Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 30
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    المكان
    حيث لا مكان
    الردود
    832

    Hey you ! تعال أكذب عليك .

    .

    أنا أكذب .
    و الكذب حديث فارغ ، يتداوله الفاروغون في لحظات فراغاتهم الطويلة .
    كل من سبقني و قال بأنه يكذب ، كان في الطرف الآخر يضع يده على ذقنه ينتظر أن يهزّه الآخرون من كتفه بنصف ابتسامة و نصف غمزة قائلين : هيه ، Come On ! ، نعلم جيداً بأنك صادق .

    لكنّي أكذب ، و أنا جادّة في هذا لأبعد حدّ ، الفرق الذي يكاد يكون جوهرياً بيني و بينهم ، أني لا أخبرهم بذلك من أجل إثباتٍ أو نفي ، فبداية لا يتعيّن علي إخبارهم بشيء . حين قلت " أنا أكذب " . كنت تماماً كمن يمرّ عجلاً بنفرٍ من الناس قائلاً : السلام عليكم . هو أمر لا يقبل النقاش .لالأنه فوق ذلك و لا لأنّه دون ذلك . بل لأنه ليس بالمضمون الذي يرضي نزعات الاختلاف المتطرفة ، ليس إلا . نحن فارغون لا أنكر ، لكن ليس للحدّ الذي نناقش فيه جزئية كذبي . أنتم تتفقون معي . لا أشك في هذا . لكني أشك في أشيائكم الأخرى الكثيرة ..
    يدعّون الكذب . ثم ينتظرون من العالم أن يخبرهم بالعكس . و يحصل أن يثمر انتظارهم على كذبة أخرى يلقمونها لأنفسهم . هذا من حسن حظّهم ربّما . لا أدري .
    أما أنا ، فلإن العالم هو من ملّ من انتظاري من أجل أن أخبره بأشياء لا أعرفها .. فقد كذبت . هذا من سوء حظّ العالم ربّما . لا أدري .
    و ستكون حماقة كبيرة لن أغفرها إن حاولت الكذب على نفسي ..
    إن الكذب على الكاذب يعدّ مناورة لست مستعدة لاستنزافي من أجلها . على الأقل ليس الآن .

    ثم إني أذكر بالإضافة إلى ما سبق - و حاولوا ألا تبحثوا عن الأشياء التي تذكرتها في ما سبق ، فهذه ليست سوى كذبة أخرى - ، أذكر بأنّي ملكتُ من النكبات ما يكفي لجعلي أمارس الحُزن بمنطقية شديدة و مُفحمة . لكنني لم أفعل . و اكتفيتُ عوضاً عن ذلك بتنحيتي جانباً و التسلّي بما لا يعنيني من الأفراح . في الوقت ذاته ملك البقيّة كل الأسباب الممكنة ليفرحوا بمنطقية لا تقلّ عن منطقيّتي شدّة و إفحاماً ، لكنّهم أيضاً لم يفعلوا ، بل مضوا يتسلّون بما لا يعنيهم من الأحزان . و مؤخراً فهمت . بأن الخلل ليس فيّ و لا فيهم . الخلل في هذه الحياة التي لا يروقها أن تعامَل بـ " المنطق " .. المنطق الذي تعتبره الحياةُ محض إهانة . كمن يزدرد بنهمٍ طبق هامبرقر لتأتي أنت بنظارةٍ و مجهرٍ و تحليلاتٍ عكفت على إجرائها لسنين ، فتخبره بمضارّها على صحّته و بكواكب الجراثيم التي تعيش في هناءٍ بداخل اللقمة التي استقرت للتو في فمه . إنّه مقتنع بكل ما ذكرت ، لكن التعامل بالعقل يفقده اللذة . لذلك عليك أن تثق تماماً من أنه لن يتواني عن التصرف معك بأخلاق " الحياة " في حال كنت السبب بطريقة ما في إفساد ملذّاته . الناس غير مستعدّة للتعلّق بأستار الحقيقة مقابل أن تفلت حبال اللذة التي تحركها كمجموعةٍ من الكراكيز ذوات الأصوات المُضحكة و الأشكال التي لا تملك أدنى قدرة على الإقناع .

    ما زلت أكذب و لم يحصل شيء بعد ،
    و أعلم بأن مذاق الكذب أشهى من الصّدق ، كما هو حال الموتِ .. أشهى من الحياة ،
    لذلك أجدني أتفهم تلك الرغبة المريبة لدى البعض في أن تكذب عليهم لأطول مدة لا تستطيعها ..
    إنهم تلك العيّنة التي ليس عليك التردد حين يتعلق الأمر بـ قرار ممارسة الكذب عليهم ،
    خذ بزمام المبادرة و اكذب أنت أولاً . لأنك إلم تفعل ، سيكذبون هم عليك . فعلى أحدٍ منكما أن يكذب على الآخر .

    لم أكن يوماً جيّدة حين يتعلق الأمر بالحديث عن الصادقين . ( و هذا لا يعني أني جيدة في ما عداه )
    لذلك لم أكتب سوى " عن " الكاذبين الذين مرّوا و دمّروا ، الكاذبين الذي لا يشبهونني و الأوغاد الذين يشبهونني كثيراً .
    يبدو مثيراً للضحك أن تمارس الأشياء لزمن دون أن تفهم لماذا .
    المضحك ليس جهلك الدافع فهذا يحصل كثيراً . الناس تعيش و تموت دون أن تدرك أي دافع يخص أي شيء . لكن المُضحك هو أنك بعد أن تفقد تماماً رغبتك في الاستمرار يتجلى لك الدافع في حركةٍ سينمائية مقيتة . و المضحك أكثر هو أن تقتنع أنت بالدافع ، و بتوقيت القدوم ، و مبررات التأخّر . و كأن الأشياء من حولك تحاول - في حركةٍ لا تقلّ سينمائية عن الحركة الأولى - أن تقول : أوووه ، لا تنتهي الآن ، على الأقل ليس قبل أن تجد البداية ! . فتطأطيء أنت رأسك في انهزامية ساحقة : أها ، عندك حق !
    من بين تلك الأشياء التي لم أكتشفها إلا مؤخراً ، حقيقة ذاكرتي . الحقيقة التي لا يسعني الحديث عنها لأنها لا تعني أحداً . ( هذا أيضاً لا يعني بأني أخبر الآخرين فقط بما يعنيهم ، و ما أرتكبه هنا دليل واضح )
    حين كنت أتذكر ملايين التفاصيل المتناهية الصغر .
    وجدتني أتعامل مع الأذى بطريقةٍ تحنيطية متقنة . فأفرغ اللحظات التي تأذّيت فيها من الحياة مع تركها تحتفظ بالصورة التي توحي بعكس ذلك .
    لذلك كنتُ أكتب عمّن يؤذيني . كي ألكزني كلما تماديت في المغفرة بيني و بين نفسي .
    فأنا أعلم بأن من المرعب أن أسامح من لا يستحق . و من المرعب أكثر أن تفلت لحظات صادقة شحيحة كلحظات الأذى و أنت كاذب كبير . لقد كانت الكتابة هي الطريقة الوحيدة لأسجن الشعّور إلى جانب الجثّة .
    مع ذلك ..
    فقد كنت أحياناً - كـ حين تدلّي المسافات أميالَها في وجهِ أمنياتي الكسيحة - أكتب " إلى " الصادقين لا عنهم .
    و إلى الأموات لا عنهم . ( و الأموات بالمناسبة هم مجرّد " صادقين " في مرحلةٍ متقدّمة )
    أكتب و أنا أشعرُ بأني أخرقُ قانوناً ما أبرمته مع الحياة كلّما فعلت . إنهم أشخاص لا يجب أن أمنح و لو جزءً بسيطاً من أي شيء يتعلق بهم ، لمتصفّح بارد ، و قرّاء غرباء ، و أعينٍ ليس من ضمن مخططاتي فضلاً عن مهامّي أن أسدّ فراغاتِها بمناطق أحبّتي البيضاء الخاصّة . ( و جيّد أني أملك بعضاً منها )
    و لأني لم أكتب سوى عن الكاذبين .. لم يثر عجبي كثيراً اكتشافي المتأخّر الآخر ، بأني لا أمل كتابة نفسي . فنفسي كانت أول كاذب صادفته في هذه الحياة . توثيقها نوع من الوفاء الذي لا يعدمه المخادعون ، فيمارسونه أحياناً بحميمية لدوافع مجهولة .

    الطفل الصغير يبكي الآن .. أتسمعون ؟
    الطفل الصغير الذي وضع يده في علبة خياطة والدته و وخزته رأس الإبره في سبابته . بكى بحرقة . لكنه صمت في دهشةٍ مهيبة حين لمح - لأول مرة - الدم يتدفق ببطء من ثقبٍ لا يراهُ . إنها المرة الأولى التي يعرف فيها بأن هناك سائلاً مخزّناً بداخل إصبعه ، و من الجيّد أنه عرف في التوقيت الصحيح ، فقد أمضى سنة كاملة يبحث عن تفسير للانتفاخ الدائم الذي تعاني منه الأشياء المسمّاة أصابع . إنها المرة الأولى أيضاً التي يعرف فيها بأن هنالك ثقوباً لا يمكن أن نراها لكنها على ذلك تبقى ثقوباً . هل تتخيلون مقدار الدهشة ؟ هل تخيّلتم ؟
    الألم قد ذهب ، لكن السائل الغريب لا يزالُ يسيل في إصرارٍ و كأنه ينتظر من العالم أن يتصّرف أو يتوحّد معه . الطفل صمت . و هو الآن يحاول - في تردّد - تذوّق طعم هذا الشيء الأحمر المريب . تماماً كما فعل قبل ثلاثة أيام بمخاطه ( أووووه أيها الكبار قرفتوا ؟ ، إياكم أن تقول " يع " . لقد فعلتموها يوماً ما ، و إلا لما أدركتم بأن مذاقه مالح و استشهدتم بذلك في محافل أنسكم و ليس مستبعداً أن تكونوا قد لجأتم لاستخدامها مجازاً أو صورةً بديعة في إحدى نصوصكم الأدبية "الكبيرة " . لا تقولوا " يع " ، هناك الكثير من الأشياء التي تشبه مذاق المخاط لن أذكرها ، و بإمكانكم اعتبار ثنيي عن ذكرها دليل حُسن على نيّتني . فدعونا من الـ " يع " إلى ما بعدها ) .
    يقرّب إصبعه من فمه يخرج لسانه و يلعق نقطةً من دمه . يحرّك شفتيه . ثم يبتسم نصف ابتسامة .
    لكن الدم لا يزالُ يجري لم توقفه الابتسامة ، إنه يحثّ الطفل الصغير على الجري معه . إنها رسالةُ الدم التي لا تفهمها حتّى القلوب - لا تنظروا إليّ هكذا ، القلوب عاجزة أمام الدماء و إلا لاحتفظت بها في داخلها و كفت عن تصديرها و ضخّها لبقيّة الشرايين و بقية الأعضاء ، إنها تضخّ الدم على أمل أن يجد من يفهمه . أولئك الذين تؤلمهم قلوبهم . أولئك الذين تلحق الأعطاب بقلوبهم . هم أشخاص بقوا أطفالاً ، و أصرّوا على فهم أحجية الدماء . و القلبُ بطبيعته الواهنة لن يتحمّل أمراً جللاً كهذا . - . الدم لا يزالُ يجري ، يستجيب الطفل للدم فـ يجري معه . يجري إلى أمّه ، يرفعُ إليها إصبعه الدامية . بملامح لا تدلّ على شيء واضح . ترتعبُ الأم . فيبكي الطفل . تهبّ المرأة لجلب قطعة قطن و مطهّر . فيخافُ الطفل ، تمسحُ الأم الدم بسرعة . و تهبّ فزعة لغسل يده . فيشمئز . أمّه التي لم تعوّده سوى على مسح القاذورات هي الآن في حذر تمسحُ دمه . هل يكون هذا الشيء الأحمر قذارة ؟ كيف ذلك و مذاقه لم يكن سيئاً على الإطلاق . ثم إن بقية الأصابع لا تزالُ مليئة بالدم . لم يحصل أن وخزتها إبرة . كيف سأتصرف إذن ؟ في تلك اللحظة المفصلية يرفع يده الأخرى و يبسطها أمام عينيه بينما أمه منهكمة في تضميد ذلك الثقب غير المرئي في سبابة يده الأخرى - هو لا يفهم كيف نضمّد أشياء غير مرئية ، لكنّه يدرك جيداً معنى الـ " دمّ " ، و هذا يكفي - . يرفعها في وجهه . يقربها من أنفه . يضغطها مع طرف الطاولة . لكن شيئا ما لا يحدث . لا تنبعث منها رائحة نتنة . و لا تنزّ منها سوائل حمراء يجب أن تُمسح على الفور .
    بين كل هذا الضباب ، ثمة من بين الثلاثة من يسيء التصرف الآن .
    تكمل أمه عمليات إسعافاتها . تأخذه إلى حضنها .
    تقبل سبابته المضمّدة .
    ثم تحرك فمها كثيراً .
    يضعُ رأسه الصغيرَ على صدرها .
    فلتهيه الدقات المنحدرة من عمق صدرها عن الأشياء التي تصدر كنتيجة لحركة فمها تلك .
    ثم لسبب ما . يشعرُ بأن العالم يضيق . يضيق . يضيق ، و لنفس السبب يشعر بـ أن الضباب أصبح غير محتمل .
    ينسلّ في خفّة من حضنها ، يوهمها أنه بخير . هو لم يكن في حاجةٍ إلى إيهامها بشيء كهذا . لأنه حين جرى إليها في البداية لم يفعل لأنه ليس بخير ، بل فعل لأنها سطوة الدّماء . لكنها أمّه من أرغمته على إيهامها .
    الكبار يودّون لو يكذب عليهم جميع من حولهم . الكبار أيضاً لا يفهمون . و هذه عادةٌ قديمة جداً .
    تلحقه أمه بطريقة يفهم - وحده - بـ أنها تغنّي و ترقص من خلالها ، فيكاد يندمج مع ذلك الجوّ الراقص و هو يبتسم محركاً رأسه ،
    لولا أنه يلحظها و هي تمسك بعلبة أدوات الخياطة لتضعها فوق رفّ أعلى ، بمكانٍ أبعد ، لا تصله يداه الصغيرتان .
    حينها ، يبكي الطفل بصدق ..
    تظنّ الأمّ بأن مكان الوخز قد عاد ليؤلمه من جديد ..
    فتعود هي الأخرى مجدداً إلى فتح و إغلاق فمها ، و هي تؤشّر بيديها باتجاه الرف الذي وضعت به علبة الخياطة قبل لحظات .. هناك بعيداً و عالياً جداً . مجدداً .. يضيق العالم . و يتفاقم الضباب .

    كيف له الآن أن يخز بقية أصابعه ليتحرر منها ذلك السائل الأحمر الذي يملؤها !
    أمّه تريدُه أن يبقى نتناً طوالَ حياته !
    هذه الطريقة الوحيدة التي فسّر بها ما قد حصل .. و قد كان مؤذياً للغاية أن يفكّر بطريقة كهذه .
    ذلك الطفل .. إنه يبكي الآن . هل تسمعون ؟

    ثم إن الطفل قد كبر الآن ..
    و جدير بالذكربأنه قد أصبح ضمن زمرة قليلة ممن كبروا دون أن يصبحون " كباراً " ..
    فقط عوضاً عن " طفل " ، أصبح .. " طفل قد كبر " .
    خرج إلى العالم بفكرة واحدة واضحة في رأسه ، " الأصابع هي موطن الشر كلّه .. و موطن كلّ الخير أيضاً " .
    فـ
    شارات النّصر ، و الشارت ذات المعنى البذيء ، و شارات التشجيع ، و اللكمات ، و الصفعات ، و المصافحات ، و تحيّات العلم ، و تحيّات الجنود ، و زرع القمح ، و قطف الورود ، و الرسم على أسطح المرايا المغطّاة بالبخار ، و كتابة الشتائم على الزجاج المغبر لسيارة الجار البغيض و الصفير النزق ، و الضغط على جرس المنزل المجاور و من تمّ الهرب ، و خدَر العزف ، و تخليل شعر طفله الصغير ، و التوقيع على ما يدينه ، والاستمتاع بإزالة قشرة الدّم المتيبّسة على الجرح الذي بأعلى جبهته ، و تدوير المفاتيح بكوّة الباب بحرصٍ بالغ حين يعود متأخراً مخافة أن تستيقظ زوجته ، و طرق الأبواب بحرارةٍ حين يتمطاه البرد ، - و أن يكذبَ بتفانٍ بالغ كما أفعل الآن - و أن يفك أزرار قميصه أو يحلّ عقدة ربطة عنقه حين يختنق أحياناً ، و أن يدسّ السيجارة بين شفتيه حين يختنق بقية الأحايين ،وأن يرمي بقطعةٍ نقدية بكابينة الهاتف في محاولةٍ شبه يائسة لإعادة صوتِ حبيبٍ بعيدٍ إلى السّماعة و أن تنجح المحاولة ، و أن تستقرّ الرصاصة برأس أو صدر أو ذاكرة أحدهم ، و أن يعود لتقتلع تلك الرصاصة ، و أن تنجح المحاولة . . - أن يكذب كما أفعل الآن بصدق لا متناهي - . . أن ينبش التراب بحثاً عن طريق يعود أو يأتي منه ، و أن .. و أن .. و التشهّد الأخير . كلها أشياء تبدو غير ممكنة الحدوث .. بدون أصابع .

    ألّا يكون لديك أصابع هذا يعني ..
    أن يكفّ الناس عن الزواج لأنه لن يعود هنالك " دِبَل " . أن تبقى طاولاتُ و جدارن المدارس جديدة و مغيظة و بلونٍ واحد ، لأنها لن تجد من يمارس عليها الجنون ، أن تموت بسبب الصداع ، لأنك لن تستطيع حزم المنديل على رأسك و دسّ شرائح الليمون بطرفيه . أن تتشقق شفاهُ الأطفال لأنهم لن يجدوا آباء مستعدّين لدغدغدتهم . أن تخلى المتاحف من هياكل الديناصورات و الماموث و يوضع بدلاً عنها جسد واحد محنّط بئيس .. يلوّح في قلّة حيلة بكفيّه لتبدو مكتملة الأصابع .

    ألا يكون هنالك أصابع ،
    يعني أنك - في حال ملكتها - لن تكون سوى شخص ذا عاهةٍ و احتياجٍ خاصّ ..
    و وجهة جيّدة لإطلاق سهام الشفقة ..
    و أنك فوق كل هذا ، تستحقّ أن تستخدم الأمّهات إسمك و لعنة أصابعك من أجل إرعاب الأشقياء من أطفالها .

    الطفل الذي كبر لا يزال يجد في الأصابع مجموعة من البلالين المملوءة بالدم .
    لذلك حين يكتب . يحدث أن ينزف بسبب بعض الرؤوس المدببة التي يُفرض عليه التعامل معها أثناء الكتابة .
    الطفل الذي كبر ..
    لا يزالُ ينزف ..
    ثم في اللحظة الأخيرة ، يأتي من يضمّد إصبعه و هو يظنّ بأنه قد أبلى حسناً بفعلته تلك ،
    دون أن يفوّت الفرصة في أن يمضي بعض الوقت و هو يحدّثه عن الدموع التي لا تستحق أن تذرف و الجراح التي سريعاً ما تلتئم و الدماء التي تتخثر . يخبره على سبيل المواساة . تماماً كما فعلت قبل سنواتٍ أمه .
    الطفل الذي قد كبر بقيَ على يقينٍ من أن يوماً سيأتي .. سينزفُ فيها كل أصابعه .
    و يتحرّر من سطوة " الدماء " .. و يعود طفلاً .
    لكن هذا اليوم لم يأت بعد .
    بدليل أنه ينزف الآن ..
    و لا يزالُ الدّم يباغته كل كرّة . من ثقوبٍ لا ترى . و يحضّه على الجري معه . فينساق خلفه .

    في مكان ما ..
    ثمة طفلٌ صغير آخر يبكى لأنه تألم ، لكنه بعد بضعة سنين ، سيبكي كنوعٍ من أنواع الاحتجاج .
    و فيما بعد .. حين سيكبر بما فيه الكفاية . سيتعلم أن يتباكى ، من أجل البحث عن الألم ، و من أجل توريط الآخرين بتصديق كذبه . سيفهم أنه كان محظوظاً في صغره ، و سيفهم أنه لم يكن يستحق أن يكون صغيراً . و أن البكاء مجرد أوبشن . و سيأتي من يخبره بأن الحياة اليوم تختلف عن الحياة بالأمس .. إنها حياةُ " الأوبشنز " فلا غرابة إن بقيَ البكاءُ و اندثر الألم . و سيقنع نفسه بذلك . و حين سيفعل . سيصبح كبيراً هو الآخر .


    حسناً ..
    أنا أكذب .
    و الكذب حديث فارغ ، يتداوله الفاروغون في لحظات فراغاتهم الطويلة .
    لا بأس أن نختلف حول كل الهراء الذي ملأت به هذه الصفحة ، على ألا نختلف حول كذبي و الفراغ .



    ملاحظة أولى : سبقني كثيرون ظنوا أنفسهم الاستثناء الوحيد .

    و ثانية : سيتخطّاني الكثير . و سيتأتون إلى هنا ليستعيروا هذا الكلام الأحمق ليستدلوا به على كذبهم . لا تصدقوهم .

    و ثالثة : الكثير الذي سيتخطّاني سبقني أيضاً . . الشارعُ الآن يبدو و كأنه ملكي لكنّي لن أصدّق ما يحاول توريطي بتصديقه . فأمامي أشواط طويلة من الكذب كي أستحق أن يطلقوا اسمي على شارع .
    الشارع ليس ملكي ، و لا أسعى لأمر كهذا ، كل ما في الأمر أني حاولت قدر استطاعتي ألّا أترك الحافّة قبل أن أتيقّن من أنهم جميعاً قد مرّوا من هنا . متأخرة قدمت كي لا يتخطّاني أحد .

    و رابعة : ليس هنالك ملاحظة رابعة .. أنا أكذب فحسب . الجعل من كذبي مقنعاً مهمّة ثقيلة . ما عليّ التكفل به الآن ، هو أن أكذب فحسب .

    .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    المكان
    بجوار علامة استفهام
    الردود
    4,269
    الحرف التاسع والعشرون هو المكان المخصص لمثل هذه الاعترافات الكاذبة ..
    وكونها اعترافات كاذبة فهذا يعني أنك لا تكذبين ..
    حين يقول أحدهم عن نفسه أنه كاذب فالأمر لا يخرج عن أحد احتمالين ..
    إما أن كلامه صحيح ويجب أن نصدق أنه كاذب وأنه يكذب علينا حين قال أنه يكذب وهذا يعني أنه صادق
    أو أن كلامه غير صحيح وأنه لا يكذب وهذا يعني أنه صادق !

    -

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    في المستقبل
    الردود
    1,231

    ربنا الله يالماذا حسيته أحد هلوسات الخامس .
    الموضوع بكون كلمتين مفيدات بصيروا ماشاء الله مجلدات وبالأخر بح .
    شخص غير محب للخامس

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المكان
    في كتاب .
    الردود
    3,340
    القلوب عاجزة أمام الدماء و إلا لاحتفظت بها في داخلها و كفت عن تصديرها و ضخّها لبقيّة الشرايين و بقية الأعضاء *

    يالله , مر وقت على قراءة ممتعة كهذه , هلوسات فاخرة ..
    أشعر بالكذبة تتدلى من بين السطور , لكنها كذبة محمودة تعلقنا بصدقنا أكثر ..
    سلمت أصابعك التي يجري فيها *دم .!

    .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    مكّة المكرّمة .
    الردود
    1,877
    Congratulations

    على إعترافات كهذه !

  6. #6
    لا تنتظرين اشاده , فقد تعودتى الهذيان الجميل

    ما أروع كذبك

    اشكرك على متعه تذوق فقدتها واعدتيها لى .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المكان
    مصر-ام-الدنيا
    الردود
    21
    اية-النظرة-التشاؤمية-دى؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المكان
    على أجنحةِ العصافير !
    الردود
    89

    ما قرأتُهُ لم يكنْ كَذِباً , ولم يكنْ صِدقاً ...

    بل كان بدعـةْ !!

    شيءٌ لم يحصل له مثيلٌ من قبل ...

    هذا بالنسبة للموضوع ...

    وإذا أضفنا حرف الميم صارت الكلمة : مبدعـة !

    وهذه بالنسبة لكاتبة الموضوع ...

    وأعجبني :

    Quote المشاركة الأصلية بواسطة لماذا؟ عرض المشاركة

    حين يقول أحدهم عن نفسه أنه كاذب فالأمر لا يخرج عن أحد احتمالين ..
    إما أن كلامه صحيح ويجب أن نصدق أنه كاذب وأنه يكذب علينا حين قال أنه يكذب وهذا يعني أنه صادق
    أو أن كلامه غير صحيح وأنه لا يكذب وهذا يعني أنه صادق !



  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    مُنذُ حرفين لم أكن
    الردود
    756

    Question

    أريدُ كِذباً آخرا ..

    يُخرجني مِن ورطةٍ ( مفيدة )

    what happen about .. ( هذه الدنيا ) ؟؟

    نصاً مُمتعاً بحق ..

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    محتل ومغتصب !
    الردود
    633
    إنني مُمتنة لهذا الصباح, إذ جعل أول أمرّ ارتكبه هو قراءة هذا النصّ ..
    عدتُ فقط لأقول شُكراً جزيلا ..

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المكان
    أين أنت ؟
    الردود
    877
    توقفت عن القراءة لكي لا أكذب وأقول إني فاهم شي !!

    لكن شوفي أنا راح أرجع أقراء الموضوع مره ثانيه ، وإذا مافهمت ماراح أقراه مره ثالثه !

    عاد بكيفك ...

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    عُمــان نبـض واحـد
    الردود
    149
    كذب يقطر صدق

    دمت بدفء

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    الظهران - الرياض
    الردود
    56
    عندما يخبرنا أحدهم أنه كاذب ، فالأمر لا يخرج عن أحد احتمالين :
    إما أنه صادق في كلامه ، وهذا يعني أنه كاذب باعترافه ( + - = - )
    أو أنه كاذب في كلامه ، وهذا يعني أنه كاذب بإخباره ! ( - + = - )

    حديث شائق .

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المكان
    في عالم آخر
    الردود
    733
    "أهل جزيرة كريت كذابون "
    القائل كريتي إذن هو يكذب و هم ليسوا بكذابين ، إذن بما أنه من أهل الجزيرة فهو يقول الصدق وهم حقا كذابين ، إذن هو يكذب و هم ليسوا كذابين ، و بالتالي هو صادق وهم بالفعل كذابين .... إلى آخره السؤال هو هل هم كذابين أم لا ؟
    كول مي : موضوعك جميل و أرى إنه يميل إلى الفلسفة أكثر من السخرية..
    بالتوفيق دائما و دمت بود
    تحياتي

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المكان
    ابحث عن نفسي في مكان مااا
    الردود
    22
    السلام عليكم ..

    كان المرور هنا شاقا والموضوع اجهد ذهني وانا احاول استخلاص شيئ مااا ... لكن عبثا حاولت ..

    ربما قد استنفذت قواي طوال اليوم في اعادة صياغة طلاسم هذه الحياة وتجزئتها لتكون على مستوى الفهم الطبيعي .. وقرات الموضوع متأخرا .. فاجهدني حقا .. كذب بحلة الصدق ام صدق يرتدي حلة الكذب .. !! لي عودة مبكرة بذهن اصفى وانقى ..

    تحياتي ..


    ت

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    بعيد جداً
    الردود
    4,712
    وانه لجدير بالشريط الاصفر
    تحياتي

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المكان
    خلف نقطة علامة التعجب !
    الردود
    116
    أكذب عليك لو قلت اني فهمت شي
    بدي أعرف بس ياللي فهموا شو فهموا يعني

    الخلاصة
    ان الكل يكذب ويخبر انه صادق في محاولة لكذب جديد
    وانهو لعالم كاذب يعلم الكاذب وليس به مكذوب عليه لان الكل يكذب وأنا الان أكذب لاني وجدت الموضوع مميزة بشريط اصفر قلت لنفسي اشارك الكبار بكذبة.

  18. #18
    "أنتِ تقولين الصدق حتى وأنتِ تكذبين"

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المكان
    بُرَدِيٌّ في طيبة .
    الردود
    264


    منذ زمن لم أقرأ حرفاً زائداً كهذا ، شكراً لك .

    ........................... من قال إن النفط أغلى من دمي ؟!! .....

    حكايا الريح ، وأشياء مهمة .

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المكان
    في كل بستان يحفل بي الزمان .....
    الردود
    18
    أجمل شيء ان تفرغ مافي ثنايا وجدانك من احرف مقيتة وان تشرق شمس الأمل معلنة ان بعد المطر ياتي الربيع......

    ليدفىء الزهور ويفوح العبير عطرا بنسمات الحياة العليلة ........
    م
    ت
    ي
    م
    مر من هنا
    هنا

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •