Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 4 123 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 61
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323

    يوميّات طبيب في الأرياف

    لم أدرِ بالضبط أين اضع هذا الموضوع الصغير, فرميته هنا على عجل عساكم ترونه, فإن رأيتم أن يبقى هنا فدعوه , و إن شئتم أن ترمونه في مكانٍ آخر فأنتم و ما تشاؤون ..

    - يوميات طبيب في الأرياف -

    احترت كثيراً إن كان من حقي أن أكتبَ هنا ما سأكتب .. و تساءلتُ كثيراً بيني و بين نفسي فيما إذا كنت سأخون عهداً غير مكتوبٍ حين أسرد على الملأ قصصاً لم أستأذن أصحابها في إعلانها على هذا النحو ...

    بقيت في حيرتي هذه سنين طوال آثرت خلالها أن أؤجّل هذا الموضوع علّ تقادم الأمد يسمح لي أن أخفر عهدي الذي التزمت به منذ اللحظة التي دلف فيها أول مريض ليتمدّد على السرير الأبيض و يحكي لي آلاماً و أسراراً لا يحكيها لأقرب مقربيه ..

    ثمّ .. دارت الأيام دورتها ... طوت السنين في عجلتها ذكرياتٍ شتّى ... و جرفتني الدنيا في دوّامتها الهائلة شرقاً و غرباً .. حتى نسيت هذا الموضوع تماماً و لم يعد يخطر لي ببال ...

    منذ أيامٍ قليلة التقيت - بصدفة عجيبة - بأحد مرضاي القدامى الذين ما زالوا يذكرون ذلك الطبيب اليافع الذي قدِم قريتهم على استحياء – مرتدياً بذلة أنيقة و ربطة عنق - منذ سنين طويلة , ليصبح بين ليلة و ضحاها جزءاً حميماً من تفاصيلها الكثيرة التي لا تعدّ و لا تحصى ...شأنه في ذلك شأن شجرة الزيتون العتيقة التي تشيخ وحيدة في مدخل القرية ..

    و ثغاء الحملان حين تتناطح مسرورة عائدة من مأدبتها الفاخرة قبل أن تغرب الشمس عن عشبها اللذيذ ..

    و عصا الحاج يوسف العجوز الذي لا تختلف إلا بتفاصيل قليلة – ربّما - عن عصا موسى عليه السلام ...

    و المجاري المكشوفة التي تندلق فيها مياه سلق الدجاج ظهيرة الجمعة بعد أن تنفضّ الصلاة و ينتشر القوم إلى بيوتهم جوعى مستبشرين ..

    و مكتب الهاتف الذي يتربّع وراءه الحاج أحمد – صاحب الهاتف الأوحد في القرية – فخوراً مختالاً لينتقي من بين عشرات الوجوه المتوسلة التي تبحلق فيه وجهاً واحداً فقط يسمح له أن يستخدم الهاتف ليبلغ أخاه في المدينة أنهم ( سيطبّوا ) عليه مثل القضاء المستعجل مساء غد قبل أن ينهض الحاج و يغلق المكتب غير مبالٍ باحتجاجات المنتظرين الغاضبين و لعناتهم التي تنصبّ فوق رأسه سراً و جهاراً ..

    و رائحة السوسن البري أيام الربيع حين تشرق شمس نيسان دافئةً على قلوب العذارى فيصبح لأجساد النساء عبق الجنّة ..

    و صوت المطر ينقر قطراتَه المتوثّبة على الطرقات الهاجعة كعازفٍ ليليّ متوحّدٍ يستمتع بصوته وحيداً وسط ظلام البرية الدامس ...

    و ملمس الثلج الأبيض حين ينسحق تحت الأحذية البالية لأطفالٍ يتراشقون بكراتٍ صغيرة مقهقهين غير مبالين على الإطلاق بأنوفهم الحمراء و أوصالهم التي أشرفت على التجمّد ..

    و أصوات النساء حين يجتمعنَ و يلثغنَ لهجة ريفية محببة و هنّ يستمطرن السماء لعناتها على معلّم المدرسة و مديرها - و فرّاشها أيضاً – الذي انضمّ منذ أيّامٍ إلى القائمة السوداء للرجال المغضوب عليهم ذوي العيون الزائغة بعد أن ( أعرس ) منذ يومين على عروسه الثالثة ...

    و الحكاية الشهيرة التي تتناقلها اجيال القرية منذ أمدٍ بعيدٍ عن الذئب الذي كان يعيش في التلال المجاورة و الذي كانت أغنام القرية و خرافها و جدائها وجبته المفضّلة قبل أن تزداد جرأته و يهاجم الحاجة أمونة – حين كانت ما تزال صبيّة – و يعضّها في ساقها ليبادر شبّان القرية و يجرّدوا حملةً لطرد هذا الذئب المأفون ثم يعودوا بعد أيام قليلة حاملين جثّته بفخر و ابتهاج ...

    و جاسم الأهبل الذي كان جزءاً لا يتجزّأ من طقوس المساء كلّ يوم حين يخرج من خرابته المنزوية و ينطلق في دروب القرية الملتوية هازجاً بأعلى صوته أغنيةً ريفيةً راقصة ليتجمّع وراءه كلّ الأولاد في زفّة بهيجة تجوب القرية من أقصاها إلى أقصاها قبل أن تغيب الشمس تماماً و يتفرّقوا راكضين إلى بيوتهم متعبين ...

    و حمار الحاج عبد الله الذي أصيب فجأة بمسّ من الجنّ أقنعه انّه يبزّ المطربين حلاوةَ صوتٍ و طلاوةَ غناء فأضرب عن العمل فجأة و أصبح يصدح كل ليلة بنهيقٍ شجيّ يصمّ الآذان مما جعل جميع سكان القرية يشكون لطوب الأرض هذا الحيوان العنيد الذي يأبى إلاّ أن يشنّف آذانهم بمواويله و آهاته و يحرمهم من النوم حتّى تصرّف الحاج عبد الله أخيراً و باعه في سوق الخميس في البلدة المجاورة ليعود مكتئباً محتسباً عند الله صديقه الغالي الذي جنّ فجأة ...

    و محروس العربيد التلفان خريج السجون الذي نبذه أهل القرية جميعاً فابتنى له بيتاً منزوياً بعد أن هبطت عليه ثروة مفاجئة لا أحد يدري عن مصدرها شيئاً و إن كانت الأقاويل تتهامس أنها من مال الربا و العياذ بالله ...

    و الهواء المبلل برائحة الشاي الثقيل في ليالي الشتاء الطويلة حين تدور الأقداح المنكّهة بالمسك على المجتمعين حول النار ألف مرة و هم يدخّنون و يتحادثون عن دجاجة أمّ محمود التائهة و الكلاب الضالّة التي بدأت مؤخّراً تتكاثر في أطراف القرية المنسيّة و أحوال الباشمهندس حسن الذي سكن المدينة بعد أن نال شهادة عالية جداً من بلاد ( برّه ) ..

    نعم .. أصبحتُ جزءاً حميماً من كلّ ذلك ... التحمتُ منذ اللحظة الأولى بكلّ تلك التفاصيل الصغيرة .. و أصبحَتْ عيادتي التي افتتحتٌها عند مدخل القرية قرب شجرة الزيتون العتيقة معلَماً من معالم تلك القرية الضائعة التي تتمدّد بسلام و بساطة في مكانٍ هادئٍ منسيّ من هذه الأرض الهائلة المثقلة بالمدن المزدحمة و الشوارع الصاخبة و الأحلام العربيدة و النظرات الوقحة و العيون التي تستلّ سكينها لتطعنكَ في بؤبؤك الأسود بشراسة ذئبٍ جائع ..

    لم تكن مجرّد قريةٍ محدودةٍ ببيوتها الساذجة و حقولها الممتدة .. لا .. كانت كائناً حيّاً حقيقياً يتنفس فقره و جوعه و أحلامه البسيطة , و أوجاعه التي امتزج دمها بطين الأرض بمرارةٍ لا تكاد تصدّق , فكانت حكاياتُ بطولاتٍ صغيرة جداً لأناسٍ وجدوا أنفسهم في هذا العالَم يدبّون بهدوءٍ و شغف و استسلام فقرّروا أن يكملوا مسيرهم هذا بإصرار و حماس حتى اللحظة الأخيرة حين يطفؤون أنوار عيونهم و يرحلون ببساطة ...

    لا .. لم تكن مجرّد قرية مهملة تنزوي بخجل مواربةً قبحها و تهالكها و عيونها الرمداء .. لا ... كانت ملحمة حقيقيّة تعيشها كلّ لحظة في تاريخها الصغير المضرّج بدموعٍ حزينةٍ لأناسٍ – مثلكم تماماً – يملكون في أحشائهم قلوباً خافقة , و أعصاباً مرهقة , و أحلاماً تتناثر كلّ ليلةً وراء حدود المستحيل , و أسماءَ بسيطة شائعة جداً , و أصواتاً مألوفة , و ابتسامات صادقة خجولة تحضنك بفرح و تخبرك أنها تحبك جداً و تشتاق إليكَ بصدق ..

    لا .. لم تكن مجرّد قرية ... كانت وجهاً آخرَ لوجودنا الآخر .. وجودِنا الذي أهملناه بغباء و طردناه بقسوة و عاملناه بفظاظة متوحّشة حتى نسيناه تماماً و تجاهلناه للغاية , لكنّه , يظهر لنا فجأة ليمدّ لنا لسانه معابثاً حين ندخل غرفنا الموصدة و نبكي بلا دموع , نبكي أحزاننا و آلامنا و وجع صدورنا الضائقة و عيوننا الكئيبة و وحدتنا القاتلة ... فندرك توّاً أننا كنّا بلهاء جداً حين اخترنا أن نحرم أقدامَنا ملمس الأرض الحبيبة و نرتدي الأحذية الجلدية دون مبرّر , و نتأنق دون أي سبب , و نزيّف وجوهنا بابتسامات بلاستيكية دون خجل , و نضع رجلاً على رجل مغرورين على الأرائك الفاخرة , و نملأ مزابلنا رزّاً و لحماً و أحداقاً جائعة , و نريق على أجسادنا عطوراً غريبة تخفي روائح الكراهية و الغيرة السوداء التي لا تخفيها ألف عريشة ياسمين ...

    كانت تلك هي القرية الصغيرة التي احتضنت بين أكنافها الساذجة طبيباً يافعاً قرّر أن يبدأ من هناك .. عند شجرة الزيتون العتيقة ... رحلة عمره التي كادت أن تنتهي في غربةٍ من وراء غربة .. لكن تلك الشجرة بقيت في قلبه تمدّ جذورها بحنو و تحضنه بحنانِ أم , لتخبره في الليالي الباردة حين تلتفّ وحدته القاتلة حول عنقه , أن ثمّة في البعيد .. في البعيد جداً .. وراء كل تلك المسافات المعتمة .. أناس ما زالوا طيّبين للغاية .. أحبّوه بصدق .. و عانقوه بمحبّة .. و قاسموه جوعهم بكرم , و فرشوا له أحداق عيونهم الحزينة , و ودّعوه ببكاء صامت قبل أن يموتوا بسكينةٍ و هدوء ...


    و تلك هي حكاياتهم ...







    يتبع ...
    سألني ربّي : هل تحبّ هذا العالَم ؟؟؟
    قلتُ : لا ..
    قال : غيّره إذاً ..

  2. #2
    مقدمة رائعة ..

    ننتظر حكايتهم ..


    شكراً مقدماً ربيع
    ___________________________________________

    من كانَ غريبًا لمرةٍ واحدة في وطنه.. سيظل غريبًا إلى الأبد.!


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المكان
    في عتمة الليل
    الردود
    71
    .بديع ما قراته هنا
    كنسمات الربيع منعشة روائحها تطرب القلوب.
    دمت بخير ومتابع


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المكان
    بين وطن وشطايا منمقة ..
    الردود
    1,023
    ربيع ...

    أسلوبك شيق وفيه الحس العالي ..
    وبانتظار اليتبع


    ودي

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المكان
    خارج المجره
    الردود
    1,534
    ماأجمل صورة الأرياف هنا
    أكاد أستنشق هواءها
    وألمح من بعيد بساطة بيوتها
    وطيبة ساكنيها
    أبدعت هنا يادكتور
    بإنتظار اليتبع

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    قبل أن أسرد حكاياتهم .. لا بدّ لي أن أسرد حكايتي أنا ... و كيف بدأت ...

    كنت في أواسط عقدي الثاني شاباً مبتسماً مقبلاً على الحياة حين هبطتُ – متقلقلاً مغبرّاً - من تلك الحافلة المهترئة التي حملتني من مدينتي إلى هذه القرية الصغيرة حاملاً في حقيبتي الجلدية الصغيرة السوداء تلك الشهادات الممهورة بألف توقيع و ألف ختم ملوّن و ألف ترويسةٍ رسمية تثبت بما لا يدعُ مجالاً للشكّ أن هذا الشاب الذي اسمه ربيع هو طبيب بحق و حقيق و ليس مدّعياً أو أفّاقاً أو دجّالاً يمارس فن التطبيب دون وجه حق ...

    و ما أن لمسَت أقدامي الأرض بعد أن أنزلني - بكل حفاوة - سائق الحافلة الذي يملك شاربين يقف عليها نسرٌ عجوز... حتّى شاهدتُ عن بعد حشداً جماهيرياً يهجم عليّ هجمة رجلٍ واحد وسط غبارٍ كمثار النقع لم أميّز فيه أحداً , حتّى أني خلت للحظات أن القدر ساقني لقريةٍ يكرهون فيها الأطباء كره العمى و أن القوم من أكلة لحوم الأطباء يتسابقون عليّ ليحظى منهم من يسبق بأفضل قطعةٍ ممكنة من جسدي الهزيل ...

    و مدفوعاً بغريزة حب البقاء وحدها استدرتُ فوراً مرعوباً نحو الحافلة لأطلق ساقيّ للريح هارباً من أولئك المجانين الجوعى الذين سيسلخون جلدي حياً و يجعلون من لحمي – لا ريب – وليمةً محترمة تليق بمقامي كطبيبٍ وافدٍ أوقعه حظّه العاثر في أيدي هؤلاء الذين لن تأخذهم في الأطباء لومة لائم ..

    لكن سائق الحافلة التي أقلّتني - و الذي أقسَمَ ألف مرّة برأس أولاده التسعة أنّه لولا طيبة قلبه و الإنسانية و الشفقة التي تعمر بهما روحه اللطيفة لما أقلّني إلى هذه القرية التي تقع في أقاصي المعمورة – كان قد استدار بحافلته اللعينة جاهلاً – أو متجاهلاً – صرخات استغاثتي و مضى لشأنه تاركاً إيّاي وجهاً لوجه أمام هؤلاء المفترسين ..

    استسلمتُ لقدري تماماً , و وقفتُ ذاهلاً متجمّداً أنتظر أن يصل إليّ الحشدَ محتسباً عند الله مستقبلي الضائع و مصيري المجهول مبتهلاً أن تكون ميتتي هيّنة ليّنة دون سلخٍ و تقطيعٍ و تكسيرٍ و خلافه , متبعاً إياها دعواتٍ صادقة أن يقصف الله عمر ذلك الصديق الخائن اللئيم الذي عقد صفقةً مع هذه القبيلة من الجزّارين باعني فيها لحماً لقاء دريهماتٍ قلائل و نصحني أن أرتحل إلى هنا بعد أن رتّب حسب زعمه كلّ شيء و نقل لي ما أحتاجه من أثاث و معدّات و صدّقته بكل امتنان دون أن أدرك حجم المؤامرة الخبيثة ...

    أخيراً .. وصل القوم إليّ .. و بعد أن هدأ الغبار قليلاً وجدتُ نفسي محاطاً برجالٍ شِدادٍ غلاظ يبلغ أصغرهم حجماً ضعف حجمي و قد أحاطوا بي من كلّ جانبٍ تحسّباً فيما يبدو لأي محاولةٍ للفرار ...

    تقدّم أحدهم و صافحني بقوّة مرحّباً بي في قرية ( عين السوس * ) فيما بقي الآخرون يبحلقون فيّ بفضولٍ غريب و يتأمّلونني من رأسي إلى قدميّ كأنهم يدرسون طبيعة هذا ( الإنسان الدكتور ) الذي يختلف بلا شكّ عن غيره من مخلوقات الله الكثيرة ...

    ثمّ توالى القوم واحداً إثر آخر يعصرون يديّ مرّحبين مبتسمين متمنين لي طيب الإقامة في رحاب عين السوس العامرة التي تنتظرني على أحرّ من الجمر , و أمسك أحدهم بشنطتي الجلدية و هو يقسم أغلظَ الأيمان أن يحملها عنّي , فالطريق طويل , و من غير اللائق أن يراني أهل القرى المجاورة و أنا أحمل حقيبتي بمفردي كالحمّالين ..!!

    انتبهت على كلمة ( الطريق الطويل ) تلك .. و سألته مذعوراً :
    -ماذا ..؟؟؟ أين نحن ..؟؟؟ ألسنا في عين السوس الآن ..؟؟؟
    -طبعاً .. أنتَ في عين السوس بعينها يا دكتور ..

    تلفتّ يمنة و يسرة أبحث عن هذه العين فلم أجد إلا مروجاً معشوشبةً و تلالاً خفيضة جرداء و آثاراً متهالكة لآبار قديمة و طريقاً ترابية ضيّقة تتلوى بين التلال لتنتهي فيما وراء المدى المنظور ..!!

    يبدو أنّهم شعروا بحيرتي , فبادرني آخر قائلاً بابتسامةٍ عريضة :
    -لا تقلق يا دكتور ... العين قريبة جداً .. فركة كعب .. كلّها مشوار ساعة زمن و تكون وسطها إن شاء الله ..
    ( فركة كعب ..؟؟ فركة كعب يا ابن الذين ..؟؟؟ ساعة كاملة و تسميها فركة كعب ..؟؟؟ )
    أجبتهم و أنا أكاد أبكي :
    -لكني اتّفقت مع سائق الحافلة أن يوصلني إلى موقف القرية فوراً ..!!
    -نعم .. الرجل عدّاه العيب .. أوصلك إلى حيث طلبت .. أنتَ تقف الآن في موقف عين السوس الرسمي ...
    أجبته و أنا أصرّ أسناني غيظاً :
    -و لماذا خاصمت القرية موقفها الرسمي بهذا الشكل ...؟؟ هل وضعوا لكم موقفاً فقررتم أن تنقلوا القرية مسيرة ساعة كاملة ..؟؟؟
    قهقه الجمع على هذه النكتة الطريفة متفائلين بها الدكتور المرح .. و طمأنني أحدهم و هو يمسح دموعه من الضحك :
    -لا تقلق يا دكتور .. لقد عملنا حساب كلّ شيء .. حمّود على وصول و سيأخذك على الطقطق إلى القرية ..و لا تزعّل نفسك ..
    -طقطق ..؟؟
    -نعم .. زمانه على وصول .. لا تخف ...

    بالطبع .. لم يعد هناك أيّ داعٍ لأسأل ما هو هذا الطقطق الذي سأرتحل فيه مع السيّد حمّود إلى حيث ترقد الدرّة المكنونة و الجوهرة المصونة المدعوّة ( عين السوس ) ... بل استسلمت لمصيري تماماً و تركت قيادي للمقادير تفعل بي ما تشاء ..

    بعد دقائق ... و بينما كان القوم – الكبار منهم – يتناقشون بحماس و نزق حول أفضل الأمكنة لإسكان هذا الدكتور الذي طالما انتظروه بفارغ الصبر , و اليافعين منهم مشغولون جداً بالحملقة في سحنتي و التمعّن في تكويني , سمعنا جميعاً صوت دراجة نارية آتية من بعيد .. و خلال لحظات وضعوني خلف حمّود الذي لفّ يديّ حول خصره و نصحني أن أتشبّث جيّداً كي لا أطير من ورائه خلال رحلتنا الميمونة ...

    و بعد أن اجتزنا السهول و الوهاد .. و المفاوز و القفار ..و استعرض حمّود فنونه التي لا يباريه فيها أحد في الدوران بمهارة حول برك الماء الآسنة ..و القفز فوق المطبّات الترابية .. و تجنّب الكلاب الضالّة التي كانت تلعب معي بالجري بمحاذاة ( الطقطق ) و النباح و الاستمتاع بمشاهدتي و أنا أصرخ مرعوباً و أرفع ساقيّ قبل أن يمضغها فكّا كلبٍ أجرب ...

    و أخيراً .. أخيراً جداً .. وصلنا ...

    تبيّن لي فيما بعد أن القرية بعيدة عن أي طريقٍ معبّد .. و أن موقفها الرسمي هو أقرب نقطة اسفلتيةٍ لها لتكمل بعدها رحلةً عبر طريق ترابي ضيّق لا تسلكه الحافلات .. و أن ( الطقاطق ) التي لا يخلو منها بيت - على اختلاف أنواعها و أشكالها - هي الوسيلة الأساسية للتنقّل هنا بين القرى المتناثرة في هذا الفضاء الرحب من الخضرة و السهول الممتدّة دون أيّ حدّ ..

    و بعد أن اقتادني حمّود إلى بيتٍ ما محفوفاً بالسلامة محاطاً بزفّة بهيجة من الأولاد التي تجمّعوا حولي ملاحَقاً بعيون النسوة اللاتي خرجن من بيوتهن ليرمقنَ – على استحياء - هذا الغريب الذي وفد إلى قريتهن أخيراً , و بعد أن استرحت قليلاً من آثار الخضخضة و الهزهزة و القلقلة التي اقتلعت أحشائي و أصلحتُ ما تبقّى من آثار الأناقة المزعومة التي أذهبتها وعثاء السفر أدراج الرياح .. التمّ شمل رجال القرية عن بكرة أبيها في الغرفة التي أنزلوني فيها و أخذوا يقدّمون لي أنفسهم لأكتشف أن جميعهم تقريباً يحملون اسمين فقط و هما أحمد و مشتقّاته ( حمد .. حمّود .. حميد .. حمّاد .. حمادة .. حمودة .. ) و عبد الله و مشتقاته ( عبد .. عبّود .. عبيد .. عبّاد .. عبّودي ..) بحيث أنّك لو وقفت في ساحة القرية و ناديت أحمد فقط لهجم عليك نصفهم يتساءلون عمّ تريد ...

    و بعد طول مناقشات حامية .. و منافسات طويلة .. و سؤال و جواب .. و أخذٍ و ردّ .. استقرّ رأي الجميع – رغم غضب بعضهم – أن تكون عيادتي الموقّرة في غرفةٍ بيتونية فسيحة تقع في مدخل القرية لتجنّب الإحراج و منعاً للزعل و كسر الخواطر و لبعض الحساسيات التي قد يجلبها مكوثي في حارة عائلة فلان مما قد يزعج عائلة علاّن التي لم تنسَ بعد تلك الأمتار العشرة من الأرض التي ما تزال محلّ جدلٍ و خلافٍ طويل بين العائلتين ...

    و خلال ساعةٍ واحدةٍ فقط و بمشاركة جميع أطفال القرية الضاحكين تمّ نقل أغراضي و كتبي و معدّاتي إلى تلك الغرفة التي تقع في أرضٍ محايدةٍ تماماً بحيث تستطيع النسوة جلب أطفالهن المرضى إليّ دون حرج لا سمح الله ... و تمّت الترتيبات النهائية أخيراً بوضع سرير حديديّ لي مع فراش تطوّع أحدهم بإحضاره و لحاف ركض آخر لجلبه و حوالي عشر مخدّات طريّة تناثرت هنا و هناك على ذلك السرير الذي سأقضي عليه أحلى و أجمل سنيّ حياتي المتخمة بكلّ ما قدّر الله لي أن أذوق من أفراح و أتراح و مرارةٍ لم تبارح فمي منذ أن غادرته مودّعاً إلى الأبد ...




    يتبع ...
    __________________________________________________ ___


    * قرية عين السوس هو مجرّد اسمٍ اخترعته من عندياتي قد يكون اسمَ أيّ قريّة من آلاف القرى التي تنتشر في بلادنا و ليس اسم قرية بعينها ...

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Aug 2003
    الردود
    2,122
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة ربيـع عرض المشاركة

    يتبع ...

    ...
    أوكي .

    .

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    أنستازيا ..
    لو تدركين سيّدتي كم تعلّمت هناك ...!!
    لو ترينهم كيف كانوا ( يقترفون ) أحلامهم كمن يقترف جريمة يحاسب عليها القانون .!!
    لو ترينهم كيف كانوا يمارسون حياتهم كمن يقتلع في كل لحظةٍ سنّاً منخورة و يرميه في عين الشمس .!!
    لو ترينهم كيف كانوا يتحلّقون حول النار يفغرون أشداقهم دهشةً و أنا أحدّثهم عن البيوت النظيفة و النساء الجميلات و ثريّات الكريستال التي تتدلّى من السقوف الرخامية و كلّ الأشياء التي اعتدناها أن تكون روتينيّة جداً , فيضربون كفاً بكف مذهولين و هم يسبّحون الله على عظيم قدرته و بهيّ صنعه و سطوته ..!!!

    أنستازيا ..
    تبهجينني دوماً بمجيئك ..
    كوني هنا دوماً ...


    ************************

    عبد الله النديم ..
    أطرب الله قلبك دوماً و أنعش أيامك بفيضٍ من سعادةٍ و رحمة ..
    اللّهم آمين ..

    شكراً سيّدي ..
    شكراً ..


    ********************************


    أسما ...
    راقية خطوتك هنا سيّدتي ..
    راقية جداً ..

    كلّ المودّة ..


    *************************

    بلا ذاكرة ...

    كنت أعتقد ذلك يوماً ما يا سيّدي ...
    كنت أنظر إلى الريف تلك النظرة الرومانسية التي ترى من البيوت بساطتها و من الحقول خضرتها و من التراب خصوبته ..
    لكنّي حين رأيتهم حقّاً عرفت يقيناً أنّ الحنطة لا تنبت من نفسها , و أن كلّ شجرةٍ تحتاج إلى ألف ألف قطرة دم كي تعطي برتقالةً واحدة ..
    تخيّل ..!!!
    من يومها و أنا أكره عصير البرتقال ..

    سيّدي .. شرّفتني بوجودك هنا ..
    شكراً ..
    شكراً ..

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المكان
    في عتمة الليل
    الردود
    71
    جميل ماتع ما نثرته هنا وفي إنتظار اليتبع
    دمت بحفظ الرحمن

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المكان
    في كتاب .
    الردود
    3,340
    جميل سيكون يوم موضوع حافل إذن "
    أنا هنا " فقط لاتطيل الصمت ..

    .

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    - حكاية امرأة اسمها عائشة -


    هي عائشة يا سادة .. مجرّد امرأة ..
    مجرّد امرأةٍ كانت طفلةً صغيرة يوماً ما .. تصنع من بقايا مخدتّها المهترئة و قصاصات الورق الملوّنة و بعض ندف القطن المتساقط من الفراش الرثّ القديم .. دميةً ساذجة ترسم لها عينين ضاحكتين و فماً مبتسماً و أنفاً دقيقاً , تحضنها بحنوّ و تغنّي لها أغنية طفولية و تعانقها قبل أن تنام لتحكي لها حكايةً صغيرة عن النساء المنتظرات و الفرسان الغائبين و الأطفال المزروعين في الحقول المشمسة أيام الحصاد تتلقّف أياديهم الدامية سنابل الحنطة الغالية سنبلة سنبلة , يكوّمونها تلالاً من ذهب , قبل أن يجرّوا أقدامهم الصغيرة عند المغيب إلى البيوت المغبّرة ليحلموا – و هم يمضغون رغيفاً يابساً و قليلاً من اللبن الرائب – أنّهم سيستيقظون صباحاً و سيذهبون إلى الحقول مرة أخرى ليجدوا أن جنيّة البيادر الطيّبة زارتها ليلاً و أشارت بعصاها السحرية على السنابل فتكوّمت من نفسها تلالاً من ذهب ..

    هل تذكرون ..؟؟
    كنتم مثلها يوماً ما أطفالاً ... هل تذكرون ..؟؟
    هل تذكرون كم كان العالَم جميلاً , و الناس طيبين , و العصافير قريبة , و الشمس تشرق من أجلكم حانية دافئة , و القمر يلاحقكم أنّى ركضتم فتختبئون من ضوئه الفضّي وراء شجرة الصنوبر القريبة و تكتمون ضحكاتكم الخافتة بأيديكم الصغيرة حتّى لا يسمعكم هذا الكوكب الضاحك فيكتشف مخبأكم السريّ , و السماء تحفل بالملائكة التي ترونها بأم أعينكم و هي ترفرف بأجنحتها الصغيرة فوقكم و تداعبكم بلطف , فتقهقهون بمرح و تخبطوا أقدامكم على الأرض محاولين عبثاً أن تحلّقوا قليلاً معها في الفضاء الرحب الشاسع ..

    هل تذكرون ..؟؟

    هل تذكرون كيف كنتم تتطلّعون إلى الكبار بدهشة و تراقبونهم بفزع و هم يتشاجرون و يمسكون بتلابيب بعضهم بغضب , و تحمرّ عيونهم شبقاً و شهوة , و يتراكضون كالمجانين وراء غنيمةٍ طازجة , و يقبّلون بعضهم مبتسمين و سكاكينهم مشحوذة في جيوبهم بكراهية لا ترحم ..؟؟
    هل تذكرون كيف كنتم ترتعدون خوفاً و تختبئون وراء أمهاتكم و أنتم تقسمون أنّكم – حين تكبرون – ستملؤون الأرض خبزاً و ياسمينا و أراجيح و بالونات ملوّنة , و تطلقون العصافير من أقفاصها , و تخترعون أسماء أخرى للشوارع الفرعية التي لا يمرّ فيها أحد ..؟؟
    هل تذكرون ..؟؟
    هكذا كانت عائشة .. مثلكم تماماً ..

    ثمّ كبرَت .. كما كبرتم ..

    أصبحَت امرأة .. ذات ليلة .. رقصَت بخفر مع ذلك الشاب الوسيم الذي راقبته من وراء نافذةٍ صغيرة يدخل بيتهم مع زمرة من الأقارب و الوجهاء , و الذي أقسم والدها – حين أعلِنَت خطبتها – أنّ ظفره الصغير يعدلها قيمةً ألف مرّة ..
    لكن دنياها لم تكبر كثيراً , بقي عالَمها طفلاً يستمتع بدهشته و فضوله و دواره اللذيذ حين يزور تلك المدينة البعيدة كلّ عام ليتفرّج على السيّارات المسرعة و الزحام الخانق و إشارات المرور و الأضواء الملوّنة التي تخطف عينيه بعبثِ بهلوانٍ ضاحك ..
    بقيت معلّقة بين طفولتها التي ترفض بعناد أن ترحل , و امرأة أخرى تتحرّق أن تخرج من مخبئها لتثبت للدنيا كلّها أنها عائشة ..
    أمّ أيضاً ...

    و انتظرَت ...
    ثلاثة عشر عاماً كاملة ..
    آلاف النهارات المعلّقة كمشنقةٍ تطالعها كلّ صباح تنتظر منها أن تمدّ عنقها الطويل في أنشوطة اللحظات المريرة لتحسم خيارها النهائي الذي لم تملك فيه أي خيار ..
    آلاف المساءات المرتمية في حضن الزمن المتبدّد خواءاً و ضجراً و قلقاً و هي تترقّب سيّدها الطيّب يدخل عليها بعد صلاة العشاء لتسارع برشاقة صبيّة و تسخّن له الطعام الذي سخّنته عشرات المرّات و هي تبكي فرحأً أن الهمسات التي كانت تجوب بين النسوة الثرثارات حول زوجها الذي يبحث عن امرأة أخرى .. كانت كاذبة ...

    ثلاثة عشر عاماً كاملة ..
    تعود منهكةً من طين أرضها الممتلئ حشائش و ديداناً و عرَقاً لزجاً كدمِ أفعى , تخلع جزمتها المتّسخةِ , يداهمها وجعٌ غريبٌ في بطنها النحيلة بينما تهمّ بالاستحمام, تنظر إليه و هي تتلوّى , تضربه ممازحة :
    - رحمٌ أجدب .. و يؤلم أيضاً ...استحي يا بنت ... !!!!!

    يااااااااااه .. كم انتظرَت ...
    لكن أجمل أحلامنا على الإطلاق .. مستحيلةٌ على الدوام ...

    لم يستطع زوجها أن ينتظر أكثر و هو يرى عمره يتلاشى دون أي غاية ...
    تزوّج ...

    ليلتها نامت كما لم تنم منذ أن كانت طفلة تعانق أحلامها اللذيذة و تهجع بسلامِ ملاك ..

    لم تشعر بأي غيرةٍ على الإطلاق .. حتّى عندما تخيّلته بين ذراعي أخرى .. ابتسمَت في سرّها .. و أطلقت دعوة صادقةً أن يرزقه الله ولداً يعوّضه صبرَ السنين العجاف تلك .. و داهمها إحساس غريب بالفرح أنّها أخيراً أزاحت هذا العبء عن صدرها المثقل بالمرارة و السخام و الأحلام التي لم تتحقّق يوماً .. و أنها ستستطيع بعد كل تلك الأيّام المضنية أن تعيش متحرّرة من هذا الهاجس الذي كان ينخز أحشاءها بمخرزٍ من فولاذٍ بارد كلّ لحظةٍ من سني عمرها المغبرّ ..

    و بقيت تعيش بنصف ابتسامة و نصف فم .. و نصف امرأة ...

    أفاقت صباحاً ذات صباح ... زغاريدٌ تملأ الهواء حبوراً ..
    زوجة زوجها حامل ...
    و لأنها بنصف قلبٍ فقط ... ابتسمت بفرح و سارعت لتقبيل ضرّتها بسعادة حقيقيّة ...

    نامت ليلتها في حضن زوجها الحبيب .. و دون وعي .. و بلا أي إدراك .. و دون أي أمل .. أطلقت دعوتها ببساطة شديدة كأنّها تتوسّل إلى الله أن يكون يوم غدٍ مشمساً ملائماً لنثر بذور الشعير في الحقل البعيد :
    - يا الله ... ارزقني ولداً ..
    و نامت .. بكلّ هدوء ..

    أتدرون يا سادة ..
    ثمّة لحظات لا ندرك عنها شيئاً .. لحظاتٌ مقدّسة تمرّ علينا بكل بساطة كملايين اللحظات التي سبقتها و التي ستلحقها سريعاً .. لكنّها تحمل في ذرّات زمنها المتلاشي طاقةً هائلة تفتح نافذةً صغيرة على عوالم أخرى فتغيّر قوانين الأشياء و تقلب نواميسنا ظهراً على عقب و تنثر كلّ حقائقنا و بديهيّاتنا في الريح كأنّها شخبطات أطفالٍ معابثين ..
    و عائشة .. عاشت لحظتها تلك ... ثمّ نامت ..

    حملت عائشة تلك الليلة .. هل تصدّقون ..؟؟
    ثلاثة عشر عاماً و هي تنتظر ذلك المخلوق المدهش في غرابته يتمدّد في أحشائها ليغرس عروقه في رحمها و يرشف نسغ حياته الصغيرة من حياتها , فتهديه مع كلّ قطرة دمٍ تجول جسده الصغير أحلامَ عمرها المتبدّد جوعاً و شوقاً و آمالاً منتظَرَة ...

    كانت تأتيني كلّ يوم .. حاملة بطنها المنتفخ بفخر و سعادة .. و تضع على طاولتي حفنة من دريهماتها القلائل و تتوسّل لي أن أفحصها كي أطمئنها أنّها حاملٌ حقيقةً و ليس كذباً , و أن هذا الجنين الصغير ينمو بصلابة الرجال .. و حين بدأت أرفض أن آخذ منها أجراً لا أستحقّه .. أصبحت تأتيني فقط لتنصت إليّ و أنا أحدّثها عن النساء حين يحبلن , و كيف تتحقّق هذه المعجزة التي تفوق أيّ معجزة يمكن أن نتخيّلها حين يقرّر هذا الجنين المشاغب أن يتملّص من سجن رحمه و قيود مشيمته و يخرجَ إلى هذا العالَم متشوّقاً لشمس النهار ليطردَ ماء رئتيهِ بإصرار و يستنشق نسمة حياته الأولى صارخاً بمتعةٍ و صخب :
    -يا دنيا .. أنا هنا ... لقد أتيتْ ..

    و كانت لعائشة معجزتها الشخصيّة ...
    ولدَتْ .. صبيّاً جميلاً أبيضَ بعينين زرقاوين كسماء تمّوز ..

    و بالطبع .. و منذ اليوم الأوّل أصبحت هذه الكتلة الصغيرة الجميلة من اللحم و العظم و التي لا تتجاوز أربعة كيلوغرامات شبحاً يطاردني ليل نهار ... يوقظني في أنصاص الليالي لأن سيادته لم يبوّل جيّداً هذا اليوم , و يستدعيني من استراحتي لأنّ حضرته قرّر هذا النهار أن يتغوّط بلونٍ مختلفٍ قليلاً , أمّا إن سعلَ سعلةً خفيفةً فقد كان أطفال القرية جميعاً يستنفرون للبحث عنّي و الإتيان بي مخفوراً مهرولاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تحلّ الكارثة الفظيعة ..

    بدأ يحبو .. و يبتسم بمرح .. و يلتقط الأشياء بقوّة كأنّه يريد أن يقبض على الدنيا كلّها بأنامله الصغيرة ..

    أما هي .. عائشة .. فلم تكن مجرّد أم ... لا ... أصبحَتْ كائناً مهووساً إلى حدّ لا يمكن تصديقه .. تحمله على ظهرها إن ذهبَت لقضاء حاجة .. تغيّر قماطه ألف مرة كل يوم .. تمضغ اللقمة بين أسنانها و تبلّلها بريقها ثمّ تراقبه بفرح و هو يبتلعها ضاحكاً معابثاً , تدفن وجهها في ملابسه المتسّخة و تتشمّمها بمتعة و شراهة كأنّها تشمّ حديقة ياسمين ... حتّى أنّها تبرّعت راضية و طلبت من زوجها – الذي بدأ يقلق قليلاً – أن يعفيها من ليلتها معه لتّتفرغ لحلمٍ تحقّق بعد ملايين لحظات الانتظار المريرة ..

    هل انتهت حكاية عائشة هاهنا أم ثمّة ما يستحق أن يُروى بعد ..؟؟؟



    يتبع ..

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    Abeer
    أوكي و نص و تلات أرباع كمان


    *****************************

    عبد الله النديم ..
    شرّفتني و تشرّفني دائماً أخي ..
    شكراً لخطوتك الأنيقة هنا ..

    ******************

    روح و بوح ..
    لا أدري إن كان يستحق أن يكون حافلاً هذا الموضوع ...
    هو مجرّد ( بوحٍ ) هامس يحكي حكايات ( روحٍ ) هامت في هواء هذه الدنيا هنيهة .. همسَت همساتٍ قليلة .. ثمّ غادرت مستعجلة ...

    ما دمت هنا .. فلنفتح النوافذ لهمسةٍ شاردة ..
    لمَ لا ..؟؟؟

    سلمت .. دوماً ..

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المكان
    حيث هو كائن
    الردود
    856
    هنا حياة بكل صورها وألوانها ..
    هنا مايجعل من اليتبع عذاب إن طال بنا الإنتظار
    بالله لا تجعل الـ(يـتبع ) عذاب

    ثم أنه شكراً كثيراً على إقتسام هذه اللوحات معنا بقراءة تشبه المعايشة
    من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع
    فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    يا الله ..
    كنتُ أتمنّاها أن تنتهي هنا بابتسامةٍ صغيرة .. ثمّ نقلب الصفحة راضين لننسى عائشة بعد لحظاتٍ غير مبالين .. و نترك للأقدار أن تتصرّف كما جرت العادة المكرورة منذ آلاف السنين .. فيكبر الطفل و يشبّ عن الطوق .. و تبحث له عائشة عن عروسٍ لطيفة تنتقيها بعنايةٍ مفرطة .. و تشاهد أحفادها يتقافزون حولها بصخب و ضجيج .. ثمّ .. نتوقّف عن التخيّل حيث تذبل طاقة ذلك الشعاع من الخيال أن يرتحل أبعد من ذلك في كلّ هذا المحيط العميق من الظلام و الفوضى و الأحداث المتشعّبة و تصاريف الدنيا التي قد تقلب كلّ شيء دفعةً واحدة فنستسلم ليقيننا الكاذب بأن كلّ شيء سيسير على ما يرام , و أن قوانين الدنيا التي ألِفناها لن تتغيّر يوماً ...

    لكنّنا للأسف نكتشف أنها ليست قوانين على الإطلاق .. و أن كلّ كائن حيّ على هذه الأرض يعيش ملحمته الشخصية جداً بقوانينها الخاصّة و تقلّباتها المميّزة و تشعّباتها الهائلة التي تجعل منها بصمةً متفرّدة للغاية كشبكيّة العين المزدحمةِ بملايين التفاصيل المعقّدة .. و لنكتشف متأخرين أنّ كلّاً منّا هو كونٌ مستقلّ بشموسه و أفلاكه و نواميسه المختلفة .. و أنّ مقعدنا في هذه الدنيا هو مكاننا نحن و لا يمكن أن يكون لغيرنا على الإطلاق ..

    و أصبح لعائشة ملحمتها أيضاً ...

    كانت تغسل ذلك النهار الصيفي القائظ .. و الفقراء يا سادة يغسلون ملابسهم المتسّخة كما كانت كلّ النساء يفعلن منذ الأزل حين يتجمّعن على شطآن الأنهار الوارفة يغنين و يتحادثن و هنّ يفركن بأيديهنّ الناعمة تلك البقع العنيدة التي تأبى أن تزول بسهولة ..
    و هكذا كانت كلّ نساء القرية ...
    أوقدت النار تحت ذلك البرميل المملوء بالماء و بمساحيق أخرى مجهولة الهويّة .. و بدأت تمارس ما اعتادت أن تمارسه من فنون التنظيف التي تعلّمتها منذ أن كانت طفلة و هي تراقب طفلها الصاخب يحبو حولها بفضول و يعبث بكلّ شيء حوله ضاحكاً مناغياً أمّه التي لا تفارقه بصوت عصفورٍ يزقزق ..

    تذكّرت أنّها لم تحضر كلّ شيء .. ثمّة ملابس لم تضعها في كومة الغسيل المتسّخ .. ذهبت تجمعها من الغرفة المقابلة ...
    لا أحد يدرك كم طال غيابها ... ربّما و لا حتى هي تستطيع أن تتذكّر ...
    ثواني ..؟؟
    دقائق ..؟؟
    ربّما ..

    عادت إلى غسيلها لكنّها انتبهت أنّها لا تسمع غناء مضغة قلبها الذي يحبو على الأرض جوارها ...
    تلفتّت بقلق ..
    أين هو هذا المشاغب ..؟؟؟
    أين ذهب ...؟؟
    بحثت هنا و هناك في تلك الفسحة الكبيرة الممتلئة بالفوضى و الأشياء الساذجة التي ليس لها فائدة على الإطلاق ... وراء الدواليب القديمة .. و الأخشاب المهترئة .. و شجيرة الورد الصغيرة و عند قنّ الدجاج القديم ..
    لم تجده ...
    و بينما كانت عيناها تجوبان المكان بقلق .. وقع شعاع بصرها على برميل الغسيل الواطئ الذي كان يبقبق ماءاً مغلياً و رغوة كثيفة ...
    لم تجسر حتّى على محاولة التفكير ...لم تهرول كما يحلو لنا أن نتخيّل .. و لم تصرخ صرخاتٍ هستيريّة كما قد نتوقّع ..
    لا .. كانت تجرّ قدميها بهدوء بارد نحو ذلك البرميل الذي وضع في مكان خفيض بحيث تقترب حافّته من حافّة المصطبة الإسمنتية السوداء ..

    ظلّ أسود بلون الموت غطّى مساحة الرؤية أمام عينيها .. و قد أقسم من رآها أنّها كانت تتخبّط عمياء بين جدران البيوت و هي تحمل جثّة وليدها الذي غرق ( مسلوقاً ) حتّى الموت .. و أنّها لم تصرخ صرخة واحدة و لم تستنجد بأحد حتّى ترنّحت أخيراً قرب حائط المسجد الصغير و هي تضمّ بيديها المهترئتين المليئتين بالفقاقيع جسد طفلها الميت على صدرها كأنّها تريد أن تعطيه ثديها علّه يلتقمه كما اعتاد منذ شهور ....

    يا الله .. كيف تستطيع الأرض أن تحمل هذا الكمّ الهائل من الألم دون أن ترتجف رجفةً واحدة و تنحرف عن مسارها ..؟؟
    كيف نستطيع أن نتنفّس هذا الهواء المشبَع بآهاتٍ مكتومة لأناسٍ – مثلنا تماماً – غرسوا سكّين حزنهم البارد في حلوقهم و قطعوا حبالهم الصوتية فانطلقت أنّاتهم من صدورهم دون أي صوت..؟؟

    ربّما نحن نبكي ببساطة عندما يكون حزننا مألوفاً و عادياً و ( روتينياً ) .. حين تنكسّر بعض أحلامنا المترَفة .. حين نودّع من ندرك تماماً أننا سنودّعهم يوماً ما .. حين نفقد القدرة على خوض هذا الصراع الذي اخترنا بإرادتنا أن نخوضه ..نعم .. حينها ربّما نبكي ..
    لكن حين يتخطّى ذلك الكابوس الأسود المتوحّش الذي يأكل صدورنا مفهومَنا الغريزيّ عن الألم الذي يمكن للكائن البشريّ أن يحتمله .. ربّما يتوجّب علينا حينها أن نبتكر أساليب أخرى للبكاء ...

    لكن عائشة لم تستطع أن تبتكر شيئاً ...

    حين تجمّعت النسوة في بيتها لأداء واجب العزاء ... جلست على الأرض بينهم صامتة تماماً ... ثمّ نامت بعفوية شديدة ...
    و حين عاد زوجها من المسجد مع الرجال المعزّين ... نهضت بكلّ بساطة .. و ركضت لإعداد الشاي ..

    لم يتغيّر شيء .. بقيت كلّ صباح تخرج دجاجها من القنّ العتيق و تنثر أمامه حبوب الشعير ليتراكض في الساحة الخاوية وراءها بحماس .. و تفرك صوف خروفها المفضّل بفرشاتها المبلّلة و هي تمسكه بقوّة لتمنعه من التملّص و الهرب .. و تصلح درجة المصطبة المكسورة بنفسها .. و تتشعبط على السلّم الخشبي لتغيّر اللمبة المحترقة .. و تفرش البساط كلّ مساء على مدخل غرفتها قبل أن تغرب الشمس الحمراء المتأجّجة بالألم و الغيظ و الحزن عن آخر حائطٍ من حيطان قريتها الصغيرة ...

    الأمر الوحيد الذي تغيّر أنّها فقدت قدرتها على الكلام ... و لم تبتسم ابتسامةً واحدة ..

    حين أحضرها زوجها إليّ .. لم تنبس ببنت شفة و لم تستطع حتّى أن تنظرّ في عينيّ .. بقي بؤبؤها الأسود الضيّق يتجوّل ببلاهة و عشوائية في أنحاء الغرفة .. حاولت أن أعزيها بكلّ ما أملك من مفردات العزاء و المجاملة .. لكني توقّفت فجأة حين أبصرتُ في عينيها ألماً يتخطّى بمراحل كثيرة كلّ ما تملكه اللغة من مفردات .. و أيقنت أني أمام كائنٍ حيّ فقد أي معنى لوجوده .. و أنّه قرّر أن يرحل ببساطة ...

    كانت تذوب كلّ يوم .. تحوّل جسدها الممتلئ إلى عودٍ أعجفٍ من عظمٍ و جلدٍ متشقّق بارد .. و غارت عيناها الجميلتان في تجويفينِ عميقينِ كبئرٍ سوداءَ من وجعٍ يكاد ينفجر من جمجمتها الصغيرة الضائقة بكلّ هذا الكمّ من الألم المحترق ...

    كانت تريد أن ترحل ببساطة ...

    حين وجدها زوجها ميتةً في غرفتها .. كانت تحضن بشغف دميتها الأثيرة التي رافقتها منذ أن كانت طفلة .. و حين حاولوا أن يغسلوها .. حلفوا أنّ أصابعها المتخشّبة كانت تنغرس بقوّة في تلك القطعة الصغيرة من القماش الرثّ القديم الذي رسمَت له ذات يومٍ بعيد – حين كانت ما تزال طفلة – وجهاً مبتسماً و عينين زرقاوين و فماً أحمر يناغي بصوتٍ طفوليّ لذيذ ...

    عائشة ...

    هي هناك ... في مقبرة تلك القرية المنسية ... تلاشت عظامها في طين الأرض الموحلة كلّ شتاء .. جرفتها دوّامة النسيان بعيداً عن ذاكرة قريتها التي كانت عالمها الأوحد ... لكنّها كانت هناك يوماً ما .. امرأة عاديّة جداً .. عاشت مغامرتها الصغيرة على هذه الأرض ... و نسجت ملحمتها الشخصية جداً .. و مضت دون عودة ...

    و حين تعود ذاكرتي المضنية الآن إلى غرفتي الصغيرة التي تقع بعيداً خلف كلّ هذه المسافات المعتمة قرب شجرة الزيتون العتيقة .. يأتيني صوتها المبتسم الحنون و هي تربّت على بطنها الحامل و تسألني باهتمامٍ مرِح :
    -دكتور ... يقولون أن البقدونس يربي دم الجنين .. قطفت اليوم رزمتين كبيرتين ..
    هه ... ما رأيك ..؟؟


    ***************************


    يتبع ..

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المكان
    حيث هو كائن
    الردود
    856
    يا الله .. يا الله .. يا الله
    رحماااااااااااااك يا رحمن

    عزائي أن جمعها الله و إياه .. جعله الله لها نوراً
    من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع
    فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    ..
    العنوان مألوف لي .. وللحق فإني لم أقرأ هنا إلا الكلمات الأولى من الموضوع ، ولكني أذكر أن العنوان قد مر عليّ قبل أكثر من سنتين ..
    وأذكر - وذاكرتي غالبا تخيب - أنه كان يتحدث عن طبيب مصري متحمس وحديث تخرج استلم عمله في قرية لايمكن الوصول إليها إلا بالحمير .
    فإذا كانت هذه المذكرات هي ذاتها تلك ، فإنني أود أن أقول أنها كانت يوميات جميلة وحكيت بأسلوب أجمل .

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    الردود
    12
    ماجملك ياربيع : وماجمل مذكراتك ..

    لي قصة ياربيع مشابهه تماما ً سوف اقوم بكتابتها وارسلها لك لعل وعسى تكون فينا صفات المثابره
    وقلوب نظيفه جداً تتعايش مع الجميع بالحزن والفرح .. في انتظار البقيه ياربيع

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المكان
    في عتمة الليل
    الردود
    71
    العنوان مألوف لي .. وللحق فإني لم أقرأ هنا إلا الكلمات الأولى من الموضوع ، ولكني أذكر أن العنوان قد مر عليّ قبل أكثر من سنتين ..
    وأذكر - وذاكرتي غالبا تخيب - أنه كان يتحدث عن طبيب مصري متحمس وحديث تخرج استلم عمله في قرية لايمكن الوصول إليها إلا بالحمير .
    فإذا كانت هذه المذكرات هي ذاتها تلك ، فإنني أود أن أقول أنها كانت يوميات جميلة وحكيت بأسلوب أجمل
    لست أفهم المقصود بالضبط لان النوايا علمها في الصدور.ولكن كيف حكمت على أن الاسلوب أجمل وأنت لم تقرأه بعد كما إدعيت ؟

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    أنين ...
    نعم .. ربّما كان هذا هو العزاء الوحيد حين أتذكّرها ..
    لعلّها هي هناك الآن .. في مكانٍ ما خارجٍ عن أمكنتنا المألوفة .. تناغيه .. تلاعبه .. تطفئ في زرقةِ عينيه لظى عينيها ...
    ربّما هو عزاؤنا الوحيد ..

    أنين ... أيتها الروح اللطيفة ..
    لا تحزني كثيراً .. أرجوكِ ..
    هي الدنيا يا صديقتي ..
    هذا الكائن الذي لم نعرف بعد - و لا أعتقد أنّنا سنعرف يوماً - ماذا يريد منّا بالضبط ...
    صدّقيني ...
    أقنعت نفسي أنّها تريدنا أن نعيشها فقط ..

    عيشي ( جداً ) يا صديقتي ..
    دمتِ بكلّ خير ..

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة الخطّاف عرض المشاركة
    ..
    العنوان مألوف لي .. وللحق فإني لم أقرأ هنا إلا الكلمات الأولى من الموضوع ، ولكني أذكر أن العنوان قد مر عليّ قبل أكثر من سنتين ..
    وأذكر - وذاكرتي غالبا تخيب - أنه كان يتحدث عن طبيب مصري متحمس وحديث تخرج استلم عمله في قرية لايمكن الوصول إليها إلا بالحمير .
    فإذا كانت هذه المذكرات هي ذاتها تلك ، فإنني أود أن أقول أنها كانت يوميات جميلة وحكيت بأسلوب أجمل .
    لا أدري و الله يا أخي ...
    كلّ ما أدريه أني ذات يوم بعيد حين كنت ما أزال طفلاً .. غرقتُ حتى أذنيّ في قراءة ( يوميّات نائب في الأرياف ) لتوفيق الحكيم .. و بالطبع .. و كالعادة .. أكلت علقة محترمة من الست الوالدة التي لم تستطع أن تتفهّم هذا الهوس حين نسيتُ أن أطفئ النار عن الحليب المغليّ الذي أوصتني بمراقبته

    و حين قرّرت أن أكتب هذا الموضوع الصغير تحسّست قفاي فوراً و لم أجد خيراً من هذا العنوان

    بالفعل أني لا أعرف شيئاً عن تلك المجموعة القصصية .. فإن كان العنوان واحداً فلعلّ في المضمون شيئاً مختلفاً ..

    الله أعلم ..


    تقبّل تحياتي ..

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •