكن أحس وقتها بشيء ، خواء عظيم يتنقل داخل جسدي ويحرمني من القدرة على التفاعل مع ما يحدث . كانت بين الخطوة والأخرى تؤكد لي أنها تحبني وأن ما ستفعله سيكون في مصلحتي حتى لو تخايل لي، فيمَ بعد، عكس ذلك . وصلنا إلى بناية كبيرة تختفي كلما اقترب منها المرء خلف أسوار ضخمة ، فتح الباب ، قبلتني أمي في جبهتي . أخذني الرجل النحيف من كفي نحو الداخل . كان ذلك وداعي مع أمي . بلا دموع أو أسئلة .تقبلت حدث انتقالي من بيتنا الصغير في ضواحي تطوان نحو هذه البناية التي أجهل كل ما يدور داخلها بسلاسة غريبة . لعل الحرمان من الوالد في بكورة الطفولة عوض أن يدفعني إلى التعلق بما يمت بصلة الدم إلى شريان قلبي ، وهبني مناعة وإحساسا غريبا باللاانتماء ، ورغبة جامحة في التمرد و"الترجل" تجلت في إدمان عادات غريبة كانت في العمق وراء النظرة الممتعضة التي أدخلتني في صراع مع منحى السلوك الجماعي للمجتمع .
    لم أكن غبيا وإن بدا ذلك ، كنت من النوع الذي يمسك العصى من الوسط . أستطيع أن أقوم بأكثر الأعمال تهورا إذا ضمنت أن لا ينفضح أمري . وساعدني شكلي الموحي بالبراءة والبلادة في أن أمارس طيشي بعيدا عن عصى "الرقيب" . من سيصدق أن النحيف الأشعت ذو النظرة البلهاء سيقذف مدير الخيرية بحجر سيشج رأسه ؟
    حين بدأت الرجولة تنحت تضاريسها على جسدي ، متضامنة مع يموج فيه الفكر من رغبة ، لم أتوقف لأسأل نفسي لحظة واحدة .كنت مبهورا بهذا العالم الجديد حيث التمنع تغلبه الشهوة ، وحيث الحب رماد أكنسه عن الفراش كل صباح مع اسم كنته البارحة.
    كنت ميتا التقطت جثته موجة صغيرة ، تقلبني وتجرني شيئا فشيئا إلى بحر أعظم . كلمّا غرقت رغبت أكثر في الغرق. وفي ليلة من ليالي غشت القائظة ، والقمر يتلصص علينا من عين شبه مغلقة. جرتني من يدي نحو شرفة يخترقها نسيم متمرد ، وكأنه يؤكد طغيانها فيمَ ينقله إلى رأسي المثقلة من عطرها الباريسي. تضحك وهي تنظر إلي وكأنها تعرفني منذ أمد . وكأننا قطعنا آلاف الأميال حفاة على رمال مبللة . وكأن كفها منذ شهور لم تفارق كفّي. كنا نقيضين ، الحياة في مطلق بهرجتها ، والموت في بروده، لكنهما نقيضين في حاجة إلى بعضهما .تضحك ولا تنتظر مقابلا لضحكتها في تقاسيم وجهي . لم أفكر في أن أكون شخصا آخر . كنت أنا، كما أرفضني. أشرب قهوتي منصتا لحديثها، مستحضرا وعيي . لم ألحظ لهجتها السورية إلا بعد أن لمحت إلى صعوبة فهم لهجتي . في لحظة أحسست أن العالم صغير . وكأن كل خطواتي السابقة كانت مبررا لأن أتواجد أمام عينيها السوداويين. هل كان يمكن تلافي كل ما حدث لأجيء في اليوم المحدد إلى الموعد غير المحدد ؟ هل كانت ستجرني من يدي لو كنت إنسانا سويا يضحك أحيانا ؟ قلت لها أن حياتي اكتملت دورتها السابقة بعد أن استخلصت الحاصل . حين استيقظت كنت عاجزا عن تحديد ما عشته ، إن كان حلما فقد كان أشبه بالحقيقة ، ولو أنه حقيقة فكأنه الحلم . تركت لي ورقة صغيرة بخط مرتعش . أنت مخيف ، لا يجب أن تحدث في الحياة مرتين . كنت أعرف أن ما حدث لا يمكن اتقاءه . حتى قبل أن أحدث هناك مسار محدد لا يمكن تجنبه إلا بعدم التفكير فيه. لو أننا نملك القدرة على قول لا لأحاسيسنا لكانت خطواتنا أكثر عقلانية . لا أعلم كيف تحرر الوحش داخلي من الأكبال التي أغله بها ، ليطفوَ على السطح معترفا لها بكل عثراتي. لعلي اعتقدت أنها الجسر الذي سأودع عبر مروره كل زلاّتي . كنت غبيا ، من منا لم يكن غبيا في لحظة أكثر حياة من الحياة نفسها؟
    خمس سنوات لم أرَ فيهم أمي ، ذهبت إليها قبل سنة . وجدت البيت مقطونا بعجوزين إسبانيين . قالت لي المرأة أن أمي تزوجت ورحلت إلى مكان ما . تقبلت الأمر بارتياح . ما كان يفصلني عن التحرر المطلق هو علمي بمكان والدتي . وبعد أن اختارت الاختفاء بمحض إرادتها .لم يعد شيء يربطني بهذه الأرض . اكتمل إحساسي بغربتي . لم أكن حاقدا عليها و لا على نفسي . هكذا كانت دائما علاقتنا ، يشوبها نوع من الغموض وعدم الإفصاح . دخنت سيجارة في فناء الدار والعجوزين يتطلعان لي في إشفاق . كانا يريان في طفلا تيبس الحليب فوق شفتيه . وكنت أشيع ذكرياتي إلى مثواها . دعتني المرأة إلى الغداء . رفضت بأدب وانصرفت .
    حين يتصالح المرء مع ذاته مع كل ما يعتريها من نواقص ، يكون على موعد مع رحلة الوهم الطويلة . كنت راضيا عنّي أكثر من أي وقت مضى . مرتاحا لمَ اختارته أمي لنفسها ولي من فراق أبدي لا أثر لصخب الدراما وماء المقل فيه .
    الحياة بسيطة لو اخترت زاوية جيدة للنظر، سنفترق في كل الأحوال. ووقوع البلاء خير من انتظاره ، لو أني أتحدث عن بلاء.

