Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 3 من 7 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 131
  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    الردود
    57
    قلمك جميل ،،،

    نصيحة ’’’
    أبقي شيء ليومك الأسود ..

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الردود
    237
    لو أنك بدأت بالرقم عشرة لكنت أكملت الليلة إلى حيث لا رقم
    لكن أن تبدأي بمائة أرجو أن لا تجدين حرجا" في التوقف هنا ثم الإستمرار في مكان آخر
    فقط كي لا يصاب القارئ بالملل فيحجم عن تناول العشاء الفاخر

    البطل هو الذي يصيب الهدف برصاصة واحدة .

    جميل وأكثر

    دمت.

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    83

    إلى النزلاء في العنابر التالية :

    - 7
    - 99
    -23
    -13
    -17
    -36
    -43
    -28
    -97
    -24
    -56
    -19
    -73
    - 85
    -92
    - 7

    أوصيكم أيها المجانين بالروح المجنونة ذات الجسد العاقل نزيلة الغرفة رقم 7
    بُعثَت إليها نسخة من التوصية أيضاً , مرتين .. هل لاحظتم ؟
    إنها أنتم , إنكم هي . رأسٌ لم يطِر عقلهُ بعد , لكن نزيل الغرفة رقم 1 يشتكي يومياً من روحها المجنونة التي تتبدى له على شكل مبنى مصحة شهار النفسية , و أحياناً في الليالي الرائقة تظهر له برداء سيدة عقلانية تطالب بحرية المرأة من النقاب و الحجاب و اللبس الساتر و غير الساتر أيضاً ! حرية , حرية .. كأسك يا ولد , هل نلتقِ يا عزيزتي في فندق السعادة لنصنع نجمة حظنا اليوم ؟ سأمنحكِ صفحة في أكبر جرائد البلد . سأقدم لكِ كتابك بقصيدة تأكل قلوب النساء مدَّعيات الفضيلة ليل نهار ! هتافات .. هتافات .. لمَ أكلت لحم الشيخ معيض أيها الزنديق .. و يكبُر حجم الشبح المتخلق من روح النزيلة رقم 7 المجنونة .
    العقلاء خارج الأسوار يقذفون شعارات لا يقولها غير المجانين . المجانين الذين يشاهدهم العقلاء الحقيقيين من شرفة الدور الأخير في مشفى شهار . و يعلمون أنهم أكثر عقلاً من المرحين المختالين في الشوارع , و يعلم مدير المشفى , و يعلم رئيس الطباخين في بوفيه المشفى , و يعلم ميشيل فوكو الباحث في تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي , و يعلم نزيل الغرفة رقم 1 الذي يتماسك أحياناً أمام شبح روح زميلته و يحاول المزاح مع عبثها بعقله , بالشعر الأبيض المنتوج من عصارة عقله . بكود بطاقة فتح بوابة المشفى الخامل في عقله . و يعلم شعبان عبد الرحيم خاصةً بعد أغنيته في هجاء إسرائيل , و يعلم الله .

    عزيزتي نزيلة الغرفة رقم 7 :
    ستأتيك اليوم الست رقية , سجَّانة بريمان . منتدبة في مصحتكم . لا أعرف كيف تحصل هذه النقولات , لكنها حدثت .. إنها رقيقة جداً , أريد منك الاستجابة إلى يدها الضخمة و حزام خصرها السمين . علمت بخطة فرارِك أيتها العاقلة الذكية . عليكِ بالتضحية بقوامك الجميل و فراشِك المزخرف غالي الثمن الذي أهدي لكِ من رجل يقال أنه ابن عمك مجهول الصورة و الصوت و الهوية الرسمية . كل ما تطلبه سجانة بريمان لمساعدة النزيلات العاقلات على الفرار .. هو استعارة جسد النزيلة مرة واحدة _ ليست مثليَّة , بل خدمة إرواء لامرأة عطشى عافَ الماء الزلال شحومها ! _ و غطاء ثقيل تثبت به لصديقاتها السجانات أنها حصلت في الشهر الماضي على مكافأة نظير استسلام إحدى السجينات لحزامها المعدني .
    أيها النزلاء .. أختكم المجنونة رقم 7 تنام اليوم في منزل أحد فاعلي الخير .
    * إنكم جميعاً تفكرون بالشيء نفسه
    لكنكم ترفضون الإعتراف بذلك
    إنني أقول صراحة ما يجول في خاطري
    خيراً كان أم شرا .. يدور ذهني فأدور معه
    ولهذا يسميني الثرثارون بطاحونة الهواء !

  4. #44
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة أشعار عرض المشاركة


    أيها الأسوَد , يا رجل الشاي و حركة الملعقة , يا قلم التصحيح , يا درجة الواحد من عشرة , يا عريف الفصل و بائع المقصف ؛ تعال اسرق نجومهم . تعجبني عندما تمثل دور المعذب , يصدقونك , يبكون لأجلك , يفرغون ما في جيوبهم و قلوبهم الفنادق , يجهزون لك أوسمةً معدنية و زجاجة ماء فاتر و صورة مشقوقة لزهرتك الحقود . اصرخ بوجههم , تقمَّص دور الشر , أشهِر أوهامك المسنونة , ستصبح مشهوراً يتهافت عليك القطيع , يمطرونَك بالنجوم , فقراء .. لا يعرفون كيف يصنعون نجوماً مستقلة . سيهبوكَ نجومهم . ستعتلي منصة الترشيح بعد غد , و تصيح.. تصيح بنبرة مسرحيَّة : لقد كافحت حتى حصلت على كل هذه الأكاليل . انتخبوني , أطلقوا عليَّ اسم المحترم النبيل . أعدكم أن أحولكم جميعاً إلى كبار أيها الجمع الصغير !

    .
    :
    معذرة علي ضيق فهمي أمام سعة ألفاظك
    ولكن هلا قلت لي من هو الأسود ،

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة سادين عرض المشاركة
    :
    معذرة علي ضيق فهمي أمام سعة ألفاظك
    ولكن هلا قلت لي من هو الأسود ،
    الجزء الفارغ من الكوب .

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    82




    يبدو طيباً هذا المكان . يبدو أخضراً هذا الرزق , و يبدو آمِناً هذا الغراب .
    أصدِّق أنك تكره حبي للون الأسود , لأنك تظنه يعكِس في قلبي صورة الحزن و التشاؤم و اليأس . تتأهب كل يوم لإغلاق أذنيك عندما أبدأ بالشكوى . و تبدو أبلهاً عندما أقتصر في الكلام على كلمتين أرفض أن أقول شيء غيرها . ليس عناداً لنفي تهمة . فالشكوى ليست خطأً قدر ما هي مرَض غير متعمَّد . لم أعد أتحدث .. هذا لأن جميع الأيام و الأشخاص و الأحداث السيئة في حياتي صارَت تسافر في رحلة عمل دورية . تذهب لتحط على رأس الكادحين مثلي و أولئك الذين انطبعَت على جباههم خطوط التعب من الشمس لا العبوس من الشقاء . تبدو بهيَّةً مهيوبة رغم ألوانهم الغامقة من أثَر الفحم . يهمني في كل هذا أن اللاملموسات أصبحت أيضاً تضيقُ مثلنا . تمِل من العبث بشخص واحد . تحب تجربة الاستبدال و الاستيراد و التصدير . لا أحد يملك متسع من الوقت ليعلمها أصول الشراء و البيع . نظام حياتها لا يتناسب مع التجارة أصلاً . إنه يتناسب مع التسبب . مع العبث . مع الارتزاق و التزوير . مع الحيل .. و من كانت له حيلة فليحتال !
    زرت أحد تلك الأيام القاتمة مرة . بدى لي المكان طيباً . أخضر يبدو هذا الرزق , و يبدو آمناً هذا الغراب .
    إنه أثر سورة يَس . و في أوقات السحر هو أثر سورة الشرح . يبدو الفحم مثل قطع ياقوت أسوَد . يغنيك عن مصابيح الشوارع في الليل . و تبدو تلك الأرض التي نقف عليها مثل أرض القيامة في رواية العشاق المتفارقين . أرض القيامة تعني في عُرفهم أرض الموعد الأول الأبيض و أرض الموعد الأخير الذي يعني الفراق و هي أيضاً أرض قيامة الموعد الأول كرةً أخرى برفقة شوق عقيم . كل شيء مهيأ لنهاية عظيمة أو بداية متفوقة لكنَّ أحداً يلوح بنيَّة مسيئة للقدَر فينهمر مطر أسود على رؤوسنا قبل أن نتمكن من فتح مظلتنا البيضاء . من ذاك الأحد ؟
    أجيبك .. لا أحد .
    إنه صمتنا أمام حركة الأيام الغامقة . أمام ضجرها منا , أمام بشراها أخيراً بأنها ستسافر عنا . انطفأَت و ذهبَت لتضيء بقعة غيرنا , أحد يستحق أو أحد ينقصه امتحان مثلما نقصَنا رغم أن كل شيء مُقلق كان مكتملاً بيننا ! كل ذلك يحدث و نحن ما زلنا نراهن على بصماتها المحفورة في قلوبنا و نصمت .. نصمت طويلاً . نصمت أكثر مما ينبغي . نصمت أكثر من عُمر الشكوى المفصل على مقاس المصيبة . و إنا لله و إنا إليه لراجعون !
    -

