Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 2 من 7 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 131
  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    94

    لا تسَل لمَ ابتـئس . أخطاء غير حقيقية . لم أفهم حتى الآن لمَ يحزن الناس و يتمزقون على مشاكل تشبه غابة شعر ناعم تجعِّده امرأة مدللة لا يملأ عينها الجمال حتى أنها تخبز القبح بنفسها ثم تريدنا أن نحزن على ما تلف و احترق. ابتأست ؛ و لأنَّ الخسارة لم تكن حقيقية , لم يكن بؤسي جاداً , رغم ظهوره بكل تلك الدراما التي رأيت . إنه شعوري فحسب . عندما أستاء يتحول قلبي إلى جبل أسوَد . لا التوبة ولا الندم ولا عدم الاكتراث و القليل من الأنانية ينفعوا في إعادته إلى طبيعته الأولى أو حتى تجميله . أصبحت أشبه التي لا تكذب لكنها تتجمل . تلك تجمِّل كذبها لشدة ما هو أبيض و ساطع .. أقصد أنه واضح . هذه هي مشكلتي .. أشعر بالخفايا بوضوح . بقوة . أكشفها و أفهمها دون وسيط . دون شعرَة شقراء أو رائحة كولونيا رجالية أعلى قميص النوم . دون قصاصة مشقوقة عليها بقايا رقم هاتف أو غرفة مُفردة في فندق نائي . و عندما أفهم .. أبتعد . لا أقول , لا أواجه , لا أبتز ولا أجامل أيضاً . تعود ذاكرتي إلى أسراري المائلة لكثرة ما كسر التعنت ظهرها . أعرف كيف أحمي خجلي مِن عيون المرضى و الوضيعين . و أغطي وجهي بجلال صلاتي عندما أتذكر أن جدتي كانت يوم ولادتي توصي بتسميتي " توبة " . لا أحد يشعر كم تغيرت . لم يلاحظ أحد أن شعري أصبحَ أجعداً دون تدخل مني . أفكر أن أعود إلى ناموسي الأول دام أحداً لا يكترث , و إن فعل فإن اكتراثه لا يتجاوز كونه حجارة أو رمية بولينق خاطئة ! نعم , يخطئون لأنهم يظنونني مرمى , أو مركز أهداف . كل هذه ليست أسباباً لبؤس جاد . لكنها سيناريوهات مناسبة لفيلم محلي قصير . لم تعد الأفلام تأليفاً , جف خيال الكُتَّاب و الكاذبين الموهوبين في اختلاق القصص . أصبحنا نشاهد أفلاماً كثيرة يقول مخرجوها أنها تحاكي واقع المجتمع و الطبقات المدهوسة فقراً و انحرافاً . هل تصدق ؟ أصبحت أضع طعامي الزائد في أكياس بدلاً من العُلب . كرهت جميع الأشياء المعلبة لكثرة ما استمرأ المنافقون تعليب مبررات أفعالهم و كلامهم . و أفكر ما دخل البؤس في هذه البديهيات , لا أحد خالٍ من النزق و نزعة الاثم و تجربة الانحراف . عندما أتذكر كومة الاسماء الغريبة التي كانت تريدها لي عائلتي أرسم عدة متاهات منتهية بحائط سد مسلَّح . ملاك , بنان , نور , توبة . أرى انعكاس كل هذه الأسماء على حيرتي من البغضاء الآن . أنا الأسوأ منهم جميعهم , أحتار عندما أرى غيري يقوم بسوء فعلته قبله , و أكثر منه . كأنني أريد الاستئثار ببصمة ابليس و شعرائيل لي وحدي . تكوينات هيولية تحيط بنفسي , متضادات تتآلف مع بعضها أكثر من تقارب المتناسبات . ما أؤمن به 1 لا يطيق ما أؤمن به 2 , بينما يبدو كل ما أرفضه رغم أنني أفعله أحياناً , مثل ربطة عنق سوداء , أو قفاز ضيق تُجبر صبية في العاشرة على ارتدائه عند الذهاب إلى السوق . لم أشعر بالبؤس مادة يتفرع منها سيناريو الدراميات , أنا عندما أبتـئس .. فإنني أقول لسبب البؤس أنا بائعة خرز معبَّأ في كف القدَر .

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    93

    صديق غاليانو سأله مرة عن معاصريه ..
    اسمه خوان غيلمان . يقول أنه يعثر أحياناً على رجال تفوح منهم رائحة الخوف في بوينس آيرس و باريس .. أو أي مكان في العالم , يشعر أن هؤلاء ليسوا معاصريه . ليس هذا المجتمع الذي حلم بالحياة فيه . لكن هناك صينياً كتب منذ آلاف الأعوام قصيدة عن راع بعيد عن حبيبته , و مع ذلك يستطيع أن يسمع منتصف الليل و وسط الثلوج .. صوت مشطها يتغلغل في شعرها , و هو يقرأ قصيدته البعيدة , وجد خوان أن هؤلاء الأشخاص - الشاعر , الراعي , و المرأة - هم حقاً معاصرون له . الأمل , عدم اليأس من النقاء . هذا هو ما يحتاجه أي بشر سوي . خوان غيلمان كان إنساناً أكثر من غاليانو . هكذا يتحدث عنه لأنه نجح في الغناء رغم أنَّ ناياً كان يعوزه .

    عندما طرحت السؤال على نفسي , نظرت حولي , إلى القريب و البعيد .. من كل الجهات , و حتى تلك الجهة الخامسة .. من الخارج و الداخل . عثرت أحياناً على رجال يحلمون بالحرية و في أفواههم ألسنتهم و بأيديهم معاولهم و في حقائبهم جواز سفر و قلم و محبرة و قطعة من أثر الأجداد , لكنهم يشتكون دوماً حرمانهم من الحرية !
    عثرت أحياناً أخرى على نساء علمهم طول الكبت و الاستضعاف أن القوة إما في الإرهاب , أو الدخول في سوق المتاجرة بالجسد مع عدم نسيان شكر " الله " عندما يُسألن عن سبب نجاح كل صفقة ملصق عليها اسم الفن الذي لا يعرف لمَ جار عليه الزمان حتى أوصله إلى هذه الحانات ؟!
    هؤلاء عندما أراهم .. أرفض أن يكونوا معاصري .

    بينما هناك في 1941 , كانت امرأة قاومت كوارثها العائلية , نجحت في زواجها و أعمالها و علاقتها الجميلة مع من أعلنوا الحب عليها . احتملَت نوبات يأسها لأنها كانت تعرف أنها تتداعى و تفقد القدرة على استيعاب الأوقات الجميلة مع زوجها الطيب و أختها الموهوبة و صديقتها الحنون . كانت تعي جيداً أنَّ ما عانته من أخيها غير الشقيق أمها في طفولتها كان فجائعياً إلى الحد الذي منع طفلة ترى الحياة فراشات و كؤوس مخملية و فراش نوم وثير و حديقة لافندر تقع بجانبه .. أن تشاهد الحياة بعد ذلك بأي عين غير عين الغربان و البوم . كل ذلك فجَّر إبداعها أثناء فترة محاولتها أن تتزن , أن تثبُت , و تقف و تعيش . فكانت رمزاً لتيار الوعي و الإنسان الواقعي في مقالاتها و علاقاتها و قصصها و رسائلها . حتى تهذبها عندما اختارت الرحيل لأنها تعرف أن لحظة الجنون أتت , و كانت تعرف أن حقيقة الجنون ليست خلابة مغرية كما يبدو على ظاهرها , كتبت رسالة لزوجها تودعه و تطلب منه مسامحتها لأنها ستؤذيه إن ظلت لوقت أطول دون عقل . إنها فيرجينيا وولف . صديقتي الإنجليزية الوحيدة . إنها من معاصري .

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المكان
    ,,,
    الردود
    296
    أشعار ..أنت لاتشبهين أحد ..لديك أسلوب جميل جدا ..أتابعك ودائما أود أن أقول: شكرآ لوجودك

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة ايـمي عرض المشاركة
    أشعار ..أنت لاتشبهين أحد ..لديك أسلوب جميل جدا ..أتابعك ودائما أود أن أقول: شكرآ لوجودك
    أنتِ بهجة الجمعة يا ايمي . الشكر لك

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    92


    1

    أعرف أنني أختلف . لستُ مختلفة . أتعمد أن أختلف . لا يناسبني السائد و المعلب و المستهلك و المتداول حُباً كان أم تشهيراً . جربت . كنت أمرض , نعم أمرض عندما أفعل شيئاً بداعي التواضع و مماشاة النسق ولا أستطيع . أنجح أحياناً .. لكن أحداً لا يعرِف أنني أمرض نتاج هذا الإجبار . ليس لديَّ أم تلوي ذراعي على شكل " برضاي عليكِ تروحي تسلمي على خالك , برضاي عليكِ تجيبي هدية لبنت عمك " ليس لديَّ أقرباء يستغلون نقاط ضعفي لإرضاء مطامعهم و غرورهم السلطوي . عندما أُساير و أتكرر و أمضغ المستهلَك .. أفعل هذا بمحض إرادتي . في كامل وعيي , لا أكون تحت تأثير بروزاك ولا الكبتاجون . أقوم بهذا لأنني أريد أن لا أبالغ في التنحِّي . أريد أن لا أفرِط في الاختلاف . ليست جميع الدوائر خانقة . البقاء في بعض الدوائر خطة أمان على الحُر أن يُدرك كوْنها ليست سجناً ولا قبواً ولا مصيدة . لكنني أمرض , فأشذ . في سنوات خلَت كنت معروفة لدى أقراني بلقب " سنفور معارض " لأنني كنت مثل الجِن .. أبلِغ الناس برفضي للمواضيع التي علينا القيام بها في آخر لحظة و بعد أن تكون جميع ترتيبات المهام قد اكتملت و أصبحت جاهزة للتنفيذ. أفسِد عليهم أعمالهم رغم أنهم أذكياء و أقوياء يعرفون كيف يسدون الفراغات لكنهم دوماً عند اسمي .. يقفون عاجزين عن سد الثغرة . لأنهم دائماً يوكلُون إلىَّ مهمةً يضايقهم تنفيذها , أو واجباً ثقيلاً على نفسهم , أو استخدام شيء لا يقدرون على التواضع معه . عليَّ القيام بما يضايق الآخرين و يفعلوه . لأنهم في وجودي يبحثون عن مخرج من النفاق و التبعية و الانصياع . و كنت أرحمهم كثيراً , و أخشى مجدداً من تبعات التنحي فأنصاع لهم كما انصاعوا لغيري ؛ لكنني أمرض !
    أتحدث عن ماضٍ كدَّسني مثلما كدَّستُ كتب ملف المستقبل و روايات عبير في أغلى خزائني ! هذا أن أرخصها ثمناً هو أوسعها مكاناً و هو الموقع المناسب للكتب الثمينة التي يجب أن تبقى قريبة و نظيفة من الغبرة و العتم . اختلفت في السنوات الثلاث الأخيرة حتى نسي بعض أكثر من كانوا يعملون على تحويلي إلى آلة تكرار ملامحي . نسوا صوتي و كيف أقول " it's ok " التي عرفوا معناها و ألِفوا نطقها بعد نبرتي . أولئك الذين أتحدث عنهم كلهم كانوا أميين . حكماء في الحياة . مكافحين أشداء , عائشين على الشقاء و العطاء , إن استراحوا يوماً .. ماتوا . لكنهم لم يعرفوا لغة الكفار كما يصفونهم ولا لغة الكتب . احتجت إلى خدمة طارئة من أحدهم اليوم . هاتفته فسألني أين سمعت صوتكِ من قبل ؟!

    2

    قلبي مفتوح . لم يغيره السأم من طلبات التقليد . ولا الانصياع إلى كثيرها . ولا هجرانها و التحرر منها أخيراً . قلبي مفتوح , يلتقط الغرائب و مكروهات البشر و يحتويها . يُنتج منها أفكاراً لأعمال جديدة . يثق أن الناس سيحبونها لأنهم عاطفيون . حتى أولئك المجرمين و السفلة . لديهم لحظاتهم العاطفية . يعيشونها سراً خوفاً من الافتضاح . يظنون أن الزهر الفواح في القلب عار يشبه الأنثى ! أفعل أشيائي الخاصة و أنا فرحة مطمئنة أنها جديدة على عيون و ذاكرة الناس . فأفاجأ أن أحداً سبقني إليها منذ زمن طويل . و تصلني رسالة من أحد معجبيهم : " مهما حاولت تقليد صديقي لن تنجحي . هو الأصل و أنتِ النسخة " ! حتى في المرات القليلة التي استطعت البدء بفكرة لم يسبقني إليها أحد في المكان الذي أقمتها فيه و جاء من قلدني . لم يلاحظ أحد . لأنني لم أعلق على رأس فكرتي شمعة . ظننت شمع المضمون و شعلة المعنى تكفي لإضاءة الشارع . لكنني نسيت أن في عصر الحداثة ما عاد الناس يرغبون في الاستنارة بالشموع . يريدون مصابيحاً كهربائية . ثقافة الشحنات ! و أنا بدلاً من مجاراتهم .. زرعت في قلبي المفتوح نخلة و كوخاً ليس على ذوق أحد من المعاصرين .

    3

    أبهرتني نظرة الدهشة في عين أخي عندما قرأ نصاً في مدونتي . طلبته إما سبباً أو تعليقاً . قال : لا تسعفني ذاكرتي بجمل مفيدة لك في حياتك . كلامكِ إما مبتور و إما عصبي و إما غير موزون . مدهش أن تكوني بهذا التناسق عندما تتكلمين بأصابعك . هل هذه أنتِ ؟ أم الإنسان السرِّي الذي لا نعرفه بداخلك ؟
    سألته إن كان يرى التناقض بين الشخصيتين تميزاً أم عيب . عندما قال : اختلاف .
    أُبهِرت من جديد .

    4

    لا يثير استغرابي نزقي الذي يوحي أنني جاهلة بالحياة . إنه يكشف لي عن بقايا براءة لم تفسدها التجارب و لم تشوهها الجروح . هذه البراءة هي ما تجعلني أجنح للاختلاف عندما أصطدم بها . لأنني أخشى أن يعرف الناس مكامنها فيسلبونني إياها .

    5

    تاريخي مكتنز بالعيبيَّات . هذه ليست مجاهرة بمعصية ! اعتدنا أن يرى المجتمع في كل ما نقوم به عيباً إن كان مخالفاً للموروث . و أنا ابنة هذه البيئة النمطية . لست مختلفة لأنني أفعل العيب . لكنني أختلف بمحض إرادتي عن نظرية العيب لأصطفَّ مع مجموعة المكتوبة أسماؤهم على ورق المناديل .

    6

    مجبولة على الغيْرة . محصَّنة من المكائد .
    أليس في هذا اختلاف عن طبع النساء ؟

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    91





    " لا يجوز للمظلوم أن يعتمد على ضمير الظالم .
    فالظالم حين يظلم لا يشعر بأنه ظالم , ذلك لانه ينظر في الأمور من خلال منظار خاص به يختلف عن ذلك المنظار الذي ينظر من خلاله المظلوم " . علي الوردي


    لا أحب الكتابة عن الظلم . ولا الحديث عنه . رغم أنني أفعل . لكنني خففت من الحديث عن هذا الموضوع حتى أنني أكاد لا أتحدث عنه أبداً . أقصد عند المقربين بالطبع . عدم الحديث عنه عند الغرباء الذين لا يعرفون غير الحكم على الأمور من طرف خصم واحد هو سلامة و أمان . قد يجاملك أحدهم و يقول لك فعلاً لقد أخطأ فلان , لا عليك .. العالَم ملئ بالمرضى و السفهاء . لا تكترث , لا تعطِ الصغائر أكبر من حجمها . لكنه من خلفك يفعل واحداً من أمرين .. إما أنه لا يتورع عن إقامة حرب بينه و بين أول مختلف معه في أي شيء كان . و إما أن يدور على الجيران ليخبرهم أنكَ تتسول صدقة معنوية من خلال إظهار نفسك ضحية أشخاص قد يفكرون في النمل لكنهم يتورعون عن التفكير بك فضلاً عن ظُلمك . عندما حكَت لي زينب عن قصة الرجل الذي ظنها في بداية علاقتهم هشة متسولة لأنها اشتكَت من صديقته السابقة , قالت أنه قبلها بأيام كان ينصحها أن تصنع لنفسها فضيلة اسمها سخافة . قال أن صديقته السابقة نجحت في كسب قلبه لأنها كانت تحمي فرصتها . حاتم هو فرصة سارة . جاءت بعد فشل في فرص كثيرة كانت تخوضها بلا فضيلة . الرجال السابقين في حياتها لم يكونوا يرغبون في امرأةٍ خائفة , مترددة , ذكية , مثقفة , و حريصة على تصنيف العلاقات أو في أضيق الأحوال .. تضفيرها . حاتم رجل شيطلائكي . النساء يحبون هذا القالب من الرجال . نعم تماماً .. هو نفسه الرجل الذي يكذب على المرأة ليرضي غرور أنوثتها . بعد تجربته مع سارة خرج شبيهاً بزينب . لكنه لم يصِب في فهم كلامها عندما كانت تريد التأكد أن سارة لم تترك في نفسه قناعات تسد النوافذ على الطيور الآتية بعد رحيلها . إنه أمر صعب ؛ بل هو من أصعب الأمور أن يفهمك أحد اصطفيته للحب , الأصعب أكثر أن تحاول فهمه كما تفهم نفسك . أن تحاول فهمه بطريقتك الخاصة , طباعك و عاداتك و ثقافتك و سلوكك و ظنونك . هذا لأنك عاجز عن فصل قلبك عن عقلك أثناء التفكير في الناس . لا أتذكر اسم صاحب مقالة تتحدث عن أخطاء الثقافة عندما تكون إرثاً يفعَّل في التعاملات الإنسانية قبل تفعيل التجربة و التطبيق . إرث المقولات و التعريفات و الاقتباسات و القصائد . لا يُمكنك أن تؤمن حتى بجدوى التأني و ضرورة الإنصاف إن لم تجرب و تتوجع .

    أصبحت عندما أُظلَم , أكتب لأستطيع التفكير في طريقة لنسيان الظلم بدلاً من الشكوى و خفض جناح الذل . نصوصي عن الظلم ليست كثيرة . لأنني لحسن الحظ لا أُظلَمُ كثيراً . في مراهقتي كنت غامضة ضبابية لا يفهم الناس كلامي و بعضهم يظنون أنني كنت خرساء و انفكَّت عقدة لساني للتو و أحتاج إلى وقت لأركب جمل مفيدة بشكل مفهوم . بعد العيش مع الموجوعين و إسقائهم الدواء بيدي , تحولت إلى شمس مشرقة رغم كرهي للشمس . أقصد أنني أكرهها دون التصريح بكرهي لها لأنها من آيات الله ! صرتُ أصنع للناس رسوماً شجرية بها طرق عديدة لنسيان الألم . طرق عديدة للتفاؤل , طرق عديدة لإعادة صلة الرحم بأمِّنا الأمَل , طرق عديدة لاستخدام الطبيعة في التشافي و إتمام الأعداد الناقصة , و تنقية الألوان الممزوجة , و تفهُّم الشتائم التي تهطل من أفواه أهم أسباب تلوث الطبيعة , تلك الحصى المتساقطة على سبيل الشماتة أو التهكم أو حتى المزاح .

    إنني أنسى عندما أكتب . أعبئ كيس البياض بنُشارَتي الملونة و ريشي المنتوف و بقايا قش كان يخص عشي القديم الذي هدمته حركة التطوير . أحب الصوت الصادر من رأس قلمي الجاف و هو يطاوع أصابعي . ولا أقوم بتدليك أصابعي بعد طي الورقة عندما يؤلمني انتفاخها لكثرة ما كتبت . لا أحب عنونة الكلام الذي أكتبه لأفكر من خلاله و أتداوى . ولا ذلك الذي أكتبه لأنسى و أتجلَّد ضد الصفح . أحب أن يكون كل ما أقوله هامش على صفحة الكلام الجميل الذي أخرج به للطيبين . عادةً أقابلهم و كأنني لا شيء .. سوى أنَّ بحوزتي كل شيء .
    شيء يتشبث بي الأخيار عندما يستمعون إليه . و شيء يتركهم يتجولون في سوق الحياة دون أن يتذكروا فتاة تنتظر هداياهم في البيت الحميم .

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    90



    عرفتكِ بما يكفي لئلاَّ أصدقكِ أبداً .
    ليس أنني أبغض الكذب فأنا إذن أبغض الكذابين . إنني أكذب أصلاً . لا أستطيع أن أكره من يشاركونني خصالي السيئة , إنهم يخففون شعوري بالإثم . عندما تشعر أنك لستَ وحيداً في الدونية سيفرح الشيطان في قلبك . عرفت أنكِ تؤذين . تخلطين بين الأذى و الكذب . عندما قلتِ عن صوفيا أنَّها مجنونة لأنها تكتب جميع قصصها في مجلة الأطفال عنك , كنت تتبعين نزوة الأذى الفاعلة في نفسك نحو كل الذين تعافين الاقتراب منهم , إما لأنهم , أو لأنهم . تسببتِ في فصل صوفيا من المجلة عندما نجحتِ في إقناع مدير التحرير و رئيس صفحة موزة أنَّ موظفَتهم ليست سوى " حرمة " . أتعرفين ماذا ؟ بعد أن تكررت نفس جرائمك التخريبية على باسم و توم و جومانة ؛ تأكدت من فكرة كنت أحتفظ بها لنفسي طوال سنوات بعد بداية اطلاعي على مخلوقات العالَم الناطقة . الفكرة هي أن الكائن الثرثار ليس هو الذي يتكلم كثيراً . إنه الذي يخطرف كثيراً و بيده مطرقة يهدم بها جدران الجيران لأنه فقير إلى مسمار . الكائن الذي يهذي و يطيش من فمه كلام كثير كله تكهنات , ظنون و ادعاءات مختومة بجلسة نطق بالحكم يتغلب فيها على كانط و كافكا و فوكو . أصلاً لا يمكن أن أتخيل تأثرك بفوكو . إنه الرجل المجنون الذي ترفَّع عن اعتبار المجنون مجنوناً مالم تصبه شذرة منه . تخيلي شدة الصدق عند رجل لا يكترث بالكذب و الكاذبين قدر اكتراثه بحفظ الصادق و الكاذب و الصحيح و المريض و العاقل و المجنون كلهم من أذى مجانين العظَمة و مرضى الوهم على حدٍ سواء .
    في صباح الثالث من مايو خرجت من المنزل في مشواري النهاري المعتاد . تعرفين أنَّ طريقي يتقاطع مرغماً مع منزلك المطل على الشارع العام . تفاجأت عندما وجدت قطعتي خشب متعامدتين على شكل X مثبتتان على باب بيتك . كأن الشرطة صلبَت عنوانك . لا أعرف لمَ ركضت إلى بيتي و أحضرتُ عقد إيجاره و بطاقتي الماليَّة . أقصد كنت لا أعرف في لحظتها . خرجت إلى منزلك و سألت العجوز الواقف على اليمين : ما الخطب ؟
    تأملي ردة الفعل المتناقضة .. لم يفاجؤني جواب العجوز . قال : جريمة توفير طلبات الغذاء لأهل الحي بواسطة الحُقن .
    عرفت أن صبر بعض الأهالي قد نفذ . بعضهم قام بالتبليغ عن قراطيس الطعام التي يشترونها منكِ و عند فتحها يجدون فيها ورقة بها قائمة إشاعات مرفقة بأحكام مكتوب تحت كل منها ( و قد تم تنفيذه و تحذير الناس من الترحم عليه ) . تلك الورقة يجدونها دوماً مربوطة بمطواة صغيرة ولا شيء غير هذه المحتويات في قرطاس الطعام . ذلك الكلام يشبه مهنة المرتزقين في الصحف الفرنسية الصفراء . لديَّ مطوتين و قائمتَيْ إشاعات بصنع يدك . ذلك عندما اشتريت منكِ طعاماً في العيد الماضي و مايو الذي سبق يوم القبض عليكِ بعام . كنت أتساءل أحياناً .. أنتِ طاهية ماهرة . تجارتك في صنع الفطائر و عمل أنواع شتى من الحساء . ما الذي كان يمنعك من تلبية طلب زبائنك دون نسيان إرفاق هديتك المميزة بجوار الطلب ؟ أقصد ورقة المذياع المضروب برفقة سلاح الانتقام .. عفواً , قد أكون مخطئة . ربما كانت نيتك أن يكون سلاحاً للدفاع عن النفس !
    ذهبت دون وعي إلى مركز الشرطة . عرفت أن القاضي قد يحكم عليكِ بجميع ما حكمتِ به على مبغوضيك . عندما سألتهم عن أي حل لإنقاذك , قيل لي أن تتعهدي بالقيام على تجارتها في صنع الطعام لكي لا يجوع أهل الحي . ألقيت نظرة على بطاقتي المالية و عقد إيجار البيت . ظننتهم قد يفيدوا في إنقاذك و إخراجك من عنق الزجاجة إلى حياة بديلة .. الحياة في منزلي مثلاً . و لم أكن لأقطن منزلكِ الموبوء بالأذى حتماً . كنت سأنزل ضيفة عند صوفيا لبضعة أسابيع . نعم .. صوفيا الرائعة . لو تعلمين ماذا أصبحَت الآن . كيف كانت مكيدتكِ خيراً لها . أفقت من التفكير على صوت المأمور و هو يُكمل شروط الإفراج عنك : و أن تقضي فترة إعادة التأهيل في ضيافتك .
    شكرته و خرجت إلى عملي .. بهدوء , طمأنينة .. و ابتسامة زاهية كلون الصباح . عزيزتي روتيلا , أنا الفتاة التي لا تقل عنكِ أنانيةً , لكنني لا أخرجها إلا زكاةً على الذين يعوزهم بعض هذا الشوك . و أرفض اعتبارهُ رد أذى . فلستُ وكيلة الله في فرض العقوبات .

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    89



    حبيبي , إنه الحديث عن الحرية , عن تكميم الحرية , عن رصد العدسات , عن المطر الذي يعكر صفو العدسة . عن جاسوسية أعضاء " الحياة مؤامرة " , عن الجانب الآخر من الأرض .

    عن الربيع , المطر , العدسة التي تنقل " فصل من حياة سنو وايت و الأقزام السبعة " , عن الجمال , عن مناسبة قصيدة المتنبي حين قال :

    لعيني كل يومٍ منكَ حظ
    تحير منهُ في أمرٍ عجاب

    حمالةُ ذا الحسام على حسامٍ
    و موقعُ ذا السحابِ على سحاب

    تجفُّ الأرضَ مِن هذا الربابِ
    و يخلقُ ما كساها مِن ثيابِ

    وما ينفكُّ منك الدهرُ رطباً
    ولا ينفكُّ غيثكَ في انسكابِ

    تسايركُ السواري و الغوادي
    مسايرة الأحباءِ الطرابِ

    تفيد الجود منكَ فتحتذيه
    و تعجزُ عن خلائقكَ العذابِ .

    عن المحبة حين تكون نخلاً , عن الجنْيَ حين يكونُ ورداً , عن التفاتة الصابرين إليكَ مهما كنتَ مكرراً في سهوكَ و ذاكرتك و الأمور المتساقطة ما بينهما . عن *فصوص الحِكم المتلألئة من عيون الحالمين .
    لم يعُد مستحيلاً أن تحقق أحلامك . إنها مهمَّة العدسة التي لا يعرفها المهووسين بنقل فضائح الناس إلى العالَم لكي يتحول إلى " غابة صغيرة " . يمكنك أن تحقق حلمك بأن تكون ممرِّضاً لامرأة جميلة مصابة بالسرطان كما فعل Nelson مع Sara في Sweet November . كما يمكنكِ أن تكوني زوجةً مخلصة لرجلكِ المعاق مهما زادهُ الزمن قبحاً مثلما فعلَت Daisy مع Benjamin في The Curious Case of Benjamin Button . يمكنكَ أن تكون ممبل Mumble البطريق الرقيق الذي استطاع النجاح رغم مقومات الفشل الذي غمرته , أن تؤدي رقصتك البريئة التي لا تشبه حركة أحد . أن تصنع نجمتك الخاصة , أن تكون شريط الزينة لحياتك .. ذلك الذي لا يباع ولا يُشترى . يمكنك أن تكون الولد الصالح الناجح المميز الذي يشبه مجموعةً قصصية اسمها " بلاد الياسمين " غلافها أزرق صافٍ بلون السماء و الخط المكتوب به العنوان يشبه لثغة طفل يتعلم للتو كيف يقول " شكراً يا ربِّي " . يمكنك تماماً أن تفعل ما فعله ممبل في Happy Feet و أكثر .. شيء يشبه ما يفعله الكائن حين يزين رأسهُ عقل جميل . كما يمكنكِ أن تكوني Mrs. Fox أم مُحبَّة , مثالية , و فنانة رائعة ترسم أجمل اللوحات و تُبهج أطفالها . يمكن لفنِّك الجميل أن يحول زوجك Mr. Fox إلى أب مثالي لعائلته بطريقة أخرى غير سرقة الدواجن من المزارع , و إن كانوا أصحابها هم أشرار البلدة . هل تحلمين بتحقيق حلم أسرة يكافح أفرادها لكي يستحقون بعضهم مدى الحياة ؟ Fantastic Mr. Fox هو صديقكِ اللائق لوظيفة مدير أعمالك الإنسانية .
    يمكن لحياتنا أن تكون جميلة يغمرها السلام إن استخدمنا أحلامنا لتكون ديمة المطر و موسم حصاد الكروم .
    حلمٌ وحيد ظاهره خيِّر باطنهُ مباراة بين فِرق الشياطين .. إنه دور الملائكة القوية التي تعطي مشورتها للإله . توجهه إلى أيُّ البشر حاملاً للمسك و أيهم نافخاً للكير . إياك و التأثر بالأفلام العربية ! إنها تحيي حلمنا بالوطنية و الالتحام . لكنها لا تصلح لتحقيق حلم الاتفاق على فكرة بيضاء . اتفقنا منذ الأزل أن لا نتفق . فكر قليلاً .. ستجد أن اللا اتفاق خير من اتفاق على خطة لعب بين فريق وكلاء عن الله و بين الله الذي تعالى .

    حبيبي , إنه الحديث عن الحرية , عن تكميم الحرية , عن رصد العدسات , عن جاسوسية أعضاء " الحياة مؤامرة " , عن الجانب الآخر من الأرض .
    إنه البحث عن الطبيعة . و لم أعهد للطبيعة سجن و قيود . كما أنني أصدق أنَّ الحياة مسرحية , لكنَّ أفلامها لم تكن دوماً رعب و جريمة و دراما . ليست الحياة رواية الجريمة و العقاب . دوستويفسكي كتب أشياء كثيرة أخرى !

    حبيبي , وجهت كل هذا الكلام إليك .. لأن الكلام عن السلام لا يفهمه إلا الذين أحبهم . أولئك الذين يشعرون بأهمية الحب . ولا يدَّعون أنهُ خرافة في أذهان الناقصين .

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    88





    أعرف الآن أنني وقعت في غرام هذا الموضوع . لستُ بطلةً تلهو وحيدة . لوهلة تخيلت أن هذا الموضوع هو طفلٌ وديع و ذكي . طفلٌ صغير حقاً . ينمو لأنني أسقيه و أهدهد مكامن الجهل فيه . إنه رفيقي البرئ في اللعب , و العزلة عندما تنتفي بحضور مخلوق واحد يحقق شرط الأُنس . يعرف الجميع كيف هو إحساس الأمومة نحو أطفالٍ إنسيين . لكن من يعرف إحساس الأمومة نحو أطفال متخلقين من قطَع الطوب و خشب المسارح و صناديق الكلام و سماعة الطبيب و عُدَّة الكشافة ؟ الآن أن أتذوق هذا الشعور تماماً كلما عدت إلى بطلي الذي يلهو وحيداً أو انشغلت عنه فاشتقت إليه . هل أخبركم بسر ؟ لم تبزغ لطفلي أصابع بعد . إنني في انتظار أصابعه . تلك التي أريد لبحيرة البجع و ثوب السيدة دالاواي و فلسفة إبراهيم الكوني و لسان محمد الثبيتي أن يصنعوا منها ما يشبه حديقة شمع متناسقة .. لا كفين متكاملة الأنامل . إنها أنامل أخرى , لا بد أن تكون مغايرة عن أنامل الإنسيين . لأن طفلي ليس إنسياً . إنه فرع من الحياة . قاعدة لأرجوحة في بلاد العجائب . و أنا مثلما سأقوم بدور المربية و الساقية و الطبيبة و غازلة الصوف و وسادة النوم , سأقوم أيضاً بدور بائعة التذاكر . سأرفع الأسعار , و لن يشتري أحد .

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المكان
    ليتني أعرف!
    الردود
    36
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة أشعار عرض المشاركة



    ها قد عرفت . ماذا كيف سأغسل وجهي بعد أن فضحت يدي ؟ كيف سأكحل عيني ؟ بعد عشر سنوات سأكون بحاجة إلى سماء تنخفض من عليائها و تسندني . أو تصحبني في نزهة إلى فوق . عندها سأعذر نظرتك العالية , سأقول لنفسي يا له من متواضع .. لأول مرة يرفع عينه ليقول لي مرحباً .. كيف حالكِ اليوم ؟

    .
    كان الإبداع هنا ابداعاً مضاعف . .

    انت رائعةٌ بثِقَل !

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المكان
    أمامك الان الا تراني؟
    الردود
    663
    متابع بصمت الى ان يقتل الوقت

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المكان
    الضفة المقابلة للعدم
    الردود
    92
    لا أدري ما الذي دعاني لأن أضع هذه الصفحات في مفضلتي حينما قرأت الأسطر الأولى
    أحسست بقلم من ماركة غير
    أحسست بالنشوة لإلتهام الحروف لكن أعياني التيه في حظيرة فكرك
    أنتي نسيج وحدك هنا وأنا فخور لأني قرأت لكي
    لذا فإني سأسارع إلى اللحاق بأثرك أينما حللت في هذا العالم الساخر

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386
    الحرف المارد :
    لا أفهم سوى ما كنت أفهمه عندنا كتبتُ ذلك الذي تسمِّه إبداعاً .
    لست أفهم أو أذكر شيئاً الآن .


    مشتاق لبحر يافا :

    الصمت أشياء كثيرة .. كلامٌ أكثر .
    مرحبا ,

    متكئ :

    هل تخاطبني ؟
    كأن كلامك عيدية ما يسمِّه الناس عيداً و أحاول التلصص من خلف الباب لأرى ملامحه .
    أرجو أن لا يطالك الملل .



  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    87






    يبدو يا منصور أن الطعام بسيط , لكنه مغذٍ . لا تخبرني بمَ ذكَّرتك , أعرف .. إنه بوفيلاَّ نزيل بنسيون برشلونة الكائن في شارع الجُب المتباهي بحادثة إعدام القديسة ليوكريثيا على السور الروماني . قسَّمت ممتلكات زوجها على الفقراء و حررَت العبيد فغضب زوجها و طلب منها الردة عن دينها فلما رفضَت قطع رأسها في السور الواقع أسفل نقطة التقاطع بين شارع الجُب و لامنجا . ليوكريثيا عرفَت في التاريخ باسم لوكاتيس .. أي المجنونة . لم يبخل ميندوثا في روايته العجيبة مدينة الأعاجيب بذكر تفاصيل أخرى عن رأس القديسة العجيب و رسم " باترون " للمدينة يغنيك عن أي صورة فوتوغرافية لها أو حتى لوحة تشكيلية تعبر عنها . الطعام في الأماكن الوضيعة التي يسمِّها فقراء تلك الشوارع بالمتواضعة .. هو بسيط لكنه حقاً مغذ , لأنك لا تنفك تتذكر مع كل لقمة .. شكل رأس لوكاتيس و هو يتدحرج على كل المنزلقات و المنحدرات التي سقط عليها و ربما أنه مر بالمكان الذي تضع عليه قدمك الآن , و التصقت بقايا دماغه المتناثرة على الطين الذي صنع منه جدار مطبخ البنسيون المعلًّقة عليه أطباق الطعام و الملاعق و الأكواب . إنه لمشهد يغذي الروح و يقوي الإرادة !
    تستطيع التثبُّت أنني لا أمزح إن القيت نظرة واحدة على السيدة آغاتا . امرأة صلعاء ذات ملامح ميتة لولا رائحة فمها و حركة أصابعها الراقصة عبثاً على الطاولة . هل أزيدك من وعاء سد الشهية ملعقة ؟! حسنا .. الترف و شعور الشبع المؤقت الذي لا يعرف صاحبه أنه شعور مؤقت .. لا يصنع أشخاصاً غريبين . ولا مجانين . قد يصنع مرضى .. متكبرين متعجرفين متسلطين يعتقدون أن العالَم يدور حولهم و أن كل المخلوقات عداهم يسرحون و يمرحون و يرعون الأغنام في مروجٍ قاحلة على هامش الأرض . قانون الغابة يسود بين أغنياء المادة أكثر مما يبدو عليه الواقع من أنه يسود بين الطبقات السحيقة و أبناء اليتامى و الفقراء و الأذكياء المُهمَلين . إنه القانون الذي لم يكن غريباً زمناً. فمنذ بدء الخليقة قد وقع خطأ توالت بعده قبيلة أخطاء جعلتنا نعرف أنها ليست غريبة عنا , إنها كائن يمثل نموذج الاختلاف و التمايز بيننا فحسب ! و بالطبع فإنه يرشد إلى الأفضلية كل حسب ما يعرِّفها و يقيسها .
    الفقر و لعنة الحظ إن اتفقت مع ذكاء متقد و يد قصيرة .. يصنعون أشخاصاً ذوي صفات غرائبية لن تجد مثيلها في أية فصائل حية أخرى . إن كنت تبحث عن إبرة تنسج بها ثوباً يباع في مشغل الفضيلة .. زُر شارع الجُب في برشلونة أو حي السويدي في الرياض أو جبال شارع العُمرة في مكـة .
    في شارع الجُب اذهب للقاء السيد براوليو صاحب البنسيون الذي كدت تتورط فيه . أنا الآن يا منصور أنصحك بالتورط فيه ! لأجل الحصول على الدرس المجاني الذي استشرتني عن أنسب مدرسَة خيرية تقدمه إليك !
    ستجد السيد براوليو مريض بما يسمى نقطة التحول . و أحياناً يغير الأطباء النفسيون رأيهم فيقولون أنه مصاب بالوسوسة . أما أنا فعندما قرأت تصرفاته عرفت أنه يعاني من خيبة أمل مزمنة . لديه عادات غريبة .. مثلاً : " بين حين و حين , كأن أحداً يدفعه دفعاً , يلقي بالصحيفة و يصيح : سأذهب لأرى كيف يسير الطقس . ثم يخرج إلى الشارع و يراقب السماء , بعد ذلك يعاود الدخول ليعلن : صحو , أو ملبدة بالغيوم , أو بارد قليلاً .. لم يكن يعرف له نشاط آخر " .
    و إن أردت أن تعرف كيف تأكدت أنه مصاب بخيبة أمل مزمنة , اقرأ ما يضيفه أحياناً في أسى : " إنه هذا الحي الفقير الذي يجبرنا على أن نضع أسعاراً أقل بكثير من مرتبة هذا المكان .
    ثم يرفع اصبعه منبهاً : مع ذلك .. نتخير عملاءنا بعناية شديدة " .
    في أيام أخرى , سيقص عليك سراً يخصه . يقول أنه قبل النوم يضحك فجأة , يضحك بقوة تُفزِع زوجته البدينة من نومها . تسأله علامك ؟ فيجيب : رأيتُ كلباً بشعر كثيف كشعر أسد يمر من هنا للتو .
    - من أين ؟
    × هنا , من أمام السرير . الآن , قبل دقيقة واحدة مر و نظر إلينا ثم خرج من الباب .

    باب الغرفة مغلق , النوافذ مغلقة . السيد براوليو و زوجته لا يربيان كلباً . هل فهمت ؟!

    في حي السويدي اسأل عن العم ابو عوض . لا تفاجأ بأثر المشيب على جسمه . إنه ليس أثر المشيب . تلك علامات تعذيب الحيوانات في الأسر . سُجن إثر أثقال الديون و نفاذ صبر الدائنين . ادعُ نفسك إلى بقالته الفقيرة من الحياة . هل ترى صف تموينات الصابون و سوائل التنظيف على اليمين ؟ دُر خلفه و انظر . كل ذلك الورق الأصفر فيه قصائد كان يعرض مجانين الشهرة الفاشلون على ابو عوض شراءها لكنه كان يرفض بيع مشاعره حتى أنه رأى في الحبس كرامة أكثر مما قد يفقده تسليع الجَوَى ؛ خاصة أن أكثر تلك القصائد كتبها في ابنة عمه .. زهرته البرية , حبهُ العذب . جَرحه الذي غرسه الموت في قلبه مثل ساق وردة سوداء عندما خطف سارة , عوده الذي انكسر بعد فراقها .
    عندما تدُور على جميع رفوف البقالة لمعاينة شيء قبل شرائه ستجد عم ابو عوض يسوِّق لك بضاعته بمسرَّة , هل وصلت إلى رف سوائل التنظيف ؟ لا تنزعج الآن . سيخطف ابو عوض علبة السائل من يدك و يصيح بوجهك : وش اسم الصابون اللي تبيه .. انا اجيبه .
    لو نظرتَ إلى عينه بعد ثواني من صيحته ستجدها حمراوتين , بعد ثانيتين أخرى سيمسحها بشماغه المهترئ . لم تكن دموع غيرة على حبيبته الراحلة , قصائده تصفها , تجعلك عندما تقرأها كأنك قرأت عين سارة و جبينها الوضاء و كأنك شاركت أمها الفارعة في تجديل ضفائرها . لهذا يغار ابو عوض . لكنه لا يبكِ لغيرته فحسب , بل و لأنه يكره أن يتذكر اليوم الذي شعر فيه أن موت سارة كان خيانة للحب و الصبر و الشوق و الأحلام و التعب في الأحلام و التعب في الشوق و التعب في الصبر و الموت تعباً في الحب .. فكاد أن ينهزم أمام عروض الشراء و يبيع . يبيع سارة , أن تبيع تعبير حبك لشخص ما , يعني أنك بعته و أغلقت المزاد .. فلا مجال لمساومة أو تبديل أو استرجاع المال مقابل إعادة السلعة . الأمور لا تحدث دائماً كما يريد الغلابا يا منصور .

    في مكة اذهب إلى أيٍ من جبال شارع العُمرة المأهولة , و لن تتعب في البحث . ستجد الخالة ام عبد الله في كل مكان . تجبر بناتها على الذهاب إلى المدرسة و تمنعهم في الوقت نفسه من قراءة أي ورقة لا تخص الدراسة .. و إن كانت مجلة ماجد أو حتى جريدة الندوة ! سيفاجئك عدد الجامعيات اللاتي لا يعرفن من أنواع الطعام و الملابس و مساحيق الزينة سوى ما أحضرته لهم الجدة من حنان زوجة عبد الرحيم .. البائعة المتجولة . تشتري بضاعتها من سوق ميناء جدة القديم و تبيعها في الحارة . إنها أجنبية . زوجها سائق أجرة لم تسمع مرة صوت جهاز التكييف في سيارته العجوز !
    هل سمعت عن العالِمة خالدة عبد الرحمن ؟ إنها ابنة أعالي جبال شارع العمرة في مكة يا منصور . هذا ما يفعله واقع الفقر و خيانة المسئول في وطن غني . بل فاحش الغنى . إنه إما يسحق , و إما يرفع إلى السماء دون فضل منه ولا منة سوى أنه قدَّم الألم ليتعلم من تخدره نشوة الترف المؤقت , و النجاح بواسطة سين و ميم .

    صنعت لك حلوى العيد يا منصور . بسيطة .. على قُدرة يدي الصغيرة . لكنها حالِيَةٌ مغذية , حتى أنها ستصيب أسنانك بالتسوس في صباح الغد مباشرةً !
    * إنكم جميعاً تفكرون بالشيء نفسه
    لكنكم ترفضون الإعتراف بذلك
    إنني أقول صراحة ما يجول في خاطري
    خيراً كان أم شرا .. يدور ذهني فأدور معه
    ولهذا يسميني الثرثارون بطاحونة الهواء !

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المكان
    في كتاب .
    الردود
    3,340
    حتى أنا أقول ياأشعار مايدور في خلدي , (:
    وماهنا لذيذ جداً ومغذي للدماغ , حالي ولا يجلب السوس ..
    تعرفين على الجميع أن يقرأ لك دفعة واحدة , ليستشعروا الجمال هنا وعظم حجمه .

    شكراً يا أنيقة .

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الردود
    90
    بالضبط نحتاج الى فك شيفره لنفهم هذا الهراء

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة روح وبوح عرض المشاركة
    حتى أنا أقول ياأشعار مايدور في خلدي , (:
    وماهنا لذيذ جداً ومغذي للدماغ , حالي ولا يجلب السوس ..
    تعرفين على الجميع أن يقرأ لك دفعة واحدة , ليستشعروا الجمال هنا وعظم حجمه .

    شكراً يا أنيقة .
    باستطاعة الناس أن يكونوا مباهج .. تماماً كما تفعلين يا روح و بوح .

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    86




    أن تهيئ بيتك ليكون هو الحياة المُغنية عن ما وراء باب الشارع فأنت مجنون .
    إنه النوع الصلف من الجنون . عندما تضع الفتيات صور لأجزاء من أجسادهن في مواقع الانترنت فإن هذا ليس جنوناً . عندما تعض فتاة مثيرة على شفتيها أمام بائع أثناء تجربة قلم أحمر في محل الزينة فإن هذا أيضاً ليس جنون . ولا عندما يمثل الرجل مع الفتيات دور العاشق الذي يجازف بحياته عندما يخطفهن على حصانه الأبيض _ سيارته _ بعد منتصف الليل و هو يظن أن سكان الحي نيام , أو أن ربنا البصير في الأعلى يشارك السكان نومهم . حتى عندما يسرق صبيٌ يافع صحته جيدة من محل تموين متهالك متذرعاً بفقره .. كل تلك الأضغاث ما هي إلا مغامرات أو تجارب لنوع ملتوٍ من القوة و الشجاعة . لكنها ليست جنوناً قدر جنون اختيارك لعزلة توهمك أنك لم تعد بحاجة إلى تأمل السماء و عدِّ النجوم و غمس قدميك المتعثرتين في البحر .
    فكر جيداً .. اكتشِف بنفسك كيف أن حدوث الخطأ قدَر محتوم حتى أن فكرة الصوم عن الحياة زعماً أن في صومعة الاعتكاف ما يفي بغرضك من الحياة كارثة .. ليس خطأ يصحح بمزيل العيوب أو وضع لاصق زينة على شكل نجمة بجانبه عبارة " لا بأس " أو " شوهـد " !
    عندما قصَّت علي ابنتك كيف أنك زرتها لتدفن إرثك من الأحقاد في قبو بيتها المهجور عاقداً النية على الصفاء في عزلتك .. ضحكت كأنني سمعت طرفة . أكاد أفعل الفعل نفسه الآن و ذاكرتي تسترجع الموقف . لا أعرف كيف جرؤت على إباحة جزئك الأسوَد لماء عينك الأبيض . ما زالت صغيرة على هذا النوع من الذكريات أيها المجنون . قد تفقد عقلك في عزلتك , و قد تغص بشربة ماء و تموت ! عليك أن تستودع عند ابنتك شيئاً عادياً إن كنت فقيراً من شيء خيِّر و جميل . اودِع ساعتك الصدأة حتى ! ليس معيباً ولا ذو هيبة أقل من هيبة الأحقاد فإن كان للحقد صوت يعوي كالذئاب فإنه سيفزع صغيرتك التي تحتاج إلى صوت يغرِّد كالطيور .
    هل رآك أحد ؟
    عندما تختار جنوناً أقل أو مغامرة أذكى قليلاً من مغامرة العزلة ( جنون العزلة ) فليس ضرورياً أن يراك الناس ؛ تستطيع أن تكون صديقاً للحياة محافظاً على حِميَتك منهم . الحياة التي قد تكون ابنتك . أو تفَّاحك الناضج على الشجرة . أو عودة ببغائك الأليف إلى قفصه الواسع بكامل وعيه , بناقص قواه العقلية !
    تؤذيني فكرة " الناس " مثلك . لكنني ما زلت أرى الوقت مبكراً على نزوح المنزعجين أمثالنا إلى شجرة عالية في غابة شائكة كل طلاسمها هي نحن و ضعف ما ركنَت أنفسنا إليه .
    أعرف حاجتك إلى المغادرة . تريد أن تغادر . لكن أخبرني من أنت , ألست واحداً من الناس ؟ إن غادرتهم لتأمَن على نفسك منهم فكيف تغادر عنك لتأمن على نفسك من نفسك ؟
    أيها المجنون . خبِّيء عزلتك ليومٍ يتحول فيه كل أفراد القطيع إلى كورال لأوبريت القيامـة . عندما يجتذبك ركضهم حينها قل لهم أنا لست معكم أيها المنشدين في الوجه الأول , أنا مع الصامتين اللامرئيين في الوجه الفارغ من الشريط . و قبل الاستواء في هذا النوع شديد الضيق من العزلة , سبح بحمد ربك و اكتب بصوت صغيرتك : The safe way to end .

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    85

    قابل جارتي العجوز , فنانة بارعة في الرسم . سألها عني .. من هذه الصبية في الجوار ؟
    أجابت : إنها شفَتين .
    جعلاني أفكر في الأمل .
    ثمة من يسأل , إذن ثمة من يهتم .
    ثمة من تجيب , إذن ثمة من تعرف .
    ثمة من تقول جواباً جميلاً , إذن ثمة طيبين .

    ليس أنَّ الطيبة هي الكلام الجميل , قد تراني شفتين لأنها تعتبرني ثرثارة , هذا و أنا لم أتحدث معها طوال ثلاثة أعوام سوى مرتين . نوع خاص من الطيبة . نوع دقيق و صعب . ليس سهلاً ممتنع , بل ممتنعٌ ممتنع , عدا على أرواح مُيِّزَت بكرامات خفية لا تشعر بها سوى حين الإجابة على سؤال عن هوية .. أيُّ هوية .
    من الطارق ؟!
    من أنت ؟
    من هذه في الجوار ؟
    من ذلك المتلصص خلف الباب ؟
    من هؤلاء الغرباء على أطراف القرية ؟
    من قتل غزال البرِّية ؟
    من التهم كامل الطعام في الطبق ؟
    من يعرِف الله ؟

    ليس بالضرورة أن تكون إجابات هذه الأسئلة بنعم أو لا . إنه موعد الومضات . إخراج ما في الجِراب من حبوب قمح . تحول الشفتين إلى صوت ليز الخرساء و هي تحاول أن تهتف لإخوتها الصغار : هيا إلى الطعام .. هيا إلى المائدة .. هناك شرائح لحم !
    كنت عندما ينظر إليَّ أحد لا أعرفه أشعر أنني أنسلُّ من هويتي فأقلق حتى إن استمرت تلك النظرات أياماً فإنني أوشك على الجنون لأنني أعود غير قادرة على الإمساك بأطراف تركيزي . إنني أشبه هنري ميللر في هذه الحالة النفسية . لكنني في أوقات مؤخرة لم أعد أقلق , لأنه اجتمع أن تكون تلك النظرات من أناس طيبين . يجيبون على أسئلة المتطفلين على جارتهم بكلمة أو اثنتين على الأكثر . كلمتين في الصميم بلا زيادة ولا نقصان . لهذا كان قلبي مستريحاً عندما قالت العجوز للرجل الفضولي أنني " شفتين " .
    عندما خرجت من المنزل وجدته نظر إلى شفتيَّ فوراً و حدق فيهما ليعرف ماذا كانت العجوز تعني لكنني تظاهرت بالبرد و ضممت كفيَّ إلى فمي أدفئهما رغم أن ذلك الصباح كان دافئاً أكثر من حاجة المتخففين !
    مثيرة هذه النغمة في الحياة . تدفعك إلى الشعور أن كل ما حولك لقطة من فيلم كلاسيكي من الزمن الجميل . كنت سأرتاب لو كانت العين التي تنظر إليَّ عين سيارة أو مقدمة قطار ! لا أنا ولا المحيط الصغير من حولي نألَف صخب الحداثة و ضجيج الحضارة التي استخدمها الناس بالمقلوب . أضحكَني هذا التعبير .. يشبه أن يرتدي رجل مهتم بآخر خطوط الموضة ثوباً بالمقلوب . لكثرة ما يرتدي من الثياب اختلطَ عليه وجه الرداء من القفاء !
    كأنني ردمت اليوم هوة . هل اكتشفتُ أنني أحب شفتيَّ مثلاً و استيقظ شعور الزهو فيّْ ؟!

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    84




    ما الذي يمكن كتابته عن فندق قديم ما زال يستقبل النزلاء ؟
    يمكن تأويل ما يحدث داخل الفندق باعتباره كتابة عن الفندق نفسه , فلا بد أن ينجلي سر من أسرار بقائه حياً مأهولاً منذ خمسين عاماً حتى اليوم من خلال حركة و سكنة و طريقة جلوس و قيام النزلاء . موظف الاستقبال و حجز الغرف أيضاً , و أيضاً الموظفة المسؤولة عن ثلاجة المرطبات على يمين بهو الفندق .

    - الإطراء على الفندق في أول ثلاثة أعوام بعد افتتاحه جعله يتحول إلى طاووس متقمص لكيفية السلحفاة في العيش . يقال أن الإطراء يمنحك الثقة . و عندما تكون واثقاً من أنك ناجح , ستزعج الناس أكثر كما أفعل مثلاً عندما أكتب و أكتب رغم انزعاج جيل القفز على الحواجز ! إنك تصر على البناء , على التعمير , على فعل الأشياء بطريقتك السرية و إن كانت بائنة . مثل من يصنع كعكة التمر دون أن يستخدم العجوة بل مسحوق بنكهتها و مع ذلك يعشقها الناس و تصبح تجارته الرابحة التي تدر عليه الملايين ! إنه الإطراء إذن . جعل فندق الحي القديم متحفاً ما زال ينزل فيه العابرين و البؤساء و أولئك الذين يحتاجون إلى مِنحلة لكتابة قصص مؤثرة تُدرج عبطاً في بند الواقعية .

    - الفندق ربكم الأعلى .
    المُعيل الوحيد و ( الأفضل ) على مستوى المدينة كاملة . الفقر مدقع , و الناس لا يستطيعون دفع إيجار لبيوت قديمة تنام الحشرات في أنحائها أكثر مما قد ينامون , و هم الذين بطبيعة هذه الحال لن يناموا لساعات طويلة يومياً , حتى إن كان المرض يدق أوصالهم . أمامهم رحلة كدح شاقة لتأمين ثمن غرفة إضافية جزء منها مغطى بقطع بلاط فاخرة . الجزء الآخر يفضل بقاؤه على ألواح الخشب لكي يذكِّر العائلة دوماً بماضيهم فلا يغتروا ولا يتكبروا .

    - محاولة كشف أسرار محتويات غريبة أشعلت فضول الناس لظنهم أنها مقتنيات قديمة مسروقة من منازلهم . محتويات مثل رأس غزال صغير , مجلة عربية , حجابٌ فارسي , اسطوانة مجموعة خطابات لجوزيف غوبلير ترافقها أحياناً مقاطع من خطابات مشكوك في صحتها بصوت هتلر , تمثال متوسط الحجم لأطول رجل في باكستان .

    - الفندق كان نشرة أخبار لصوص الحي , حيث لا إعلام واضح ولا جواسيس يقدمون خدمة توصيل الوشاية المنزلية . في الفندق هناك مقابل لمهنة الشائعات و الفتنة و التشهير . حتى أن مكائـد تصفية الحي من المفسدين كانت تتم في الفندق في غرف تغيَّر ترتيب أرقامها الآن .

    - مالك الفندق مريض بتقدم العمر . كان يحتاج إلى إبقاء ما يشجعه على الحنين و الشكوى عندما يشيخ ولا يعود بإمكانه أن يقص للناس حكاية عن الماضي باستخدام حذائه البالي أو صورة ابنته التي أكلت النار يوماً أكثر من نصفها .

    - بلدية المدينة تقدِّر الكُتَّاب . قامت بالحفاظ على الفندق ليكون ذخيرة قصص لهم عندما يسأمون تكرار أشكال الأفراح و المشاكل في وجيه الناس .

    كتبتُ هذه التأويلات و أنا جالسة على طاولة مقهى شعبي أمام الفندق . لكن أصوات عمال الترميم أزعجتني قليلاً . إنهم عمال ترميم يقومون برصف كامل الفندق بنفس نوع و لون و نقش سيراميك غرفة العائلة الفقيرة التي أبقت جزء غرفتها الثاني مبطناً بألواح خشب أصفر رغبة في عدم تبديد القدرة على الاتعاظ . العمال يقومون بتجديد الفندق . يستخدمون سيراميكاً صُنع قبل بناء الفندق منذ خمسين عام .
    * إنكم جميعاً تفكرون بالشيء نفسه
    لكنكم ترفضون الإعتراف بذلك
    إنني أقول صراحة ما يجول في خاطري
    خيراً كان أم شرا .. يدور ذهني فأدور معه
    ولهذا يسميني الثرثارون بطاحونة الهواء !

 

 
الصفحة 2 من 7 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •