رجاءات ..

(1) لا تعبث بالحنين.. دعه أرجوك
(2) لا تقضم قلبي أرجوك .. ناله مايكفيه
(3) أرجوك.. حينما يأتيك الموت .. أخبره عني







قبل الحافة:

كل حين اكتب اسمك وأتأمله بحنين ذائب












التقيته في مطار ما .. كندي يبلغ الخمسين من عمره ..
يتكلم بحكمة السنين، برغم أنه ليس كبيرا بما يكفي ليكون بكل هذه الحكمة ..
تحدث لي عن الموت .. وعن الفقد .. وعن الأحبة الذين يرحلون ..
تحدثت إليه عن ما أجده في قلبي .. وما أحسه .. كان يستمع إليّ
بإنصات عجيب .. وكأنه يفهم حقيقة شعوري الداخلي ..
سألته : أفقدت أحدا ؟
زم شفتيه وتنهد وقال : زوجتي وابنتي وابنائي الذكور الثلاثة ..

..
بعد فترة من الصمت سألته .. أتعيش الآن وحيدا .. ؟
أجاب : لست أعيش أصلا !!

..

لسنا نعلم شيئا عن الفقد .. إنه سر من أسرار هذه الحياة ..

..




في الطائرة أحاول أن أتجنب أي حديث مع أي أحد ..
حتى المضيف والمضيفة أتجنب الحديث إليهم، يكفيني
أن أغمض عيني وأتظاهر بالنوم ليعبروا بالطعام ويتركوني وشأني ..
في رحلة ما، وكنت عائدا حينها، جاورني شاب لطيف ومهذب،
كنت قبله في الجلوس على المقعد المخصص لي،
ثم جاء وجلس وبابتسامة طيبة سلم علي وقال: آسف أزعجتك ..
فرددت عليه : بالعكس عادي
ابتسم الشاب وحاول أن يضع حقيبة صغيرة تحت مقعده ويتهيأ للجلوس
قلت له: من الأفضل أن تضع حقيبتك بالأعلى .. أكثر راحة لك وأمانا أيضا
قال: بها (أغراض) أخشى أن تُـكسر، لابأس سأتركها هنا .. وسألني: هل ضايقتك؟
ابتسمت وقلت: نعم .. ثم أردفت مسرعا .. أمزح معاك .. خذ راحتك ..

.. أخرجت كتابا وبدأت في القراءة .. واستمر الصمت بيننا لمدة ساعة كاملة ..
أنا منشغل بكتابي وهو منشغل بالفيلم الذي يعرض في الطائرة ..
..
وبعد ساعة بدأت أراه يتململ في كرسيه ..
ويمسك برأسه .. سألته : سلامات عسى ماشر ؟
فأجاب : صداع
فسألته: منذ متى .. هل أتاك فجأة ؟
فأجاب : منذ دقائق
سألته: هل كنت تشعر به قبل الإقلاع .. أو في المطار ، هل لديك مشكلة في الضغط ؟
فأجاب: لا
..
استأذنته وقمت من مقعدي.. أخرجت حقيبتي من الدرج بالأعلى..
فتحتها وأخرجت منها حقيبة صغيرة وعدت للمقعد ..
فتحتها وأخرجت منها مسكنا وأعطيته إياه .. وقلت له : خذ هذه وما قدامك إلا العافية..
لاحظتُ الدهشة في عينيه ..
.. أحضرت المضيفة كوبا من الماء .. ليتناول المسكن ..
أعدت حقيبتي الصغرى في التي أكبر منها في الدرج العلوي ..
وعدت للجلوس أقرأ في كتابي ..
.. بعد خمس دقائق .. التفت إلي وسألني:
- هل أنت طبيب ؟
- لا
- هل أنت ممرض ؟
- لا
- عفوا .. أيش تشتغل ؟
- ابتسمت ابتسامة عريضة وقلت : متسبب ..

ولأنني أعرف أنه من جيل لا يعرف معنى كلمة متسبب،
فشرحتها له قائلا: متسبب تكتب في خانة الوظيفة
للذين لا يملكون عملا، ويعيشون على باب الله .. ويتسببون للحصول على رزقهم ..
ثم أردفت مبتسما ..
ألم تسمع الإخوة المصريين وهم يقولون : أهي سبوبة بناكل منها عيش .
ضحكنا سويا .. ثم عاد ليسألني .. ولماذا كل هذه الأدوية في الحقيبة ؟
فقلت مبتسما : بعضها لي وبعضها للطوارئ ..
شعرت أنه صمت على مضض ..
حيث لم تعجبه إجابتي .. وصدقا لا أدري لماذا .. فأنا لم أكذب عليه ..

تحدثنا كثيرا في تلك الرحلة ..
أعجبني فيه أدبه وأخلاقه التي بالتأكيد اكتسبهما من عائلته..
هو شاب يدرس الطب في سنته الثالثة خارج الحدود ..
مهذب إلى درجة يشعر فيها من يتحدث معه،
أنه مهما حاول لن يصل إلى هذه الدرحة من التهذيب..

سألته: ما أجمل شعور مر عليك أثناء دراستك للطب ؟
أجاب : اليوم الأول الذي لبست فيه البالطو الأبيض وذهبنا للمستشفى مع الدكتور ..
كنت أمشي في الممرات وأنا أشعر أنني أريد أن أساعد جميع المرضى..
وأن أخفف من آلامهم ..
فقلت له: أتمنى أن تظل طيلة حياتك تتذكر هذا الشعور ..
وتحافظ عليه .. هذا الذي يخلق الفرق بينك وبين الآخرين..
ثم أردفت: صدقني حينما تخرج للحياة العملية سيكون بداخلك إنسان وطبيب ..
إذا استطعت أن تحافظ على الإنسان في داخلك وتجعله دائما
يتغلب على الطبيب ستكون في الطريق الصحيح ..
وحينما يتغلب الطبيب على الإنسان ستكون مثلك
مثل الآف المساكين الذين أقنعتهم عائلاتهم ومجتمعاتهم
أن الطب هو الخيار الأفضل للمتميزين دراسيا..

ودعته في المطار .. وقلت له : تذكر جيدا أنك إنسان !!

..



أسأل نفسي كثيرا ما الحد الفاصل بين الإنسان واللا إنسان ؟؟
هي منطقة غائمة بالفعل .. وعائمة أيضا ..
هناك حد رقيق جدا.. بين القسوة واللين ..
بين المصلحة والمفسدة .. بين أن تكون قاسيا أو متعاطفا ورحيما ..
يصعب على الواحد فينا أن يكون إنسانا طوال الوقت ..
ولكن المخزي حقا ألا يحاول الواحد فينا أن يثبت أنه إنسان ولو لبعض الوقت !!
..








كان المطار في المدينة التي درست فيها الجامعة قريبا جدا من السكن الجامعي ..
وكنت باستمرار أذهب للمطار لشراء كوب كابتشينو ..
لقد كان كوب الكابتشينو هو الصدمة الأولى بالنسبة لشاب أتى من مكه ..
لم يعرف إلا الشاي بالليمون وقت العصر ..
أو في أحسن الأحوال الشاي بالحبق عند توفره.
منذ زمن وأنا مغرم بالمطارات ..
مغرم بها لدرجة "تجيب المغص أحيانا" !!
كنت أحيانا أجلس في المطار لتناول كوب الكابتشينو ..
وأحيانا أرحل أنا والكوب ..
في المرات التي أجلس فيها في المطار آنذاك كنت أراقب البشر واراقب تصرفاتهم ..

في المطارات ترى البشر على حقيقتهم .. تراهم بدون تزييف ..
ترى الحزن والخوف .. ترى الفرح وترى السعادة ..
في المطارات ترى الإنسان الذي يقبع بداخلهم دون أن تعبث به مساحيق زحمة الحياة !!

يفزعني منظر الحقائب الكثيرة .. وهي تدفع على عربة .. أسأل نفسي كثيرا ..
هل الحقائب مثلنا تشعر بالسعادة أو الحزن عند السفر .. ؟؟
هل الحقيبة القديمة تشعر بالأسى .. أو بالبرد .. أو بالمعاملة القاسية ..؟



كثيرا ما أفكر في هذا الأمر - أعرف أنه أمر قد يكون سخيفا - واحتار في سر
العلاقة بيننا وبين حقائبنا، هل تحبنا حقائبنا .. هل تشتاق لنا .. هل تفتقدنا ..
هل يؤذيها الغبار .. هل تتألم لأجلنا حينما نسافر ونحن محزونين ..
وهل تسعد مثلنا حينما نسافر ونحن سعداء ؟؟؟

..







قبل عشرين عاما ونحن صغار كنا في سفر ..
وأتانا اتصال أن ( موزة ) ماتت .. (رحمها الله)
موزة هذه هي ابنة خالتي واختنا في الرضاع ..
عدنا على الفور .. كانت موزة تعاني من ضيق صمامات القلب ..
وماتت وتركت وراءها طفلة في الثانية ..
بدأ العزاء في آخر يوم من شعبان واليومين الأولين من رمضان ..
كان موت (موزة) فاجعة للأسرة كلها .. كانت أول وفاة في العائلة ..
لم يكن عمرها ذلك الوقت سوى 21 عاما ..

.. ورغم الحزن الشديد الذي انتاب العائلة بالكامل على وفاتها إلا أن ابنتها (نسرين)
كانت مركز الألم الذي يتدفق إلى الجميع ..
كانت الطفلة نسرين كلما دخلت مجموعة من النساء إلى البيت للعزاء ..
تمسك بعباءاتهن وتنادي .. ماما .. ماما ..
كن النسوة يدخلن وهن منقبات فلا تعلم الطفلة أيهن أمها ..
حيث كانت تحسب أن أمها ذهبت وستعود ..
فكان النسوة يبدأن بالبكاء لمجرد رؤية الطفلة نسرين ..
وهي تناديهن ماما ماما ..
مؤلمة هي الحياة حينما تخذل طفلا .. ومؤلمة أكثر حينما تخذل طفلة ..
..
أصرت والدتي أن تعيش معنا نسرين ..
ورجت والدها أن يتركها عندنا حتى يتزوج وذلك الوقت له الحرية
أن يأخذها أو أن يتركها عندنا ..
أمضت نسرين معنا .. عامين ..
مليئة بالفرح واللعب والشقاوة ..
منذ طفولتها .. وهي شقية بالفطرة ..
كانت أختي الكبرى تدللها بطريقة يتمناها كل طفل ..
ثم تزوج والدها وذهبت معه وسبحان الله ذهبت أيضا في رمضان ..
وسط دموعنا جميعا .. وحينما رحلت اشترت لها
والدتي حقيبة كبيرة لتتسع لأغراضها وألعابها ..
وكل العائلة تذكر كلمة نسرين عند رحيلها وبصراخ الأطفال:
(أبغى ماما يمة ) .. وسر هذه الكلمة .. أنها تنادي أمي بماما ..
وهي تسمعنا ننادي أمي بـ يمة ..
فما كان منها إلا أن دمجت الكلمتين وأصبحت تنادي أمي بـ ( ماما يمة ) .
..
وكبرت نسرين .. إلا أنها منذ غادرتنا لم تنقطع عن أمي أكثر من أسبوعين ..
وهي إلى الآن تنادي أمي بـ ماما يمة ..
أتذكر نسرين الآن .. لأنني رأيت طفلة في المطار تشبهها قبل فترة ..
وقبل أيام أتتني رسالة من نسرين تقول فيها:
"خالي منير كيفك.. وبعدين معاك.. متى بتجي ..
على فكرة أنا مخططة في رمضان هذا آكل زبدية التطلي حقتك ..
وربي لتقوم حرب على هذه الزبدية .. انتظر وتشوف"


حينما قرأت الرسالة ضحكت كثيرا .. وتذكرت عناد وشقاوة هذه البنت..
وتذكرت زبدية التطلي.. وسرها الغريب ..



هذه الزبدية اسمها "زبدية منير" ..
وهي إناء زجاجي شفاف وصغير منذ أكثر من 25 عاما وأمي تضع فيه التطلي ..
ولا يأكل في هذه الزبدية إلا أنا ..
باعتبارها آنذاك الأصغر حجما بين بقية الزبادي التي تضع فيها أمي التطلي ..
ورغم أن والدتي غيرت طقم الزبادي المخصص للتطلي عدة مرات
إلا أن هذه الزبدية لم تتغير في كل سنة ..
وحتى بعد رحيلي من منزلنا بقيت هذه الزبدية ..
حيث يعرفها الكل بـ "زبدية منير" ..
بل حتى أن والدتي حينما تخرج هذه الزبدية من الثلاجة تقول ..
مين يبغى زبدية منير .. ؟
أصبح التنافس الحقيقي على هذه الزبدية بين الجيل الثالث من العائلة ..
وهم أبناء أخواني وأخواتي والصغار منهم تحديدا ..
والسر ليس في الزبدية فقط .. ولكن ما يوضع في الزبدية أيضا ..
حيث تضع أمي التطلي بالإضافة إلى ما نسميه
(الكدادة) وهي المنطقة المحروقة من القدر .. (الحليب والكسترد المحروقين في قاع القدر) ..
حيث يمنح ذلك التطلي معنى خاصا ومذاقا خرافيا ..لايعرفه إلا الذويقة ..
..



المذاق الحقيقي للتطلي بالنسبة لي في السنوات المتأخرة
لا يحلو إلا بكوب كابتشينو بدون سكر ..
قلت لأحد أصدقائي عن ذلك .. وسخر مني ..
وحينما جرب ذلك اكتشف الطعم الذي لا يمكن مقاومته ..
تطلي وكوب كابتشينو بدون سكر ..
إنه نعمة من نعم الله علي ..
..





أحب في أحد أصدقائي حبه للصدقة ..
كل عام وقبل أن يأتي رمضان .. يصرف 30 ريالا ..
وفي كل يوم يتصدق بريال واحد ..
سألته ذات مرة .. لماذا هذا المبلغ بالتحديد .. ؟
قال: بدأت هذه العادة حينما كنت في الابتدائية وأكره أن أغيرها ..
قلت له وكيف تعلمتها .. قال أوصاني مدرس لنا في الابتدائية .. بأمرين ..
أن نتصدق في رمضان كل يوم بريال ..
وأن نقرأ آية الكرسي بعد كل صلاة في رمضان وفي غيره ..
فسألته وهل تنفذ ذلك ..
قال : والله العظيم منذ الرابعة ابتدائي
حتى الآن ما تركت صلاة وماتركت آية الكرسي بعد كل صلاة ..
وفي كل رمضان أخرج في كل يوم ريالا كما أوصاني..
صمت قليلا .. وفرحت كثيرا لذلك المدرس الذي لا أعرف اسمه .. ولكنه الله يعرفه !!





..
كل عام وأنتم بخير ..




..


على الحافة :

كل حين أرسم قلبا وأكتب إسمك بداخله وأبكي كل هذا الحنين إليك



..


منير / المعلق من قدميه
9 - 8- 2010

الحاله : مضيع جمل خالته



هناك مثل شعبي متداول يقال : فلان مثل اللي مضيع جمل خالته إن لقيه غنى وإن مالقيه غنى
ويقصد بالمثل إن بعض الناس الحياة مو فارقة معهم .. عايشين والسلام ..





..

.
.