Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 17 من 17

الموضوع: حرَاجٌ ..

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    حرَاجٌ ..



    ميّت بن نعسان



    في جزيرة حارة فوق خط الاستواء، تتسلط عليها الشمس كل أيام السنة، صحراوية، يثمر شجرها شوكا، وذلك أنها من العالم الثالث، ولد ميّت بن نعسان، من أب وأم أبناء عم.
    ولما جاء وجد قبله في البيت سبعة، فنشأ وترعرع في كنف أمه، ترضعه وتطعمه، وتأخذ له ما يريد من أيدي أخوته، وتدسه خلفها إذا جاء أبوه ليضربه، وتهدده بالسعلاة إذا تأخر عن نومه.

    في أحد الأيام لاحظ أن ضجيج أخوته في المنزل ينعدم في وقت معين، تتبع إثرهم ولحقهم، فوجدهم يلعبون في الشارع، ولما رآه أخوه الأكبر منه سنا، مسكه من أذنه وأمره بدخول المنزل، لكن ميتا أبى الانصياع له، فتم الاتفاق أن يجلس فقط على باب الشارع. وهناك جلس ميت ساعاتٍ طويلة، يرقب أفعالهم، ويشجع فريق أخوته، ويخبرهم بأمكنة الآخرين إذا لعبوا الغميمة، حتى إذا لم تمرّ غير فترة قصيرة أصبح ميت باستطاعته التحرك بعيدا من الباب، بل والذهاب إلى البقالة البعيدة دون أن يسأله أحد عن تأخره، وهناك شاهد السيارات الكثيرة وأناس غير الموجودين في شارعهم، فبدأ يفهم أن الأرض كبيرة، ويعيش عليها أناس كثيرون. وحدث مرة أن ضربه ابن الجيران، فذهب إلى البيت باكيا، فهب أخوته للتعارك مع الذي ضربه وأخيه، ورأى الدم يسيل من وجهيهما، فلم يعود لضربه أبدا، وعندما تأكد من ما فهم، تضارب مع ابن الجار الآخر وضربه ضربا شديدا، لأنه لم يكن عنده أخوة أكبر منه، وكان ذلك لسبع سنوات تمت من عمره.

    ودخل ميت المدرسة وتعلم أن يجلس في الصف الأخير، لا يشارك إلا إذا طلب المعلم منه الوقوف فيقوم متثاقلا، ولا يقول شيئا، فيضطر المعلم إلى حرق رجله بالفلكات، بمساعدة طالب، عاقبه ميت وأخوته عقابا شديدا عند الصرفة، وفي يوم الشهادة يتفق مع أخوته على إخبار أبيهم أن الشهادة ستوزع بعد الإجازة، وعند ذلك ينسى أمر نتائجهم، وبدخوله المتوسطة أصبح جلوسه في الشارع حتى ساعات متأخرة من الليل، يجلس على كبوت الكابريس أو صندوق الوانيت مع رفقائه، وفي تلك الليالي تعلم أمورا كثيرة، مارسها لأوقات طويلة:

    الصعود إلى السطح والنظر إلى داخل شبابيك البناية المجاورة، ثم تحرك أشياء في قلبه لأول مرة، وتجربة التدخين المثيرة، والدخول إلى منزل أحدهم والاستمتاع بعزفه عندما يُخرج عوده بحذر من الخزانة، ومشاهدة التلفاز طويلا عنده، حتى ارتبك مرات عديدة بخروج كلمات مصرية بدون قصد منه. وهكذا استمر في لهوه حتى احتفلوا بتخرجه من الثانوية، واختار بعد تردد أن يصبح معلما فدرَسَ أعواما قليلة، ثم عُين مدرس للمرحلة الابتدائية، وعاش أيامًا هانئة في وظيفته هذه، يُخرس الطلاب في الفصل ولا يريد منهم حسًّا، وينتهي من الدرس في دقائق، ثم يُنزل شماغه على جبينه حتى يغطي عيناه، ويغط في نوم يوقظه منه جرس الحصة، أو إذا لم يشعر بالنعاس جراء سهره البارحة على التليفون؛ يخرج إلى الممر ويدخن مع حفنة معلمين انتهوا من حصصهم.

    أخبرته أمه أنه الآن "سيصكّ" أربع وعشرين وهو لم يتزوج، وخافت أن الناس سيتحدثون أن في ابنها شيئًا، وهو الذي ألف بنت تتمناه، فلم يقلْ شيئا، وبعد شهرين كانت عروسه عنده ورآها أول مرة، وفكر أنه لم يتوقعها كذا، وأخفى خاطر لو أنها كانت أفضل، وظل تأثير هذا الخاطر يحكم تصرفاته لأعوام طويلة، حتى بعد ست سنوات وأمام أطفاله الأربعة، يوبخها أمامهم ويأمرها بالسكوت وينسب كل شيء سيء إلى عقلها لأنه عقل حرمة، ومرة جهّزتْ كلاما لتقوله له بأن يلتزم بأسرته وأن لا يأتي متأخرا إلى البيت من الاستراحة، فضربها محذرا أن تكرر تدخلها في أمور الرجال.

    وبعد كبر أبناؤه وتعدد مطالبهم ذهبت أيام هناء ميّت، وبرز له شبحَ المصارف والحاجيات، ولم يعد الراتب يكفي، فآخر أيام الشهر أسوأ حالات اعتلال المزاج تخرج منه، فبدأ يقلب الأمور ولا يجد بدا من دخول الأسهم كمثل الناس، فأخذ قرضا وضارب، فقرضه السوق، وأمرض قلبه وبنكرياسه، وانضاف همّ الوقوف في صف المستشفيات الطويل مع همومه الأخرى الكثيرة، فسأم ميت حياة الهموم ووجد أن السهر في التفكير كمثل النوم مبكرا لا يغير شيئا من الحال، فأصبح مخلوقا لا مباليا جدا، يتداول النكت بشراهة، ويجنّ ضحكا على الجديد منها، وكره الجرائد وكل من تأتي بهم، فمَن فيها أناس لم يعرفهم ولم يراهم، لا في صغره ولا كبره، ونهر ابنه يوما لأنه يتكلم بشيء حسن عن أفرادها، وبصق في نهاية نهره. ولم ينبس بكلمة عندما يعود ابنه إلى المنزل مع دخوله إلى البيت عائدا من الاستراحة، بل حن لأيام صباه الجميل.
    وفي آخر يوم من حياته كان يقود سيارته المقسّطة فرحا، إثر سحبه من الماكينة راتبه، فاغتالت فرحته حفرية كبيرة على جانب الشّارع ...

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    رسائل لا تَردْ ولا تُوردْ ..


    1


    أهلا يا أختي، يا صغيرتي، يا ابنتي، يا شبيهتي ..
    الآن أمرّ وأجدك في غرفة صغيرة، ورديّة زاهية، تتوسطين سريرك، يغطي نصفك اللحاف، ويسدك إلا قليلا جهاز، أنصرف إلى غرفتي، أنظر بأسف إلى مكانك، إلى مستقرّك، إلى قسمك في غرفتك ـ قبل الآن.. كيف حدث كل ذلك؟! ..

    حدثت الأشياء متسارعة، لم نحسّ بها، كان أولا محاولة مني للتخلص من أي قطعة في الغرفة، مشروع سخيف لتوسيع المكتبة، فقررت أن أنقل خزانتنا إلى غرفة بعيدة، امتعضتِ فلم أهتم، صممتُ، في طريق عامل النقل إلى المنزل، بكيتِ، تأثرتْ أمي، صرختُ: آلآن؟، قالوا: لا نرضى بالشتات حلا، قلت أنا أرضى ما شأنكم، ناقشتُ، جادلت، انتفضت غضبا، لم أعر دموعك اهتماما، ثم جاء العرض: غرفة جديدة هناك لكِ، حذرتهم من العروض المفرقعة، وجاءت النهاية بإبرام شراء غرفة، تُسلم بعد شهر، صحيح أني أبديت معارضة أن أنتِ غرفة جديدة وأنا لا، لكنِ الحقيقة، أني ما كنت أرغب بالتغيير، اعتبرتها مجازفة، صعب أن أترك الزوايا التي تعرفني، الألوان التي ألفتها، التفاصيل التي لا يفهمها سواي، أقول مكلفٌ فحسب. بدا الشهر طويلا لا نهاية له، والأنكى: تأخر ميعاد التسليم، صحيح أننا احتملنا الشهر على مضاضة "وموانة"، تركتك "وقرابيعك" لم آمرك بترتيبها، وحين أي شيء كنت تقولين: "خلاص خلاص هانت"، وأنا أردد"تجملوا يالحبايب أو يالأجاويد ـ منذ فترة لم أحضر عرسا ـ ، وتحدثنا عن إقامة حفلة طلاق، قلتُ: "من ذيك اللي تدفه من فوق الكيكة"، قلتِ: "لا اللي تطلعه برا البيت" ، كنت أتصنع السؤال عن مستجدات التأخير من دافع الحرص وعدم غش البائع، وأخفي رغبة الانفصال الشرسة، لكنها في النهاية جاءت ـ يتحقق الانتظار إذن، وجاؤوا وركبوها، وبعد أن انتهو اتجهوا إلى غرفتنا ـ أقصد غرفتي الآن ـ وفككوا سريرك، وكنت أسترق النظر من المطبخ، نظرة تلو نظرة، وحين ذهبوا، طرت إلى الغرفة، فلم يتركو أثرا لسريرك، فرحت بالمساحة الكبيرة المتبقية، جلست على سريري أنظر إلى العالم الماورائي الذي كان تحته، فغامت الرؤية، ثم استهلّت، ثم جاؤوا، فضحكوا، فنادوكِ، فهزلوا: لنتركهم وحدهم، وذهبوا، ولم أنبس معك بحرف، احتراما لسلطة الدموع، قلتِ: "يعني فين بروح، في البيت نفسه" ، لكن الأمر أكبر من هذا، خرجت من وكري، خرجتِ مني قد يعني ! .

    كان منظر جد مؤثر، زوجين من الأحذية، وآخر بلا زوج، طوقين مكسور، وآخر سليم، علاقات ملابس، قميص، بنس، أوراق، إعلانات، بكلات، إكسسورات، وظل غباري بحجم السرير، لم تكن مخلفات، كانت أنتِ، بكل ما فيك من فوضى، إهمال، وحب اقتناء، ليس هذا ما يشجيني يا حبيبتي، الأشجى أنك ذهبت، ذهبت لعالم منفرد، آه بعد أن كنت معي وأنت هكذا ـ وأشير إلى ارتفاع قريب من الأرض ـ وكنت أنا أصغر قليلا بحجم العمر الذي ذهبتِ فيه، لا أحزن لأنك مضيتِ، لكن أحزن لأن رغبة لئيمة كانت تطاردني بتحقيق هذا المضي، ووجدت أن كل الرغبات التي نسعى ورائها هي زيف براق لا أكثر، تخيلت أن كل الأعمال العظيمة لا أفعلها لأن إزعاجاتك الصغيرة تلاحقني، أن كل تأخرات إنجاز فروضي بسبب فوضى ترتيب منامك، لكنك ذهبتِ، وأنا على الضياع نفسه، التسويف نفسه، الوحدة نفسها، وماذا جنيت؟. بعد الآن، لم أشر إلى أحد بالصمت ريثما أنتهي من هذه الصفحة، لن أمتعض من تشتيت أحد حين تسمري على الشاشة، لن تزعج الأباجورة أحد، لم تأتِ أمي، لتقول: "حرام عليك البنت نايمة"، لن أشعر بهم ليقظوك إلى المدرسة، لأختصر، كثيرك غاب عني.

    لا شيء يا صغيرتي، لا شي، كانت رائحة غرفتك نفاثة، فلم تنامي فيها الأيام الأولى، وجاءت أختنا وصغيرها، فلم يكن غير داري نزلا لها، فسارعت وإياك إلى نقل أشيائك من الأدراج والخزانة، تذكرين عجبي ربما: من أين لك قدرة التخزين هذه، سني عمرك يفترض أن لا تسمح لك، كانت الأدراج مدججة بالأشياء بأعجوبة، أما الخزانة، فضحكتِ، قلت: "في أشياء ما شفتها من زمان"، فلم أشعر بشيء، بدا لي الأمر ظريفا، توديع أخت، واستقبال أخت، لكن أختي فجأة رحلت بدون مقدمات وبدون دلائل، لم آمر الخادمة برفع مرتبتها، أبقيتها، أتذكر منها الصغير الذي يفتح عينينه الجميلة، ثم يستوي جالسا، ثم يضحك، وضحكه غسيل قلب، عدت من الغد فتحت الباب، فلم يكن غير أنا الغرفة، كل شيء كان أنا فيها، ومساحة خلاء جرداء، وخطوات متشككة حين أمر عليها، يا أختي أشعر أنك ما زلت هنا ..
    لا شيء يا صغيرتي لا شيء، غير أني أشعر بالغرابة حين أراك في مكان في المنزل، أشعر بالبعد، بالخوف، أن لن أعرف عنك كما كنت من قبل، وتلفت في الغرفة، يعني حقا أن ليس لك مكان هنا.
    اعتبري هذا ثبتا قبل أن ننسى، قبل أن نستمرئ الانفصال، تذكري أن كنا نقول دعاء النوم مع بعض، ثم حين ننتهي نقول"خلصت"، للسماح بتدوال الهروج، تذكري مضاربات المكيف ووساطات أمي، هذا ثبتا قبل أن ننسى، قبل أن تعتادي التغير، ولا تفتحي الباب، خطأ تظنين أنك هنا كما كنت من قبل .

    لا شيء يا صغيرتي لا شيء، غير أن غيرت الساتر كما تعرفين، غير الذي قطعناه، أنا أفتحه كل صباح، وأنت تغلقينه كل مساء، والغرفة مرتبة برتابة، ولم أعد أتعثر بحقيبتك ليلا. ها هنا وحدي أرصد حدثا تافها للجميع، مؤثرا لي، أسائل التحول، جئني بالبراءة وخذ الجمود، جئني بحكايا الأبلات وخذ الصمت، جئني بأختي وخذ الفراغ، جئني بالاطمئنان وخذ القلق، لأسلم ، لأقتنع، لأرضى: ما الحديث؟، ألتقي بالناس لأفقدهم ...

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197


    2


    صباح السرور، وحبور الطيور ..
    صباح السعادة بتفتح الزهر ، بانبلاج الفجر ..
    صباح التفاح إذ أينع، وشمس البهجة إذ تشرق، ولـــيل الكدر قد أهجع ..
    ..
    صباحك أم تفطّر طفلتها ، تظفر جديلتها ، حليبا تسقيها ، تعطيها قبلة، و"عيوني سيري شاطرة" تهديها ..
    صباحك يتيم ، ينسى فقده ، يتجاوز أساه ، لا أمّ تقبله ، على جناح الأمل يطير ، ويرزقه الرب خيرا وفيرا غزيرا ..
    ..
    صباحك العامل المثابر، في أهوال مهنته : المغامر، نزر الأموال راتبه، لا يريد شيئا، فقط أن يكمل ابنه دراسته، ثم يسقط من إحدى "السقالات" .. ويموت ..
    صباحك ابن العامل ذاته، يكمل مسيرة شتاته، مات والده، وتكالبت الأرزاء عليه من كل جانب، شقاء ومن الحياة أتاه كل ناصب، وأمه امرأة سوء صارت ..
    صباحك أمه "ماغيرها"، أرملة بأيتام، والرزق لا يسد رمق، وبالديون تختنق، وجمعية النصارى تفك أزمتها: نرزقك رزقا كالغيث هنيئا مريئا .. "بس ها تتنصرين أول"، وتتذكر الجوعى وتوافق .
    ..
    صباحك أب ، أولادا كثرا ربى ، خدماته لهم أسدى ، وبحبه\تضحياته ما "قصّر" ، فلما "عجّز" ، في دار العجزة ركزوه "يابوي أريح لك" ، ويبكي الشيخ ويتلظى الشيخ ، وتجلطه جلطة ويرحل، وفرحوا بأدلة دمعاتهم على حبه..

    صباحك الأخت الكبيره ، ياهذا استيقظ ، يا هذا البس ، يا هذا لا تتأخر، فيمضي الوقت، ويفوت الدرس .. وصغيرهم يودعها بعد أن يأخذ مسافة كبيرة ، بحيث لا تلحقه ضربة "يادجاجة اللي ترجّنا مع الصبح مع السلامة" .. وتضحك ويضحك ، ويذهبون ..
    صباحك آخر الطابور، ملل لإذاعة، نعاس الحصة الأولى، العريفة الكريهة ـ ليس أنا، الكراسة، البرّاية أم مراية، حزام المريول المفكوك، الشريطة التي لا ألبسها، القَبّة التي تكرهينها، الزمْزميّة التي يطلب الجميع الشرب منها، انتظار الفسحة، بهجة الصرفة، كيس الخياطة المنسي في السيارة، صور ريكو، شيبس حروف، حليب الشكولاتة ـ الأخير هذا من أجلي ..
    نور: صباح الخير، وانتهينا ..




    لا شيء .. سوى الملل وتلك الكلمات، الهروب من المذاكرة ، والتحدث بأحاديث تافهة لتسرية الوقت،
    ولا يسري ..
    والصباح كان جميلا وجدا .. إلا أن الـ جدا كانت مبالغة كبيرة ، كيف؟، سأقول لك:
    الذباب الصغير كان لعينا ، أطيره من ساقي ، فيحط على رأسي، وأضرب رأسي، فيتوجه إلى ساعدي، أحرك ساعدي، ييمم وجهته إلى الأوراق المجمعة كصحيفة عمل فاسق، وعندها لا أطيره، أتملص من المذاكرة بالتفكر في خلقته وحركاته البغيضة: لماذا عندما نشرده يرجع سريعا؟، هل لهذا علاقة بأن الأشياء الكريهة تعود سريعا، أو أن قذارات العالم قريبة منا لدرجة أنها تلامسنا دائما ..

    وهذه تفكرات جميلة للهروب من الحفظ، من قال إني أحفظ أصلا؟، كنت فقط أنظر للورقة، وإذا أحسست أني أطلت النظر فيها ، أنتقل إلى الورقة الأخرى ... وهكذا ، إلى أن انتهيت من النظر إلى عشرين ورقة من أصل مائة ورقة ، الساعاتان المتبقية أعتقد أنها تسع للنظر فيها ..

    ثم انتبهت بعد فترة من النظر ، أن الكون أشرق، أن السماء ازرقت أكثر ، أن الطيور تغرد أعلى وأكثر ، أن الشمس استلقت على جدار المنزل أطول وأكثر ، أنني أنا أنظر للأوراق الكئيبة أكثر وأكثر ..
    وعندها فكرت ـ وأنتِ تعرفين يا صديقتي أن التفكير مفيد للهروب من الواقع أكثر ـ أن انشغالنا وانهماكنا بأشياء غير جميلة يفوت علينا لحظات جميلة ربما لن تتكرر ..

    ثم بدأت أفكر بأشياء غير جادة إطلاقا: لماذا خلق الله السماء زرقاء في النهار وسوداء في الليل ، ماذا لو كانت حمراء في النهار وبنية في الليل ، أكنا سنشعر أنها غير مناسبة، هل لأن الأزرق مناسب لنكون كنسمة صَبا ، كبسمة صِبا، أوفياء ويسكن السلام في نفوسنا، ولمن لم يعتاد النظر في الأعالي ، هيأ الله له الفرع الآخر من السماء في الأرض، أقصد البحر، وأن السواد في الليل كان إشارة لنا لنركد، لنكف عن الحياة وننام، شرور الليل السوداء المرسلة لنا من حضرة الليل في النهار ، ستكون مكثفة ومركزة إذا عشنا في هذا الوقت، أم لأن هذا اللون المناسب لتعرض فيه النجوم ببهاء ، برونق، يقلده التجار الآن في معروضاتهم ..

    وقبل أن أفكر في الأضرار التي ستكون عليها السماء بألوان أخرى، إذا بخطوات مصحوبة بضحكات صبيانية ، تبدأ بالقرب مني، وأجسام تظهر من خلف الشجرة، أوه، دعيني من الوصف ، اقتربوا الآن ، ولا حيلة، إلا أن وضعت الورقة أمام وجهي لأبدو كتمثال لم ينحت وجهه بعد، يجلس على كرسي وتظهر أجزاء من "بيجامته"، بعد وهلة، أي عند الاصطدام برؤيتي ، وظهور مشهد شرقي أزلي، إذا بتلك الجلبة المحدثة تأخذ طريقها السريع إلى السكون، وتولي أدراجها بخطو لا صوت له نحو الباب، وضحكت لما حدث ، بخّره الأخ الشرقي بـ"الله يفضحك".
    للأمانة المشاعرية: فكرت من البداية الحكمة في عدم جعل السماء حمراء، إذن لاستغلها المبطلون في التغني بالحب كل وقت، ولذا الاحمرار متستر داخلنا، لا يخرج إلا بقطع!.

    ثم طلعت، ولا شيء غير الكلمات تعرض نفسها عليّ، وأنهرها أنا في رمضان ، لا كلمات إلا كلمات الرحمن ، وتأبى، من قال أن الشياطين هي كائنات شريرة لا تشبه الإنسان أبدا ..
    إذا لقيتِ الذي قالها ، فاصفقيه ـ أجزم أنك لن تفعلي ذلك ، لكن أرجوك "مرة وحدة وريني قوتك" ـ
    وقولي له : غبي، ذلك المعنى اللفظي ، الاصطلاحي : كل اختلاجة نفس، تحمل في طياتها، كمية من الشر واللؤم، ولو كان بحجم نملة ـ النمل الذي تأكليه، أضحك ـ ثم يتفرع إلى مخلوقات ضارة مطرودة من الرحمة، أو مخلوقات ضالة إن اتبعت هذا الشر وجعلته محركا لها وباعثا؛ سترمى في الجحيم .
    وتصحيحا لما سبق : الهروب من الواقع كذبة كبيرة ، اخترعها بعض الفوضويين، وصدقها كثير من الكسلانين ، ذلك أن الهارب وإن طال هربه، سيقبض عليه الواقع ـ والواقعيون أقوياء على كل حال ـ وسيودعه في سجنه، وسيرمي عليه أوراقه ، ويقول له: ذاكر، تلك جناة يدك ، وما جنى عليك أحد. وعندها ستغدو لحظات الهرب القصيرة ، شيئا قبيحا وتافها ، لا قيمة له ، وذنب يجدر التوبة منه .
    لكن لن أتوب ، من قال أن الهاربين كلهم مجرمون ، حسنا لا أحد يقول ، لكي لا آمرك بأشياء غير طيبة .
    على العموم أحدث نفسي بمصيبة المجيء عندكم الأيام القريبة المقبلة ، وهذا التحديث يتم من أيام سحيقة كما تعرفين ..
    لا شيء .. سوى الملل ، الهروب من المذاكرة ، التحدث بأحاديث تافهة لتسرية الوقت، ولا يسري ..



    (إن نشرته، فتيقني أنك عما قريب، لن تجدي رقبتك لتتحسسيها بأناملك ..
    هذا لا يعني قتلك، ربما يعني أنني سأضع شال على رقبتك من الخلف هدية لك مني ..
    وهذا لا يعني أني أخنقك، أبدا ..
    ربما يعني أني ...
    لا أدري ..
    الهام أن سأمضي الآن .. سلاما
    جنود القبض على الهاربين يقتربون الآن ..)

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    3


    لا عليك، ستضيفها يوما إلى سجلّ حظوظك، وتتعلم منها أن تدرس الأمر قبل أن تقدم عليه، لا أي نتف من هنا ومن هناك، ثم تقرر القابل من حياتك، أنا فقط أفكر فيك لو أن الأمر تم، دون أن تعرف، أشفقت عليك كثيرا، تخيل أن تأخذ من لم تحقق حلم أمها يوما، وحلم أمها يتلخص في أن تعد عشاءً فقط، وهي عنصر تخريب أحلام في حياتها، لهذا فهناك قائمة بمائة فتاة أفضل منها ـ تزيد بعد لقيا أي فتاة، فتلك تكفي أمها الحلا، وتلك تقوم بالغداء، وأخرى نسيت أمها كيف إعداد العشاء، وهي إذا وصل بأمها اليأس أقصاه، أعدت كفتة تطوعا، تقطع الخادمة محتوياتها كلها، وتقلاها، وتحلف: أن لن تذوقوا شيئا مني لخمسة أشهر، ويتلخص أكلها في الوقوف أمام الثلاجة وأخذ لقمة من هذا، وفتح هذا، وقطع كيس هذا ـ نفضّل الالتفاف على عقد حياة من حيث لا تُدرك ـ ، ثم حين يشتمون ممزق الأكياس، تشتم معهم بصدق همج الأفعال، وتتذمر كثيرا من العصريات التي تأتي بدون حلا، فتسأل أمها بجزع: ليه ما سويتِ حلا؟، فتقول: وليه مو أنتِ؟، "ليه مو أنتِ طيب؟"، فتعجب الأم من الوقاحة، وتبرر بعد الفوات: أقصد أنتِ الأم، وأنا تعبانة والله، ومن يدك أطيب".
    مع أنها لم تدلل البتة، ولو كان كانت مدللة لعذرت ربما، فلديها أخت شيف ـ أول الجالسين تكون على سفرتها ـ ستبرر أن الخادمة وجدت عندنا من قبل أن توجد، وتتذكر من مراحل عمرها الأولى، كأول مشهد لهذا الوجود، أنها تضربها بضجر بقطعة لباس ـ لا أدري حقيقة ماذا كنت أفعل؟!، رغم أنها حقيقة لا ترى بأهمية وجودهاـ معادلة صعبةـ أتفهم ـ والأمر لن يتعدل، لأنه يشاع كثيرا عن فتيات لا يعرفن إعداد الشاي عند أهاليهن، ولما تزوجن أصبحن "يمدون سفر"، وذلك لأن تركيبة فكرية معقدة في رأسها، تقول بأن الطهو مضيعة للوقت، في غير فائدة، فالتذوق مرحلة تتم في ثواني في الفم فقط، ولن تعلم المعدة ولا الجسم بأكمله، أن الغذاء كان لذيذا أم لا، وسندوتش جبن على الذمة دائما، والأكل من طيبات الدنيا الفانية، وحبه غير مستحب، وليخسأ من كان الطريق إلى قلبه معدته، وما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، ويا الله لو تأمل الناس ورود شرا هنا ! ..
    والفعل إذا لم يكن له خلفية ترجع إليه، يسهل تغييره، وإما إن كان إلى قناعات فيصعب تغييره جدا، كما يقول التربويون، فافهم، واربأ بنفسك عن أنيميا حادة، واستفسارات عن سبب هزالك الشديد، وفقدانك التركيز في العمل المنتهي بإغمائك. عارَضَ هالك قديم التقدم في التعليم للمرأة، فوق ما تحتاجه لشؤون المنزل، قائلا إنه يحولها إلى "إنسانة مشاجرة، وكسولة وثرثارة". نحتاج هنا لأيقونة نعامة رأسها مخبأ، من فضيحة الحقيقة .
    لا تحب الأشخاص الملازمين، يغمى عليها داخليا من طول الملازمة، لهذا تترك أرض بمساحة مخطط بينها وبين الآخرين، وقرأت دراسة مرة عن ضرورة اتخاذ الأزواج يوما في الأسبوع بعيدين عن بعضهما، وكانت ستؤمن بها جدا، لو أنها زادت المدة الجنة..
    لا تحب الأشخاص الاتكاليين المخربون، الذين لا يقومون بواجب نفسهم، والذين حاجاتهم بهيمية محضة، وإن بدوا أنهم أبرياء ضحكاتهم عذبة، تستمتع بهم ربع ساعة صدقني، وبعدها، تتخلص من سحرهم، وترجع الأشياء في موازينها الصحيحة، وتستغرب من ولع النساء بإنجاب عشرة منهم ..
    شخص قطعه الآخرين، أم هم من قطعوه، النتيجة واحدة، لكن يحصل أن يصل كلام من قبيل: "ليه قطعتنا"، "نستغرب من نظرتها للحياة"، الأخيرة حين جاءت، سهمت كثيرا: يعني الحين لي نظرة في الحياة؟!، من النوع الذي يغضب الحموات، والمكروه من الأخوات، تود أن تكمل الدراسة في هارفارد، وتنجز مجلدات الروايات التي في رأسها، وتترجم عند رادوغا، وتحاضر في أكسفورد، وأبوها كلما طلبته مكانا، يقول أنه ليس مسؤول عن تحقيق الأشياء "العمر قدامكم"، وفي رأس قارات بأسرها، وغابات مجهولة، وشواطئ منسية، وحملة مساعدة في أفريقيا.
    وبمناسبة أبيها المبجل، فهو بروف إن كنت تعرف، وهي قائدة مسيرة كل فتاة بأبيها مولعة، وقد تكون سويّ سليم، لكن عند جلبه في الكفة الأخرى تصبح أنت دمية مقذوفة في السماء، وهو رجلا عظيما على كل حال، تيتم مبكرا، لكنه شق طريقا له في الحياة أخضرا برأسه، والعقل بياني في كثير من مظاهره، ولذا تقيس الرجال به دائما ـ قرأت الجابري بالمناسبة؟ ..
    غاوية متنسكة، زاهدة مترفة، فقيرة بأحلام أثرياء، جوقة مهرجين تحت الدثار، يُحبسون دائما، وبمجرد ما توسع الياقة طلبا للهواء، يخرجون من كل الأمكنة، متشددة قديمة، طار ذكرها في الآفاق، ومنحرفة عن سبيل الله المستقيم ونهجه المستبين ـ في نظرهم ـ حاليا. نذلة، الوفاء صفة كلبية، غراب بين، العصافير خسيسة. مداجية، فسترتي بوجهين ..
    أقول لا عليك، استدر، فالربيع طلْق خلفك ..

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    ألمٌ مكعّب



    ما قدّ من دُبر:

    الفقد موجع، وليس هذا بالجديد، ومفجع، وكل الناس يعرفون، لكن أن يميت، أن يسمم، أن يحيل موتهم فيك، بينما هم يحيون تحت ـ وكم تبدو تحت هذه قريبة، لكنها أبعد من المحال ـ فهذا ألم أسود، وكم ألم هذه الأخرى تبدو صغيرة غير معبرة، تبا للّغة، الألم تستخدم في الشوكة المُشاكة، وأسود وصفٌ مسكين لتقوية كلمة الألم.
    الفقد ـ لا غيره ـ مشرع شريعة البكاء، تبدأ بالدمع فالذكرى، الذكرى فالدماء، الدماء فإشاعة ظلام الفقد السرمدي لأكثر الأشياء إنارة حولك.

    آلم من الغربةِ الفقرُ، وأنكى من الفقرِ الغربةُ، والمُحصّلة: الغربة والفقر معا.
    ما بين اليأس والأمل شعرة، وليس من معاوية ليضبط دقتها، فتقطع دائما، وتربط، فكثرت عقدها، حتى ارتبطت العقدة بالعقدة، واتصل الطرفان ببعضهما، فلم يعد من فرق، اليأس صنو الأمل، والرجاء أخو التوجس، ما القنوط أصلا ليعكسه الاستبشار؟، ولم تعد الأحوال منتثرة في سماء الأماني، ولم تربط بعقال التشاؤم، اليوم توأم الأمس الحابل بالغد الهزيل، والخبز من مئات الأيام لم يتغير، ينقص لكن لا يزيد، ولا مساعد غير صدقات هزيلة تأتي لتنفد في قائمة المناقص، وسريعا، تأتي ولا تنفذ في صخرة الغربة العنيدة، ولو وئيدا، والظروف لم تعد يحننها قلب أم، ولا تهدأة أب، ولا براءة طفل، تأتي بمقاديرها أزيد لكن لا أنقص، وهمُّ الفقر يفرخ في كلّ الأمكنة، وحنينُ الوطن المقطوع الطرق يتوالد في الأزقة الخلفية الموصلة لأفنية أفراخ الفقر، تماما ..

    كآلة تدار بلا وقود وشحن، لكن بالتقريع والنهر، وإن أنثت؛ فمن يلين الحديد ..
    نسيت شجاعة قول: لا من كثرة: انزلاق نعم، فلحقت بزمرة العبيد غير المكرمين، بلا حقوق، بلا مصارف، بلا تأمين، بلا اعتبار، بلا شموخ ثقة، ولا ثقة شموخ، لكن الرمي في الحضيض، وإلقاء الملاعق والصحون والكلمات القذرة من علِ، ثم نمو الضعف في جنبات السلوك، والحزن في ردهات القلب، وطلاء جاهز لتكسية الأيام بصبغة العادية.


    ما قدّ من قُبل:

    "بؤس بشع في النهار ، وحزن فظيع في الليل ، ذاك حالي يا أمي، موت بطيء أعيش ، ذكرى قاتلة لا تفُكّ طعني ، فينهمر البكاء مني ، ودموع ووحشة وسأم وأسى وكمد وأشياء أخر ، وعند الله الخبر .

    يوه، لم أصدق عندما أخبروني أنه سيودّع قريبا ، كذبتهم بجزم. كان لحظتها يبتسم لي وهو بين يدي، صحيح أنها كانت ذابلة، لكنها كانت ابتسامة مريض فقط، ستفعم بالحياة عاجلا، قالوا لي من الأفضل أن يبقى في المستشفى إلى حين ...... (قاسٍ ذلك الحين) ، غضبتُ من ادعائهم ، وصرختُ فيهم أن خافوا الله كيف تقولون ذلك لي ، أليس لديكم فلذات كبد؟! . أعطيتهم ظهري ووضعته في عربته ، وكأنّ شيئا لم يكن، وتوقفنا عند الحديقة وأخرجته منها للشمس، ولاحظتُ أنه لم يطبق جفنيه بشدة من ضوئها كما كان يفعل دائما، تذكرتُ كلامهم وارتعشت، يكذبون مريض هو فقط، مضيتُ إلى البيت ووضعته على سريري، أقصد سريرنا ، لم أنمه ولو مرة واحدة في سريره ، استلقيتُ بجانبه، ناغيته، حركتُ يديه، وضعت فمي على بطنه لأضحكه، فلم يضحك! ، ونام بهدوء، قلت أنه يضع يديه بجانبه ولا يشبكها ولا يضحك معي لأنه يريد أن ينام ، وفي المستشفى لم يرتاح من كثرة الإبر التي خرقوه بها، مع أنه كان عندما ينام يشبك يديه ثم يطلقها ، ويبكي ثم ينام ، لكن كان لابد أن أقول لنفسي ذلك لكي يطير كلامهم المخيف عن روحي، وأحببتُ تقليده فنمت، كنت أنا أيضا متعبة ولم أذق النوم من يوم كامل ، ونمتُ، نمت وليتني لم أستيقظ أبدا، أوه لماذا استيقظتُ أصلا، لماذا لم تذهب روحي معه عندما ذهب؟!" ...

    أربعة أجسام متلفعة بالسواد الواسع، من أعلاهن حتى أسفلهن، وتظهر في ثناياهن: الجوارب والقفازات، والأغطية الطويلة. يزحنها، لتظهر ثلاث زهرات، وأم أظهر الزمن معاركه على صفحة وجهها. صالحات جدا، يأتين الحرم دائما، يحفظن القرآن كثيرا، يفرشن السفر في رمضان يوميا.
    تفتح الستائر السوداء على مسرح ملابس مهترأة، يسرعن إغلاق فتحاته المباغتة بجذب الستائر ساترة العوز وفاضحته، وعنذ ذلك الفتح مأساة طويلة لم يبك عليها أحد.
    أحاديثهن لا تنقطع، أتهرب دائما، بالنظر إلى المصحف كإشارة أنكن أوقفتموني، فينتهين، ولا يمر غير القليل، حتى تبدأ الصغيرة مجددا قصصها، بدأت بإخباري عن رسماتها، ثم أخرجت الكراسة من حقيبتها، وأرتني رسمات كثيرة لا يعقل أن تأخذ في ترم واحد، استفسرت، فأجابت "لأنه مافي حصص"، كيف؟، "عشان محو أمية احنا"، لكي تزيح استغرابي قالت، إن المدارس العادية تحتاج فلوس كثير، رفعت نظرها للسقف العالي لتجلب سعر مرتفع له، وعقبت مظهرة هول السعر في عينيها: "كذا يمكن خمسمية ريال"، ثم انسابت حكايا الفقر العادي، الذي لا يخلصه موت، ولا يهبه دأب النهار فوت. الذي يصنف بفوق خط الفقر، لكنهم لا يرونه إلا فوقهم، جاثما عليهم ..

    "بيتنا صغير، غرفة وسيب طويل، ونحن أخوات ثلاث وأب لا يعمل إلا القليل، وأخوان، رأيتِ أمي لما بكت أمس، كان أخي الكبير غاضبا، يريد أن يسافر، طرد من عمله، ولا أحد يريده سائقا، ويبغي باكستان البعيدة. وأمي تنظف البيوت، وتجلس على الماكينة، تخيط الأردية والأغطية والمسافع، والصغير عادي، لما نذهب يهيم في الشوارع، ونترك له الباب مفتوح إذا قفل من اللعب عائد، وأختي الكبيرة لم تريها، في جدة مع زوجها العامل، رأيت لما لم نأت قبل أسبوعين، أو أنكِ لم تأتِ؟، مات صغيرها بعد هِبَة من شهرين، وبكينا وأمي عليه الأمرّين، ..."

    وأم جنانها جبل من صبر، ولسانها تجري فيه أودية من حمد، ترفع يديها عاليا، تؤمن على دعاء لا تفهم كثيره، وتمسح وجهها المخضب بالدموع بعد كل مرة، تسألها امرأة من خير عن أحوالها، فتشكر الله باستقامة صدق يشع من صوتها لا تحنيه لكنتها المكسرة، وتشير إلى أطراف المشاكل وتعقبها ب"ربي كل يحلوا"، "يجي خير إن شاء الله"، وتعطيها المرأة ما خبأته لها، زبادي وفتوت وبعض بسكوت، فتلمع عيناها بالامتنان العميق، تنادي صغيراتها، يحكمن سيادة السواد، ويذهبن، تشيعهن المنائر بصمت ...

    العمر عشرون نكدا، والأب مقعد، والأم جبروت، وهي خادمة لم تستقدم ..
    قالت التي عندها علم عن الحال، أنهم لا يجلسونها، تأتي البيت ظهرا، لتنزع سحنة الطالبة، وتلبس سيماء الطباخة، لعشرة نفر إلا قليلا، ويزيد كثيرا حين تأتي جموع نهاية الأسبوع، ليس في الأمر مشاحة إلى هنا، فهي في العرف "سنعة" و"تقوّم بيت"، لكنها تقول وبذلّ: طيلة نسفهم الأطباق، يذمون هذا لملحه، ويتركون ذاك لسمجه، ثم يقومون وبطونهم، وينفضوا الفتات إلا: شكرا، وتسكت وتبلع، وكل يوم ذاك يحدث، من أكل ظهره، حتى سفرة عشائه، تلف ورق العنب ساعاتٍ دون أدنى إعارة انتباه، ينحي ظهرها لتفصل الباميا رأسها عن جسدها، تكبس الرز، وتقلبه، تقطع السلطة، وتخبز الكعك، تسلق المكرونة، لم يعد يبكيها البصل، ولم تعد تؤثر فيها لسعات الفرن، ولا غضب الزيت المتطاير.
    لا اعتوار ربما، نواصي لم تدهن بلطف، لكن القصة لم تختم، فالغذاء ضرورة يومية.
    لا تفطر ولا تنفق مالا، وذلك القميص البنفسجي تلبسه أكثر مما لو كان أثيرا، ولا تشكِ ولا تخبر أحدا، وكل دعوات الأكل معتذر عنها، نفسها مسدودة دائما إلا أمام أثيرة، فأمها أبت نقدها، وهي أبت المذلة، فتابت أن تطلب. لكن مكافأتها؟، أوه، قُطعتْ عنها، معدلها واحد ونص ...


    كذبتْ، وكان من الصادقين:
    الألم شطر فضيلة أرسطية. لم أعزّ ولم أتصدّقْ ولم أواسِ، غير أنّ الصيفَ قائظٌ، والكلمات تحتمي بظلِّي...

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الردود
    95
    لحظة فرح
    -حراج- هذا بالنسبة لي كنز ..
    سأعود له مرارا
    ثم أن- رسائل لا تَردْ ولا تُوردْ ..- الثانية
    سكنتني بطريقة ما , ربما لـ أنها تحكيني
    فقط أنا هنا وسأعود .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المكان
    خارج المجره
    الردود
    1,534
    هذا جميل
    أدهشني كل مافيه
    فتفاصيل الحياة أحيانا"تتشابه حد التطابق
    لكني لم أتمنى أن ينقطع إسترسال الحرف
    لحظة فرح
    شكرا"لك

  8. #8

    سلامٌ قولاً من ربّ رحيم.

    ..
    لا أدري ماذا أقولُ لكِ يا فرح،
    الانطباعُ الكلّي فيما كتبتِ يقولُ : أنتِ تكتُبينَ والتفاصيلُ لعبتكِ الصغيرة .. أنهكَتْنِي وأنا ألاحِقُها!
    سردُكِ ممتاز .. والنسيجُ اللغويّ لديكِ يقولُ بأننا أمام كاتبة متمكّنة; أحياناً تفتحينَ بوّابةِ العقلِ للقارئ ليفكّر بشكلٍ فلسفيّ بحت، وأحياناً أخرى تجعلينَ الأشياءَ سهلةً أكثرَ مِن المُتوقّع، ومحاولةُ تخيّل تفاصيلها تصبِحُ شيئاً جميلاً كباعثٍ على البهجةِ في النفس، أو باعثَ حُزنٍ لم نُصَبْ بهِ يوماً. في الحقيقة؟ كدّرتِني. وهذا يعني أنّكِ نجحتِ -إن كان يهمّكِ أن تعرفي!- ( :
    استبطانُ الشخصياتِ المرسومةِ أعلاهُ من الداخل لم يكُن شيئاً عصيّاً ، ولكنّهُ كانَ أشبهَ بالبحثِ في غور الذات الإنسانيّة التي تخصّني، أعرفها ولا أعرفها. واضحةٌ ضبابيّة ، عميقةٌ وظاهرَة.

    تدرين؟ نصّك يشبِهُ نقطةَ حبرٍ سقطت في رُوحي مركّزة.. ثمّ تفشّت بهدوءْ. / أحتاجُ أن أقرأ النصّ من جديد. سيّما وأنّني قرأتُه متقطعاً. ربّما حينَ ينامُ أهلُ البيتِ، وتنامُ الأشياءُ من حولي.

    جميلٌ ما كانَ هنا وربُّ الكونْ. وهذا ما يشفعُ لكِ إدراجَهُ دفعةً واحِدَة. يجِبُ أن يكونَ الآخرونَ أكثر صبراً وحكمةً لكيْ يُجازفوا بقراءةِ شيءٍ ممعنٍ في الطول هكذا، ولكنَّ معكِ فالأمرُ محسومْ، المجازفةُ تستحيلُ مغامرةً عقليّة وروحيّة جميلة. أخرجُ منها : أفكّرْ. بالتوفيقِ يا فرح الجميلة .
    ..
    فالسّلامُ على ضَياعِك من دَمي .. سكتَ الكَلامْ *

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المكان
    غياهب الحب
    الردود
    210
    وإنه لحراج , كل ما حول هذا المكان
    وإني عائد لا محالة إلا أن يتغمدني المولى برحمة منه
    وإنها لتحية لا يعدلها شيء

  10. #10
    رغم أنني تناولت بعض الفقرات المتفرقة , وبسرعة , إلا أنني لمست أدبا رفيعا , وفكرا نيّرا , مما أجبرني على العودة من الجديد , وتدقيق القراءة .
    سرد مميز فعلا

    احترامي

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    بعيد جداً
    الردود
    4,712
    وانه لرائع

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    أفخرُ تحريج ..

    "...هكذا نمضي صحبة نفسِ المشرق
    إلى ما وراء الصّورِ التي تتركنا
    كل واحدة منها إلى حمّى التشهّي،
    بلا جزعٍ نمضي، نضيع، على ذواتنا نتعرّفُ
    عبر بهاءِ الذّكرياتِ، وكَذبِ الذّكريَاتِ
    عبرَ عذابِ البعضِ، وأيضا عبرَ سعادةِ آخرين،
    نارهم تركض في الماضي الرّماد،
    سحابةً حمراءَ اقفةً على صخورِ الشواطئ،
    أو لذّات ثمار بتنا لا نملكها،
    أن نعبرَ تقريبا إلى ما وراء اللغة،
    لا شيء معنا إلّا قليلٌ من من الضياء، فهل ممكنٌ
    هذا أم أنه مازالَ محضُ توهمٍ، هذا الذي
    في خطوط أخرِ لكنّها متقزّحةٌ بنفس اللمعان الخالد
    نعيد رسم هيئتهِ
    في الظلال التي تتضيّق؟
    لا شيءَ في داخلنا إلّا الكذبُ المتواضعُ
    كَذب الكلماتِ التي تهبُ أكثر مما يوجدُ
    أو تقول غير ما يُوجد،
    لا مساءات الجمالِ
    الذي يتأخرُ في الرحيلِ عن أرض أحبّها،
    يشكّلها بيديهِ من الضياءِ بل
    مساءات المياهِ التي في صخبٍ هائلٍ
    من ليلة لأخرى، في قادم أيامنا تَنحدرُ..." *


    أهلا لولو، كنز!، صحيح، لكن بأخطائه النحوية ـ أفكر، ثم شكرا، أسعدك الله دوما ..

    إيه بلا ذاكرة، الاختلاف اختلاق، انظري لمجمع غرباء، ثم امنحيهم سمعك، وانظري أية هالة اختلاف واهمة شرعناها لأنفسنا، رغم أن ذلك يصيب باللاجدوى أحيانا، أهلا بالمجيء ..

    وأنا لا أدري ماذا أردّ يا عائدة، والشكر لا يفيكِ، وحده اسمك مشرع لنافذة لأشياء جميلة، تجبر على النظر، حتى لو لم يكن يعنينا ما وراء النافذة ..
    وإنني ذي اللحظة أكتب ثم أمسح، "خمسطعشر" هرجة كتبت ثم محوت، وضاع كل ما أود قوله لك، عن النصوص، مثلا أني لم أكن أعلم أني أسرد، عن ردك، وأشياء أخرى، توقفت ليس لأن الستر أفضل ـ تفطّنت، هاه، لكن لنقل جعبة كلام مرهونة احتراسا من أيام تأتي ناضبة الكلام ..

    شكرا الصميدح، وأهلا بك ..

    أهلا شاعر، والشكر من قبل ومن بعد ..

    مرحبا قس، شكرا لك، أشعر بأن وقتا قصيرا وستكون "وإنه لـ" علامة جودة محتكرة من قبلك ..

    * إيف بونفوا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    نماذج للكتابة المهمّشة ..


    1


    الأسبوع الخامس أو السادس ـ لم أعد أميز ـ من منتصف العام، وأنا فقدت الرغبة في كتابة أو رصد أي شيء، أول يوم؛ مجرد ما دخلت من البوابة فتحت عينيّ على أقصاهما ليخطر أي شيء، حاولت أن أستجدي المناظر: هبيني كلماتٍ أرجوك، لكنها كانت بخيلة ولم تعرني التفاتة، لم أحب أن يتأزم الموقف بيني وبينها، وتركت الموضوع لرغبتها، قلت: السبت القادم، لا يهم. لكن جاءت سبتات كثيرة، والملل سيد الأيام المبجل، وأنا الآن لا أكتب لأني فعلا تذكرت الكتابة أو شيء من هذا القبيل، لكن لأن هذه المحاضرة تمتد ساعة وأربعين دقيقة، أي حتى الثالثة وأربعين دقيقة حرّا، هذه المدة التي تبدو وجيزة سريعة في كل حين، وقد تذهب لذيذة في إعداد سندوتش بيض وأكله وهظمه، تمتد الآن كساعات سجين بقي القليل للإفراج عنه، والدكتورة متحمسة في تعليمنا مبادئ السلوك الإسلامي والمادة مادة مناهج، خلل كبير يجري الآن، لكن الخطأ ـ على الأرجح ـ من الذي يسمع الفتات ويتفيهق، ولكي لا أجلب أي شكوك حولي، أتظاهر بأني أكتب المحاضرة معها بتفاني، أحدق باهتمام فيها، ثم أكتب جملا وكأني ألخص ما تقوله، ووباء الانزعاج من الآراء رجع لي اليوم حادا، كل الكلام يبدو أنه خرج ليستقر في العتبة الأولى، طارقا باب اللاعبأ.

    لا تسألني، لا شيء آخر، غير أني أرسلت رسالة لوالدي البعيد، أتصل عليه فلا يرد، ثم أسجن في محاضرة فيتصل كرات، يا هؤلاء "بابا" يتصل أرجوكم، إن هذا لا يحصل كثيرا، دعوني أحظى بصوته الجميل، يا دكتورة اسمحي لي أرجوك، إنه في بلدك، ولكنهم لا يسمعوني، فأخرج وأتصل بلهفة، ثم لا يرد، وسجنوني كرة أخرى، وها هو المسافر يتصل من جديد مرات.. وأرسل له أني في محاضرة وأنك وحشتنا، بكثير من التواري والخطأ تلو الخطأ، والبطء قبلا وبعدا، وشتم لنفسي عميق على بطء الكتابة السخيف، لابد أنه كان يتحدث ويعمل، فرن الجوال في جيبه، انحرج من الذي أمامه، أخرجه، لم يجد غيري، أسكته، وأغمضت عينان ترجوان بصدق أن يرد، ثم لابد أن تذكر، فضغط الرقم ثلاثة، قربه من أذنه، وخفق قلب للهدية البعيدة، ثم مطى شفتيه، نظر إلى السقف، أرخاه لما سمع رنين عدم الرد المزعج، عاود الاتصال دون أن يقربه منه هذه المرة، وقطعه قبل النغمة المزعجة، ثم مد له أخطبوط المشاغل أذرعه، وتلقفه. واحتضنته، وأنا ما أنا، ضحية انتظار، والوصول دائما بعد تحرك القطار، الهواء والهوى، الخواء والجوى، العراء والغنى، العين والعمى، الكتاب والجهل، الشباب والقفر، النافذة والاختناق، المفتاح والحيرة، وبركل جوقة الكلمات: "اسم لحيوان جميل"، وعندما شددتُ على "جميل"، غمزتْني "بس حيوان" ..

    ماذا أيضا؟، لا تسألني، غير أن النعاس يغزوني وينتصر، كيف؟، كل صباح محاضرة تمضي ربع ساعة أولى من الاسماع المتكلف، ثم فجأة، وعندما أقول فجأة فأنا أعني أن الأمر يحدث فجأة، أجد رأسي "يدردب" ذات اليمين وذات اليسار، وأخجل كثيرا، أشعر أني في عمر تجاوزت الطريقة البدائية هذه في إقبال النوم، بغرابة وجدت رأسي يفعل تلك الحالة فأنهيت الأمر بإسناده إلى الجدار، وبفجأة أخرى؛ فتحت عيني وكانت التاسعة وأربعين، وآخر عهدي بها أنها كانت عند العشرين، حدث هذا كثيرا باختلافات طفيفة في المُدات، وبعد أن قالت لي دكتورة بلطف تتمنى فيه أنك ما كنت شيئا قبل هذا: "بإمكانك غسل وجهك، أو المشي في الممر"، لا حول ولا قوة إلا بالله من عوادي الزمان، صدقا أقولها، اعتبرت القضية قضية شرف .

    والكلمات تلك الأشياء المزعجة التي تتقافز في الرأس كفراشة تكتشف بعد صيدها، أن شبكتك مخروقة، وأنها ما زالت تطير وتحلق في صحراء رأسك، هذه الكلمات سأخرجها فورا، وإن كنت أشتم رائحة الخمج فيها، إلا أني تجاوزت مراراته، وسكبت عصيره ـ عصير الطماطم المخمج ـ على إنسان كان لابد تخيله، يسألني، فقط لأوجد منفذا كاذبا بأن هناك أحد طلب الأمر بتكفين، وكأني به الآن يتوعّك ..

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    2


    التي بجانبي رأيتها تحاول انتهاك خصوصيتي، بنظرة متطلعة إلى دفتري، وعرفتُ أنها تعرف أني لا أكتب المحاضرة، وأنّ ما أفعل محض تمثيل، غير أني مللت، إذن الملل مرة أخرى، جديا أفكر مجرد عودتي مفاتحة والديّ بالتحويل للانتساب، الحضور اليومي وتضييع الساعات في هذا الضعف التعليمي المخزي، مع أني لم أعرف كيف تكون المحاضرة الجامعية متقدمة، لم يقدر لي مثل هذا الحضور، إلا أنه بالأكيد ليس مثل هذه الأشياء، تقرير استلم:

    دكتور1: كبير في السن، أحترمه كثيرا لنقاء رأسه، تخلص من السواد وغواياته، يتعامل مع المرجع ككتاب مقدس، بداية المحاضرة يذكرنا بالسطر الذي توقفنا عنده، ويرتفع عنه أربعا كمراجعة لها، وعنده ـ أي المرجع ـ يعمل كمعقب، فهو يعرف جميع الأخطاء النحوية والإملائية فيه، ويعلق:"صدقوني من الطابع، مستحيل أن يكون المؤلف وقع في مثله"، ثم يتحدث عن أخلاق الطابعين وكيف أنهم يعدلون على ما يُؤلف، وعند الانتقال من محور إلى محور يقول:"ويخبرنا المؤلف ـ واستنتج المؤلف"، وقال أحدهم: إذا كانت المحاضرة منقولة حرفيا من الكتاب، فلا تضيع وقتك بحضورها، ماذا لو كانت تقرأ قراءة من الكتاب؟! ..

    دكتور2: أشعر برغبة عارمة في أن أقسم قسمات غليظة أن ما يقوله في محاضراته لم يتغير من سنوات مسنسنة، ينساب في الكلام دون أي تباطؤ أو تلكأ، يعرف باحترافية مالذي يود قوله، وهذا الذي يقوله، لو حذفنا منه إعادته، لما بقي إلا عشر دقائق من الكلام المتواصل، فهو أبدا يعيد ما يقول، وعند إعادة الإعادة، يبدأ من حيث ما انتهى، كتنوع وأخذ الكلام من الناحية الأخرى، ليعود إلى ما بدأ فيه، وعندما يسأل ـ ويا لمصيبة سؤاله، ليس لأنه صعب أو غريب مثلا، بل لأن حراج فعلي يحل في القاعة بقضه وقضيضيه، فالأرقام من 1 إلى 60 ـ باستثناء 49ـ تصرخ الصرخة تلو الصرخة طالبة الإجابة، مع لفظ الرقم المضغوط، وعندها تخيل أي تلوث ضوضائي يحدث بالجو، أبديت استغرابي لمن بجانبي، لماذا هذا النشاط يظهر هنا وفقط، لا أصدق البتة أنه حب في المادة أو فهما لها، وبقي الاستغراب معلقا في رأسي إلى أن لاحظت أن القاعة تقلب في أياديها دفترا مصورا من شعبة سابقة، سأقسم الآن ..

    دكتور 3: أولا لا أشك أنه في فترة طفولته عاش في بيئة أصواتها منخفضة، يتنادون في البيت همسا، وكبر وهو لم يعرف الأصوات المنطلقة من الغضب كيف، وجانبهم بحيرة لم يحرك الهواء أمواجها يوما، ولذا أول ما يدخل يبسمل فيشرع في المحاضرة، الفاء تدل على التعقيب، أي أنه يبسمل فيشرع في المحاضرة، فلا يقول شيئا آخرا إطلاقا، المحاضرة من شرائح يعرضها، مكتوب فيها المقرر، وهو لا يفعل غير أن يقرأ السطور التي تظهر، يجب أن أشير إلى الطرق الفاتنة التي تظهر بها السطور..

    دكتور4: لم يكن بوسعي أن أقول يوم أن خرجت من أول محاضرة منها، أنها عادل إمام متنكر، لله قوة الظرافة وحسن مداخل الإضحاك والسخرية، ثاني محاضرة شعرت بضجر خفيف من تأمل الضحك الكثير في المحاضرة، لا أدري أين سمعت التعليم بالترفيه، أيعقل أن يقصد به هذا، ثم في غمرة انزعاجي لم أملك إلا أن أضحك. التي تليها، كنت أمثل مرسول سلام وجلبت لإحداهن أدوية وتأخرت عن المحاضرة، وفتحت الباب ولم أكمل عذري إلا وهي تشير إلى اعتذارها بمنعي من الدخول، أي تشير إلى طردي، مساس بالشرف فظيع، لم أتوقع أن لديها حزما، المحاضرات التي تليها، فقدت قدرة الضحك، كانت تعيد نفس الأشياء الظريفة بنفس الإلقاء الأول، شعرت بالرثاء لها هذه المرة .

    دكتور5: نزاهتي وموضوعيتي لا تسمح لي بأن أتحدث فيها، طالما تتوالد الثرثرات سمانا بدنا في محاضرتها ..

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    3


    ما الذي يمكن أن يشكل خطرا على صحتك في الجامعة؟، سؤال منطقي وجميل أيضا، لا أود التحدث عن مضار انتظار انتهاء محاضرة، هذا حديث عميق يحسن باستشاري قلب التحدث عنه، أن يوضح كيفية نشوء المضار، من التململ على المقعد، من رغبة الصراخ والانفجار، من حالات الإغماء عند اكتشاف أنه لم يمر سوى سبع دقائق على آخر نظر للساعة، أقول أني لا أود التحدث عنه، لأنه شيء لم تبرأ جراحه بعد، ويحتاج إلى أماكن مقدرة يتحدث فيها عنه، لكن أود القول عن أشياء لم يفطن لخطرها بعد:

    أولا، أن تصبح أنت ذاتك، سرّ الكون، العالَم الصغير، ابن الأكرمين؛ موضع فضلة طائر، أي والله.
    كنت أتحدث مع إحداهن، فلحظتُ شيئا مر من أمام عيني، متجها إلى الأسفل، محدثا إحساسا خفيفا باستقراراه عليّ، أرخيت رأسي إلى الأسفل، فوجدت قطرة كبيرة سائحة، لونها أبيض بقطع خضراء غامقة، رفعت رأسي، التي أمامي لم تلحظ مصابي، فكرت أن لا أقول، لماذا؟، لأن البلوزة هذه خسارة أن لا ألبسها مرة أخرى، ماذا يقولون؟ تلبس حمّام الحمامة، نظرت إلى الأسفل، فإذا القطرة الخضراء ما زالت عليّ، أحسست بعمق تفاهة سبب الصمت، فانفجرت، وتمت عملية الإسعاف بالماء والديتول والمنديل، مخلفا خيالا له أبيض استعصى على الزوال، جاءت أخرى حادة البصر، من النوعية التي يلاحظون ماذا عليك من قبل أن يروك، ولمسته بإصبعها، وتركتها حتى أطول وقت ممكن، وأخبرتها أن هذا استفراغ حمامة، لكنها والحمد لله أتت سليمة، كانت تحتاج 2سم لتكون على شعري، ولو حدث لاضطررت لغسله عند أقرب مغسلة، وأنه من النظر وتقليب الأمور، بدا لي أنها عملة عصفور لا حمامة، بتذكر لبعض الأبواب والنوافذ، فالأول أجمل صوتا، ألطف شكلا، أصغر جسما، وهذا هو المهم.

    ماذا أيضا؟ السيارات، نعم السيارات ، وهي طبعا من تلك الصغيرة المخصصة للنقل بين الأماكن، يقدنها موظفات وهن إما بدينات جدا لدرجة الشفقة على السيارة، أو نحيلات جدا، لدرجة ظنك أن السيارة تمشي من وحدها لأول وهلة، الخطر يكمن في إمكانية دعسها المارات، كونهن يقدنها بسرعة جنونية.
    كنت أمشي على الوراء، أحدّث صديقتيّ، وفجأة دفعتني إحداهن من كتفي لأنظر إلى الخلف ـ قوة عاتية أحتاج لتوقفني إذا تحدثت ـ فنظرت فإذا مشهد من سيارة كل راكباتها ينظرن بشزر إلي، والطالبات الماشيات في الشارع يساهمن في التحديق، فابتعدت عن طريقها، وتذكرت أني أثناء حديثي كنت أسمع ضرب أبواق، قالت لي السائقة: "في أحد يمشي على ورا؟"، لم أحر جوابا، ومضت بانطلاقة مسرعة، عندما انعطفت تذكرت: العرب.
    أيضا يحدث أن تمشي ثم تأتي السيارة من بعيد فلا تدري إلى جهة تولي، تماما كما يحدث عند التزاحم عند باب، أحدهم داخل وأنت خارج، لكن هنا مع سيارة، أودّ أن أرد على نظرتها الغاضبة، فأحرك يدي علامة"اش فيك أنتِ"، لكنها كما دائما تمضي، حذرت أمي أنه قد يأتي يوم لا أرجع فيه إلى البيت، متعرضة لحادث دهس من سيارات الجامعة، فلم تحمل الموضوع محمل الجد، وبدأتْ حديثا آخرا لا يناسب أن يكون تاليا لإمكانية وفاة ابنتها، الحقيقة أيضا أني غير معتقدة بخطرها، أشعر أني بعد دهسها سأقوم وأنا أضحك وأنفض عني الغبار، وأسألها: "بالله يعني ما شفتوني" ..

    العواصف الغبارية، أعرف أن بلدنا صحرواي، رملي، حار، اللهم لا اعتراض، لكن الإنسان قاهر البيئة، ومكيفها لما يريد، لا يصح أبدا ترك مساحات رملية داخل الأسوار أبدا، ثم حين أضعف ريح تهب، فإن دوامات من الغبار تراها تتجه صوبك، ثلاثة أرباعها تستقر في مسامات وجهك، وعند الهبة الثانية، تكون قوية جدا، لأن جميع المسامات قد انسدت.

    وأتوقف الآن عند ذكر الأشياء الخطرة، ليس لأنها انتهت، بل لأني اكتشفت أن الطالبات في المحاضرة لا يكتبن، وأنني الوحيدة من تفعل ذلك يتكلف، وبينما كنت أنقل يدي من جانب إلى جانب، والقلم فيها، في وقت كانت الدكتورة تلتقط الإجابة من الرافعات أيديهن، فإذا هي تقول لي:"إيوا؟"، لا أدري هل كانت يدي مرفوعة كثيرا حين حركتها، إلا أني أنهيت التصنيم الذي اكتساني: "ما رفعت يدي".. لكني أكرر أني أقدرها وأقدر التزامها بالوقت، وكثرة الأجهزة الكهربائية التي تأتي بها، وتنتهي بانعكاس كلام كثير على السبورة، كصفحة في كتاب، ولا أدري لم تقدر هذه الطريقة الحديثة في القراءة من كتاب؟، ينبغي أن أسكت، أعراض أنف طويل لا يعجبه شيء بدأت تظهر عليّ ـ لكنها حية وتتحرك في جميع الأمكنة وتضرب أمثلة ـ وأنا كتبت هذا الأخير بعد أن ابتعدَتْ، مجرد ما اقتربتْ وهي تشرح من عند صفي، حتى شعرت أن قلبي يصطدم بكل شيء فيّ، تصورت أنها في طريقها لسحب دفتري، لأكتشف بعد هذا أني منتج خام من بئر الجُبن، فعن هذه العبثية، اللهم توبة ...

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المكان
    Halifax, NS
    الردود
    38
    الأحداث تجري بسرعة رهيبة !! هذا مصير كل لا مبالي ..

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    نسخة الى الروائع ..
    شكراً لك يا لحظة.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •