الأشخاص الطيبون سقطوا من الجنة لذا هم لايمكثون طويلاً فوق الأرض ويرحلون
كلما زاد بي العمر , أدركتُ أني لستُ طيبة كفاية مادمتُ أسير على هذه الأرض
يعلم ربي أني قادرة على التأقلم مع بشاعة هذه الحياة لذا هو لايأخذني اليه باكراً , عليّ أن أتطهر أكثر من نفسي حتى أكون جديرة بالجنة أو ربما عليّ أن أتسخ أكثر لأكون جديرة بالسعير !
حين أحدث قريبتي بجنوني هذا , تنفث على عقلي بقول "بسم الله"
- هل تخشين عليّ أن أموت ؟
- مازلتِ صغيرة
- أها اذاً أنتِ تنتظرين يوماً تزهدين فيه مني لأرحل عنكم بسلام !
- نعم وأنتِ عجوز سيحمل أولادك هم فقدانك , أنا سيكون لديّ من هو أغلى منكِ حينها لأقلق لرحيله
- أليست خيبة كبيرة أننا حين نكبر , سنكتشف أننا قضينا أعمارنا نبحث عمّن نعني له شيئا ويقلق لأجلناً
- الخيبة الأكبر أن نموت ونكتشف أننا ضيعنا أعمارنا في أشياء كنا سنتفادها في عمرٍ آخر لكنه لا يأتي أبداً !
- يانابغة , نحن في أيام الصبا وندرك الأخطاء التي يجب أن نتفادها لو كُتب لنا عمرٌ آخر , أمامنا متسع كبير لتفاديها في هذا العمر الواحد
- كيف نتفادى شيئاً لم نرتكبه ؟
- بالضبط , سيكون انسحاباً مبكراً حينها
- اذاً حين لا نضيع عمرنا في أشياء تفاهة , نحن ننسحب من الحياة
- حين نحاول أن نكسب عمراً نظيفاً , نخسره !
- دعيني أصيغ الأمر بشكل واضح ... نأتي لمكانِ نجهله ونمشي بلا توقف عابثين بكل شئ يعترض طريقنا
يقتلنا تأنيب الضمير ونصح الواعظين في كل خطوة وحين ننظر للخلف نرى أن أكثر اللحظات متعة هي تلك التي جربنا فيها شيئاً جديداً وان كان محكومٌ عليها بالفشل
- دعيني أصيغ الأمر بشكل أكثر مأساوية , نقضي أعمارنا مع الأشخاص الخطأ في الوقت الخطأ بالطريقة الخطأ
وحين نقرر الاستقامة نكون "عجائز طيبين" جداً ونرحل ... فالطيبون يسكنون الجنة فقط
- وأولئك الذين يسكنون جهنّم ؟
- لم يقرروا الاستقامة فماتوا بذنب النية !
مكتب رسائل الأموات
أسخف فكرة قد يأتي بها شخص والغريب أن الكثير يراسل هذه الخدمة العجيبة
أن تكتب رسالة قبل موتك وتوجهها لشخصٍ ما يحتفظ بها المكتب لحين وفاتك ليرسلها للمعني بها ..
وجدوا اعترافاً لمجرم بجريمة قتل احتار فيها المحققون وعرف زوج عن خيانة زوجته بعدما بكى حداداً عليها ..
أن أكتب عن الموت وأنا في الحياة يشبه الى حدٍ كبير مقابلة مع امرأة حامل حول شعور الأمومة !
أود لو أحصل على محبرة وورقة وأنا في قبري , ربما أول دقيقة في القبر , كيف ستكون رسالتي ؟
"حسناً تبدو الحياة في هذه اللحظة سخيفة الى حدٍ لا يُطاق , سعيدة بالقليل من الأشياء التي فعلتها والأقل من الأشخاص الذين التقيتهم .. أنا الآن في حالة تصفية شاملة للحياة تبدو فرصة رائعة غير أنها جاءت في الوقت الخطأ ..ربما عامل مشترك أول بين الحياة والموت "التوقيت الخطأ" , أتدرون ماالعامل الثاني؟ "الصدمة بعد الانتظار" ..لم يكن الموت سيئاً الى هذا الحد , ربما المرحلة الانتقالية هي الأصعب أما الموت بداية جديدة ..خط انطلاق أبيض مع سنوات خبرة هي العمر والأهم كومة قرف من كل شئ مضى ورغبة في التغيير.. الآن تبدو الكلمة التي قالتها ابنة عمي وغضبت لأجلها مضحكة جداً ولاتستحق كل ذاك اللغط الذي حدث حولها ..المال الذي ضاع مني في طريق الجامعة وأوجعني في صدري يبدو قليلاً رخيصاً ..في الواقع يبدو الريال والجنيه واليورو أسماء لاقيمة لها هنا .. الغريب أني لا أرغب أن تحملوا السلام للمقربين مني .. الغريب أن ذاكرتي تنتفض وتذكر أشخاصاً عابرين لم يأخذوا حيزاً كبيراً في حياتي ..أشخاص التقيتهم مرة أو اثنتين وأنسى حتى أسمائهم ..بودي لو تحملوا السلام لرفيق والدي الذي يضحك كلما أجبت الهاتف ويقول لوالدي : لمَ تبدو ابنتك دوماً مستعجلة ؟ .. للعاملة التي تحتويني بإبتسامة صباحية وعربية مكسرة : ابتسامة انت حلو كثير ..مع أني أكثر الوجوة العابسة صباحاً ..لقريبي الصغير الذي كنت أرفض السلام عليه قائلة لأمه : يد ابنك متسخة دائماً أحتاج لمعقّم بعد السلام ..احملوا سلامي اليه وأخبروه أنه يبدو الآن أطهر مني حين يركض ويغسل يديه طامعاً في مصافحة !"
ليتنا نموت مرتين وليتنا كنا طيبين كفاية كي لا أكتب ولا تقرأون !









الروابط المفضلة