    تروقني النزوة الأولى لكل ملول من القواعد .
    يروقني أكثر موتها عندما تتبعثر دون وعاء يستر أصوات اللعبة , يخفف أثر اللون الفاقع على طرف الغيم . رحلة السوءات التي أتحدث عنها هي الأولى من نوعها في خطوط شركة " ما تشتري دماغك يا اسطه " . الرحلة رقم 1 . و الهبوط على مطار دولة الأغبياء المتحدة .
    إننا شعب طيب أيها السيد . و الطيبون سذج , و الطيبون ضعفاء , و الطيبون جبناء , و الطيبون متصنعين , و الطيبون مثاليين , و الطيبون خبثاء يضمرون عكس ما يظهرون , و الطيبون يركبون الموجة و إن لم يحبوا البحر يوماً ! , و الطيبون ثرثارون , و الطيبون شكاؤون بكاؤون , و الطيبون طواحين هواء , و الطيبون مزعجون , و الطيبون لا يعرفون كيف يضحكون , و الطيبون مرضى , و الطيبون أغبياء .
    علامَ أقول دولة ؟ هذا العدد يؤلِّف قارة !
    أنصحهم بعدم تسميتها كي لا يضطرون إلى ابتكار قواعد تمنعهم لذة النزوة الأولى . و لأنهم طيبون سيحسنون الظن بما أعني من " النزوة الأولى " , و لأنهم طيبون لن يعرفوا أنه كان عليهم إساءة الظن فيّْ . ليس لأنني من الأذكياء . بل لأنني مضيفة رحلتهم المسؤولة عن إغواء الصالحين و تحويلهم إلى مشردين في أصقاع أرض الديكتاتور . لن يجدوا علاجاً من أثَري بالمجان , ولا أحد سيمنحهم تذكرة علاج في الخارج . ولا سرير يكفي أعدادهم المتساقطة . ولا حتى هناك كفاءة طبية لإنتاج لقاح ضد فيروس الغواية الذي أصابهم بيدي .
    لن يكون هنالك شيء إلا في حالتين :
    - إن اشتكيت .
    - أن أموت .
    * إنكم جميعاً تفكرون بالشيء نفسه
    لكنكم ترفضون الإعتراف بذلك
    إنني أقول صراحة ما يجول في خاطري
    خيراً كان أم شرا .. يدور ذهني فأدور معه
    ولهذا يسميني الثرثارون بطاحونة الهواء !

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    81





    لا يزعجني " مود " الثورة . تلطفت ماريَّة حين وصفت طبعي بالعصبي . لم أرغب الرد عليها ساخرة : جربي أن تهدديني بشيء يلمس نقطة ضعفي و انظري للنتيجة .
    مارية من الناس القلائل الذين صدَقوا في حبي . لم تهددني مرة بشيء . لا الأشياء التافهة ولا المهمة . لا الأشياء المُرة ولا الحالية , لا الأشياء المصيرية ولا الثانوية . ماريَّة راقية . الاستغناء عن لغة التهديد من بين ملايين لغات الكلام هو رقي أراهن أنَّ بشراً معدودين على أصابع اليد هم فقط من استطاعوا تنفيذه بل و رفضه في أي علاقة سامية رفضاً كلياً .
    التهديد في العلاقات غير السامية أو تلك العادية ليس ذو قيمة ولا معنى . إنه ليس أكثر من تعبير المهدِّد عن نفسه , أخلاقه , عقله , ثقافته , بيئته و كل شيء يؤثر في التكوين .
    لكنني عن العلاقات الشريفة أتحدث . العذبة , الدافئة , الشبيهة بنخل باسق له طلع نضيد . بعض الخصال حين تُستهلك كثيراً في علاقة كحيلة الأبعاد .. تسيِّل الكحل و تفسد ملامح الوجه . تجعل الحلو مُراً و العالي أسفلاً و الأبيض أسوداً و أحمر الشفاه كتلة من دم .
    ماريَّة رفيقة كانت سيئة في أوقات كثيرة . لها طباعها التي تجعل منها قطعة كعك خمِج . هي قالت هذا عن نفسها في إحدى لحظات التجلي التي سمحَت لي بسماع أسرارها . لكنها معي .. كانت رصيفي أنا الطريق الآمن لعبور المسافرين و المهاجرين و الأصدقاء و الزملاء .
    عندما يتشقق وجهي " أنا الطريق الآمن لعبور المسافرين و المهاجرين و الأصدقاء و الزملاء " أقلق من أنني ما زلت احتفظ بصفتي . فألوذ إلى ماريَّة لأستعيد منها الثقة . و أطمئن على أولئك اللائذين في قلبي و أطمئنهم بابتسامة و زهرة بيضاء : لا مخافة .. آمنون من صدع الطريق .

    هذه الليلة ليلة حزن . ليلة شِق أليم . ثُرت و صرخت و بكيت . لم أشتكِ .. لا أحد يصلح لدور المرآة , ولا أحد يمكنه القيام بدور الأذُن , الناس يقومون بدور الفم و العيون فحسب . لا أحد يطيق الاستماع إلى شكوى في هذه الأيام . حلَّ الشتاء , الكل بحاجة إلى دفء و هدوء . إلى حرارة حُب . لا جحيم كراهية . إلى حطب يوقد للبداية شمس و نور , لا إلى أسلاك تفجِّر في البداية حريق نهايات .
    كان أمامي خيارين لطيِّ هذه الليلة .. إما الحزن , و إما الثورة . على نفسي طبعاً , فلستُ أملكُ سهماً في قلوب الآخرين .
    اخترت الثورة . لأنني عندما عشت عمُراً أنفض الحزن كان حناني يجلبه مع أنفاسي أثناء النوم و يعيده حولي في كل شيء .. في الوسادة , و الغطاء , و وجهي ( اللي ضيعته زمان ) و في بقية يومي حتى تغرب الشمس و أخرج من رحلة معالجة المرضى إلى رحلة معالجة النفس من الأسى .
    لم أكن أصدق أوبير برولونجو حين قال في قبلة يهوذا : " ستكتشف الحزن و الثورة في آنٍ معا . لا تحتفظ إلا بالثانية , لكن لا تدعها تهجرك أبداً , فالأسوأ هو أن تحيا نائماً " .
    كنت أظنه نازياً كعادة الكبار في عصره . يدعو إلى العنف و ينبذ مشاعر ناعمة في ضعفها و وجعها كالحزن . لكنني عرفت الليلة أن بإمكاننا الاحتفاظ بكل شيء رفضناه فقط إن عرفنا كيف نقلم أظافره ليكون مؤونتنا الحانية عندما يعوزنا البكاء على الأطلال . عندما تقلم أظفار كائنك الغضوب , لن يقوم بإشهار سلاح التهديد في وجهك أبداً .. ولا بوجه من تغضب عليهم . لن يقول لأحدهم : افعلها و إلا سأقتلك . لا تفعل هذا و إلا سأهجرك !
    قد يقتلك فوراً . أو ينزع قلبك و يرمِه أمامك و يغادر بكامل القسوة الخلاَّقة . لكنه لن يخيفك أبداً.
    و هذا أرحم الحزنيْن .

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    80






    أحبك .
    لأنك السر الذي لا يعرفه الناس . ليس لأنك سر أحبك , أحبك لأنك القنبلة النووية التي لا توجد إلا في فناء بيتي . ليس لأنك قنبلة نووية أحبك , أحبك لأنك مزيل طلاء الهم عن قلبي , ليس لأنك مزيل طلاء أحبك , أحبك لأنك خلطة البرغر السرية التي أقسَم كل من تذوقها من يدي أنه لم يتذوق مثلها من قبل , ليس لأنك خلطة وجبات سريعة أحبك ! , أحبك لأنك ظلي عندما تحرقني ظهيرة الحياة التي طالت .. طالت .. طالت .. حتى أنني أريد أن أسألك في أقرب لقاء بيننا : ماذا يكون الليل ؟ . ليس لأنك ظل مقتسَم من عباءة الليل أحبك , أحبك لأنك وردة القرنفل التي تزين شعري عندما يعوزني مِشبك يجمَع خصلاتي يمين رأسي حيث موضع جراح حمراء لا تلتئم . ليس لأنك وردة قرنفل برائحة J'adore الخالدة لأبد الأبد في أنفي و قلبي أحبك , أحبك لأنك ديواني الذي ألوذ إلى أشعاره عندما يخنقني تعقيد العالَمين و أقرأ كيف تكون الحياة جميلة عندما يلفها السلام و كيف يكون الإنسان كائناً يطاق عندما يتواضع بلا ذُل و يتعفف بلا ازدراء و يفخَر بأجراسه بلا قرع مدوٍ في رؤوس الناس . ليس لأنك ديوان شِعر غير موجود سوى في مكتبتي المخبوءة في صدري أحبك , أحبك لأن اسمك و سيرتك و مغامراتك المرحة طعامي متعدد النكهات عندما أجوع إلى زاد لا تضرني التخمة منه ولا تثقل كاهلي ولا تخنق أنفاسي عند الاضطجاع للراحة من عناء الأيام , لا للنوم و سعادة سمو الأحلام . ليس لأنك طعام بنكهة الحب أحبك , أحبك لأنك أبي الذي لا يتعب و هو يحمِل و يصلِح سوءاتي ولا يصدني عندما أبالغ في برِّي و اهتمامي حتى أكاد أقوم بدور جهاز الهضم عنه كيما يتعَب كبِدَه ولا تتسوس أسنانه القليلة بعد حادث " 9-1403 / مكة - الطائف " الذي فقد فيه فكه السفلي كاملاً .
    ليس لأنك أرنَبي الوسيم أحبك , أحبك لأنك أبي . و لأنك جعلتني أحب الله قبل أن أعرف من هو الله .. إنه ربُّي و ربك الذي اصطحبك على جناح الرحمة إلى نزهة في الجنة .

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المكان
    ,,,
    الردود
    296
    والله كثير ياأشعار شكلك مو طالعة من هنا ..<امزح
    إلا بسألك ماعندك كتاب اوشي قريب منه أذكر بمكان ثآني قلتي عنه

  10. #50
    عِندما " نعرف " مكآمن قوة البطل : نُصبح أبطآل ..

  11. #51
    .

    هذا النّور ساطع جداً ، وَ مبهج أيضاً .
    الحقيقة .. ابتسمتُ كثيراً هنا .
    لربما سآتي كثيراً إلى هذا المكان .
    تحت نور العناوين ، أقرأ النّصوص الجميلة .

    أشكرك .



    .

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة الـ فواز,, عرض المشاركة
    عِندما " نعرف " مكآمن قوة البطل : نُصبح أبطآل ..
    وجهة نظر وجيهة .

    Quote المشاركة الأصلية بواسطة سوار الياسمين عرض المشاركة
    .

    هذا النّور ساطع جداً ، وَ مبهج أيضاً .
    الحقيقة .. ابتسمتُ كثيراً هنا .
    لربما سآتي كثيراً إلى هذا المكان .
    تحت نور العناوين ، أقرأ النّصوص الجميلة .

    أشكرك .



    .
    أشكرك أكثر .

    Quote المشاركة الأصلية بواسطة ايـمي عرض المشاركة
    والله كثير ياأشعار شكلك مو طالعة من هنا ..<امزح
    إلا بسألك ماعندك كتاب اوشي قريب منه أذكر بمكان ثآني قلتي عنه
    لو لاحظتي تواريخ النصوص لعرفتِ أنني أذهب أكثر مما آتي : )
    لدي تجربة صغيرة أقل من أن تُذكَر .

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    79


    كان دواءً , ثم أصبح زهرة نامية .

    هذا هو فعل الكتابة عندما أعذبها بعِشرتي . حفظ الجميع إجابتي حتى لم يعودوا يسألونني لمَ تكتبين . لمَ تطيلين و تُحدثين سيلاً مخرِّباً لا يتوقف . المرأة التي تعشق التشبث بعصا النحو و الصرف قالت أنني أفسدت مفعول الدواء بكل تلك المواد التي أمزجها فيه . و أخرى محللة نفسية قالت أنني مازوخية . أحول الدواء إلى داء و أستمتع في تعريض نفسي له لأنني أحب أن يراني الناس " مريضة " ؛ لو أنها كانت أكثر دقة و قالت أنني أحب أن يراني الناس " مصابة " لمنحتها عشر علامات و فوقها نجمة !
    الكتابة تشبه أفعال الإنسان التي يختلف عليها الفئويون . هناك من يعقد الأمر و يجعل منه اختراعاً يجب أن لا يجرؤ المرء بالاقتراب من مختبراته الخاصة إلا بعد دراسة و سهر ليالي و زهد في معاشرة الناس و تعفف عن مباهج الحياة من فنون و صور و عبث و لهو ؛ و هناك من يحول الكتابة إلى أيقونة حرف علة و حركات تشكيل مملة تنسيك قصة هذا الكلام و فكرته و معناه و تحرمك من اللذة بأي جمالية فيه , إنها تجعلك تعيش النص كمقص يضل طريقه إن لم يمشِ على خطوط باترون لإتقان شكل التفصيلة .
    هناك من يرى أن الكتابة جهاد دينيٌّ خالص , حركة إصلاح و تقويم و مدفع رشاش لإبادة الكفرة و المنافقين _ أولئك الذين ليسوا كفاراً لكننا نكفرهم لأننا وكلاء الله في الأرض _ من يستخدمها لغرض عاطفيٍ هو يرتكبُ فعلاً حراماً لا شبهة فيه ! من يستخدمها لإبداء رأي في قضية مختلف على حكمها هو رويبضةٌ أشِر لا جدال حول فسقه و علمانيته و فجوره حتى إن كان يحفظ قرآن الله كاملاً و يحافظ على صلواته و عباداته و يخالط الناس بخلقٍ حسن لكنه ليس ملتحياً ولا مقصراً لثوبه ولا هو ممن اصطفاهم المجتمع " شيوخاً و رجال دين " حتى مع علمهم أن كل موحد مسلم هو رجل دين . هناك من يعتقد أن الكتابة حجر تكسير للقناديل , إطفاء لشموع يحتاجها من كانت عقولهم حجراً ثقيلاً على رأسهم حتى شقَّت حفرةً ظلماء تحتاج إلى ما يومض في عتمها لعله ينتشل الجثة , يدفنها بكرامة أو يرسل وصيتها مع الزاجل إلى ابتسامة الأمهات .. أعظم من يُنقذ و يردِم و يُصلح و يستخدم أصابعه كبريتاً لإعادة إشعال القناديل . أمهاتنا أقلامنا , أناشيدنا السرية التي ندونها على هامش الصفحات لأن موضوع التعبير عن شيء آخر يشبه " حي على الإرهاب " . أمهاتنا ابتسامة الأمل التي نحلم بها في وسَط يقول أننا الفتنة الحرام و المفسدة التي يجب درؤها كي لا تتكاثر مزابل النطف المتناثرة على أرصفة الفضيلة .
    حتى الأمهات اللاتي توفاهن الله . أثر أقدامهن على الأرض ينحني أمامه الزاجل و يجمع بعينه ما يستطيع منه لإرساله كمعونة إلى جنود الدفاع عن الشرف من عار المجتمعات على مدى العصور " المرأة " . يضع المعونة أمام أبوابهم ؛ علَّ رائحة الجنة في أثر أقدام الأمهات يفتح طريقاً في مغارة عُقل بابا و الأربعين حانوتي .
    هناك من يقول أن الكتابة غطاء يقي البردان من ورطة الشتاء . أحب الشتاء . لكنه يحل على الفقراء و العازبين مثل ورطة , الخروج منها ليس مكلفاً كثيراً سوى في بلدنا . بعد أيام ستحل ذكرى مرور سنة على كارثة سيول جِدة . كانت في يوم عرفة . التاسع من ذي الحجة . أقلام كثيرة ثلِمة و أخرى حادة و أخرى كانت نائمة كلها ستُشحذ و تصرخ و تطلِق شعارات الإنسانية و الحقوقية في يوم الكارثة . سيكون صعباً أن تميز بين المنافق و المرائي و بين الصادق الغيور . عندما كتبتُ مقالاً في العام الماضي قالوا أنني أتملق و أنني أريد اللحاق بحفلة توزيع الألقاب و المدائح على الناجين من الكارثة و الذين لم يمسسهم مطرها بسوء . بينما رأيت كيف احتفوا بعملاء امريكا المنافقين أولئك الذين ليس همهم الضحايا ولا أرض جدة و تعويض المنكوبين .. كانت قضيتهم هي مثل قضيتهم الدائمة القديمة .. صراع السياسيين للحصول على مقعد يسهل حركة الانقلاب على الحكم . حلمهم الأسود الذي يجبروننا على قراءته معهم و كأنَّ سماء جدة ينقصها سواد الغِربان , و كأن أرض الوطن بكاملها ينقصها سواد سواء أكان غالياً نسمع عنه ولا نراه " نفط " أو رخيص نتنفس رائحته و نكافح لنتخلص من صداقته رغم أنه الأوفى لنا من بين جميع الكلاب " الفقر " .
    صديقتي مارية كانت أكثر النساء من حولي كرهاً للكتابة . لكنها منذ ثلاثة أعوام انطلقَت تكتب بشراسة كأنها وقعَت على غنيمة تخشى حصول غيرها على لقمة صغيرة منها . استقطبَتها الصحف و أجريَت معها عشرات اللقاءات في التلفاز و عرض عليها العمل في صحيفة القارديان البريطانية و هي اليوم من أشهر كاتباتها في مجال المعارضة و حقوق المرأة . لم أكن أجد وقتاً لأطرح عليها سؤالاً من كلمة واحدة مكونة من حرفين : لمَ ؟
    لكنها في آخر إجازاتها التي استطاعت فيها الاتصال بي للاتفاق على لقاء في الهايد بارك المجاور لمنزلها لأنه أصبحَت العملاق الأخضر المشغول الذي لا يستطيع الذهاب للقاء صديقته في الهايد بارك البعيد قليلاً , أجابتني : أحتاج إلى " فَحل " و مال .
    ليست وحدها التي ارتدت جلباب الكتابة لأنها صارت تقرف من مهنة حلب الأبقاء في مزرعة جدها فيحان " اسم رمزي " , أليس كذلك ؟
    حليب المراعي لا يدر مالاً سريع الوفرة و رجلاً وسيماً لأنه يرتدي بدلة سوداء و ربطة عنق مخططة بالأحمر و الأزرق مثلما تفعل الكتابة مع المشاهير في بلاد المصالح . وجهه قبيح . لكنَّ لسانه جذاب بمصطلحات الليبرالية و الإنسانوية و مفردات أطلس المنطق و السياسة كما أن جيبه دافئ بقيمة كل ذاك الكذب . صديقتي مارية عرفَت كيف تتخلى عن كلبها الوفي " فقر " و ترمي به في حاوية نفايات لا يجرؤ عمال النظافة على إزاحتها و لو سهواً في إحدى شوارع شمال الرياض أو شارع العرب في لندن . إنني أكتب قبل مارية بسبعة أعوام , و لو أن عمُري كان أكبر قليلاً لزادت إلى عشر ! لكنني حتى اليوم يعوزني لوح خشب أملس أحوله إلى " سبورة " للتمرُّن على رسم models مادة التشريح حتى أقوم بتنفيذها دون ربكة في آخر امتحاناتي النهائية قبل التخرُّج هذا العام .
    أفكر أحياناً أنني أكثر الكاتبات المسكينات في حلقة صديقاتي و زميلات كل الأماكن التي عملتُ بها , أولئك الكاتبات اللاتي يكتبن و اللاتي يرتزقن من الكتابة و الأخريات اللاتي يتخذن من الكتابة مخدراً ينسيهن بشاعة العالَم في الوقت الذي اتخذها أنا علاجاً يوقظني لأرى طريقاً آمناً في العالَم و إن كان ممهداً لشفقة المرضى الذين يظنون أنني أكتب لأنني أشاركهم مرض ما .. يا للوسوسة !

    عندما أريد الصلاة لله في الرخاء فإنني أكتب .
    و عندما أريد الدعاء لأمي و أبي الذين نسوني على الأرض عندما نعِمَا في الجنة فإنني أكتب .
    عندما أريد أن أقول للناس أحسنوا الظن بقلبي عندما يغني في الحب , فإنني أكتب قصصاً مؤلَّفة عن ال side effects للحب .
    عندما أريد أن أطلب تعريفاً للكتابة فإنني أكتب عما يكرِّه الآخرين في الكتابة يجعلهم يقولون هي كل شيء إلا ما تقومي به . لأنني أكره أن تتحول الكتابة إلى مصطلح بحاجة إلى تعريف . و هي غريزة المعوزين إلى أي شيء تخفف الكتابة حدته إن لم تستطع الحياة تلبيته و إن لم يفلح الكلام باللسان في صنع نسخة من المفتاح . حتى أولئك الذين يجهلون عوزهم و عطش أصابعهم إلى الأقلام , الكتابة هي غريزتهم . لكننا هكذا دوماً .. لا نكتشف كل غرائزنا إلا بعد سنوات الضياع أو في خضمها , عندما يصبح حجز طوق النجاة بالطابور و الأرقام .

    عندما أريد اعطاء ظهري للعالَم فإنني أكتب .
    و عندما أريد أن أكسر برجاً عاجياً أو أحكِم مقعدي خلف برج آخر .. أكتُب .
    إنها ليست طريقة للعيش كما يبدو . تلك مجموعة أمراض , و أنا أكتب لأنني أحتمل سفه الجنون , لكنني لا أحتمل وجع النَّفْس التي يعوزها فَم .

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386
    تحرير خطأ فادح :

    مهنة حلب الأبقاء = الأبقار .
    _____

    رحل قانع :
    أنا سريعة الحِل , لن تستلذ بالمشاكل معي : )


  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المكان
    ,,,
    الردود
    296

    ..

    معلوم يأشعار معلوم أنا شاكره لبقائك (f)
    <كأنك عصبية

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    الردود
    44
    منذُ شهر أو أكثر و أنا أتردد على هذا الموضوع , في كل المرات السابقة فضّلت الإستمتاع ثم المغادرة و ها أنا الآن "أكسر كوب القهوه" و أغادر , أنا آكد بأنكِ واثقة تمام الثقة من قدرتكِ و براعتكِ في إثارة إعجاب الكثير من رواد هذا الموضوع .

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الردود
    25
    يا جميلة أنتِ

    رحم الله والديك رحمة واسعة وأدخلهما فسيح الجنان وجمعكِ بهما
    في مستقر رحمته

    تفضلي

  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    كل عام و أنتم بخير



    ايمي :
    منورة .


    إضافة :

    يعمِّر بيتك : )
    شكراً بحجم استحسانك

    النادل :

    أحياناً يمرق بخاطري أن أُظهِر للآخرين اعتزازي بكتابتي . لكنني أعود فأتذكر أنني لا أهوى الجنيَ السريع ولا ذلك الذي يستخدم المشاعر وتراً لتلحين الوسيلة . فألتزم صمتي عدا عن ما جئت لنَشره فحسب . شكراً

    غيث القلم :

    و أرفع عيني و كفِّي للسماء حيث أرجو الله .. آمين .
    جوزيتِ أجر دعائك يا إغاثة .


  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    78

    تتعذر الصفحة الثقافية في جريدة ( ....... ) على الطبع اليوم .
    __________

    يعاني ممَّا يعانيه أصدقاءه ضده , أو أولئك الذين ينادونه صديقاً .. مجرد نداء , لغو صفات . و هو لأنه يشتري الراحة دوماً يجاري .. يجاري ولا يشعُر . لأنه يفهم . حباه الله بملَكة حاسة سادسة متوقدة خمسة و عشرون ساعة . تسانده في الصحو و النوم و عندما يفكر داخل الصندوق أو خارجه . يعاني مما يعانيه أصدقاءه ضده ؛ متلازمة العجب . إنه اسم علمي لبق , أو أدبيّْ . لكنه يعرف أن الاسم الصحيح للمتلازمة هو الكذب , الشك , الغيرة .
    أن تكون مريضاً باللامعقول لأنك لم تمارس . أو أنك مارست و لم تتعلم لأنك مارست بغية الوصول السريع إلى هدف تنتشله و تغلق الباب خلف ذلك العالَم كي لا تترك فرصة لمسمار يدق نفسه على بابك الجديد ذخيرة لأيام العوز إلى نصيحة أو .. نتيجة تجربة .
    بالأمس كنت تقول لصديقك الذي يعاني منك و باقي أفراد مجموعتك المستنسخون من بعض .. أنك لا تحترم من يكتب متكئاً على خياله فحسب . عشرات القصص و سيناريوهات المسلسلات الطويلة التي كتبها كانت خيالات محضة . لم يجرب , لم يعِش , لم يتألم و لم يفرح و لم يحزن و لم يُصدَم بشيء . حياته نائمة خاملة ضامرة .. يعمها مرض ال restness ! بينما تحترم و توقِّر حتى تكاد تعبد من يكتب متكئاً على نظام شقاء و معمل تجارب 10 stars . و هذا سبب وجيه لاحترام كاتب ما . لأنه يجعل منه منطقياً أكثر في أقواله . واقعياً أكثر و يعرف أين المكان المناسب لاستخدام الخيال و أي مكان يحول القصة إلى أضحوكة إن خلَت من المنطق و جنحَت إلى قول الفيلسوف العظيم فلان أو الروائي الخطير علان ؛ أو حتى .. السياسي الفصيح ابن السياسي الذي اغتيل في عام 18... م و قد كان محنكاً و متفوقاً في رئاسة جهاز الأمن الوطني .

    صديقهم الذي يعاني من اصدقائه أبطال الشعارات الفقاعية هو كاتب عاش . و الكاتب العائش ليس كمثل الكاتب الحي .
    الأول هو الذي لا يكتفِ بخاصية الحيوية الفيزيائية مِن تنفس و أكل و شُرب و نوم . هو الذي يعيش الحياة بحياتها و بموتها ! يعمل و يسقط و ينهض على قدميه أو على عكاز , يخالط الناس و يفعل كل ما يفعله الذين يؤمنون بضرورة المخالطة . يخلص مع هذا و يعاون ذاك و يأخذ حقه من آخر و يمنح آخراً حقه و يكذب أحياناً ليصل إلى حقيقة تسهل عليه قراراً بالرحيل عن امرأة أو الحفاظ على رفيق درب فجَّ عن الدرب بعدما اغتنى أو .. اغتر بما آتاه الله .
    العائش هو المرء الديناميكي الذي يموت ألف ميتة إن استراح عقله عن التفكير و جسمه عن التنفيذ .
    بينما الحي هو الذي خانته الحياة فخان نفسه بقبول الهزيمة , فكان العمل الوحيد الزائد عن فيزيائية ما يقوم به جسمه في أيام طوال هو الكتابة . مهلاً .. ليست كتابة محضة . بل كتابة تخيلية محضة . أيامه خالية من الأحداث , فارغة من الكلام المهم و الأفعال المؤثرة التي تستحق التدوين . إن قام بتدوين شيء حقيقي عن نفسه لن يكون سوى :
    " هذا يوم ممل . استيقظت مبكراً و لم أجد ما أفعله فخرجت أبحث عن مقهى يجهز إفطاراً شهياً , وجدت واحداً خمس نجوم .. أفطرت على كرواسان مغلف بالشوكولا و عصير فِرش كوكتيل مع بعض حبات من الكوكيز الملون . الجو حار اليوم , عدت إلى المنزل لأنعم بهواء جهاز التكييف و أغرتني البرودة فعدت إلى النوم . صحوت في الثامنة مساءً على اتصال محمد الذي ذكَّرني بمباراة الاتحاد و النصر بعد قليل . دعوته إلى مشاهدة المباراة معي في المنزل و اقترح عليَّ إحضار مؤونة المشاهدة من شيبس و بعض العصائر فوافقت و قمت أجهز براد الشاي و أتأكد من قوة إرسال قناة الرياضة . وصل محمد في التاسعة . شاهدنا المباراة ثم خرج محمد و جلست أقلب في القنوات فلم أجد فيلماً مثيراً يستحق تبديد الوقت الممل عليه . كان بجانب فراشي رواية حب في السعودية .. حصلت على هذه الرواية بصعوبة لهذا أعيد قراءتها كلما مللت . إنها تشعرك و كأن فتاة أحلامك بجانبك و كأن في داخل روحك روح عبقة بعِطر لطالما سحق غرور الرجال على مدى الأزمان !! لا أعرف ما الذي حدث بعد ذلك , يبدو أن النوم غلبني أثناء قراءتي للرواية . و هكذا انتهى اليوم "

    و هكذا تدور معظم أيامه إلا من أحداث ضئيلة الإثارة مثل تسلل قطة جائعة إلى فناء البيت أو زيارة عجوز متسولة تطلب ثلاثة آلاف ريال قيمة علاج والدها المصاب بفشل كلوي لديها تقريره المزور الذي لا تحتاج أن تطلبه منها فهو متأهب أمامك قبل تأهب صوتها و وجهها !

    ما الذي يحدث ؟
    يحدث أنَّ أصدقاء صديقنا العائش الذي يعاني من أصدقائه المصابين بمتلازمة العجب و الشك و الكذب و الغيرة .. هم من النوع الحي من الكتَّاب ؛ النوع الحي من المثقفين ؛ النوع الحي من المفكرين ؛ النوع الحي من الشخصيات الكبيرة و السياسيين . النوع الحي الذي يتكلم و يأمر و ينهى و إن شق كثيراً على نفسه فهو يحرك إصبعه بجرة قلم لإصدار بيان ما . بيان إلى عائلته أو أفراد قبيلته أو حتى أصدقائه في جمعية الدفاع عن حقوق الضبان و مكافحة مجرمي القنص الذين يهددون حياة الضب من النفوق و يبدو أن أمر إنشاء محمية لهذه الكائنات النادرة أمر صعب على تجار الكلام .
    أصدقاء صديقنا المبتلى , هم النوع الحي من الكتَّاب لكنهم النوع العائش من الكذب , من التسلق , من القوة المزورة برقائق الصوت العالي و المفردات الحادة و الرصاصات الطائشة . النوع الذي يحكم في قضيتك قبل المرافعة و الاستماع إلى الشهود و قبل حتى رؤية المتهم ! يعرفون شكله , لكنهم لا يعرفون من هو بالداخل .

    هم النوع الذي تقرأ كتاباته فتعتقد أنه بدأ بياعاً خلف عربة الفول أو بسطة المسابح و المساويك . ثم تدرج في الكدح و حياة العصامية حتى صار من كبار المشهود لهم بالقلم الرنان و الصوت " الزنَّان " ! علاقاتهم كبُرت , لأن بضاعتهم قول عكس ما بباطنهم . لم يكسبوا ما كسبوا , بل " تكسَّبوه " . صار لديهم من يدبج عنهم الكلام و يردمُ بحور الغيم التي كانت تفصل بينهم و بين هامات مغسولة بالشمس . صاروا في أبهى رؤاهم .. في أبهى رؤاك ! حتى أنَّ أحداً لم يعُد بإمكانه تخيل صورة عنهم تشبه أن يكونوا غرباناً تمد على الفيافي جوانحها و ترسو في سهوب العائشين الدافئين بحرارة عرَقِهم و وزن الهموم التي يستثقلون خلعها عن رؤوسهم قبل النوم .

    أما صديقنا , فهذه مشكلته .
    كلما كتبَ قصةً ملأى بأسماء الناس و المدن البعيدة و أبهى أو أفقر متاجرها و مواصفات بضائعها و ماذا تفعل ميليشيا الحروب الباردة فيها .. كلما كتب عن عاشقيْن جابا طرق الحلال كلها ليجتمعا دون سخط أحد من أهليْهما , حتى مرض أحدهم ثم مات أخيراً من القهر , كلما كتب عن الفساد في مصلحة المياه و الكهرباء و الأحوال المدنية في بلاده و حكى عن معاملاته و معاملات جيرانه المعلقة منذ سنوات من أمانة لأمانة و من محكمة لكاتب عدل و من جنون إلى جنون ! كلما كتب عن عملاء الخونة ضد بلاده الذين يثق بهم الساذجون في الدور العلوي من القصر الكبير " الشارع , البلاد " و رمى في الصحيفة علامات تدل على هويتهم و مكانهم و مخابئهم اللامحدودة و أسماء مجنَّديهم المغرر بهم من الصغار و المراهقين و الجياع إلى لقمة لحم صغيرة مرة في الشهر . كلما و كلما كتب عن كل شيء عاشه و اكتوى بجحيمه و سقط فيه ألف مرة و نهض ألفي مرة و حفر في الصخر لإيجاد حلول يوزعها على نفسه و المنكوبين من حوله ثلاثة آلاف مرة ..
    قالوا له أصدقاؤه و قرَّاؤه : أنتَ إمَّعة .. متأثر بالأفلام و كتب الثوريين .. لم تجرب كيف تعرِف !
    أنت كاذب . لم نسمع مرةً أن فلاناً ذهب إلى لندن و حصل أن قابل فلان المعارض فأعطاه كذا و كذا و خرج من عنده إلى السفارة مباشرةً ليبرئ ذمته و يخلي مسؤوليته !
    لم نسمع مرةً أن عاشقاً احترمَ عشيقته و ذهب لخطبتها من أهلها ! يبدو أنك تتحدث عن قصة رأيتها في حلُمك .. الحب لعبة سخيفة يكذب بها ضعاف الوازع الديني ليملأون فراغهم بمعصية الله !
    أنت كاذب , لا يعقل أن يحدث هذا , أنت أبله .. لم نسمع عن حدوث ذاك . أنت جاهل .. لو جربت ما جربناه لتعلَّمت !

    و الحق أنهم لم يجربوا إلا ما جرَّبهُ قط الشوارع أو ببغاء ولد الجيران !

    الكاتب العائش هو كاتب يريد أن يعلِّم الناس مما علَّمته الحياة دون التفكير بثمن لأنه لم يكتب ما كتبه بنية تقديم دروس خصوصية للشعب . لهذا هو كاتب فقير . ليس له نفوذ ولا جنود يدافعون عن كلمته الحذرة رغم صدقها فهي كلمة لا تكشف كل الأوراق ولا تضع كل الأدلة و هذا هو فضول و جنون الكاتب الحي .. يريد أن يحصل على كل ما لديك من أسرار . لا ليتعلم , لا ليتعظ . بل ليستخدم أسرارك ذخيرة لصنع أيام خيالية مكذوبة يضحك بها على القراء فيصدقه المتكئون على أعينهم المستسخفون بعقولهم و الذين يعتقدون أن مجرد استخدامها نوع من الكفر بإيمانيات تخفي خلفها أعشاشاً من كائنات الزور القزَمة . تتطاول و تتطاول في الظلام . و تظل قزَمة أمام صانعيها لأنهم كالخفاش يموت إن تطاول على مقربة من النور .

    يوشك الكاتب العائش أن يغوص إلى القرارة ليخطف اللؤلؤ و المحار فتكون له زينة للأيام الجميلة . و يوشك الكاتب الحي أن يغوص إلى القرارة استجابة لوسوسات القاع فتكون له عقوبة على أيام السراب .

    واقعٌ يشبه الفرق بين الطقس و المناخ !
    * إنكم جميعاً تفكرون بالشيء نفسه
    لكنكم ترفضون الإعتراف بذلك
    إنني أقول صراحة ما يجول في خاطري
    خيراً كان أم شرا .. يدور ذهني فأدور معه
    ولهذا يسميني الثرثارون بطاحونة الهواء !

  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    الردود
    386

    77


    "لم تكن الروايات أو مقاطع الروايات التي كتبتها سوماير سيئة كما تعتقد . صحيح أن أسلوبها أحياناً يشبه قطعاً مختلفة من القماش الذي تخيطه مجموعة من السيدات العجائز العنيدات لصنع غطاء . لكن لكل منهن ذوقها الخاص. "

    عندما وصلني بريد من السيدة فاء يبدأ بهذا المقطع من رواية سبوتنيك الحبيبة لم تكن قد نقلته كما هو , بل تصرفت في كلمة واحدة فيه هي اسم سوماير , بدلاً منها كتبَت " أشعار " .
    لم أقل لها رأيي في رسالتها حينئذ , و عندما طلبَت ردي قلت لها ليس لديَّ تعليق . أتناول ملاحظات الناس عادةً بلا تعليق . أحتفظ بها في مكان راقٍ لكنني لا أمنحها قداسة ما . إنني أكثر من يجلد نفسي و يسخر من أسلوبي و طريقتي في الكتابة . لكن السيدة فاء كانت حساسة أكثر مما يجب , أكثر مني .. تخيل ؟! ظنَّت أنها ارتكبت بحقي خطأً شنيعاً لشدة ما أحبَّتني فسألتها كيف أثبت لها أنني تقبلت ملاحظاتها و قرأت كامل رسالتها الطويلة جداً بقلب ليِّن كالاسفنجة يمتص الوصايا و الانتقادات , أجابتني : اقرئي الرواية .

    و هكذا كان أول اسم كتاب اشتريته في النزول التالي إلى مكتبة الساقي هو سبوتنيك الحبيبة , للروائي الياباني الأول هاروكي موراكامي . عندها أبهرني غلاف رواية جديدة له هي كافكا على الشاطئ . البساطة في الفن حين تمزج خطين و تصنع منهما لوحة واحدة مثل الواقعية بالخيال .. تسحرني . بينما لم أجد اهتماماً مماثلاً بتصميم أغلفة سبوتنيك الحبيبة لا بالنسخة اليابانية ولا الإنقليزية وبالطبع .. بالطبع جداً .. ليس بالعربية ! لكنني بعد الذي قرأته تخيلت أنني لو كنت أعرف سرَّ ذلك الوهج في لغة موراكامي و الذي عرفت فيما بعد أنه بسبب تأثره بدوستويفسكي و هيغو و عظماء الأدب الكلاسيكي تحديداً اولئك الذين أحبهم , لاهتممت بقراءة الرواية منذ سنوات و إن كانت بلا غلاف !

    حسناً أعود إلى قصتي مع هذه الرواية , خروجي عن حدود ما كنت أتحدث عنه إلى أمور فنية كتصميم الأغلفة و سر محبتي لموراكامي و هي المعلومة التي جاءت مبكرة و كان يفترض أن أذكرها في نهاية هذه الكتابة يؤكد لك مصداقية السيدة فاء عندما أخطرتني أن هناك رواية من النوع الذي أحبه كتبَتي بالمقاس و تفصيلة الباترون ! تقول السيدة فاء لقد قال موراكامي على لسان الراوي في سبوتنيك الحبيبة كيف تكتب أشعار . وصف ماذا تكون علاقتها بالكاتبة . و ليس عليكِ يا عزيزتي أشعار أن تكترثي بالقصة العاطفية لسوماير فهي من بداهة الاختلاف بين شخص و آخر كما اختلاف بصمات الأصابع عن بعضها البعض . إنني أحترم ذوق السيدة فاء . هي قارئة قديمة . تقرأ منذ واحد و ثلاثين عام . في ظروف أخرى كنت سأتخذها عرَّابتي في القراءة و النقد . لكن ظروفاً قاسيةً تشبه مصير الكلبة لايكا التي غابت في المجهول على متن المركبة الروسية " سبوتنيك 2 " تلك التي لم تعد أبداً مثل نظيرتها الأولى سبوتنيك 1 .. حالت بين لقائي بالسيدة المحترمة فاء و لو مرة في العمر . لكنها ظلت صديقة الروح و لون القلم الأحمر الذي أحتاجه لتصحيح كتاباتي . إنها الوحيدة التي قرأت لي منذ بدأت أقوم بالنشر البائس بجدية في 2006 و حتى اليوم . عندما أقول أنها قرأت لي , فإنني أعني أنها كانت تقرأ نصوصي مثلما فعل صديق سوماير بكتاباتها التي كانت ترسلها له ليقيِّمها . حتى أنه قال هذا بنفسه :
    " كانت سوماير تعرض مسوداتها على شخص واحد فقط في العالم كله .. هو أنا"

    عندما تقرأ السيدة فاء نصاً لي , تقوم بالتعليق على بعض السطور باهتمام شديد . تارةً تدون ملحوظة , و تارة تثني على عبارة , و تارة أخرى تكتب لزمتي في التعبير عندما يعجبني شيء لأول وهلة " wooow " ! و أحياناً تعلق على عبارة يختلف رأيها معها بسخرية نقية من الوقاحة .
    لم أرسل مرةً مسودات كتاباتي إلى السيدة فاء . كانت هي تجمعها . ما زالت تفعل . تقول أنها وزعَت نوعاً سويسرياً فاخراً من الشوكولا على زميلاتها في العمل احتفالاً بي عندما أنشئت مدونة ! مازحتني عندما سألتها استغراباً : هل إلى هذا الحد .. كان يجب عليَّ صنع دولاب لكراكيبي ؟! أجابتني مازحة : أبداً عزيزتي . هذا الاحتفال و المسرة هي لأنكِ أرحتني أخيراً من عناء ملاحقتك في المنتديات و جمع نصوصك التي تفرطين في حقوقها و كأنك تقولين للقارئ لست أثق بنفسي . و كأن الكلام لعبة سهلة . من نحن بجانب الحيوان إن لم نتميز بالكلمة , كنا سنتساوى عدا فرق الطول و ربطة عنق الرجال و أحمر شفاه النساء !
    كل شيء في رسالة السيدة فاء الأخيرة التي حدثتني فيها عن شبه سوماير نجمة رواية سبوتنيك الحبيبة بالعلاقة التي تربطني بالكتابة , حرضني على قراءتها . بعد أن كنت مضيت في علاقة تقدير عميقة و رصينة بالروائي كازو ايشيجورو سوبر ستار الكتابة الإبداعية اليابانية . و الذي تعرفت عليه فقط من خلال رواية بقايا اليوم . منذ مدة كانت النية قراءة رواية ثانية لايشيجورو لم تترجم إلى العربية بعد .. لكن الإنجليز هنا يحبونها , ليس أي انجليز بالطبع , أقصد أولئك الذين يزورون المكتبة كثيراً و يشبهون المجهر عندما يقبعون بين الكتب مثلي .. هم من حدثوني عنها عندما عرفوا عن إعجابي ببراعة ايشجيورو حتى أنَّ احدهم وعدني بجلب عنوان و بريد ايشيجورو الخاص به في لندن .. حيث يقيم على بعد اربع ساعات من مدينتي.. اربع ساعات فحسب .الرواية التي كان مقرر أن أقرأها هيNever let me go ؛ لكنني عوضاً عنها و بلا أسباب منطقية سوى المتعلقة بفضولي لمعرفة ما وراء تصميم غلاف جذتني بعض الأمور فيه .. قرأت كافكا على الشاطئ لموراكامي . و الحقيقة أنني استمتعت .
    لا أستطيع المقارنة بين كاتبين فذَّين لمجرد أن أرضهما و لغة كلامهما الأصلية واحدة . كل منهما عاش في بيئة مختلفة كلياً عن الأخرى . لم يدرس و لم يقرأ ما قرأه الآخر و إن حدث فإنه ليس في نفس الوقت ولا عندما كان يحمل نفس ثقافة و أفكار الآخر .
    يمكن أن أفضِّل كاتباً عن آخر حسب مواصفاتي أنا للرواية الناجحة , و هناك مواصفات أخرى للرواية الجميلة , و أخرى لرواية تجمع بين الاثنين . و في كل واحد من الاثنين عشرات المواصفات الأخرى . فالرواية الناجحة هي كل رواية جميلة , مفيدة , ممتعة , راقية حتى في طرقها للتابو , حتى في نزولها إلى أزقة المجتمع الضيقة و أنفاق الفقر السحيقة و التحدث بلغة أبنائها .
    إنني أفضِّل هاروكي موراكامي على كازو ايشيجورو فقط إن كنت سأعتبر أن موراكامي لم يكتب رواية جنوب الحدود .. غرب الشمس . فهي ليست في مصلحته عندما يقيمها قارئ يأخذ كاتب ما بجملة مؤلفاته ولا يتذكر مثلاً أن بدايات الكتَّاب لا بد و أن تكون لها أخطاؤها و ركاكتها مهما كانت قوية في نظر قارئ آخر عن مؤلفاته التي نضج فيها و تفوق على نفسه بل و استطاع ابتكار تكنيكه الخاص به كما فعل موراكامي . هذا مع العلم أن جنوب الحدود غرب الشمس ليست بداياته . سبوتنيك الحبيبة جاءت بعدها بعامين . لكن الفرق شاسع يشبه حدود ما بين جنوب القمر و غرب الشمس !
    موراكامي كاتب خلاق . أخذ من كل أدب تأثر به شيئاً . إنه مزيج قراءاته لكتب خالدة فرضَت نفسها حتى الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب . فهل هنالك من لا يعرف قصة البؤساء و هايدي مثلاً ؟ قصة ريمي الفتى اليتيم ؟ هل هناك من فاته ولو مشهد قصير من مسلسل نساء صغيرات ؟ كلها كانت قصص عالمية من الكلاسيكيات الخالدة . في سبوتنيك الحبيبة تستطيع أن تشعر بظلال دوستويفسكي على عقل الراوي صديق سوماير و قد كان الصوت الحكيم الذي يتكلم لها عن الواقع كلما أوشكَت بأحلامها على تناسيه . نعم سوماير لم تكن تنسى , لكنها لا تحمل من ذلك الواقع ذكريات كثيرة منقوشة التفاصيل في الذاكرة و الفؤاد . ذلك عن ماضيها الذي كان واقعاً في حينه بالطبع . أما عن حاضرها فذلك ما كانت تبغيه .. أن تقوم بتوثيق كل شيء يتفكك في رأسها إلى قصص و كلمات متقاطعة و ذلك عبر الكتابة . قصة كانت أو رواية .
    هناك من لا يحب الأدب الواقعي عندما يمتزج بفنتازيا غير مستحيلة الحدوث ! هل من المستحيل مثلاً إطلاق مركبة خفيفة الوزن إلى الفضاء و على متنها كائن حي ؟ ماذا عن زيارة قصيرة لوكالة ناسا ؟
    قرأت ماركيز و أُخِذت كُلِّي بواقعيته . ليس أكثر مما أحدثته بي واقعية مكسيم غوركي . لكن هذا ما يحدث في تكنيك المزج بين الواقع و الفن . و الفن كما أردد مراراً عند حديثي عنه ضرب من ضروب الخيال الذي نجح الإنسان هذا الكائن المعقد اللغز في تحويله إلى حقيقة .

    لمَ أقول كل بيوغرافيا الكتابة الأدبية عند موراكامي بهذا الإطناب ؟ يكفي اعترافه بنفسه و أيضاً على لسان راويه في سبوتنيك :

    الرواية ليست شيئاً من هذا العالم . تتطلب الرواية نوعاً من التعميد السحري لربط هذا العالَم بالعالَم الآخر .

    في سبوتنيك الحبيبة فتاة أصغر مني بعامين أثناء كتابتي لهذا النص . هي في الثانية و العشرين . مجنونة و مأخوذة بالكتابة . تحلم أن تصبح روائية _ أنا لست أحلم أن أصبح روائية , إنها سوماير ! _ تقول عن عشقها هذا مثلاً :

    "رأسي مثل حظيرة سخيفة مليئة بأشياء أريد الكتابة عنها . صور , مشاهد , نتف كلمات .. في ذهني كلها متوهجة , كلها مفهمة بالحياة .. اكتبي .. اكتبي ! تصيح بي . ستولد قصة رائعة , يمكنني الإحساس بذلك . ستنقلني إلى مكان جديد جداً . المشكلة , ما إن أجلس خلف مكتبي و أضعها على الورق حتى أدرك أن هناك شيئاً ينقصها . لا تتبلور , لا بلورات بل مجرد فقاعات . ولا أنتقل إلى أي مكان آخر . "

    بالتأكيد هذا ليس وصف كاتبة ترسم فناً و عذوبةً بالكلام ! إنه حديث فتاة مجنونة بالكتابة . مريضة .. هل تعرفون كيف هو شكل الكتابة عندما تكون فيروساً يقوم المرء بتصديره إلى القراء ؟ إنه يشبه رواية البؤساء لهيغو , يشبه رواية العطر لزوسكيند , و المسخ لكافكا . و بيدرو بارامو لخوان رولفو . بإمكانك القول أنه يشبه أيضاً رواية تلك العتمة الباهرة عند العرب . و دابادا و قوة الضحك في أورا عند حسن مطلك .
    أما عن المؤكد أكثر عند سوماير , فهو أنَّها خارجة عن النسق لأن كاتبها المفضل هو جاك كرواك . ولا بد عند ذكر هذا الاسم أن نقرن معه دون فاصلة اسم روايته المفصلية في منتصف تسعينات الأدب العالمي .. رواية " على الطريق " . كرواك كان من كتاب تيار الوعي . عندما تريد أن تكتب بطريقة تخولك أن تقول " أنا " دون أن يعتبر القارئ قصتك كأنها سيرة ذاتية لك ! عليك أن تتعلم من فيرجينيا وولف و جون كرواك . و رغم أنها طريقة سهلة في القصَص رغم وعورتها إلا أنها كانت عقدة سوماير . لأنها لا تريد أن تلقي كلاماً يشبه لعبة بزل . ليس مهمة القارئ تركيب الكلمات و تكوين جمل مفيدة من خلال كتاب صنف كرواية . الحديث المنمق كشخص يرتدي بدلة سوداء و ربطة عنق قرنفلية ضروري في الأدب . إنه من اكسسواراته التي لا غنى للمرء عنها . فالرجل لا يستغني عادةً عن قلم و محفظة يظهرانه كمثقف محترم و مستور الحال ! أما المرأة فحدث ولا حرج عن أشياء الزينة التي لا تستغني عنها .


    الحب هو آخر ما تفكر فيه سوماير . بعد خروجها من الجامعة قبل إكمال دراستها اشترط أبويها لموافقتهم على دعمها مادياً في الكتابة أن تدبر شؤونها المالية بعد بلوغها سن الثامنة و العشرين إن لم تؤمن الكتابة لها رزقاً . لكن سوماير فجأة .. وقعَت في الحب .
    لقد أحبَّت امرأة . تكبرها بسبعة عشر عاماً . لكن تلك المرأة لم تكن تبادلها الحب .
    أعتقد أنكم الآن حكمتم على الرواية بالابتذال و الوضاعة و كأن هذا الأمر نادر الحدوث في الواقع أو و كأن الكتابة يجب أن لا تحتوي إلا على قصص الفراديس العالية و الأحلام و الخيالات , أو الكتابة عن الحروب و المساجين عند الحديث عن السوء . سوماير كانت تعرف هذا , لهذا قالت :

    الحكم على أخطاء الآخرين في منتهى السهولة و يمنح المرء شعوراً جيداً .

    لا أحد يفعل ما يرغب دون المرور بمرحلة تسمى إما الندم , أو السقوط في بئر . عندما تتحول أخطاؤك إلى أسرار يجب مداراتها عن مجتمع مكون من مخالب و أفكاك فإنك لا بد مهما اشتدت ثقتك بنفسك أن تسقط مرةً في بئر أسرارك . إما أن يكون صديقك الذي يحدث أن تجرحه حينها . أو يكون دفتر مذكراتك الذي يحدث أن تحرقه فجأة بكل الذكريات المهمة و الأثيرة فيه .

    أحببت دور الراوي في سبوتنيك أكثر من دور سوماير . كنت أشعر أنها ستفعل أمراً غير متوقع في النهاية . و هذا ما حدث و بشكل مباغت يشبه أن فتاة تحبها .. فارقتها على حين غرة دون سبب ولا إنذار , تقف خلفك يوماً و تغطي عينيك بكفيها الدافئتين . فتكتشفان أنت و هي في تلك اللحظة فقط .. أنَّكما رغم عدم نسيانكما لبعضكما إلا أنكما لم تعودا تتذكران تفاصيل أحدكما الآخر كما يجب .

 

 
الصفحة 3 من 7 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •