Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 36

الموضوع: أمر استثنائي " :

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الردود
    386

    أمر استثنائي " :

    "


    أمر استثنائي " :

    لم يحدث قط أن حدث أمر استثنائي في حياتي الجامدة الروتينية , فرؤية رجل عجوز في غرفة الانتظار في المستشفى تبدو عليه ملامح القوة والكبرياء والكآبة في آن معا ينتظر دوره في المراجعة أمر عادي , وما إن التقت نظرتي بنظرته وقد كانت عابره ابتسم لي ثم تألم وكأن الابتسامة سببت له الأذى , فهذا أعتبره أمر استثنائي يستحق أن أكتب بشأنه .
    أكره الرجال وهذه ليست مشكلتي بل مشكلة الرجل الذي يختبئ في دفتري في منطقة الهامش ليسترق النظر والسمع لما أكتبه , ثم تطور به الأمر فانتقل إلى منطقة التاريخ وبالتحديد خانة الشهر, هو موجود فعلا وليس طيف , يقتات من الحروف التي أكتبها ويشرب من المطر الذي بلل التاريخ وبلل حياتي و بقية الحروف .
    فرؤية العجوز ليس أمر استثنائي فحسب بل أكد لي أنني أعجز حقا عن التقاط تلك الصورة له , ما كان منه صورة لا أستطيع التقاطها أبدا , شعرت حينها أنني في منتصف حلم ما أو ربما كابوس , هذا الإحساس بالألم الذي أَحَس به فقط لأنه ابتسم لي جعل قلبي يثب من مكانه , فضل قلبي يزأر حتى الآن , وقفت ساكنة ألتقط أنفاسي في حين كان العالم يتحرك من حولي ورغبة ملحة في العودة والنظر إليه مجددا لأستشف منه ابتسامة أخرى من غير ألم ,ثم فرامل السيارة وروائح الوقود والحركة الهادئة للسيارة في رحلة العودة إلى المنزل , لم تكن الأصوات تقترب من أذني أبدا بل تدور حوله ومن ثم تهرب, تطير مثل قصاصات الورق , كانت السماء صافية والحرارة شديدة ومصابيح الشارع قد أضيئت لاقتراب الشمس من المغيب .
    بقلق ظاهر هرعت إلى صورة جدي الأشيب وهو يبتسم بل يضحك لأحد ما وبالتأكيد ليس للكاميرا بل يضحك من فكرة أن تلتقط له صورة فلم يكن يتألم حينها بل كان مرحا كطفل فرح لأنهم سيلتقطون له صورة ,أحملق فيها بعينين مذهولتين لأستعيد التقاط تلك الصورة من جديد , تفحصت ملامحه رسمت المشهد من جديد , شيء ما يومض ويختفي فأعجز عن استعادة المشهد مرة أخرى , تبا لذاكرتي التي لا تهتم إلا بالتفاصيل الصغيرة بالضوء والظل والأماكن وسيارات الآيسكريم وكم هندي صادفته يتجول في الأرجاء وكم عامود إنارة ونخلة على طول الطريق إلى المستشفى وكم سيارة بيضاء مرت بجانبنا , وهكذا من تلك الأمور التي لا تجذب الأنظار , كم رغبت حينها في العودة إلى المكان و تجميد كل التفاصيل في مكانها ولا تعد ذاكرتي تستقبل صور أخرى إلا صورة العجوز وابتسامته لي التي سببت له الألم .
    كحل تعجيزي ومحاولة يائسة لإدارة شريط الذاكرة مرة أخرى خرجت إلى الفناء أسير حافية القدمين , كان حقل الريحان وورد الشاي في حالة فوضى فمنذ زمن لم أهتم به , أشعر بثقل بجسمي يعيق كل خلاياي عن التحرك , حتى أشعة المصباح ثقيلة جدا فوق رأسي , لم أكن أملك طاقة كافية لمقاومة التفكير به , وكل الأمر كان مدعاة للكآبة الشديدة التي اعترتني .

    أمر غير استثنائي " :

    طوال حياتي كان العالم الخارجي يصل إليّ في صورة الصحف والتلفاز والإنترنت وحكايات الآخرين فالعالم وصفة تمنحني إياها أبسط الوسائط كالملحقات الدعائية لمراكز التسويق والمطاعم بمعية الصحف اليومية , فلم أجرب الاحتكاك بالعالم الخارجي مباشرة , يتغير الطقس وتمطر السماء ومن ثم تجف الأرض فكل العالم بالنسبة لي يكمن في الشارع الذي تطل عليه نافذتي , فالخريف والربيع تمثله لي الشجرة الخضراء الكئيبة المنظر , والشتاء يدخل إلى حجرتي متمثل في الهواء البارد الذي يتسلل بعناد من النافذة مربعة الشكل , الفقر في عامل النظافة , المرح في أطفال الجيران وهم يلعبون بالكرة والدراجات , والضجيج في خلافاتهم والسيارات فترة العودة من الأعمال , القذارة في الغبار الذي لا يفتأ يعود إلى أركان الدرج كلما طردته مستعملة الماء كسلاح بدائي جدا وفعال , فكل هذه التفاصيل الحياتية تسير إليّ على هيئة صور وانطباعات عشوائية , فالروائح الثقيلة لوقود السيارات وأشعة الشمس التي تتغلغل عبر النافذة , الطيور والحمام على حواف النوافذ , هي مجرد مرحلة مؤقتة بل دائمة عن تصوري للخارج ولكن بصورة مصغرة جدا , يبلغ الهدوء في حياتي حد الخوف , فأجفل من رنة الهاتف أو قطرات الصنبور .
    بقرار سأغير كل شيء , سأخرج سأسلك طريق نحو العالم الخارجي سأذهب إليه على أن يأتي إليّ , سأغير حجرتي تماما , سأرمي الساعة الحائطية الكبيرة , سأغير مربع الضوء لنافذتي وهيئة النافذة وأجعل الضوء في شكل أكثر بهجة , سأقص جذوع الشجرة في الخارج لأغير من شكل ظلها الذي اعتدت عليه , سأعود إلى غرفتي بعدها لأجدها مجهولة تماما وكأني لم أعش فيها قط , سأخرج إلى الأسواق لأشتري لنفسي أغراض جديدة لتبدأ حياة أخرى حقيقية من مكان آخر لتعيش بي وسأحزم حقائب السفر الوهمية وبداخلها سأضع كل أطرافي وأعضائي التي أحتاجها في رحلتي القادمة إلى الحياة الجديدة وربما أستغني عن أصابعي حتى لا تضطر بصماتي أن تفصح عن هويتي .
    سأسافر سأزور كل البلدان , سأبدأ رحلة حول العالم في 80 دقيقة , لأشعر بأن المخاطر تلوح لي في كل مكان مستقبلة ومودعة , سأقوم بالتفكير في الكم الهائل من الأخطار المحتملة التي يمكن أن تهددني , وحين أعود سأصاب بالذهول كيف عدت واستطعت أن أبقى سليمة طول 80 دقيقة , لا أعرف ما مهمتي ولكن كل ما عليّ هو أن أفعل ما يحلو لي , سأسافر مع الروائح في الجو ومع الشمس, وسأفر مع المياه الجوفية إذا ما طاردني أحدهم , سأعلق روحي رهينة في منقار صقر ليسقطها في معدة صيد ثمين في إحدى صحراوات العالم , لأبدأ رحلة أخرى مستأجرة عاصفة رملية كثبانية لتأخذني إلى حيث تعجز الجمال عن الوصول إليه , وسأتعلق بخرطوم فيل ما أفتأ أنسل منه مع كل خطوة يمشيها لأسقط في قلب الهند تحديدا في منطقة تصوير فيلم بوليودي وأكون الكومبارس الذي دهسه الفيل في إحدى مشاهد الفيلم الأكثر كوميديا ,سأمر بالكويت تاركة في منتصفها مفاعل نووي ليهرب سكانها من التلوث لاجئين إلى المريخ لأضمن أن رمضان القادم والذي يتلوه سيخلو من حياة الفهد وداود حسين وسعاد عبد الله , سأزور الأردن وأخبر رانيا العبد الله أن تسريحتها لا تعجبني وأن اهتمامها بالتعليم يشغلها عن تسريح شعرها فيخرج جيل قادم حليق الرأس , سأفجر كنيسة في قلب بيروت وأكون أول إرهابية تفجر كنيسة , سأرتعد أمام جندي إسرائيلي في قلب أورشليم وأطلبه أن يخبرني بتاريخ " شالوم " ومن أول من نطقها , سأهرب منه وأحتمي بشجرة زيتون وأخبرها أنني لست المسئولة عمن يلقى حتفه أو من يقوم بذلك ولماذا , وأنه ليس من حقي أن أطرح على جندي يهودي الأسئلة , لتخبرني أنني مجنونة لأنني طرحت على الجندي سؤال ما , فليس من حقنا طرح الأسئلة , وليس من شأننا أن نعرف كيف نموت أو لماذا نموت فهو شأنهم فهم معنيون بالفوز بالحرب فقط وهم مؤهلون لتحديد أي الأشجار التي يجب قصفها ,سأمشي في جنازة شهيد وأسأل السائرون في الجنازة عن الكيفية التي يدركون بها القشعريرة والألم والبكاء والموت والزلازل الصوتية التي تحدثها المدافع أو أحد تلك الأمور التي تكون مؤشرا على نهايتهم الحتمية , سأمسك بالمشاعل وأسير متخفية مع جماعات الهولوكوست وأقتل قطة سوداء لا تلبث تزورني في المنام وتفزعني , وبنفس الشعلة سأحرق البيت الأبيض للمرة الثانية بعد أن أخبر أوباما أن الجماعة تخطط لحرقة لأنه كان أسود ويتخفى عنهم بالأبيض , وأقترح عليه أن يعيد بناءة ويطليه بالأحمر لتكسب امرأة كرسي الرئاسة في الانتخابات القادمة فلا رجل يقبل أن يسكن بيت أحمر , سأمر بفرنسا وأطلب من أكبر دور المصممين هناك أن يصمموا لي كفن وتصوير إعلان لعطر رائحته تشبه رائحة المستشفيات حتى أخلد الذكر بأن يقال أن رائحة المستشفيات تشبه رائحتي لا العكس , سأعرج على سويسرا وأبتاع ساعة لا تعترف بالوقت , سأزور الصين وأطلب منهم أن يدخلوني في خرم إبرة ويصنعون مني رداء رديء يواري سوءات العالم , وسأسأل أول ياباني أقابله هل يمكنه الصراخ وعينه مفتوحة أو يسكن خيمة شعبية في صحراء عربية , سأقطع شجرة أرز اندونيسية وأحضرها معي لتحتل أرض الشجرة الخضراء الكئيبة في الخارج حتى تكف خادمتي عن الاشتياق لأهلها .
    سأتقمص شخصيات عدة , سأكون رجل دين فأنصح الناس أن يركبوا جرس هائل الحجم في ذاكرتهم فبمجرد أن يغلقوا الأبواب على خطاياهم يرن لتذكيرهم , سأمارس أعمال شخص ذا رتبة عسكرية عالية معفي من الخدمة فأرتدي كل يوم بزتي العسكرية وأمارس الوحشية بطلعتي المستبدة والدكتاتورية القاطعة على البسطاء الذين لا يعلمون بإعفائي , وكطبيب أسنان خبيث سأخلع الضرس السليم وأترك التالف , وكملك ما سأجعل خادمي ولي العهد عقابا لأبني , سأضع الأصباغ على وجهي وأرتدي الأحمر وفي حضرة موسيقى رومانسيه سأعلن الوفيات , سأدخل المباني المحترقة في غزة محاطة بالخطر متمثلة برجل لا يقهر ومن هول المنظر أسقط ميتة على عتباتها , سأدخل صف فلسطيني كمعلم مصاب بالهلع وأخبر الطلاب كم أنا سعيدة لأن الفرقتين العسكريتين ستقصفان المدرسة خلال الدرس وأن سبب سعادتي أن هذه المدرسة تم بناءها على كنز وأن الركام الناتج عن هدم هذه المدرسة سوف يتراكم على الطريق مانعا الفرقتين من الاستمرار في المسير لهدم الأقصى.
    شرعت في التسكع في مشاهد حياتي تلك التي لا تقتصر على شيء بقدر اقتصارها على التخيل , وبطريقة ما بداخلي وخارجي في نفس الوقت نظرت إليها كما أنظر إلى صور بالأبيض والأسود , كأن أكون مجرد شيء ليس كائنا بشريا , وبتجرد من الواقع سأرسمني مجرد فكرة في مخيلة كاتب ليتم بها أحداث روايته بعد أن عجز عن إتمامها , فحاولت اتخاذ وضعيات مختلفة لحياتي في الرواية كما أتمنى أن تكون حياتي عليها في الواقع فاكتشفت أنني لست مجبرة على عيش حياتي هذه بل أنا شبه مقتنعة بها .
    حياتي تشبه مصباح لا يشع ضوءا ساطعا بل ظلاما دامسا فكل أولئك المعنيين في أن يبقوا في حياتي بالكاد أستطيع رؤيتهم فهم ليسوا إلا مجرد ظلال وأطياف وأصوات متحررة من أجسادها , في حين ظننت أنني أستطيع أن أصرخ وأن أستدير وأغادر من حياتي بكل بساطة وأنني أنا الطيف المتجرد من جسده لا هم .
    أحاول إسكات أفكاري تلك وخرسها لأنني أعلم أن فكرة البدء من جديد سبيل أكثر درامية من السبل الأخرى التي ارتضيت أن تسير عليها حياتي , ولكن على الأقل سأتفحص حياتي الآن كما يتفحص الطبيب عين المصاب , فأنا صدمت من حقيقة كنت أجهلها وهي أن من يفكر بي يتألم شأنه شأن العجوز الذي ابتسم لي وتألم ليس من الابتسامة بالتأكيد بل لأن الابتسامة كانت لي .


    "
    عُدّل الرد بواسطة Nada : 25-06-2010 في 08:22 AM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    مكّة المكرّمة .
    الردود
    1,877
    ذكرتيني بالبارع ..
    ياليـل أبو لمبة !

    صراحة عندك قدرة هائلة للكتابة , لذلك وجب عليكِ التوقف خوفاً من العين !

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المكان
    خارج المجره
    الردود
    1,534
    جميل جدا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الردود
    386
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة الداهيــة عرض المشاركة
    ذكرتيني بالبارع ..
    ياليـل أبو لمبة !

    صراحة عندك قدرة هائلة للكتابة , لذلك وجب عليكِ التوقف خوفاً من العين !
    "

    الداهية "
    ضحكتني ونادرا ما أفعل ..
    لا تخف أرقي قلمي كثيرا وأعلق برقبته التمائم, كما أنه ليس بالجمال الذي يستوجب العين !
    شكرا

    "

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المكان
    في منتصف الصدمة !
    الردود
    64
    أمر استثانئي الثانية
    أجمل
    ‏.‏

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المكان
    لم يتم التحديد بعد!
    الردود
    175
    صدقاً أحب متابعة قلمك

    رائعة يا انثى تبهريني دائماً بجمال ما تكتبين

    تحياتي لك

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المكان
    على متن حلُم
    الردود
    102
    قبل بدء الرحلة حول العالم وعمل المهام عليكِ أن تقومي بأكبر مهمة لصالح وطنك ..
    أُريدك أن تُغيري اتجاه طاحونة التبرعات الخارجية وتجعليها تدور نحونا وتصُب في أوديتنا

    وقولي لعامل الطاحونة أن أبناءه أحق من أبناء الأودية المُجاورة


    سعيدةٌ بهذه الجميلة

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الردود
    386
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة بلا ذاكره عرض المشاركة
    جميل جدا
    "
    شكراً ..


    "

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المكان
    أنثى على عتبات الزمن
    الردود
    571
    أحاول إسكات أفكاري تلك وخرسها لأنني أعلم أن فكرة البدء من جديد سبيل أكثر درامية من السبل الأخرى التي ارتضيت أن تسير عليها حياتي , ولكن على الأقل سأتفحص حياتي الآن كما يتفحص الطبيب عين المصاب , فأنا صدمت من حقيقة كنت أجهلها وهي أن من يفكر بي يتألم شأنه شأن العجوز الذي ابتسم لي وتألم ليس من الابتسامة بالتأكيد بل لأن الابتسامة كانت لي .
    أنثى جميل ورائق
    فكرنا بك ولم نتألم بل سعدنا بحروفك
    اسال الله ان يمن عليك بفضله

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الردود
    386
    "
    أوليفيا "
    كزهر اللوز أو أبعد "
    عواطف الجوفي "
    دراسينا "

    شكراً ""

    "

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الردود
    386
    "


    أمور استثنائية لا أريد القيام بها على رأس القائمة " :

    لا أريد للكلمات أن تتشكل في ذهني خشية الإيمان بها ..
    لماذا لم أبكي عدم التغيير أبدا ؟
    أنا مثل .. لست أعلم مثل ماذا ولكن الأمر لم يكن حقيقيا , أسوأ دور قمت به في الحياة أن أكون نسخة رديئة من مشاهد كوميدية متخلفة , فبدلا من أن أكون ممثل في المشهد أصبحت تجسيد واقعي لذات المشهد , حسنا عدت الآن لنفس النافذة والشارع والشجرة ,هل صار وجهي شاحبا ؟ رمادي ؟ لم أتردد بفتح النافذة كنت واثقة أن الهواء الذي سيدخل من الخارج لن يكون معطرا بغير رائحة الوقود أو الريحان , رأيت منها مربع الظل ذاته فقد أصبح الأمر نهائيا لم يكن الهواء نظيفا أبدا , ولم يكن مربع الظل أكثر بهجة .

    اخترقني خوف شديد عندما فكرت في جسامة ما سيصيبني إن جعلت " الأمر الاستثنائي " يتشكل في ذهني , الأمر أنني كنت أقامر على شيء مشكوك فيه , هو مثل قطة غير مرتاحة في جسدها وترغب أن تتحول في جسد " لبوة " تظل طيلة المساء تصدر مواء احتجاج .

    للأساطير سحرها على الجمهور البشري المتلهف لتصديقها , لدي منهج معين في علم الأساطير في كل منحى من مناحي الحياة البشرية الآن , ونظرا لأنني منعت من السعادة الغامرة أصبحت كالعادة أتصارع مع الجانب الأسطوري من السعادة , في رحلة وهمية أخرى ليس على سبيل التغيير بل لجمع التواقيع من أولئك الذين لم تكن مشاعرهم ساخطة ذات يوم .

    الأمر مجرد امتياز عام للبحث عن مغامرة تحكى من بعدي على أنها أسطورة , وكشأن الأساطير لن أخوض معركة خاسرة أبدا , فبينما أنا أعد نموذج لجمع التواقيع لاحظت أن سخط المشاعر ليس مسألة زمان أو مكان بل هي ملائمة للهيكل العام حيث الصور والمواقف المثيرة للسخط والتي لا يمكن تخيلها أبدا .

    بيد أنني اكتفيت بتوقيع شخص طوال ثمانين عاما ولم يكتسب أدنى قدر من السعادة ولكنه يبتسم من خلف هيكلة ابتسامة طبيعية هو كصورة في محفظة أحدهم تتنقل معه في كل مكان يقوم أحيانا بالنظر إليها وقد يبكيها وقد يبتسم لها حسب الحالة , ولكن الصورة لا تتغير أبدا فلم يحدث أن ابتسم صاحبها أو غير رداءة أو حتى أتبع سلوك يعد مبعث حزن أو ألم يسكن المحفظة يخرج ويعود ليس لأنه يريد بل لأن صاحب المحفظة يريد ذلك فيضل أمره مرهون به .
    هذا السلوك ينمو به أي العجوز ذو الثمانين عاما كما ينمو الدخان وتطور النار وذلك تجنبا أن يحترق , مر فصل الصيف مئة مرة وهو كل يوم يحتسي في ذات الكوب نفس نكهة الشاي , وكذلك فعل الشتاء وهو يرتدي ذلك المعطف بنفس الأكمام ونفس الياقة ولم يفكر في أن يرتديه على الجهة الأخرى على سبيل التغيير , ذلك البقال ولم يعد من بقال إلا في دار " الحكواتي " الخرافي فمنذ ثمانين عاما وهو يدفع عن نفسه أن يصبح هو ودكانه من الآثار وإحدى أساطير الكتب الخرافية .
    أخبروه أنه ودكانه وبضاعته خردة من الناحية التاريخية فقط , وهو لا يزال يعرف قيمتها وهم لا يعرفون , جن جنونه إذ علم بكيدهم وعدم أخذه بصورة جدية وأن ما يبيعه ذو قيمة وليس خردة , فداخل الأقبية ومحال الخردة نفوه ولكنه ظل يتميز بقوة الحنين إلى ما قبل ثمانين عاما حيث كان ما يبيعه مقدس .

    لم يتغير حتى داخل الأقبية ومحال الخردة وصخب البائعين من حوله , ظل يفتح دكانه ويبيع خردته ورأسه يتوهج بحرارة الشمس , لم يتغير كوب الشاي أو معطف الشتاء , ولا حتى العكاز الذي أضناه طول الطريق أكثر من قدمي صاحبه , يجر نفسه من شارع إلى آخر يبحث عن دكانه القديم , فمنذ عام لم يعد إلى الشارع القديم فلم يصبح قديم وكل المكان أصبح غير مألوف أبدا , عجزت قدميه وهي تعانق الأرض حيث اعتادت طوال ثمانين عاما أن تفعل على طول طريق معين لم يعد موجود بحثت ودارت حول نفسها كمغترب عن وطنه ينظر إلى السماء أن تجود بالعطاء أو تأخذه إلى حيث كان , خمس صلوات في اليوم كان يصليها هناك ولم يعد هناك كما كان , ربما كان ذلك أسطوري الآن ولكنه حقيقي , ظل يجادل نفسه بشيء من التأمل بأنه ربما أخطأ المكان , فنام على أرض الشارع المبللة والمتسخة ببقايا أعمال البناء ولا أعتقد أنه استيقظ بعدها .



    "

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الردود
    386
    "


    مسألة جمع التواقيع جدية الآن .. أخشى أنها تشكلت في دماغي جيدا وآمنت بها ..

    ثاني مسمار " توقيع " في النعش " :

    حينما تسمع صوت خطواته من بعيد قادم إلى المنزل تشعر بأن الضوء يتسلل إلى داخلها , فتتذكر أنها لم تعد له الطعام , هي تعلم أن العالم محفوف بالمخاطر والقسوة , ولكنها تضل تقنعه بطريقة الأمهات أنه بارع كفاية وأن الاختيارات عديدة في حياته ويمكنه أن يكون كل شيء يريده فيصدقها , لكنه لا يشعر بأنه على قيد الحياة فكيف بالخيارات أن تكون حتى يختار , يحكي لصديقة فيقول له أنه يتحدث لأنه ما من شيء أراده وحصل عليه ليتأكد أولا أنه على قيد الحياة , تأمل حياته التقط له صورة نظر إليها رآها تسود سريعا والصورة تتبخر تماما حينها تأكد أنه ليس على قيد الحياة .

    (3) " :

    ورقة صغيرة تثبت وجوده تدعى شهادة ميلاد , رمت بها بكل أنانية في الماء لتغرق وتسبح وبررت فعلتها هذه كي يبقى في السادسة عشر ولا يكبر أبدا ويرحل عنها , ولم تغرق كفاية فأصبح يكبر كل عامين عام , قطبت جبينها وارتعشت من فكرة فقدانه أحضرت مقص واستمرت في قص الورقة قطع صغيرة وبعددها سيعيش سنوات , وقف خارج نفسه يرجوها أن تكف فهي تؤلمه , أما هي فاستمرت في القص فكانت الحياة تتدفق في المنزل القديم وهي تبكي وهو يرجوها بأن تتوقف وظل يفعل حتى أبطأت الكلمات ثم شحت ثم انقطعت تماما , هبت ريح شديدة وطارت القصاصات ولم تحصل ولا حتى على واحده .

    (4) " :

    تنمو نموا متقطعا , ملت السنوات الطوال التي تمر وهي تحلم بأن تصبح في الطول الذي يمكنها من النظر إليه عبر النافذة , تلوم عدم استقرار طقس الربيع الذي لا يمنحها الطول , والشتاء الذي يلفها بوشاح أبيض ليحافظ على جذوعها , عليها أن تنتظر الربيع القادم والموت أقرب حتى من الربيع , كان الطريق مزدحم بالحشود المندفعة نحوه لزيارته وهي مسمرة بالأرض لا تستطيع إليه حتى النظر , ارتدت معطف أخضر في حضرة الخريف تقنع نفسها أنه الربيع وأنا أصبحت بطول النافذة ونظرت وإذ بالسرير خالي , فكما أصبحت معجزة أن تكون هي خضراء في حضرة الخريف هو أصبح بخير وبإمكانه اللعب تحت ظلها طيلة النهار .

    (5) " :

    في رغبة داخلها وفي التخيل من جانبها شعرت بأن الغرفة أصبحت حارة بشكل غير ملائم , أخبرها الطبيب أنه قام بإعداد رسم تخطيطي لقلبها وأن لا أمل لها في العيش , سحبت ورقة من معطفها وسلمتها للطبيب أن يوصلها إلى العنوان , كان الأمر يحتاج قوة أكثر من كسر بيضة ولكن أقوى بكثير من تقطيع الأخشاب , خرجت حتى وصلت البوابة الخارجية تفكر بالكيفية التي تخبره بها , كتبت إعلان في الجريدة " امرأة ذات ملامح وجه حادة قوية البنية ترغب في أن تعمل في المناجم أو قطع أخشاب الغابة " فكرت أنها قد تموت قبل أن تصل إلى تلك المرحلة التي تمنحها الشجاعة على قتل نفسها .


    "

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الردود
    386
    "


    لافتات " :


    لقد أصبحت الصحف تتنافس في ما بينها للبحث عن الحقائق في الأوحال بينما أنا أجمع التواقيع ولم أحصل على توقيع واحد على الأقل يثبت أن السعادة أسطورية وأن ثمة أناس لم تكن مشاعرهم ساخطة ذات يوم , لقد خلقت كل الصحف إعلانات نعي في من ؟! لم أكن أدري , حتى لافتات الشوارع كانت تروي القصة ذاتها أي قصة ؟! فلم أسمعها , إذن فجمع التواقيع ليس ثمة فائدة ترجى منها , فإعلانات النعي كانت تلصق بالأبواب وجدران المساجد والمدارس والمستشفيات , تتبارى فيما بينها أيهما يوصل الخبر أول ولأكثر عدد من الناس.

    تحول الأمر فأصبحت الشوارع عرينا للنعي , نعي من ؟! لم يكن أحد يدري ! في الأزقة المتعرجة المليئة بالأوحال التي كانت الصحف تبحث فيها عن الحقيقة , كانت الدكاكين مفتوحة فرائحة الدماء التي تثير شهية الجرذان تفوح من عند بائعي اللحوم , تختلط برائحة القرنفل والياسمين من محل العطار بآخر الزقاق , تتعارك الروائح بجانب روائح الخبز الشهي في الهواء في مشهد رائع لثري سمين ينعم بها جميعا ثم يتحول المشهد إلى فقير معدم يحلم بها جميعا , فحتى الروائح تجيد مسك سوط الجلاد وتعذيب كل ذي أنف قوي .

    في آخر الزقاق حيث ينتهي وأخذته قدميه دون وعي منه , لا فتة زرقاء داكنة ترتفع على بعد بناية مطبوع عليها اسم الذي مات وكان النعي فيه , ولكن اللافتة غير موجودة فقد هبت عاصفة شديدة ذات ليلة وحملتها معها , أمطرت السماء حينها مطر حار , حار جدا كأنما بكته بدموع حارة ليس كالعادة , شعر بأن العالم يتغير تحت قدميه وهو يسمع أحدهم يناديه أن " التقط حذائك فاليوم كل شيء يسرق حتى الأحذية " شعر حينها أنه مستنزف حتى آخر نفس فيه , فمن مات يا ترى ؟! كان مستعد عن التخلي عن حذائه مقابل أن يعرف .





    "

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    محترم جدا
    الردود
    1,384




    0
    0
    0

    الانتحار فكرة واردة بصرف النظر عن جداوها ..
    لا يتبناها الشخص ويتشبث بها إن كان له ذلك ..
    إلا لأنها سيطرة عليه وإلا لأنه أحبها !
    رغم سطوة الحياة أحيانا ..
    وحدوث ما لا يتوقعه المرء ..
    ونفاد عامل الصبر والرجاء وضيق الحيلة .

    فلو طمئنوني أننا ( إذا متنا تركنا ) !
    أشعر أن ليس لدي من الجرأة ما يكفي لفعل ذلك .
    وأنا أرى أن لديك أمور استثنائية كثيرة وجميلة ..
    أتيتنا وهي معك .
    وممارسة مبدأ الإعلاء أو التسامي "الفرويدي" فكرة رائعة ..
    بإمكاننا أن نشغل أنفسنا بها ..
    ونمضي لتمضي الحياة .
    وهذا ما هو مطلوب .

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الردود
    386
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة مزار قلوب عرض المشاركة



    0
    0
    0

    الانتحار فكرة واردة بصرف النظر عن جداوها ..
    لا يتبناها الشخص ويتشبث بها إن كان له ذلك ..
    إلا لأنها سيطرة عليه وإلا لأنه أحبها !
    رغم سطوة الحياة أحيانا ..
    وحدوث ما لا يتوقعه المرء ..
    ونفاد عامل الصبر والرجاء وضيق الحيلة .

    فلو طمئنوني أننا ( إذا متنا تركنا ) !
    أشعر أن ليس لدي من الجرأة ما يكفي لفعل ذلك .
    وأنا أرى أن لديك أمور استثنائية كثيرة وجميلة ..
    أتيتنا وهي معك .
    وممارسة مبدأ الإعلاء أو التسامي "الفرويدي" فكرة رائعة ..
    بإمكاننا أن نشغل أنفسنا بها ..
    ونمضي لتمضي الحياة .
    وهذا ما هو مطلوب .
    "

    فكرة الانتحار تجاوزتها منذ وضعتها حيز التنفيذ
    حسنا لا أجد مبرر ما لذكره هنا ولكنه أمر استثنائي على كل حال
    فلو طمئنوني أننا إذا متنا سنبقى للأبد على ما أعتقد لما توانيت عن التنفيذ لحظه !
    إن أولئك الذين يعتقدون أنهم سعداء ولا يملكون من الجرأة ما يكفي لنقل الأمر من حيز النكران إلى حيز التفكير
    أنظر قلت حيز التفكير فقط ولم أقل التنفيذ فالأخيرة لا تريد جرأة بقدر ما تريد بعض جنون منتهي الصلاحية فقط
    نقل الأمر إلى حيز التفكير أمر انتهازي يحتاج إلى الجرأة
    التفكير بالانتحار مجرد التفكير به وتركه يسيطر على حياة المرء فهو يجعل منه مثل شخص يمشي وفي فمه ترمومتر لا يستطيع له فكاكا
    هل أفشيت سرا ؟!
    هل هي هلوسة ؟!
    بالطبع لا , هي إما رؤية مسبقة , أو رؤية هلوسة , أو رؤية منعدمة , فقط !
    فقط تخيل ضفدع يعيش في درج مكتبك !
    أو حشرة تعيش تحت " النياشين " في بزة جندي في سلاح المشاة أو سلاح المظلات تبقى متماسكة رغم الظروف ولا تسقط !
    هو كأس واحد فقط به قطرة واحدة فقط إذا سقطت يستحيل أن تعود !

    "

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المكان
    سـابح ..!!
    الردود
    33
    استثنائيه جداً
    وقلم رائع ..محفز أشكركِ جداً عليه
    ومشاء الله عليك

    بالمناسبه أكثري من المعوذات كما قال الأخ أعلاه

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    في داري
    الردود
    1,787
    كاستثناء في مواضيع النساء ... هذا موضوع استثنائي ..
    وبلاش تخلينا نكتب كم بيت شعر على ساعة هالمسا ...

    جميل ما هنا بشكل استثنائي ..

    و ... أنا داري

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المكان
    وهبتهُ منحةً للملكْ
    الردود
    1,054
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة مزار قلوب عرض المشاركة

    0
    0
    0

    الانتحار فكرة واردة بصرف النظر عن جداوها ..
    لا يتبناها الشخص ويتشبث بها إن كان له ذلك ..
    إلا لأنها سيطرة عليه وإلا لأنه أحبها !
    رغم سطوة الحياة أحيانا ..
    وحدوث ما لا يتوقعه المرء ..
    ونفاد عامل الصبر والرجاء وضيق الحيلة .
    يقول الشيخ نابليون بن بونابرت :
    قد تفتقد المرأة إلى شجاعة الإنتحار ، ولكنّها لا تزال تلحّ عليكَ وتضايقكَ حتّى تقدم أنتَ عليه .
    فأتوقّع أن إدارة الساخر ستنتحر عمّا قريب

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    من وراء الخوف
    الردود
    853
    متابع .. وكفى ..

    يبدو أن الساخر مازال يتنفس .. والأقلام تولد من جديد ..



    ملكية حرف رائعة ..
    عُدّل الرد بواسطة جسوور : 28-06-2010 في 09:59 PM

  20. #20
    قرأت أصل الموضوع فقط، يعني المشاركة الأولى فقط و الحقيقة أني سعدت جدا بذلك و هذا أول موضوع أقرأه لك يا أنثى الرماد.

    قرأت لك عبارة تقول:
    سأقص جذوع الشجرة في الخارج لأغير من شكل ظلها الذي اعتدت عليه

    حسّاسة جدا يا أنثى الرماد.
    سأرى ما عندك في الإضافات التي طرحتها هنا.
    شكرا كثيرا

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •