منذُ أن ولَدَته أمه كانَ يشعرُ أن حياته ستكونُ مختلفَة, أقل بكثير مماّ كان سيتمناّه إنسانٌ يؤمن بأن في الحياةِ شيءٌ جميل يكافحُ لأجله, أصعبَ بكَثير منْ أبسط معادلَة يمكنُ أنْ يجيدَ حلّها طفلٌ فيِ الثالثَة من عمره, أقصر بكثيرْ منْ جفنٍ سقطَ فجأة من عينٍ لامسهاَ الماء..
وُلدَ بعينينِ شاسعَتيِن يستطيعُ أن يرىَ من خلالهما أدقّ تفاصيل حزنه. وأصغرَ ميكروباتِ بكائه التيِ تستعد للنمو داخل عينيه ..
وُلدَ بقَلبٍ منتفخ, حارَ الأطباءُ في أمره .. وحينَ كبر قليلاً وتضاءَلت كمياتُ الدواء في غرفته, أيقنَ أن ذلكَ الإنتفاخ لاَ شيءَ يُشفيه, فالدواءُ وُجدَ للعلَل الهشَّة ... وعلّتهُ تلك كانتْ صلبة, لا تزول !
وُلدَ فيِ شارعٍ يضاهيِ حجر أمه, وإذا ركضَ فيه شعر أن أمهُ تقول ضاحكَة : " آآي ... على رسلكَ يا بني .. لقدْ آلمتَني !""
كانَ يشعرُ أنّ أمهُ عظيمَة كـآلهَة, أو ربماَ كمدينة لا يعرفهاَ سواهْ ...
وكانَ يحبُّ أنْ يناديها : " يا مدينَتي .. خذينيِ إلىَ أقربِ عين منك كيْ أشربْ !"
وكانتْ تجذبهُ دائمًاَ لمكان واحدْ ...
لعيْنَيها اللتين تشقُهما عصا الحزن , كيْ يمرَّ إبنهاَ بين الأمواج المالحَة بسلامْ !
ولكنهُ كلماَ مرّ من هناك تألّم, وشعرَ أن صخرَةً تتحركُ في صدره وتمزقُ الأوردَة كيْ يصرخ قائلاً : " آآآي ... على رسلكِ يا أمي ... لقدْ قتلَني البُكاء! "
ولكنهاَ في تلك الأثناءْ تتحولُ إلىَ كائن هلاميّ, كائن يبتسمُ ببياضْ ويرفرفُ بأجنحَة ممتدّة إلى مدينَة لاَ يعرفها سواها !

وهوَ يلحقُ بها, ويحاولُ شدَّ طرف الجناح بيديه الصغيرتيْن , وأمهُ التيِ كانتْ دائماً تنصتُ له ... أصبحَتْ مبتورةَ الأذنينْ ..
لا تسمع ولا تعود ولا تحملُ إبنهاَ بين ذراعيْها كيْ يكفَّ عن البُكاءْ .

وُلد فقيرًا منهاَ ... لتعوّضهُ الحياة بقَلبٍ نفخَهُ هواءُ اليُتم,
ليصبحَ قلبهُ أولَ جسمٍ مملوءٍ بالهوَاء دون أن يطيرْ !
وهوَ لمْ يتمنَّ أن يفارقَ هذه الأرض إلا ليلحقَ بأمه ... التيِ عرفَ أخيرًا أنهاَ تنامُ في السمَاء بعدَ أنْ سمعَ من جميع الأفواه التي تحاولُ جزافاً أن تواسيه بأنّ أمهُ قد ذهبَت إلى الجنة ..
وكانَ يخشَى أن يقترفَ أي خطإ يمنعُ عنه تلك الجنة ...
وبالمقابل كان يتمنى لو أن حبل حياته كان أقصر بكثييير كيْ يموت سريعًا ويصعدَ إليها ..
فلمْ تقرّ عينه مذْ غادرهُ حجرها !