    يتبع..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2004
    المكان
    مكان شمسه رمادية وجوربه مثقوب
    الردود
    984
    2



    أنظر إلى السماء المزررة وأدخن سيجارتي . تصلني، حيث أنا الزغاريد خافتة . أشباح فرح . عالمي لا يحده ناظري. أعيش في خيالي أكثر مما أتفاعل مع محيطي. جالسة بجانبه كفها غارقة في كفه. ضحكته مقيتة. صعقها تواجدي. ابتسامتها لا تخفي مسحة الحزن في عينيها . كانت دعوتها لي تحدّ بيننا. تنظر إلي وتجاهد لتبتسم . لم يكن يهمني كثيرا أن أفعلْ. الموسيقى الصاخبة ، ضحكات العريس البدين ، رائحة العنبر ، سحائب الدخان، كؤوس الويسكي، تموجات الأجساد الممتلئة . كل شيء هو أكذوبة. هذا العالم أكذوبة كبيرة صدقّها جميعهم . لعل عريسها المرفّه لم ينتبه إلى حركة إبهامها. إنها تعلن امتعاضها مما يفعله بيدها. لم أتيت؟ هل هو التحدي فعلا ؟ أم الهفوة الأبدية التي تجر المجرم نحو مسرح الجريمة ؟
    دماء أبيك النجسة تجري في عروقك ، أنت وغد. هذا ما قالته أمي بعد أن اختفى الطفل في عيني وراء شبح رجل بارد. لعلها في تلك اللحظة التي وافقت تنقلي بين عالمين بطريقة لم تواكبها ، جعلتها ترى في ملامحي جحود الزوج مع ما وافق التجربة من شماتة بعد رحلة التمرد التي رفعت رايتها وهي بنت السادسة عشر. سأكون كاذبا لو قلت أن كلامها جرحني . لم أفرح أيضا . كنت مقتنعا بأني أقترب من غايتي . أفهم ما تكبدته هي ـ ابنة قرية لاتزال غارقة في الأعراف ـ من خسارة بعد أن تركها الزوج الذي تحدّت مجتمعها لأجله. ليس ذنبي إن كان العالم لا يحكمه سوى الأوغاد. كنت طفلا فيمَ مضى. طفلا يتوق لأن يجلس فوق كتفي والده . طفلا ينتظر كل ليلة استواءة جسده فوق السرير لهفة في قبلة أمه فوق خدّه وأمنيات بأحلام سعيدة. كنت طفلا يعانق حذاءه الجديد ليلة العيد وهو يلهج بأعذب كلمات الحب.كنت طفلا تعقب خطوات والده الواسعة ذات رحيل فسقط في الدرج دون أن يستفز وضعه أي نظرة من والده. الأوغاد ليسوا إلا مشروع طفل بريء فاشل.
    المرأة الأربعينية تحدثني وفي عينيها نظرات شهوة جامحة، أنفاسها مخمورة. قالت وهي تغمزني : لمَ يتزوج المرء ويترك الحياة خلفه؟ قلت : لعلنا نبحث عن الحياة في الأشياء التي نفعلها، في حين أنها توجد قبل وبعد، أمام وخلف. الحياة هي أن نفعل وأن لا نفعل ، هي أن نحيا ونموت.قالت وهي تكرع من كأسها. كيف يمكن أن تكون الحياة في الموت؟ لو لم يكن الموت لما أتيتِ الآن لتحدثي شخصا لا تعرفينه، إنك تصارعين الزمن لتحيي الأشياء كلها قبل أن يخطفكِ الموت.
    من وراء قفازها الأبيض جرتني يدها في نصف استدارة ليقابلني وجهها محتقنا من حمأة الغضب . ماذا تفعل هنا. أنت دعوتني. عادت تقول : والآن أطردك. قالت المرأة الأخرى : لا يمكنك طرده إنه صديقي. فاجأتني لكمة قوية في وجهي من العريس. لحظة واحدة سكن كل شيء. الأصوات تبدو بعيدة والأنظار كلها في اتجاهي. لحظة واحدة ليست كآلاف اللحظات الخاوية التي تعبرني. لحظة واحدة تحمل كل المعاني وتجعل الكتاب مترعا عن قصة قصيرة. ما إن استعدت استقامتي حتى أرسل لي لكمة ثانية. لم أحاول تجنبها. لم أفكر في ذلك. سخرية سوداء. إن ضرباته تحمل هزيمته وانتصاري. سقطت أرضا . ارتمى فوقي يقذفني بسيل من الصفعات. أصوات تهتف، ستقتله. رأسي تدور في نشوة غريبة. القوة ليس في شدة الضربات. القوة في الكم الذي يمكنك أن تستوعبه. الأدرنالين يجري في عروقي. لا أحس بشيء غير نشوة الانتصار. الإنسان الحاقد داخلي يقتات مما تسببت فيه من دمار في جنون. العروس تبكي. ابتسامتي تنقل لي مذاق الدم المالح إلى حلقي قبل أن تغتالها لطمة أخرى.
    لم أدري كم استمر الوضع. وجدتني فوق كرسي وثير لسيارة فخمة ويد تضع الثلج على ورم جانب عيني. اسمي نهاد. الأسماء ليست مهمة، مجرد قوالب سخيفة لا تعبر عنا ولن تمنعنا من فعل ما نريد.أنت وقح. فكرت في أنها محقة. هذا ما نطلقه نحن البشر على رغباتنا الحيوانية حين تتجاوز التفكير السري نحو العلن. قلت وأنا أفتح باب السيارة. أنا وقح مارس ما يكفي من الوقاحة هذه الليلة. ضغطت فرامل السيارة في عنف هاتفة : أيها المجنون.
    الرصيف مبلل، أنا أيضا كذلك. المطر لا ينقي دائما. أحيانا يجعل القذارة أكثر لمعانا.الشارع الطويل ينتظرني أن أعبره. سأفعل. مضطر أنا لفعل ذلك..

    يتبع..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    قلب الحدث
    الردود
    1,978
    هل تعلم أن السبب الأكبر في وجودي هنـا،هو أنت وقراءتك؟
    لا أعرف كيف أرصّ مدحـا، لكن أعلم ماذا أعني..
    ..
    ..
    في اللا إنتماء يقبع مصطلح أعادني بالذاكرة سنوات..
    هل يعني الإنتماء الأبّ؟
    ؟
    ؟
    نـاقشتها مع ذاتـي مرّات ومرّات..الأبّ هويّـة..الأمّ وطـن..
    ..
    مع الشعور يمشي قلمك،ويضخّ بين السطر والسطرّ ذرّات كلام..غريب..

    لو أننا نملك القدرة على قول لا لأحاسيسنا لكانت خطواتنا أكثر عقلانية .

    من منا لم يكن غبيا في لحظة أكثر حياة من الحياة نفسها؟

    أظنّ أنّه لا أحد..نمارس الغباء كما الطعام،ونصرّ عليه دائمـا،لا نمارسه حبّا فيه، إنّمـا لنصبغ أنفسنا أكثر بصبغة الذات العميـقة جدّا..

    الحياة هي أن نفعل وأن لا نفعل ، هي أن نحيا ونموت

    ومـا سأفعله..انتظار الـ"يتبـع"..مع ألف شكر..لما هو هنـا


    مــيّ


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المكان
    في أروقة الحب..
    الردود
    114
    ..

    وأخيراً كتبت ..!
    متابع بهدوء ..

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2004
    المكان
    مكان شمسه رمادية وجوربه مثقوب
    الردود
    984
    3


    هذه المدينة ملعونة. أزقتها مسكونة بآلاف القصص الشعبية. جدرانها الصفراء شاهدة على حكايات متمردين دفعوا دماءهم قربانا للحرية. لم يكن جميعهم مثقفين، بعضهم خرج من زنقة العطارين، أو سوق الصباط، العكاري ، وحتى دور الصفيح . نبذهم المجتمع، وبعد أن انتقلوا إلى دار الحق أطلقت أسماءهم على شوارع دار الباطل.
    لا أدري لمَ أصبح زمننا رتيبا . لا شيء يحدث . إنه زمن لا يستحق أن يدخل التاريخ. مقطع ممل من مسار الإنسانية.حقبتنا هي أسهل درس تاريخ سيدرسه الآتون!

    قدمت إليها متلهفا قبل سنوات طويلة. كنت أبحث عن غواية تخرجني من حالة الجمود. أبحث عن حلم أسرج إليه "بعيري". شهران قضيتهما باحثا عن عمل. الشمعة تنطفئ كل مساء ، فأوقدها في الصباح الموالي وهي أقل حجما.
    في ليلة من ليال يناير الباردة، والبلل يحتويني، رفض رتاج الباب الاستجابة لدورة المفتاح. لم أحاول فتح الباب أكثر من مرتين. كنت أعلم أن خالي وغد. لم أستعجب أنه يواصل ذلك.لم أحقد عليه. كنت أعتقد دائما أن الإنسان مخلوق مؤذي بطبيعته. ربما استغربت في البداية أنه استقبلني ، لكني لم أبهت أبدا بطرده.
    الساعة تشير للواحدة والعاصمة تغطّ في نومها. الأزقة مرتوية بما يكفي أن تعكس الأضواء الخافتة. أحيانا تمر سيارة جانبي، تزيد من سرعتها حين يتبين السائق أني لست امرأة. قميصي الخفيف عاجز عن بت الدفء في أوصالي. الواحدة وعشر دقائق. أزيد من حدة سيري.فراغ في جوفي وفي فكري. لو أن جسدي قرر أن يخونني في هذه اللحظة، سأموت ببساطة. سأموت كأي كلب متشرد. سأكون كلبا متشردا يموت ببساطة.
    القر يشتد كل لحظة. أبحث عن فكرة. صدري يهتز وينخفض. فجأة تذكرت ورقة العشرين درهما في جيبي. أضحك في جنون هستيري. إن الله لا ينسى عباده. حتى المتشردين كالكلاب. الله يحب عباده حتى لو كانوا فقراء ومتسخين. ركضت حتى القامرة. دخلت مقهى الأندلس. ممتلئة عن آخرها. وجوه متسخة، سحنات بائسة. مزاليط عاجزون عن دفع ثمن ليلة مبيت في فندق حقير،.بعضهم مسافرون، بعضهم طردتهم زوجاتهم، وبعضهم متشردون.. مثلي.
    طلبت "سيباري"، الحليب للدفء والقهوة للبقاء مستيقظا. الزبناء يديرون فيمَ بينهم عود السبسي.الذي يدخن يعمر الشقف بالكيف ويمده للذي بعده.كل دورة تأخذ عشرين دقيقة.اعتذرت عن تدخينه في مناسبتين. المرة الثالثة ألحّ علي جليس بتدخينه، قال أحدهم : إما أن تكون منّا أو ترحل. أكدوا قوله كلا بعبارته. أرعبتني فكرة الخروج. أخذت نفسين عميقين ونفثهما في إنهاك.هللوا وصفقوا فرحين، ثم واصلوا أحاديثهم.
    رأسي مثقلة. الأشياء المحزنة تبدو مضحكة.غدا أبدأ امتحانات السنة الأولى من الجامعة. أفكر الآن في أن السبب الوحيد وراء اختياري شعبة الاقتصاد منظر البنكيين في قمصانهم المشدودة وربطات أعناقهم. أضحكتني سذاجتي. كنت للحظة الوحيد الذي يضحك قبل أن تنتقل ضحكتي إلى قهقهات هستيرية من أفواه جميع الزبناء. مدّوا لي من جديد عود السبسي، أحدهم ربّت على ظهري.كنت الوافد الجديد، أو الابن الأصغر في عائلة كبيرة..عائلة يجمعها التشرد.



    يتبع..

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    قلب الحدث
    الردود
    1,978
    الله يحبّ عباده حتى لو كانوا فقراء ومتسخين

    ..نعم حتّى وإن كانوا مذنـبين..فهو برحمته يخشى عليهم من ذنوبهم..

    و...

    حقبتنا هي أسهل درس تاريخ سيدرسه الآتون!

    والأسوأ أيضا..

    في انتظار الـ"يتبع"


  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    يد الله
    الردود
    3,225
    الحياة بسيطة لو اخترت زاوية جيدة للنظر، سنفترق في كل الأحوال. ووقوع البلاء خير من انتظاره ، لو أني أتحدث عن بلاء.
    الأوغاد ليسوا إلا مشروع طفل بريء فاشل
    هذا ما نطلقه نحن البشر على رغباتنا الحيوانية حين تتجاوز التفكير السري نحو العلن.
    المطر لا ينقي دائما. أحيانا يجعل القذارة أكثر لمعانا
    وبعد أن انتقلوا إلى دار الحق أطلقت أسماءهم على شوارع دار الباطل.
    حقبتنا هي أسهل درس تاريخ سيدرسه الآتون!
    يالله
    كمل كمل ....

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المكان
    ,,,
    الردود
    296
    متابعه أنا أيضا ويروق لي ماتكتبه

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2004
    المكان
    مكان شمسه رمادية وجوربه مثقوب
    الردود
    984
    4


    باب المطعم الزجاجي يعكس صورتي. سيارات الزبناء هنا من النوع الذي لا تدرس رقم ثمنها في الابتدائي. قبالتها جلست. انتبهت إلى نظراتي. حركاتها يشوبها الارتباك. أبقيت ناظري في اتجاهها. في اللحظة التي سترفع رأسها عن طبقها بحثا عن عيني ستكون قد ابتلعت الطعم. هذا ما أكده لي حميد. توجهت نحوي في خطى متوترة. نظراتك تزعجني. قلت : اجلسي، لا تقولي أنك لا تعرفينني، لا تقولي أنك مرتبطة. نظرت إلي مشدوهة. أربع آلاف كلمة تعبر رأس الانسان في الساعات العادية، ثمانون في المئة منها سلبية ، لا تسمعي صوت عقلك الذي يحذرك مني واجلسي. وجلست..!

    خوف لذيذ يعتريني. هدوءها يخترقني. أشعر أننا نصنع مشهدا حذف صوته. كلما فكرت في طلب نجدة، تعبرني الأفكار السخيفة "الجو بارد" ، "الوقت يمضي بسرعة" ، أعلم أن هذه اللحظات هي التي ستحدد الشخص الذي سأكونه في مخيلتها حين تلتقي بمخدّتها. ما أبعد الخيال عن الخيال حين يتحقق.
    قلت:
    ـ ارجعي لي لساني من فضلك.
    ـ قررت أن تقول شيئا ما أخيرا.
    ـ القرار موجود منذ مدة ، التنفيذ هو ما ألاقي فيه صعوبة.
    ـ مرعبة أنا إلا هذا الحد؟
    ـ أتسمحين بأن أدخن؟
    ـ لا
    مشعلا السيجارة :
    ـ شكرا .

    سألتني وأنا أودعها. هل سنلتقي؟
    في يوم مضى أنا أيضا سألتها، ربما كانت في قالب آخر، وجه آخر، عقل آخر. ربما كانت امرأة أخرى..وكنت شخصا آخر. سألتها هل سنلتقي، كان أحرى بي أن أسألها هل سنفترق. إنه ذلك التحرر من المادة الذي يلازم الروحين فيتوحد الهاجس. التجربة تولد التطرف. لاأدري لمَ أفعل ما أفعل. لو أنه التحدّي فقد نجحت. إنه النجاح في الخطأ أو النجاح في الفشل. لا طعمَ للحياة. لاأجد ما أريده لأني لا أعرف عمّا أبحث.

    هتافات الباعة قوية قبل العصر. لم تتخللها بعد تلك البحة التي تنذر بقرب انقضاء النهار. صبي وسيم يقبل أمه، نساء ملتحفات جنبا لجنب وأخريات شبه عاريات. المحلات تصنع البهجة بمعروضاتها المختلفة الألوان. أزواج من الحيوانات الناطقة مشابكة الأصابع تقطع السويقة في خفة نحو البحر حتى يفعلوا الأشياء.أطفال متكدسون في محل صغير يلعبون البلاي. أنا غريب عن عالم أنتمي إليه. سعيد بغربتي وحريتي.أحس بسعادة غامرة، وحدي متوجها إلى البحر لأرحب بمجيء الوداع. عيناي تبحث عن متسولين، أريد أن أفرغ جيوبي، أريد أن أصنع بعض البهجة في القلوب. أريده يوما مختلفا ، لمَ لا يوما وطنيا للفرح؟

    يتبع..

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Nov 2004
    المكان
    مكان شمسه رمادية وجوربه مثقوب
    الردود
    984
    5


    اخترق نعاسي رنين الهاتف. بصوت حازم أخبرني بموت والده ومكان الدفن. ركبت قطار الثانية زوالا. المحطة خالية من المسافرين. أحيانا أفكر : هل يمكن أن أفعل شيئا ما دون أن يشاركني فيه أحد في هذا الوجود الممتلئ بالكائنات التي تفعل كل الأشياء الممكنة؟
    وصلت إلى أصيلة. بعد أن قطعت أربع ساعات في القطار أتساءل إن كان تواجدي في هذا المكان منطقيا. لابد أن تساؤلي في حد ذاته ليس منطقيا . إن ردات فعلي، أو لنقل تفكيري ، تنقصها السرعة. أرغب الآن في عودة أدراجي ، الشيء الوحيد الذي يمنعني هو الساعات الخمس التي تفصلني عن قطار العودة. سأحير جوابا لو التقيته في هذه المحطة وأنا أستعدّ للعودة. ربما سأفكر في كذبة خائبة.

    وجدت دار العزاء. هذا يعني أني لم أستجب لخواطري. الإنسان تعبره ستون ألف فكرة في اليوم. ولو أنه فكر في تنفيذها جميعا لما وجد الوقت لشيء آخر. وقفت أمام باب مترعة. قلت للفتاة السمراء : أخبريه أني هنا. لحظات قليلة وكان أمامي. عانقني في حرارة دون نطق. لم أقل شيئا كذلك، أفضل أن يساء فهم صمتي على أن يساء فهم كلامي.
    ـ تغدّيت ؟
    ـ ليس بعد.
    أخذني إلى المريسة. تناولنا أسماكا مشوية. انصرفنا. سألته: ألن ندفع الحساب ؟ القارب والشواية كانا لأبي رحمه الله ، وهما الآن في ملكي. فكرت: الإنسان بعد لحظة يتحول إلى صيغة من الماضي.ربما في هذه اللحظة تنفك عقدة قنب فيقع عمود شراع فوق جمجمتي.بعد دقائق سيشرح الأمر قائلا: كان يتغدى معي قبل أن يقع له ما وقع رحمه الله.أما الموت فهو أقرب من قيلولة الظهيرة !


    استأذنني في قضاء بعض الحوائج. نزلت إلى البحر، ثم همت في أزقة المدينة الصغيرة. إني لستُ مهما إلى درجة أن من يموتون من معارفي لا يعتمدون علي في القيام بتلك الأشياء التي يودعون بها هذا لعالم الكاذب. ربما فكرت في أن التعامل مع الأموات أسهل من التعامل مع الأحياء. لكني لم أتأكد بعد من ذلك بتجربة عملية. تقدم مني شاب يريد أن يبيعني ساعة يد. أخبرته أني أملك واحدة. قال لي أن التي عنده خير من ساعتي. لا أعرف كيف يستطيع الجزم بأن ساعته أحسن من ساعتي؟ لو أني كاذب ، كيف له أن يحدد القيمة الحقيقية للساعة التي أدعي أني أملكها ؟ إنه كاذب.. مثلي ، إنه كاذب يوظف ذلك في بيع أشيائه. أما أنا فلست قادرا على قول لا. اشتريت منه الساعة وأكملت تسكعي. الساعة تشير منذ ساعة إلى نفس الساعة. لا يغيضني غبائي . إني أشبه هذا العقرب الثابت. لعل الفرق الوحيد بيننا أنني أحيانا كثيرة أرجع خطوتين للخلف. في الحقيقة إني في حاجة إلى ساعة تواكب بطئ كمياء جسدي.

    بائع جرائد يتقدم نحوي. سأشتري جريدة حتى أتأبطها. قد أقرأ عنوانا أو عنوانين. ربما أرقص رقصة خيالية أستهزئ فيها من كل شيء. ماذا لو قررت تغيير أسلوب تفاعلي مع الأشياء ؟ لم حين أنزعج أقطب حاجبي، وحين أفرح أطلق سراح شفتي؟ ماذا لو حزنت ضاحكا ؟ قد أنجح في إرباك هذا العالم الذي يتوقع حركاتي. سمعت مرة زوجا يقول لزوجته في حنق:
    ـ الصبي مريض، أضربه ويضحك.
    ماذا سأفعل لو ضربت ولدي لأعاقبه فضحك. سأشتري له حلوة ليبكي. سيكون ممتعا أن أمازح زوجتي بركلها بقوة على مؤخرتها. قد تغازلني هي أيضا بمزهرية على جمجمتي. سأنتظر أن يتحقق حلمي ثم أتزوج. لا أريد أن أعيش حياة مسبوقة. حين أفكر في امرأة ، أفكر في امرأة لا تتكرر. المرأة التي لا تتكرر تفكر في رجل لا يتكرر. وأنا معتوه يوجد مثلي الملايين. سأبقى إذن عازب، لأن التي أحبها تحب أحدا آخر. إنه حب من طرف ثالث !

    يتبع..

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    تسرد لنا عالمان..أحدهم يرتد الى داخلك..
    وهذا يجعل نصك مختلفاً..
    تحية لك.

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    قلب الحدث
    الردود
    1,978
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة الغضب عرض المشاركة
    5


    لا أريد أن أعيش حياة مسبوقة.
    لا تتكرر
    لا يتكرر.
    مضحك هو حال البشر ، فحين يغرقون في التفكير والتوقّع لـ(حيواتهم) ..لا يعجبهم التفكير بحياة تحمل صفة (مقبولة)..أو (عاديّة)...
    كلّنا يتمنّى ويعتقد بأن حياته..يجب..ويجب أن تكون..(رائـعة!)...
    ربّما ظنّا منّا أن "التمنّي والتوقّع" هو الدافع للحياة ..و من بعضنا ما يطلق على هذا التوقّع أو التمنّي اسم "هدف"!
    المضحك أنّ ما يصنع حياتنا فعلا..هو مجرّد "اللا متوقّع"..!

    كالعادة متابعة.

    مــيّ


  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    Syria-Ukraine
    الردود
    199
    المطر لا ينقي دائما. أحيانا يجعل القذارة أكثر لمعانا
    حب من طرف ثالث
    كم يزعجني تخلفي عن مواعيدي دائما ، تخلفت عن هذا الإبداع غصبا..الحياة ..العمل والسفر الطويل
    اشتقت للعودة هنا ..وجدتها مجزية جدا .....جدا
    أما آن أوان اليتبع؟



    مــاريّـا
    (للحزن سطوة..حتّى على الأرواح)

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المكان
    أحاول أن : الجنة !.
    الردود
    1,802
    انتظر أيضا ً .

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    بانتظار اليتبع..
    حتى بعد الروائع..

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •