Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 11 من 11

الموضوع: يوم ... مثلج

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المكان
    بلاد الجزائل
    الردود
    6

    يوم ... مثلج


    يوم ... مثلج



    الثلج يسقط دون توقف ، بدأ منذ البارحة مساء ولم يتوقف حتى الآن ، وقد تراكمت طبقة كثيفة منه . عندما أفقت وجدت الغرفة باردة يلفها الصقيع ولم أستطع البقاء في فراشي . ووجدت النار خامدة في المدفأة وليس فيها أية جمرة يمكنني أن أذكي النار منها، فخرجت إلى فناء الدار ومشيت خلال الثلج إلى حيث كومة الحطب وأزحت عنها غطاءها وأخذت بعضا من الجذوع الغليظة وبعضا من العيدان الرقيقة كي يسهل علي إشعال النار، ولاحظت أنها كانت مبللة . على الرغم من أنها كانت مغطاة ، إلا أن الماء تسرب إليها من مكان ما . حملتها وعدت إلى الغرفة وأنا أتعثر في الثلج ، ثم دغدغت أنفي رائحة القهوة المطبوخة لتوها تنبعث من منزل جاري ، وسمعت أبناءه يتصايحون كعادتهم . وضعت الحطب أمام المدفأة ، ثم ذهبت إلى المنضدة وأشعلت المذياع . كانت فيه أغنية تتحدث عن اجتماع العائلة قديما حول " الكانون " في الليالي الباردة ، رغم الجوع والبرد وكل أنواع البؤس كان هناك في تلك الليالي شيء جميل : الانسجام والتآلف . عدت إلى المدفأة . كان إشعال النار صعبا مع كل ذلك البلل ، استهلكت عشرة من أعواد الثقاب وما يقرب من نصف لتر من المازوت وما أفلحت في إشعالها . ثم رميت علبة الكبريت في حركة عصبية وصرت ألعن وأشتم في الفراغ ويداي ترتعشان. ثم لم أعد ألعن الفراغ ، رحت ألعنها هي وألعن اليوم الذي عرفتها فيه . لقد نفّذت تهديدها وذهبت ، وأخذت معها الولدين. ما كنت أظن أنها تجرؤ على ذلك . غافلتني منذ الصباح ، ما إن خرجتُ حتى جمعت أشياءها وانسلت إلى دار أبيها . قلت لا بأس تأكدي أن غيبتك لن تتجاوز المساء ، سيطردك أهلك تأكدي من ذلك . إنهم لن يتحملوا ثلاثة أفواه أخرى تحتاج إلى الإطعام . قلت لها : اعلمي أنك فقيرة ، معدمة ، وأهلك مساكين . واحمدي الله أنني تزوجتك . لكنها لم تعد في المساء وباتت هناك ، والبارحة أيضا لم تعد ، وباتت ليلة أخرى في بيت أبيها .


    انتهت الأغنية وجاء المذيع وتمنى لنا يوما سعيدا ثم ذكَّرنا بتاريخ اليوم : الثالث عشر من جانفي 1982 . كان هذا التاريخ مألوفا لي ، ولم أحتج إلى كثير من الوقت لكي أتذكر أنه يوم مولدي . الثالث عشر من شهر جانفي من العام 1942 . هذا يعني أنني بلغت اليوم الأربعين ، وأن سني شبابي على وشك الانقضاء . من المؤسف أن يمر شباب المرء هكذا، كما حدث لي ، دون أن يستمتع به ، من بؤس إلى بؤس . عليك أن تشتغل كالحمار وتجتهد في تأمين حاجياتك ثم تستيقظ فجأة لترى أن حياتك انتهت . لولا لحظات المتعة القصيرة التي أسرقها من حين إلى آخر لجننت الآن . تذكرت " سعيد " أحد رفقائنا الذي كان يقول لنا دائما إن الحياة قصيرة ، قصيرة جدا ، ولكن المرء لا يدرك ذلك إلا عندما تنتهي ! . أنا أعرف أنها قصيرة ، وتلك المجنونة تريد أن تملأها بؤسا . وأنا أقول إن كنت تحبين الحياة القذرة وتأتلفين مع البؤس فلا تشركيني معك . أقسم إن كلمة السعادة ما خطرت ببالك يوما وما فكرت بها أو حاولت يوما أن تمتلكيها ، أنت لا تحسنين سوى الشكوى والزعيق ، وما أشك في أنك لا تحسّين . إن الشر ليسكنك ويتبعك أينما ذهبت كظلك . يا نحس . و كانت تقول : يا سكران . يا سكـران ...


    ومن المؤسف أيضا أن يكون المرء تعيسا يوم مولده بالذات . إضافة إلى كل هذا الثلج الذي يمنع من الحركة . في مثل هذا اليوم ولدت . في عام مجدب لم تنزل فيه الثلوج كاليوم، بل كان يوما مشمسا . حكت لي جدتي كل تفاصيله دون أن تنسى شيئا . إنها تنسى كل شيء إلا الذكريات القديمة جدا ، وخاصة الذكريات المفرحة ، مثل يوم زواج ابنها ، ويوم أن ولد لـه ولد ــ هو أنا ــ بعد مدة طويلة من الانتظار . في يوم مشمس ، قالت ، لكنه بارد . إنني أتذكره جيدا ، ففي ذلك الصباح عندما ذهبتُ إلى خابية التين المجفف لاحظت أنها على وشك الانتهاء . لأنه في ذلك العام لم تكن غلة التين جيدة ، وكذلك الزيت . أخذت مُدّا من التين وأعطيته لأبيك الذي كان قد نهض باكرا ليذهب إلى الحقل . كان الوقت وقت الزيتون ولم ننته من جمعه بعد . وبعد أن ولدتَ لم أكن أستطيع أن أنتظر حتى عودته في المساء لأخبره بأنه زرق مولودا ذكرا ، كلفت أحد أبناء القرية الذي ذهب راكضا إلى الحقل البعيد ليخبره ، وجاء هو راكضا أيضا . وإنني لأتذكر جيدا صورته وهو واقف على الباب لاهثا غير مصدق ما قيل لـه . كان يلهث ويقول : هل صحيح ؟ أين هو ، أين هو ؟ كان البشر يطفح من وجهه المتعرق رغم البرودة . كان يوما مشهودا . لم نكتف بصنع النخب المعتاد في هذه المناسبات فقط بل أعددنا وليمة حقيقية ، نعم وليمة حقيقية على الرغم من ضيق ذات اليد . ذبحنا الشاة الوحيدة التي لدينا وأعددنا الكسكسي . لم يبق أي فرد في القرية لم يأكل منه ، دعونا الرجال إلى البيت ، وأرسلنا لكل عائلة مقدارا منه إلى بيتها ، لقد أكل الجميع ودعوا بالخير . وكان الجميع سعداء أيضا . وفي الليل أقمنا عرسا بهيجا ، أحضرنا " زرناجيا " معروفا ، ورقص الجميع على أنغامه ، وعلى الرغم من برودة الجو إلا أن الحفلة لم تنته إلا عندما أوشك الفجر أن يطلع . وطيلة ما يقرب الشهر كان البيت يمتلئ بالمهنئين والمهنئات والهدايا التي يحضرونها . لكنني كنت حريصة على أن لا يراك أحد ! فلم أكن لأسامح نفسي لو أن أحدا أصابك بعينه الحسودة !.

    كان يوما مشهودا ومن المؤسف أنه لا يمكنني تذكره ! وإني لأتساءل لماذا لا تبدأ ذاكرة الإنسان منذ اللحظات الأولى لولادته . بل ولم لا تبدأ قبل ذلك حتى يتسنى للإنسان تذكر كل لحظة من لحظات حياته فيستمتع بها كلها إلى آخر نقطة . كان يوما مشهودا . الأيام المشهودة في حياة الإنسان ثلاثة : يوم مولده ، ويوم زواجه ، ويوم وفاته . لأنها الأيام التي لها علاقة مباشرة بالحياة . يوم مولده يعني مجيئه إلى الحياة ، ويوم وفاته يعني انتهاءها . أما يوم زواجه فيعني استمرارية هذه الحياة بمنحها لآخرين . كانت تقول يا سكران . أخذَتِ الولدين . اللعينة . صياح أولاد الجار يتزايد ، لقد خرجوا للعب بالثلج ، ورائحة القهوة مازالت تخترق جدران الغرفة وتتغلغل إلى أعماقي التي تحن إلى الدفء ، كل أنواع الدفء . خرجت إلى الفناء ، كان الثلج قد توقف ، والصياح يتزايد . ثم سمعت زعيق المرأة وهي تقول : احذروا أن تبللوا ثيابكم . ثم سمعت أحد الصبيان يقول : اضربوها بكرات الثلج . فصاحت متضاحكة وتضاحكوا هم أيضا ، ثم سمعت صوتا خشنا.. كان يتضاحك هو أيضا .
    وقلت لها : << هذه آخر مرة أجد البيت قذرا هكذا ، انظري إلى الغبار ، وانظري إلى النفايات المرمية والأشياء المتناثرة >> .
    فقالت : أنت سكران ولا تدري ماذا تقول ، ولا تدري حتى ماذا ترى . إن البيت نظيف ومرتب كما يجب ، ولكنك لا تعي أمسكت بها من ذراعها وضغطت بقوة وقلت : << أنا لا أرى ولا أعي يا ابنة الكلب؟>> . انفلتت من قبضتي وصارت تقول وقد زادت حدة لهجتها : << دعني يا متوحش ، يا سكير، يا عديم الرجولة لو كانت لك ذرة من حياء لما كنت تفعل كل ما تفعل >> . فقلت : << خذيها مني نصيحة : خير لك أن تغلقي فمك القذر هذا وإلا ... >>
    قالت : << دعها لنفسك ، أنت الذي يحتاج إليها فليس فيك ذرة حياء أو رجولة >> .
    عندئذ لم أتمالك نفسي وصرت أضربها كيفما اتفق وهي تصيح وتقول : يا متوحش ، يا سكران . سآخذ الأولاد وأرحل ولن تراني أبدا .

    نفذته المجنونة . مر يومان ولم تعد ، قد تظن أنني سأذهب إليها وأتوسل إليها أن تعود. ابنة الكلب فلتبقي عالة على أبيك أنت وأولادك ، بعد أيام سيرمونك كالكلبة . سكران وعديم الرجولة . وهل في الدنيا كلها رجل مثلي ، يشتغل كالحمار لا يئن ولا يتوجع ولا يتشكى ؟ احمدي الله يا جاحدة . الكلبة تستكثر علي بضع لحظات من المتعة ، إنما أشرب لكي أنسى البؤس الذي وقعت فيه منذ اليوم الذي عرفتك فيه . أنت سبب كل هذا البؤس وكل هذه المشاكل . صدق والله رفيقنا سعيد : المرأة شر كلها من الألف إلى الياء دون استثناء . لا أدري ماذا كنت أفعل لولا سعيد وبقية الرفاق ولولا بعض اللحظات من السهر والمتعة التي نسرقها بين الحين والآخر . تريدني أن أكف عن ذلك ، يعني أن أنغمس في بؤسها وأن أشبعه ، لا . إن كنت تعيشين بالبؤس ، وإن كنت أنت معتادة عليه فأنا لا . أعرفك جيدا لقد اعتدتِ على البؤس في بيت أبيك حتى إن الحياة الهانئة السعيدة لا تروق لك . لا ترضين إلا بالشقاء . ولا ترضين عن نفسك إلا إذا ملأت الدنيا شرا وقبحا . سكران وعديم الرجولة .

    كان الصياح والقهقهات تتزايد في فناء الجار . لم يكن الصبيان وحدهم ، الوالدان أيضا اشتركا في هذا الهرج . هؤلاء الناس لا يعرفون للألم طعما . فارغون ، لا يحسون . وأنا أقول إن كنتم تافهين ، أو لا مشاكل لكم في الدنيا ، على الأقل امنحوا الناس فرصة لكي يفكروا في مشاكلهم بهدوء ، لكي يتألموا دون صخب ، لكي يجتروا بؤسهم ، ويبلعوا غصصهم دون إزعاج. كانت القهقهات تطرق رأسي المصقع فكنت أحس كمن يضرب فيه بمعول . ولم أعد أستطيع التحمل أكثر فصرخت فيهم كالمجنون : << صباح ربي ، يا فتاح يا رزاق ، دعونا نموت على الأقل في هدوء ! >> . وفورا انقطع كل شيء ولم أعد أسمع شيئا . سكران ولا ذرة حياء .


    كان الهرج يملأ الدار في ذلك اليوم ، قالت ، كان الجميع فرحين وكلهم دعوا بالخير وبالصحة وموفور الهناء للطفل وللوالدين ولكل العائلة . طيلة شهر كامل لم يمر يوم دون أن تكون الدار غاصة بالناس . كانوا يتوافدون وأيديهم تحمل الهدايا من كل الأنواع . وأنا أقول للمرء ثلاثة أيام : يوم لميلاده ، ويوم لزواجه ، ويوم لمماته . ولسوء الحظ أنه لا يذكر سوى أوسطها ، أما الأخرى فلا يمكنه إدراكها ، أي البداية . أما النهاية فربما سيتذكرها هناك ، في الدار الأخرى . لولا جدتي لما عرفت شيئا عن ذلك اليوم العظيم الذي لم يكن مثلجا كهذا اليوم ، والذي كان في عام مجدب لم تكن فيه غلة التين جيدة وكذلك الزيتون ، إضافة إلى الحرب العالمية الثانية أو " حرب ألمانيا " كما كانت تقول . وقالت : عمك لم يكن حاضرا ذلك اليوم ، جندوه إجباريا ليقاتل الألمان مثل الكثيرين من أبناء القرية . ربما كان في ذلك اليوم في تونس ، أو صقلية ، أو في جبال الألب ، أو ربما في العلمين ، من يدري . ربما لو كانت خوابي التين والطحين وأوعية الزيت مملوءة لما كان كل الذي كان . لو لم تكن الحرب لتغيرت الأمور . ولكنهم رغم كل شيء كانوا سعداء. لله درهم ! رغم الحرب ورغم تجنيد أبناءهم ، رغم الجدب والبؤس ، رغم كل ذلك، إلا أنهم لم يكونوا بحاجة إلى شراب ينسيهم كل ذلك . وإني لأتخيل ذلك اليوم وتلك الليلة . أتخيل أنغام " الزرنة " تخترق الظلام المتجمد وتشيع في الجو دفئا يغمر كل الحاضرين ، وأتخيلهم وهم يرقصون ويطربون . وجدتي تحسن وصف ذلك اليوم حتى لتشوقني إليه ، فتجعلني أشعر بالحنين إليه . وإنني لأتمنى لو كنت حاضرا لأرقص وأغني. لكنت سعيدا . ومن لا يكون سعيدا يوم مولده ؟ وهذا ما أحتاج إليه الآن بالضبط : حفلة للزرنة والرقص والطرب ، ولا بأس ببعض الكؤوس . سكران . لا ذرة للحياء أو الرجولة .


    انتقل الصياح الآن إلى الخارج ، يبدو أن جيراني قد خرجوا إلى الطريق ليكملوا هرجهم ، قمت وألقيت نظرة من خلال ثقب باب الفناء : لقد خرجوا كلهم ، حتى المرأة رغم البرد والثلج وقفت على الباب تصيح وتضحك بينما كان زوجها والولدان يتراشقون بالثلج . كانت تقول مشجعة الولدين :
    << اضربوه ! اضربوه ! لا تدعوه يهرب ! >> . الحياء مات والألم يزداد . وفجأة انزلقت رجل الرجل وسقط فما رحمه الطفلان وراحا يملآنه بالثلج حتى كادا يدفنانه ، وصارت المرأة تقول :
    << خلاص ! خلاص ! لقد غلبتموه ! دعوه الآن دعوه ، ستقتلونه ! >> والرجل يقهقه. ولا رحمة للبؤساء من يد الزمن الغادر أشاهد من على الثقب . وشعرت أنا أيضا بالرغبة في الضحك وإن كانت رغبة غير مؤكدة . ثم نهض وهو مايزال يقهقه والولدان يصيحان :
    << انتصرنا ! انتصرنا ! >> . وفجأة قال الرجل مشيرا إلى المرأة وهو يكور الثلج :
    << الآن عليها هي ! >> .
    وصاروا يضربونها ، فصاحت صيحة قوية ودلفت إلى البيت وهم يقهقهون . يقهقهون. وأنا أيضا صرت أضحك ، وشعرت برغبة وحنين . ولاحظت أن جارتنا الأخرى كانت واقفة على بابها تراقب هي أيضا وتقهقه . وشعرت بالحرارة كأنني داخل فرن و لكن جيراني لا يستحون ، يقومون بهذا الكرنفال في الطريق . وكانوا يقهقهون . ولا أحد يجرؤ على القول إن الحياء غير موجود . وكدت أقول لعلي كنت مخطئا ، لعل للمرء أربعة أيام : يوم رابع يلعب فيه بالثلج . ولعل جيراني لا يعرفون سوى يوم واحد هو هذا اليوم الرابع الذي غاب عني ، ولابد أيضا أن الأيام الأخرى لا تعنيهم في شيء فهم لم يسألوا جداتهم عن يوم ولادتهم ولا همهم أن يعرفوا كيف كان ذلك اليوم .

    ترى هل تعرف هي شيئا عن يوم مولدها ؟ أنا متأكد أن أباك حاول وأدك يوم ولادتك مثل الزمن القديم . متأكد من أنه ما إن رأى وجهك حتى عرف أنك ستكونين نحسا على كل من يعرفك ، أنك ستملئين الأرض شقاء وبؤسا وإزعاجا . لو فعلها لارتاحت الدنيا الآن.
    قلت لها : << والله سأجعلك تندمين على اليوم الذي ولدت فيه >> .
    فقالت : << لقد ندمت عليه منذ زمن طويل ، منذ اليوم الذي رأيتك فيه >> .
    وكنت أضربها ولكنها حمارة لا ترتدع ، تكيل الشتائم دون حذر . لسانها السليط يجتر الكلمات دون تفكير مسبق ، على كل حال هذا كل ما تعرفه . ما سمعت فمها ينطق بكلام منطقي منذ عرفتها . وكنت أقول إن لسانك مصنع للكلمات الرديئة ويداك وحدة لإنتاج الأفعال الأردأ . لا يمكن أن تستقيم حياة إنسان يعيش معك أبدا . الرجولة معدومة وكذلك الحياء . أنا بحاجة إلى شراب . البرد يهد أوصالي ، يتغلغل في أعماقي ، يصل عظامي ويلسع النخاع ولا دفء . فعلََتْها يوما . ذهبت إلى بيت أبيها على أن تعود بعد يومين . مر خمسة عشر يوما ، ثم عادت . وقالت : عدت إلى الجحيم بقدمي !. على كل حال فقد نالت نصيبها في ذلك اليوم . الحياء والرجولة كلاهما منعدم .

    وصارت تفسد الطعام عن عمد ، وتفعل كل ما من شأنه أن يثيرني . تتعمد ذلك . وصارت تهمل الأولاد أيضا . التقاني المعلم في الطريق وقال إنه يتغيب كثيرا ، ونتائجه في تراجع وكذا وكذا وكذا . وبينما هو يقول لي ذلك كنت أنا أنظر إليه وأتمنى لو أنني كنت مكانه . كنت أحسده ، فهو لم يكن متزوجا ، يعيش رفقة والدته لا غير ، وهي تقبض منحة دسمة لأن زوجها شهيد . هو لا مشاكل لـه ، لا يتألم ، شأنه شأن هذا الجار اللعين الذي عاد أولاده إلى الصياح الآن . أشعر بالرغبة في قتل أحدهم فورا . لأن الحياء غائب مثل الرجولة . يا للألم . للمرء ثلاثة أيام يوم لميلاده ، يوم عظيم . و يوم لزواجه ، يوم ــ يا للسخرية ــ عظيم أيضا. ويوم لكي يموت فيه ، يوم مثلج ، قد يتذكره هناك . وأنا أشعر بالرغبة في قتل أحدهم .

    وقالت : << هل تعرف شيئا ؟ إنني لأكرهك . أنت أكبر كابوس في حياتي ، وأكبر خطأ ارتكبته هو أنني قبلت برجل فاشل مثلك زوجا >> .
    فقلت : << حقا ؟! أيتها القذرة ؟ إنك لا تحسنين حتى تنظيف نفسك ، وتقولين كلاما أكبر منك ؟ >> .

    البرد عظيم . والرغبة في قتل أحدهم . والمذياع مازال يذكرنا بتاريخ اليوم ، ويخبرنا بما حدث في مثل هذا اليوم في التاريخ . إنه يقول إن الجمعة 13 يوم مشؤوم ، ففي مثل هذا اليوم من أحد الأعوام هبطت أسعار الأسهم في البورصات وعم الكساد والركود الاقتصادي جميع أنحاء العالم ، وكانت هناك أزمة اقتصادية عظيمة. ويقول إن اجتماع يوم الجمعة مع الثالث عشر من الشهر يعد شؤما . الآن فهمت إذن ! ورحت أبحث في ذاكرتي إن كان ذلك اليوم يوم جمعة أم لا . لكنني تذكرت أن جدتي قالت إنها تتذكر أن اليوم الذي تلا ذلك اليوم المشهود كان يوم السوق . والسوق عندنا يوم الأربعاء ، هذا يعني أنني ولدت يوم الثلاثاء وهو بعيد جدا عن الجمعة . لا رجولة ولا حياء . والفشل . وأنا أرغب في إنهاء حياة أحدهم .

    البرد لاسع ، ولم أعد أستطيع التحمل . لبست ثيابي وانتعلت جزمتي العالية وذهبت إلى الإسطبل حيث الحمار . كان هناك بعض من الحطب الجاف لم يصبه البلل ، أخذت حبلا نستعمله في ربط محمل الحمار ، ورزمت به الحطب ثم حملته وعدت . لاحظت أن طبقة الثلج كانت كثيفة جدا حتى إن الجزمة لم تكن تكفي لمنعه من الدخول إلى رجلي . ولا ألم .

    أشعلت النار وجلست قربها فبدأ الدفء يسري في جسدي . ولم يكن ينقصني سوى قليل من الشراب . سكران وفاشل . أعددنا النخب في ذلك اليوم ، جميع أنواع المشروبات. وأعددنا وليمة أيضا أكل الجميع منها ، ولا حياء . دعونا بعض الرجال وبعض النساء إلى البيت ، ولا رجولة . أما الباقون فبعثنا إليهم الكسكسي حتى بيوتهم . والجيران يتصايحون فرحين وقد خرجوا إلى الطريق يلعبون ويتراشقون بكرات الثلج كبارا وصغارا ، حتى النساء خرجن . سعداء . وكانت أنغام الزرنة تخترق الأجواء وما كان الثلج . بعثنا الكسكسي إلى الذين كانوا يلعبون بالثلج والجيران والزغاريد تكور الثلج وترميه على رأسه وينفض معطفه بعد أن جاء من الحقل وصار يسأل ولا يصدق أيها السكران ليتك تموتين في ذلك اليوم انطلقت الحناجر تغني والفطائر بالعسل توزع مع كرات الثلج . والرغبة في قتل أحدهم .

    رغم النار والدفء إلا أنني أشعر بالبرد ، أنا أحسد الجيران فهم لا يبردون كأنهم يشربون . ترى لماذا هذا الصقيع ؟ أشعر وكأنني على وشك أن يغمى علي ، أسندت رأسي إلى الجدار والنار تتراقص في عيني . لم أكن أرى سوى الحبل وبعض القطع من الحطب بجانبه والنار تشتعل في عيني ، كنت أراه كمن يقفل عينيه ثم تبقى صورة آخر شيء شاهده سابحة في السواد لا تريد الاضمحلال ، ثم خيل إلي أنني أحمله ، وخيل إلي أنني أصنع منه عقدة . وخيل إلي أيضا أنني أرى أناسا يرقصون وآخرون يندبون أسهمهم التي خسروها في البورصة . وأنا أقول لهم : للمرء ثلاثة أيام : يوم مولده ويوم زواجه ويوم مماته ، لكنهم لم يسمعوني فأعدت عليهم : يوم مولده ويوم زواجه ويوم كاليوم ...

    وليد ساحلي .


    ** قصتي هذه فازت بالجائزة الكبرى للقصة القصيرة باللغة العربية في المهرجان الثقافي الدولي الثالث للأدب وكتاب الشباب بالجزائر ، جوان 2010



    .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    أسلوبك جميل جداً وراق لي .. هكذا فكره تحتاج تماماً الى هكذا أسلوب ..ونص يستحق الفوز
    كان من الممكن أن يتشتت القارئ وأنت تتنقل في الحدث بين الماضي والحاضر وبين الصراع الداخلي الذي تعيشه...لكن هذا لم يحدث ..
    وانه لشيء جميل أن يمسك الكاتب زمام النص الذي يكتبه فلا ينفلت منه شيء..فيحافظ على وحدة الموضوع وفكرته مهما كانت الأحداث والشخوص كثيرة في النص ..

    النقطة الوحيده والتي لا ادري ان كانت خدمت النص أم ساهمت في جعله اطول فقط لا غير هي تكرار سرد المشاعر ..
    ربما لو اختصرتها لكان النص اجمل وربما وجوده هكذا اجمل ..لا أعرف
    فهناك نصوص تكون أجمل بعيوبها ..

    المهم في الموضوع أن القصة جميلة وتستحق الفوز..
    شكراً لك .

  3. #3
    وليد ساحلي


    لغة راقية , وسرد ممتع , وفكرة جميلة


    مودتي

  4. #4
    وليد،
    السرد، الأسلوب، و التقنية السردية كل شيء هنا كان رائعاًو كأنه لحاف منسوج باتقان.
    شكرا كثيراً، بل شكرا كثيرا و مبارك لك الفوز بلا شك استحقيته بجدارة، أول مرة أسمع بالمسابقة، بالأحرى أنا لا أعرف إلا مسابقة مالك حداد للرواية.

  5. #5
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة wroood عرض المشاركة



    النقطة الوحيده والتي لا ادري ان كانت خدمت النص أم ساهمت في جعله اطول فقط لا غير هي تكرار سرد المشاعر ..
    ربما لو اختصرتها لكان النص اجمل وربما وجوده هكذا اجمل ..لا أعرف
    فهناك نصوص تكون أجمل بعيوبها ..
    فكّرت في تلك الملاحظة يا ورود لكن أرجعت الأمر إلى كونه سكران و عديم الحياء و الرجولة، و لا يمكنه أن يقول كلاما و لا يعيده.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    بين الحقيقة والخيال
    الردود
    954
    جميلةٌ .. قصّةً وسرداً
    .

    شكراً لك ..

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المكان
    بلاد الجزائل
    الردود
    6
    السلام عليكم ،
    سررت كثيرا بردودكم أيها الأصدقاء : wrood ، شاعر الكاريكاتور ، نوال يوسف وحالمة غبية .
    أشكرك كثيرا wrood على ملاحظاتك ، بل أنا سعيد جدا بها ، فأنا ما وضعت قصتي هنا إلا لكي أحظى بنقد لها ينير لي الطريق لكي أحسّن كتاباتي مستقبلا ... فيما يخص تكرار سرد المشاعر سببه أن هذا الرجل الذي يعاني من صراع داخلي ، يبدو للوهلة الأولى أنه في وضعية هجوم حيث يصب كل لعناته على زوجته التي يجدها سبب كل عذابات العالم ، ولكنه في الحقيقة يعاني شعورا بالذنب قاتلا بحيث تلح عليه هذه المشاعر في كل مرة فيما يشبه تأنيب الضمير ، فهي تطفو إلى وعيه كلما استعاد ذكرى من الذكريات أو رأى مشهدا من مشاهد واقعه ، هذا بالإضافة إلى أن تقنية المونولوج الداخلي تستدعي هذا التكرار الذي هو سمة وعي النفس البشرية ... أرجو أن أكون قد أوضحت المقصود .
    نوال يوسف : هذه المسابقة تقام على هامش المهرجان الثقافي للأدب وكتاب الشباب ، وهي هذه السنة في طبعتها الثالثة ، وهي مسابقة مخصصة للشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين سنة ...
    شكرا جزيلا لكم مرة أخرى .

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المكان
    أعيش في مكان ما...وفي زاوية ما ...في عالم غريب مليء بالغرباء
    الردود
    7
    فعلا تستحق الجائزة ;فأسلوبك راق وكلماتك معبرة تعبر بالقارئ إلى داخل النص حتى ليشعر أنه يعيش القصة والأحداث ; أرجو من الله التوفيق لك وأتمنى أن تقوم بطبع انتاجاتك فأنت مبدع ،حتى نستمتع بنصوصك كما لوكانت أنغام الزرنة .....

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    الأرض السعودية
    الردود
    32
    السلام عليكم ، القصة جميلة ، والأحداث تختلف في كل مقطع ، وذلك شيء جديد ، كل ما أود قوله في المقطع الأخير لم أجد فكرة ثابته ولكن في النهاية كانت انطباع يختزل القصة كاملة ... شكرا !

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المكان
    خارج المجره
    الردود
    1,534
    جميله جدا"

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    نسخة الى الروائع
    وشكرا لك.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •