Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 49
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37

    أعراس آمنة - إبراهيم نصر الله.


    أعراس آمنة
    إبراهيم نصرالله
    (Google Books Limited Preview)


    عن الكاتب

    من مواليد عمان، من أبوين فلسطينيين، اقتُلعا من أرضهما عام 1948، درس في مدارس وكالة الغوث في مخيم الوحدات، وأكمل دراسته في مركز تدريب عمان لإعداد المعلمين. غادر إلى السعودية حيث عمل مدرسا لمدة عامين 1976-1978، عمل في الصحافة الأردنية من عام 1978-1996. يعمل الآن في مؤسسة عبد الحميد شومان -دارة الفنون- مستشارا ثقافيا للمؤسسة، ومديرا للنشاطات الأدبية فيها.

    أعماله الشعريةّ
    الخيول على مشارف المدينة – 1980، نعمان يسترد لونه – 1984، أناشيد الصباح – 1984، الفتى والنهر والجنرال-1987، عواصف القلب-1989، حطب أخضر-1991، فضيحة الثعلب 1993، الأعمال الشعرية (مجلد) - 1994، شرفات الخريف - 1996، كتاب الموت والموتى- 1997، بسم الأم والابن –1999.
    نُشرت مختارات من قصائده بالإنجليزية، والروسية، والبولندية، والتركية، والفرنسية، والألمانية.

    الروايات
    براري الحمى – 1885 (ثلاث طبعات)، الأمواج البرية – سردية 1988 (خمس طبعات)، عو 1990 (طبعتان)، مجرد 2 فقط 1992 (طبعتان)، طيور الحذر 1996 (ثلاث طبعات)، حارس المدينة الضائعة –1998- بيروت، طفل الممحاة 2000.
    تمت ترجمة روايته "براري الحمى" إلى الإنجليزية، وتترجم إلى الإيطالية والفرنسية.

    كتب أخرى
    - جرائم المنتصرين - السينما حرية الإبداع ومنطق السوق.

    معارض:
    - كتاب يرسمون - معرض مشترك لثلاثة كتاب – عمان 1993. مشاهد من سير عين.
    – معرض فوتوغرافي، دارة الفنون – عمان 1993.

    نال سبع جوائز على أعماله الشعرية والروائية منها:
    - جائزة عرار للشعر1991، جائزة تيسير سبول للرواية 1994، جائزة سلطان العويس للشعر العربي 1997.


    عن الكتاب

    بقلم محمود شقير: كأنك تعيش معنا، تضع يدك على وجعنا وهمومنا، أما الشيء الرائع أيضاً فهم أن تكتب عن مرحلة ما زلنا نعيشها.
    لقد وقعت على اختيار صحيح حينما قررت أن تكتب (الملهاة الفلسطينية) من جوانب عديدة مختلفة. ستكون بعد وقت ليس ببعيد رائداً في هذا الميدان، وستكون رواياتك المتعاقبة بمثابة ملحمة معاصرة للشعب الفلسطيني في إطار فني متجدد باستمرار.
    في روايتك (أعراس آمنة) اخترت موضوعاً صعباً هو الموت والشهادة، وهو موضوع يغري بالعويل والبكاء والندب والميلودراما. لكنك ابتعدت ببراعة عن كل ذلك، ورحت تستبطن الحالة الفلسطينية التي تقع بين حدي الفرح والحزن، العرس والجنازة، ورحت تحاور الموت بعمق وذكاء لتضيء جانباً جديداً في تجربة الفلسطينيين.
    روايتك هذه تمضي قدماً بسلاسة واقتدار. وإسناد البطولة والسرد للنساء أضفي على الرواية رونقاً وبهاءً: رندة ولميس وآمنة والجدة و(الملاكان) شخصيات لا تنسى. وكذلك الأمر في (تحت شمس الضحى)، فقد نجحت في تصوير أزمة هذه المرحلة الملتبسة، وفي رصد شخصية الدكتور، وهو آفة من آفاتنا الراهنة، هذا الدكتور نعرفه تماماً هنا. لقد أعطيت لشخوص روايتك حياة مجسدة على محو مقنع إذ لا يمكن نسيان الطفلين: نمر ونعمان، ولا يمكن نسيان أم الوليد، نورة، نعيم، ياسين، سليم، والدكتور، وكذلك وردة إنها شخصية نسائية ظريفة وخصبة.
    إنك تتحدث عنا بأسلوب آخاذ، وترانا بطريقة جميلة وصائبة وأنا أرى أنك تكمل ما لن يستطيع إكماله غسان كنفاني، متمنياً لك طول العمر لكي تنجز مشروعك الروائي الكبير.

    ** ** ** **


    بقلم د. محمد باجنيد: بالطبع لن تتعجبي ـ يا سمية ـ لو قلت لك بأنني قد قرأت الرواية في نفس الليلة ونمت معها وأكملتها بعد صلاة الفجر.
    (أعراس آمنة).. هي أول رواية أقرأها لـ (إبراهيم نصر الله) مع أنها – ربما – من أواخر ما كتب في سلسلته (الملهاة الفلسطينية)!.. أي حياة – يا سمية - هذه التي عشتها مع رندة ولميس والجدة وآمنة (آثار الحكيم) كما كانتا تظنان رندة ولميس!
    أعراس آمنة رواية حقيقية تحكي حياة الناس في (غزة) في واحدة من أكثر جولات الغدر ومواقف الصمود التي حصلت مؤخراً.. أعراس آمنة.. استنطقت كل شيء.. نعم.. عند (نصر الله) كل شيء يتكلم بلغة تجبرك على أن تنصت.. حتى الصمت كان يتحدث بطلاقة وببلاغة رغم قصر الزمن المتاح له للتجول!.. كل شيء تطوله القنابل والصواريخ والدبابات والطائرات كانت له روح.. الجدران والأبواب والطاولة والكرسي والتراب والقبور.. عند هذا الروائي البارع لا شيء جامد.. لا شيء يموت.. حتى الموت يولد من جديد.. وفي كل ولادة له تنطلق (الزغاريد).. ليس حباً له وإنما كرهاً لهؤلاء (الخنازير)!
    النساء يزغردن بعد أن يبكين بعيداً.. ينتظرن ساعة الموت التي تأخذ حبيباً.. يزغردن – يا سمية – وسيكثرن البكاء ساعة تعود الحياة في فلسطين بلا قنابل، بلا غارات، بلا أشلاء، بلا أضواء للنار تملأ السماء!
    الحياة في غزة – يا سمية – أكثر صدقاً من حياتنا.. هل تعرفين لماذا.. لأنها كما يرى (نصر الله) ترتبط بالموت والموت أخو الحياة بل توأمها تماماً مثل رندة ولميس اللتين تاهتا بينهما، فماتتا وبقيتا على قيد الحياة!
    لا معنى للحياة – يا سمية – بلا حرية.. والناس في غزة يموتون أحياءً ويحيون أمواتاً.. ويعيشون الحرية رغم طول الحصار وبشاعته.. أما نحن فنتساقط كل يوم بلا معنى ركضاً وراء أسهم (خائبة)، وسباقاً في طرق ملغومة بـ (الطيش).. كم خدعتنا الحياة – يا سمية – لأننا لم نتعرف على الموت.. لم ندعه يوماً للعشاء كما يفعل أهل (غزة)!
    (عزيز) يا سمية كان يسامر الموت كل يوم.. يصنع لضيوفه مقاعد مريحة.. يواصل عمله ولا يكاد يرتاح.. والموت – يا سمية – كريم في غزة.. يستقبل الكثيرين، وعزيز ظل وفياً له قبل أن يحل ضيفاً عليه!
    كم أنا محظوظ بدعوتك لقراءة هذه الرواية الأخاذة.. عذراً فما زلت أراك صغيرة لأنك تكبرين ابنتي شيماء بعام واحد فقط وربما أقل.. عذراً إن وقفت مندهشاً أمام هذا النضج الذي تبدينه في تفسير الأمور وفهمها.. ما زلت تلك البنت الصغيرة التي كانت (ترقص) في العيد مع ابنتي خالتها (شيماء ومارية) واختيها (هاجر وسارة).. كنت ربما في السابعة.. ما زلت أحتفظ لك بتلك الصورة.. وأنت اليوم – يابنيتي - تدخلين السنة الثانية في الجامعة وتواصلين هذا الشغف بالقراءة، وحين يكون في مكتبتك روائي وشاعر كبير مثل (ابراهيم نصر الله) فسأرفع لك القبعة، وأكون من رواد مكتبتك!

    ** ** ** **


    هذا الموت الذي كان ملعبا للإعلام بكل أشكاله وأسيرا لصورة نمطية جرى ترسيخها بوعي أو من دون وعي، حيث الأم تزغرد والأخت ترقص في استقبال جثمان أخيها، والولد ليس في قاموسه سوى كلمات جاهزة لا تمت بصلة إلى ذلك النشيج الذي يطحن قلبه وهو ينحني قرب وجه أبيه المضرج بالدم. لقد تم ترويج هذه الحالة إلى حد بات على البشر أن يحسدوا الفلسطيني على هذه السعادة الغامرة التي يرفل بأثوابها، سعادة أن لديه عددا أكبر من الشهداء، وباتت الأم التي لديها شهيدان أو أكثر، أشد سعادة من سواها التي ليس لديها سوى شهيد واحد!!
    هذه الرواية هي محاولة لقول ما لم يقل في هذه المسألة دون الوقوع في أسر الميلودراما المضادة التي هي بالتأكيد لا تقل فقرا وإفقارا لصورة الفلسطيني كإنسان. وكنت أدرك منذ البداية أن الإقدام على هذه التجربة خطير، وقد قال لي صديقي الدكتور فيصل دراج حين كنت أتحدث معه عن هذه الرواية قبل أن أبدأ بكتابتها: هذا موضوع يتسعه الشعر، وتضيق به الرواية. وقد كانت جملته تحديا آخر لي، وحين قرأ الرواية فيما بعد غيّر رأيه تماما.

    وعنّي!
    لا شيء. جعلني أندم فقط على كلّ لحظةٍ أتيحت لي لأعرف شيئاً عن بلدي -لم أعايشه- ولم أفعل، فخسرت بذلك شيئاً من تاريخي، لغتي، وهويّتي. جعلني أندم على الوعي الذي لم يزرني باكراً كما أتمنى الآنَ لو أنّه فعل، أندم أنني لم أكن أكثر حذراً مع ذاكرتي التي أصابتها عوامل حتّ وتعرية قبل أوان النسيانِ، فنسيتْ.. . وأشياء أخرى كثيرةٌ، لا يصحّ ذكرها كي لا تفقد قيمتها -أمامكم- في قلبي.



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37
    على الغلاف
    يتأمّل الشاعر والروائيّ إبراهيم نصرالله في مشروعه الملحميّ الكبير (الملهاة الفلسطينية) 125 عاماً من تاريخ الشعب الفلسطيني، بدءاً من نهايات القرن التاسع عشر، برؤية نقدية عميقة ومستويات فنية راقية، انطلاقاً من تلك الحقيقة الراسخة التي عمل عليها دائماً والتي تقول بأن إيماننا بالقضايا الكبيرة يحتم علينا إيجاد مستويات فنية عالية للتعبير عنها. بدأ نصرالله العمل على هذا المشروع عام 1985، وقد صدرت منه ستّ روايات لكل رواية أجواؤها الخاصة بها وشخوصها وبناؤها الفنيّ واستقلالها عن الروايات الأخرى.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37
    الذي يُجبرنا على أن نزغرد في جنازات شهدائنا هو ذلك الذي قتلهم،
    نزغرد حتّى لا نجعله يحسّ للحظةٍ أنّه هزمنا
    وإن عشنا .. سأذكّركِ أننا سنبكي كثيراً بعد أن نتحرّر.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37
    كانت واحدة من الليالي الثقيلة،

    لا أستطيع وصفها بأقلّ من ذلك..
    خطر لي أن أقوم بكتابة تحقيق صحفي عنوانه (من يستطيع النوم؟) ولكنني لم أفعل، فقد كان يكفي أن أقوم بكتابة هواجسي الليلية، يوماً بعد يوم، لأدركَ ما الذي يحدث في "غزّة".
    كانت واحدة من الليالي الثقيلة.
    لستُ أدري في أيِّ وقت استطعتُ إغلاق عينيّ، رغم أنني بتُّ أشكُّ تماماً، فيما إذا كنتُ أغلقهما أصلاً حينما أنام.
    من يستطيعُ النوم ؟
    كانت الدَّقاتُ على الباب كافية لأن توقظني.
    كلّ شيءٍ يختلط في هذا الرأس الصغير، الذي طالما وصفته أمي تحبباً:
    "انظروا، صاحبة الرأس الصغير، وأختها، في الواحدة منهما عقلٌ أكثر مما فيرؤوسكم مجتمعين. لو أنّ الله لم يرزقني سوى البنات، لكنت أسعد أهل غزّة".
    كانّ ذلك يسرّني، ويزعجني.
    من السيّء أن تملك رأساً صغيراً في وطن ليس فيه سوى الهراوات الكبيروة وفوهات البنادق المتطلعة إليك.
    لكنني حسمتُ الأمر في النهاية لصالح رأسي. نعم حسمته لصالح هذا الصّغر، واتّخذت ما يكفي من الاحتياطات الملائمة لحجمه، عكس توأمي وشبيهتي..
    ابتعدتُ عم مدى الهراوات ما أمكن، لأنني صرت على يقين من أن ضربة واحدة تكفي لتهشيمه، وقلتُ: لن يكون بإمكان القنّاصين إصابته وهو بهذا الحجم، مع أنّ الأيّام ستثبت أنني كنت مخطئة في هذا!
    كانت تلك الأحاسيس تنتابني في الانتفاضة الأولى، أما الآن، فلا أعرف تماماً ، إن كنت ما زلت أفكّر بالطريقة نفسها أم أنني أتذكر تلك الطريقة التي كنت أفكر بها!.
    زمنُ طويلُ من القصف: قنابل وصواريخ، دبابات وطائرات مروحيّة، وحتى مقاتلة، كان يكفي لزعزعة عيارات السمع لديّ، مع أنّ كثيرين صاروا يتباهَون -كما في كلّ حرب- بدقّتهم في تحديد أنواع الأسلحة، لكنني لم أكن منهم، وظلّ هذا الأمر هو الأكثر قدرة على إثارة دهشتي، فمن يستطيع أن يفرّق بين طرقات قوية على باب، وبين أصوات القنابل في إفاءة عثر عليها بأعجوبة في نهايات الليل.

    - رجعوا يقصفوا، أم هناك من يطرق الباب؟ سألت أمي، وقد أثبتتْ أنّ خبرتها لا تقلّ عن خبرتي!!

    نهضتُ، أعرف أنّ أحداً لن يفعل ذلك سواي، وليس هناك الآن سوى جدّتي في الغرفة التي (ترتاح فيها) لأنّ صوت الرّصاص لا يبلغها تماماً، كما تردّد دائماَ.

    - صباح الخير.
    - صباح النّور.
    - أمّكِ موجودة؟
    - موجودة.
    - وأبوكِ ؟
    - أبي! أنتِ تعرفين، في السّجن !
    - نسيتُ، يلعن الشيطان!
    - الاحتلال ؟!
    - أظنُّ، في غيره ؟!
    - تفضّلي !
    - لا. قبل أن أتفضّل، أريدُ أن أطلب منكِ طلباً واحداً، فأنت مثل ابنتي. وصمتتْ. كنتُ أحلم دائماً أن يكون لي ابنة مثلُك، أو مثل أختكِ، ولكن إن ساعدتني سيكون لي بنت!!
    - ماذا تقصدين ؟
    - ستكون أختكِ ابنتي !!
    - ومن قال أنّها ليست ابنتكِ ؟!
    - ابني كِبر، كبر بما فيه الكفاية، وأختكِ صبيّة ما شاء الله، تملي العين، مثلكِ! وكما ترين، الدنيا بين الحياة والموت، وقد فكّرت بأنّ هذا الوقت هو الأنسب لأزوّجه، وأريدكِ أن تقنعي أمّكِ. صحيح أن وجود أبيكِ في السّجن يجعل الأمر غير مناسب في نظر بعض الناس، لكنّ ذلك لا بدّ منه، فلو انتظرنا حتى تتحسّن أحوالنا ويرحل الاحتلال، وتتحرر فلسطين، ويعود جزءها الذي الذي احتلّوه قبل هذا الجزء، لكان الأمرُ مصيبة، ولا أحدَ تزوّج ولا أحد خلّف.

    كان طلبها كافياً لعقد لساني تماماً، فوجدت نفسي أشبه بخشبةٍ تستندُ بوهنٍ إلى حلق الباب، بعد زمن، أظنّ أنها قال فيه الكثير، وجدت نفسي أهزّ رأسي دون أن أدرك معنة ما أفعله، لكنّها فهمت هزّة رأسي كما تشتهي.
    خطت الخطوتينِ اللتين تفصلاننا، وطبعت قبلة على جبيني.
    - لقد قلتُ، ليس لي غيركِ، وصدق قلبي.
    وفجأة استدارت تهمّ بالذهاب.
    امتدّت يدي، أدركتها قبل أن تبتعد، التفتت إليّ وكانت يدي تقبض على طرف ثوبها الأسود الطويل.
    - أدخلي، نشرب الشاي معاً على الأقلّ، ونفطر. قلتُ لها.
    - لا ، لا. الشاي نشربه بعدين. ولست جائعة، الآن سأمرّ على البيتِ آخذ بعض الأشياء التي أحتاجها، ثمّ أذهب لأطمئنه. تعرفين، الولد يحبها منذ زمن طويل، وكنت أنتظر اليوم الذي يكبر فيه. أعرف انها أكبر منه قليلاً، لكنه استطاع أن يكبر ليلحق بها، هل رأيت أحداً يحبّ إلى هذا الحدّ؟ اليوم عيد ميلاده، لماذا لا تأتين؟ رائحتكِ من رائحتها. سأقيم حفلاً صغيراً.
    وأخذها صمتها بعيداً.
    واصلتُ النظر إليها. متعبة كانت كما لو كانت على مشارف الستّين، لكنها كانت طويلة كما عرفتها دائماً، رغم أنّ الأعباء الملقاة على قلبها كافيةٍ لسحق قامة سنديانة.
    - أنا أبشّر الولد، وأنت تبشّرين البنت، ما رأيكِ ؟!
    وثانيةً وجدت رأسي يهتزّ، دون أن أدري ما الذي يعنيه ذلك، لكنها فهمت هزّة رأسي كما تشتهي، اندفعت نحوي، قبّلتني من جبيني ثانيةً، تراجعت قليلاً، تأملتني، ثمّ قالت: مالي في هالدنيا غيرك، الله يرضى عليك، جبرتي خاطري، والله لو كان لي ولد ثاني لزوّجتك إيّاه.
    - ولو خالتي آمنة، وهل أنا بحاجة إلى دليل لأعرف كم تحبّينني؟
    امتلأت عيناها بالدموع. استدارات، ورحت أراقبها تبتعد، وغطاء رأسها يرفّ محاولاً تقليدَ جناحٍ بلا جدوى.

    ***


    - من يطرق بابنا من صبيحة الله هذه؟
    سألتني أمّي دون أن تستطيع أن تفتح عينيها.
    - صوت القنابل. قلت لها، وأعدتُ: صوت القنابل.
    - كنت متأكدة من هذا، ولكنني ظننتُ أنني أحلم. الله لا يخلّي واحد فيهم، خلطوا ليلنا بنهارنا. ألا يتعبون، ألا ينامون، هل هم طرش لا يسمعون صوت القنابل التي يطلقونها؟!!

    حين أصبح رأسي تحت اللحاف، سألتني: كم الساعة الآن؟
    - السادسة.
    - السادسة، قومي ، ألم تشبعي نوماً ؟!!

    يُتبَع

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37

    قلتُ لهم إنَّ الشمسَ قد أصبحت في وسطِ السماءْ،

    قلتُ لهم هذا الكلامَ مائة مرّة، لكنّ أحداً منهم لم يتحرّك، قلتُ لهم، ما هذا الكسل الذي نزل فجأة عليكم، لم تكونوا هكذا من قبل، لا الزوجُ ولا الابنُ ولا الأخ، لقد نمتُم كثيراً، أكثر مما يجب، وعليكُم أن تصحُوا الآنْ، أن تروا الشمس، على الأقلّ، وأن تتحدّثوا معي قليلاً قبل أن أذهبْ.
    قلتُ لهم إنّ الشاء جاهز، والفطور جاهز، والمواضيع التي سنتحدّث فيها جاهزة، لأنني أفكّر فيها منذ زمنٍ طويل، لكنّهم ظلّوا نائمين.
    من أينَ نزل هذا الكسلُ يا ربّي، عليهم فجأة، لو كان قلبي أقسى ممّا هو عليهِ قليلاً، قليلاً فقط، لانتزعتُ هذه الأغطية عنكم ونثرتُها في الجوّ، وحوّلتها إلى عاصفةٍ، لكنّ قلبي لا يُطاوعني.
    حنون من يومه!
    من كان يقول هذا الكلامُ غيرك يا مصطفى، يا أخي الأحنّ منّي، يا أخي الذي لم يفارقني، حين فارقني اأىخرون، حين ذهبُوا، بعذهم للأردنّ وبعضهم لوريّة، وبعضهم وصل السويد.
    هل تذكر، راحوا يتطلّعون للجهات، ويتسمّعون صوتها، قلت لهم: أعرف أنّ كلّ جهةٍ تُنادي واحداً منكم، وسيسمعُ صوتها وحدّه، من دون بقيّة أصواتِ الجهات الأخرى، ويتبع الصوتَ حتى يختفي فيه. هكذا قلت لهم، كأنك فيلسوف والله، وحين قالوا لك ساخرين، وأنت يا أستاذ مصطفى: ما هي الجهةُ التي تناديك ولا تسمع سوى صوتها؟ أشرتَ للأرضْ.
    قالوا لك: الأرض ليست جهة، الأرض مكان، أمّا الجهات ففوقها.
    قلتَ لهم: كلّ الجهات تلتقي هُنا، فيها، ومن يملكها يملك الجهات جميعها.
    الله، لقد أطربني كلامك يومها، لا ، ليس لأنك ستبقى عندي هنا، في غزّة، بعد زواجي، حين أرادوا لي أن أبقى شجرة وحيدة، بلا سند، في وقتٍ لم يكُن جاءني فيهِ الولد; لا، أطربني لأنّه أطربني، وقد أطربها، رندة، حينَ أعدتُه على مسامعها، فقالت لي: مسموح لي أن أكتُبَ هذا الكلام؟
    فقلتُ لها مسموح. وكتبتهُ في دفترها!
    كم مصطفى لي؟ آه؟ قل لي كم مصطفى لي؟ مصطفى الذي أصرّ على أن أتعلّم، وأتخرّج من الجامعة، ألا يستحقّ أن أفهم كلامه إلى هذا الحدّ وأن يطربني؟
    سامحني، يا مصطفى، ولكنني سأقولُ لك، إن الذي لم يجرّه خوفه على أولاده، جرّه حلمه في أن يكون له حلم خارج شقائنا هذا على شطّ غزّة. لا ، لا تفهمني غلط، فحتى لو كنتَ متزوّجاً، ولك أولاد، لبقيتَ هنا، معي، حتى لو كان لك عشرونَ ولداً تخاف عليهم لبقيت معي، وقد قلتها بنفسك، رغم أنّك لم تقلها: وآمنة، نتركها لمن هنا؟!
    أعرِفُ أنّني لم أسمعها، لكنّك بالتأكيد قلتَها لهم، وكان يسرّهم أن تبحث عن سبب آخر للبقاء معي، وأن تشير إلى جهتك الوحيدة، جهتك التي تتجمع فيها الجهات كلها، كي يبرّئوا ضمائرهم، وهم يتهامسون في آذان بعضهم البعض: على الأقلّ هناك من سيبقى ويرعى أختنا.
    وقد بقيتَ، بقيت تماماً، قلت لهم: هناك أسطورة فلسطينيّة تقول إنّ الله يخلق الإنسان من ترابين، تراب المكان الذي ولد فيه، وتراب المكان الذي سيموت فيه. لقد عرفتَ من زمان، أننا خلقنا من هذا التراب وحده، لأنّنا عليه ولدنا وعليه نموت، وقد يكونُ تراب أخوتي هو الذي يناديهم، تراب موتهم، أمّا نحن، فالذي ينادينا ترابُ حياتنا، هكذا من الأول، ومن منا لا يستطيع أن يسمعَ نداءً بهذا الوضوح؟.
    أنت تذكر حكايةَ الشهيد محمد موسى أبو جزر، تذكرها طبعاً، إنها تصديق لكلامك الذي قلته، كيف يمكن أن نفسرّها؟ رجل يغيب أربعين عاماً عن وطنه، ويشارك في معارك لا حصر لها خارج فلسطين، وبعد أن يعود يستشهد وهو يجافع عن (رفح)، هنا ، قربنا.
    الله، الله يا مصطفى!.
    لقد فهمتُ الآن، فهمتُ الآن كلامك الذي قلته لهم، فهمته يا مصطفى، الله كيف أشرق فيَّ، فجأة، كالنّور، فهمتُ لماذا أشرت إلى التراب. كنتَ تسمعه، ولم تكن تخبرني، فهمتُ يا مصطفى، ليس هناك مبرر أن أكون قد سمعتُ هذه الأسطورة أو لا، المهمّ أننا نحسّها، لأنها فينا، فيك، في دمك ، أمسعها تجري.
    كيف لم يفهموا؟
    أتذكّرك ، دائماً كنت تسبقهم عشر خطوات، على الأقلّ. لا أريدُ أن أبالغ، لم أعد أحبّ المبالغة، فالزمان بالغ معي بما يكفي ويزيد. دائماً كنت تسبقهم عشر خطوات على الأقلّ. أتذكّر، حين جاء جمال لخطبتي، حين حدّث أبي، وحين ارتبك أمام سؤاله الذي لم يكن مفاجئاً، السؤال المتوقع الذي يسأله أهل أيّ عروس: من وين بتعرف البنت؟!
    ارتبك الحزين!! قال لي إنّ السماءَ سقطت على رأسه، وبعد قليل عرف أنها كانت ممتلئة بالغيون. هكذا كان يستعيد الحكاية ويضحك: غرقتٌ في ماء لم أر مثله يا آمنة، لا، ليس عرقاً، لو كان عرقاً لأحسسته يتسلل من تحت ثيابي، بكنها كان يأتي من تحتها ومن فوقها.
    قال له: وتحبّها أيضاً !.
    وتجرّأ الحزين وقال له: وهل على الرجل أن يتزوج المرأة التي يكرهها؟!
    - بتتمسخر عليّ ؟!
    هكذت صرخ أبي في وجهه. بتتمسخر عليّ؟ ما في عندي بنات للزّواج!.
    وحدك الذي وقفت معي، وحدك الذي قلت لي تلك الكلمات البسيطة: ولا يهمّك!
    - ولا يهمني، كيف ولا يهمّني؟ إن لم يخطبني اليوم، فمتى يكون ذلك، بعد أم يعود من مصر؟ لم تزل أمامه أربع سنوات حتى يتخرج، والله يعلم ما الذي يمكن أن يحدث في أربع سنوات.
    وأعدتَها: ولا يهمّك !.
    فقلتُ: ما دمتَ أعدتها، فإنك تعرف ما الذي تقوله، ما الذي تعنيه، فلم أفتح الموضوع ثانية.
    وقلت لي: لا تقطعي أهله، زوريهم، إنهم يحبونك، عيشي معهم كما لو أنّكِ واحدة منهم، خطيبة ابنهم، وزوجة المستقبل.
    - فِكْرَك !؟
    - طبعاً.
    - ولكن أبي سيُجنّ.
    - سيُجنّ؟ لا، لا أظنّ ذلك، سيُجنّ لو أنّ جمال هنا في غزّة، وليس في مصر، سيجنّ، ربّما، في البداية فقط.
    كلّ ما قلته حدث، نعم، كل ما قلتَه. أرغى وأزبد، وشتم، وحين قلتَ له/ تزور ثاحباتها، أخواته، فجمال في مصر، وليس هناك سوى الختيار والختيارة والبنات. قال: وليكن! لا تزورهم، يعني لا تزورهم!.
    لكنني عشتُ معهم في البيت طوال تلك السنوات أكثر مما عشتُ في بيتنا، ويوماً بعد يوم، لم يعد يسألني: أين كنتِ؟ كان يراني سعيدةً بوجودي معهم، الله يرحمه، لستُ أدري لماذا كان عليه أن يبدو قاسياً. هل هنالك سبب سوى أنه أب، وأن همومنا أكبر من جيل؟!
    ناداني، وقال لي: تزوّجيه يابا. أفضلُ بيت للبنت هو البيت الذي يحبها فيه أهل زوجها أكثر منه. الآن أعرف انهم يحبونك!
    وصمت طويلاً. ثم قال لي: أما أن يأتي هو ويقول لي بأنه يحبـ. . هكذا من الباب للطاقة، فهذا لا يجوز، فهمتِ.
    قلتُ له: حاضر.
    وعندها راح يضحك ويضحك : هل اعتقدت أنني أقولُ هذا الكلام عن جدّ؟!!
    وراح يضحك ويضحك حتى مات.
    الله يرحمه.

    ** ** **


    وها أنا أضحك وأضحك، وأحسّ بأنّ ضحكي فاق كلّ الحدود.
    لا بدّ لي من أن أبكي قليلاً إذن.
    ها قد بكيتُ !. ولكنني لا أعرف الآنَ إن كنتُ أمسحُ دموع الفرح أم دموع الحُزن، والله إنكم حيرتوني!!
    وبعدين يا ولاد.
    الشمسُ أصبحت في وسط السماء، ما هذا الكسل الذي نزل فجأة عليكم؟ لم تكونوا هكذا من قبل، وعليكم أن تصحوا الآن، أن تروا الشمس على الأقلّ، وأن تتحدّثوا معيَ قليلاً، قبل أن أذهب.
    مصطفى/ مصطفى، لا تنسَ عليك الكثير، فأنت خال الولد. وأنت يا صالح، قوم، قوم شوف الشمس، شمس عيد ميلادك، لا تفوّتها، شوفها، هذه شمس عامك الجديد، شمس سعدك. يا كسول، يا أهبل! هل يفوّت أحدٌ شمسه، شمسه التي تشرق له وحده، أنظر، حتى الغباش لا وجود له اليوم، حتى الدخان غير موجود. هل تعرفُ من متى أنتظر هذا اليوم؟!!
    منذُ .. لا أدري، وأنا أعدّ على أصابعي، لكن ما يدهشني أن أصابعي لم تعد تنتهي، وللذلك بقيتُ أعدّ وأعدّ، ليلاً نهاراً، حتى توقفت فجأة، وعندها انتبهت، وعرفت أنك قد كبُرت.
    الآن، سأقول لك سراً، ولك لا تبُح به لأحد، لا تبُح به حتى للتراب، لأن الريح ستعرفه! لقد فكّرت طويلاً، طويلاً جداً، ولم أجد أفضل من هذت. سأزوّجكما.
    لا تريدُ أن تنهض، بلاش !
    ها هو الشاي يبرد قبل أن تشربوه، والله لستُ أدري لماذا أتعِبُ نفسي بهذا كلّ يوم.
    أمّا أنت يا مصطفى فها أنا أقولها لك، سأذهب وأخطبها وحدي إن لم تنهض.
    لن تنهض!!
    طيّب !!
    إذا أفاق قبل عودتي لا تقُل له أيّ شيء. إيّاك! لأنني سأجعلها لهُ مفاجأة.




  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    قلتُ لهم إن الشمس قد أصبحتْ في وسط السماء، قلتُ لهم هذا الكلام مائة مرة، لكن أحدًا منهم لم يتحرَّك، قلتُ لهم، ما هذا الكسل الذي نـزلَ فجأة عليكم، لم تكونوا هكذا من قبل، لا الزّوجُ ولا الابنُ ولا الأخ، لقد نمتم كثيرًا، أكثر مما يجب، وعليكم أن تصحوا الآن، أن تروا الشمس، على الأقل، وأن تتحدّثوا معي قليلًا قبل أن أذهب.
    ...
    اختيار جميل
    وطرح موفق يا ايلياء..أرجو ان لا يتوقف.

    تحية لك.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37
    أحياناً تمرّ أيّامٌ كثيرة،

    دون أن أرى أخويّ جواد وسليم،
    دون أن أرى أحداً،
    خطفاً يمرّان، في الظلام غالباً يقبّلانِ يديّ أمّي ويطمئنّان علينا، وهما لا بعرفان أننا نحن الذين نطمئنّ عليهن.
    أحياناً تمرّ أيام كثبرة دون أن أراهما.
    لا، ذلك لا يعني أنني أمضي اليوم وراء باب مقفل. فأنا الوحيدة ربّما التي لا يستطيع مكان ما أن يبقيها داخله أكثر مما تُريد.
    -بصلتك محروقة! تقولُ لي أمي، وأقول لها: لا يتعلقُ الأمر بالبصل أو بسواه، لكنّني أحسّ أنني جالسة باستمرار في مقلاة تحتها نار.
    أخرج للشوارع كي أرى، فلا أرى شيئاً.
    نحنُ كثيرون في هذا الشريط الضيّق إلى حدّ أنني لا أستطيعُ أن أرى أحداً تماماً.
    في البيت كثيرون، في الشارع، في المدرسة ، في السوق، وأحسّ أننا لو نظرنا مرة واحدة للبحر فستبتلعه أعيُننا!.
    وكثيرون في أحزاننا ..
    - كان يلزمنا قلوبٌ أكبر كي تتسع لكل هذا الأسى. قالتها ذات مرة جدتي، ولم أفهم كلامها إلا بعد زمن طويل. وذات يوم سألتها: كيف تفسرين أنّ أحلامنا لم تصغر في أيّ يوم من الأيام ؟
    التفتت إليّ وقالت: ما الذي تعنينه ؟
    قلتُ لها: قبل سنواتٍ قلتِ:كان يلزمنا قلوب أكبر كي تتسع لكل هذا الأسى.
    فالتفَتتْ إليّ دَهِشَةً قالت: أنا قلتُ هذا الكلام ؟!
    - نعم أنتِ، وهو مسجّل في دفتري أيضاً.
    - إذا كنتُ قلتُ كلاماً كهذا، وأنتِ كتبتِه، فإنّ هذا الكام صحيح!
    قالت.
    - وماذا عن أحلامنا؟ سألتها.
    - أحلامنا لم تكبر. قالت.
    - ما الذي تعنينه ؟
    - أحلامنا لم تكبر لأنها أحلام صغيرة منذ البداية. الأحلامُ، كلّ الأحلام تولد صغيرة وتظلّ صغيرة، ولذلك، ليس غريباً أننا نحن من نرعاها طوال العمر. لو كانت الأحلامُ كبيرة لقامت بنفسها لترعانا.
    - مسموح لي أكتب هذا الكلام ؟
    - مسموح ، بس ما تزيدي من عندك!
    طبعاً، كلام كهذا لم أكن أسمعه على الطّالعة والنازلة كما يُقال. كان يجبُ أن أحضّر له الجوّ الملائمَ الذي يمكن له أن يتفتحّ فيه، ولم تكن جدّتي ذات مطالب كثيرة كي تصل إلى تجليها هذا. كل ما يلزمها أوقيّة بزر بطيخ، وفنجانُ قهوةٍ كبير تختتم به القزقزة بعد وصلةِ مديح لأسنانها القوية التي لا تشبه أسنان بنات هذه الأيام، ولا بدّ أن يكون ذلك ما بين التاسعة والعاشرة ليلاً، لأنها تبوحُ بما أتمنى سماعه في هذا الوقت ، وتنام.
    - لا شيء يجعلني أنام كالقهوة! تقولُ لي.
    وتذهبُ في نومٍ عميق.
    أحياناً ، في بعض الليالي، تصحو على صوت القنابل، فتأتي إلى فراشي، تهزّنيي إلى أن أفيقَ فتسألني: من أين اشتريتِ القهوةَ آخر مرّة؟
    فأقولُ لها نصف نائمة: من عند "أبو مسعود".
    - لا، لا تشتري القهوة منه مرة أخرى، قهوته خفيفة، خفيفة إلى حدّ أن رصاصة واحدة تمرّ في الجوّ تجعلني أصحو. اشتري لي من قهوة "المغربي" فهي الوحيدة التي تبقيني نائمة حتى السابعة صباحاً.

    ** ** **

    ظلّت جدتي صديقتي الوحيدة، عكس توأمي التي كان لديها من الصديقات ما يكفي عشر بناتٍ وحيدات.
    ظلّت جدّتي صديقتي الوحيدة إلى أن وصلت آمنة، فقالت جدّتي: الحمدلله أن هذه المستورة قد أصبحت جارتنا، لأنها خففت من أوجاع رأسي الكثيرة التي تسببينها لي بأسئلتك الكثيرة التي لا تنتهي.
    وقالت أمي معلقة: العجيبُ أنها لا تستطيع الجلوس في مكانها خمسَ دقائق، ودائماً في الحرة، لكنها غير قادرة على إقامة علاقة صداقة واحدة مع أيّ بنت أكثر من يومين. وإذا لم تجد أحداً تقاتله، تقاتل خيالها!.
    فأردّ: وما الذي يمكن أن أفعله؟ أن أجامل وأجامل؟. كلما تعرفتُ إلى واحدة أحسستُ بأنّ الذي يلزمها (حفاظة) لا صديقة. بنات جاهلات !!
    - اسم الله عليكِ يا عبقرية زمانك! تقولُ أمّي ساخرة.
    وتضيفُ أختي: بتفكّر نفسها طه حسين.
    - طه حسين مين؟. تسأل جدّتي: بقربلنا ؟!
    - هذا كاتب يا ستّي. تجيبُ أختي.
    - كاتب عدل ؟
    - لأ ، كاتب كُتب.
    - كُتب زواج يعني ؟.
    - لأ ، كاتب كتب من التي نقرأ مثلها في المدارس.
    - ولماذا لم تقولي هذا من الصبح. هيك أحرجيتيني !.
    - متأسفة يا ستّي. تردّ أختي وترمقني بنظرة من طرف عينها. كما لو أنها نجحت، وأنا سقطتُ في الامتحان للمرة العاشرة.

    *** *** ***

    آمنة، كانت أشبه بنسمة، مرت ذات يومٍ من شارعنا، توقفت قليلاً، أعجبها المكان فقررت أن تقيم فيه.
    حين دقت بابنا، كنتُ أنا أول من يراها من أهل بيتنا، جميلة كممثلات السينما، تشبه "آثار الحكيم". تشبهها كثيراً.
    سألتني: هل هنالك بيوت للإيجار هنا؟
    - للإيجار لا، ولكن هنالك بيت للبيع.
    - للبيع؟. لم نفكر بشراء بيت. وأظننا لا نستطيع.
    كانت تحدثني بلهجة من يعرفني من سنوات طويلة، تحدثني كبنت كبيرة، وليس كبنت صغيرة أطلت من نصف باب. شجعني هذا كثيراً، أشرعتُ الباب كلّه.
    وقفتُ محتارة، ثم سألتني: وأين البيت؟
    أشرتُ بيدي نحو البيت المجاور لبيتنا: هذا .
    رجعتٌ خطوتين للوراء، نظرتُ صوب البيت، أحسست أنها لن تر شيئاً، فمضت إلى الطرف الثاني من الشارع، كانت تتأمل البيت وكنتُ أتأملها.
    بعد قليل سارت باتجاهي: في البيتِ نخلة!.
    قلتُ لها: نعم، في البيت نخلة، وهنالك نخلة أخرى يحجبها السور.
    - شكراً. قالت لي ثمّ مضت.
    أيام طويلة مرة، لكنني لم أنسَ وجهها، حدثت جدتي عن تلك المرأة التي جاءت وسألت عن بيت هنا في حينا، وقلتُ لها إنها تشبه آثار الحكيم.
    فقالت لي: تشبه الدكتور عبدالله!.
    - يا جدتي، الحكيم اسم أبوها.
    - اسم أبو مين ؟
    - آثار.
    - آثار. وهل للآثار آباء مثلنا؟
    - يا ستي، آثار الحكيم اسم ممثلة مصرية في السينما والتلفزيون.
    - ولو!. وهل تشترى الأسماء في مصر ليسميها أبوها آثار؟ ثم لنفترض أنّها تشترى، فقد كان يمكنه أن يشتري اسماً أجمل لها، بخاصة وأنه دكتور!.
    - يا ستي، الأسماءُ لا تشترى.
    - تريدين أن تعلميني أن الأسماء لا تشترى؟. بتفكريني هبلة؟. طبعاً الأسماء لا تشترى، ولكن هيك المثل.
    - بس بذمتك يا ستي، اسمها، كله على بعضه، أليس جميلاً ؟.
    - بصراحة، متزعليش مني!. لأ مش حلو، شوفي إسمي شو حلو، (وصفيّة) بذمتك مش أحلى من كل أسماء هذه الأيام؟
    - طبعاً.
    - أها، اعترفتِ!.

    ** ** **

    ذات يومٍ سمعتُ الباب يُطرق، خرجتُ فوجدته أمامي، فرحتُ، فرحتٌ كثيراً، وحين رأيت رجالاً يفرغون الشاحنة أمام البيت المجاور، تركتها واقفة، قبل أن أعرف ما الذي تريده، ورحت أعدو للداخل صارخةً بفرح: آثار الحكيم ستصبح جارتنا، ستصبح جارتنا!.
    سألتني أختي: آثار مين ؟
    - آثار الحكيم .
    - مجنونة أنتِ. آثار الحكيم شو بدّه يجيبها على غزّة ؟
    - لكنها نهضت وراحت تجري للباب الخارجي.
    بعد قليل عادت صارخةً: آه والله!!.
    خرجت أمي على صراخ الفرح المباغت الذي هبّ في أطرافنا: كنتُ أتمنى أن تكون الواحدة منكنّ بنصف هذا النشاط حين أطلب منها شيئاً. بدل هذه النطنطة الفارغة. واتجهت للباب.
    - أهلاً يا أختي. سمعناها تقولُ ذلك.
    كنا نقفُ خلف أمي ونحن نتقطع غيظاً لأنها لم تعرفها، لأنها تخاطبها كما تخاطب أيّ جارةٍ من جاراتنا، أهلاً يا اختي.
    ونسيتُ أنا نفسي أنها امرأة تشبه آثار الحكيم، وليست آثار نفسها، حين صدقت أختي بأنها هي. وقلتُ: كنتُ هبلة فعلاً !
    - عليّ أن أتعرّف على جيراني قبل أن أتعرف على بيتي. الجار قبل الدار. ثمّ اضافت: أختكِ آمنة، أم صالح. قالت لأمي، وراحت تشير بفرح إلى بطنها المتكوّر. بطنها الذي اكتشفتُ أنني أراهُ للمرة الأولى.
    - أهلاً وسهلاً. قالت لها أمي. تفضلي.
    - اسمحي لي، في يوم آخر.
    - أم صالح!. قالت أختي.
    - أم صالح!. قلتُ.
    - وحامل!. قالت أختي.
    - وحامل!. قلتُ.
    - لا يمكن أن تكون آثار الحكيم. قالت أختي.
    - بل هي آثار الحكيم، ولا بدّ أنها اعتزلت الفنّ، وقررت أن تتفرغ لأسرتها. قلتُ.
    - ولكنّ اسمها آمنة، وليس آثار.
    - أكيد هذا اسمها الحقيقيّ، ألا تعرفينَ أنّ للفناناتِ والفنانينَ أسماء فنية؟. واضفتُ : الأيامُ ستثبتُ أنني على حقّ

    ** ** **

    بعدَ أسابيع، حين عرفنا أن زوجها كان يدرس في مصر، ورأيناه، قلتُ لأختي: شفتي. هل صدّقتِ كلامي؟. لا بدّ انه تعرف إليها هناك وتزوّجها، وقررت الانتقال معه إلى هنا.
    - وهل تعتقدين أن آثار مجنونة لتهجر الفنّ وترحل إلى هنا، ومن أجل مااذا؟ أن تتزوج! وهل هناك قلّة عرسان في مصر ؟.
    - بذمتك لو كنتِ ممثلة، والتقيتِ بشاب كزوجها، ألا تهجرين الفنّ؟.
    سألتها، وأا لا أعرفُ من أين أتاني هذا الكلام!.
    صمتت طويلاً، ثم قالت لي: الصحيح أهجر الفنّ، وأبو الفنّ!.
    - أها، إذن اعترفتِ، إنها آثار الحكيم.
    - لا، ليست آثار الحكيم.


    ** ** **


    حين قررتْ أمي الذهابَ لزيارتها، حاملة هدية لها: دزينة من فناجين القهوة، رجوناها أن تأخذنا معها.
    حين فتحتُ الباب، كنا نرتجفُ فرحاً وارتباكاً. حتى أختي التي كانت تؤكّد لي يوماً بعد يومٍ أنها ليست آثار الحكيم.
    حين رأتنا معاً سألت: مين رندة، ومين لميس؟.
    قالت أختي: أنا لميس.
    وقلتُ: لا. أنا لميس.
    فصرخت أمّي: آه، عدنا لتعب القلب اللي ما صدّقنا إننا إنسيناه!!
    جلسنا في غرفة الضيوف الصغيرة صامتتينِ، في الوقت الذي كانت أني تتحدث معها في مواضيع كثيرة لم نسمع منها شيئاً، فقط كنا نتأملها. وحين انتبهنا إلى أنّ امي وقفت معلنة انتهاء الزياة، سألناها معاً، وببلا مقدمات: هل أنتِ آثار الحكيم؟.
    التفتت إلينا وقد أمسكت كلّ واحدةً منا بطرفِ من ثوب أمنا، وسألتنا باستغراب شديد: آثار الحكيم؟ من آثار الحكيم؟؟
    - ألا تعرفينها حتى؟ سألناها معاً. وصمتنا.
    وحين رأتنا وقد تحولنا إلى تمثالينِ حجريينِ، فاجأتنا بضحكة أعادتنا إلى أصلنا بشراً مرة ثانية.
    - طبعاً بعرفها. ولكن هل أشبهها لهذا الحدّ؟. هذه هي المرة الأولى التي يقول لي فيها أحد مثل هذا الكلام.
    ثم انحنت نحو أختي أولاً وقبّلتها، ودارت نصف دورةٍ حول أمي حتى أدركتني في اختبائي هناك وقبّلتني.
    حين وصلنا الباب قالت لي أختي: هل صدقتِ الآن أنها ليست آثار الحكيم؟.
    - قلتُ: صدّقتُ. لأنها أحلى منها.



    يُتبع.
    عُدّل الرد بواسطة إيلياء : 13-09-2010 في 06:56 PM

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37
    ورود،
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة wroood عرض المشاركة
    ...
    اختيار جميل
    وطرح موفق يا ايلياء..أرجو ان لا يتوقف.
    تحية لك.
    أهلاً بالجميلة، لن يتوقّف الطرح إن شاء الله حتى أصل إلى الصفحة الواحدة والأربعين بعد المئة. وأكون بذلك قد أنهيت الكتاب معكم.
    ما أعجبك من الرواية رائع جداً، وثمة مقتطفات أخرى يمكن اعتبارها قصصاً قصيرة جداً، قصصاً منهكة جداً، موجعة جداً. لله درّه من كاتب يا ورود! لله درّه. حين أصل لتلك المقاطع لربما ألونها بلون آخر أو أشير إليها برد منفصل. وسأقوم بكتابة قراءة حول الرواية و"محاولة" لتحليل نقديّ أجريته لها. ولولا أنه لم يكتمل بعد لكنت أضفته قبل البدء بطرح الرواية مكتملة هنا. ورود، شكراً لك حبيبتي. هيّا نكمل؟

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37
    ملاحظة

    تحتوي الرواية على بعض المقاطع باللهجة الفلسطينية الخالصة، ويمكنكم الاستفسار عن أيّ مفردة أو جملة أو تعبير لم تتمكنوا من استيعابه كما يجب هنا، وسأقوم بشرحه/ها وتوضيح الغرض من استخدامه/ها إن شاء الله.

    شكراً لكم.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37

    جمال، يا جمال!

    الساعة صارت تسعة. جمال، لا أريد أن يسمعوا صوتي، لقد ذهبت إليهم ، رأيت رندة، رندة أختها. أخت مين؟؟ أخت لميس!! وحدّثتها في الموضوع، لن تستطيع أن تتصور كم هي رائعة هذه البنت، والله لو كان يحبها قليلاً، لخطبتها هي وليس لميس، لكن القلب وما هوى! لقد صدقت أمّها وهي تدعوها دائماً "صاحبة الرأس الصغير" ظلت جميلة، كلميس، وصغيرة مثلما عرفتها أوّل مرة. تعرف؟. هذه المسألة تحيّرني يا جمال، دائماً نظلّ نحتفظ بالصورة التي رأينا الشخص عليها أول مرة، أنت بالنسبة لي دائماً ذلك الشاب الذاهب إلى مصر، الشاب الخائف من أيّ مدينةٍ غير غزّة. لا، لا تفهمني غلط، أنت ما زلت كما أنتَ، ليس لأنني أحتفظ بهذه الصورة لك، بل لأنك فعلاً بقيت هكذا، جميلاً وطويلاً، ولكي أثبت لك ذلك، أنظر إلى رأسك، ليس فيه حتى الآن شعرةُ شيب واحدة.
    لكن الأمر لم يزل يحيرني يا جمال، لقد عرفتُ آباء وأمّهات، وعرفت أبناءهم وبناتهم، لم يكن الآباء والأمهات بعمر أبنائهم اليوم، كانوا أصغر، لكنني لا أستطيع أن أرى الابن أكبر من أبيه، أو البنت أكبر من أمها، مهما عاش الابنُ ومهما عاشت البنت.
    دائماً يظلون أصغر. حتى لو غطّاهم الشيبُ وانحنت ظهورهم وهرّ شعرهم وابيضّت عيونهم، وثقل سمعهم، يظلّون أصغر، هل لاحظت ذلك؟
    أنا نفسي قابلتُ أناساً يا جمال.. زمان، كانوا أكبر مني قليلاً، أو كثيراً، لكنهم ماتوا، استشهدوا، رحلوا، أو أيّ شيءٍ تريده، واليوم أصبحت أكبر منهم بكثير، لكنني لم أزل أراهم أكبر مني، كما رأيتهم أول مرة.
    جمال، ستضيّعني بهذا الكلام!.
    ستجعلني أنسى.
    لقد رأيتها.
    مين ؟ لسّه بتسألني مين ؟ رندة! قلتُ لها، يا رندة يا حبيبتي، أعرفُ أنّ أباكِ في السجن منذ عشرين سنة، لكنّ الحياة يجبُ أن تسير هنا، رغم كلّ شيء. قد لا أكون قلت لها ذلك، ولكني لا أكذب عليك، فلو رأيتها سأقول لها هذه الكلمات كلمة كلمة. كان عليّ أن أقولها، لكني رحتُ مرتكبة. دائماً يذهبُ أهل العريس يقدّمون خطوةً ويؤخرون خطوة، فأنتَ تعرف، أسوأ شيء أن يفشّلوك، أن يقولوا كلاماً لا يليق، وأنا أخاف من شيء كهذا. أنسيتَ ما الذي فعله أبي بنا، حين رفض طلبك؟ صحيح أنّ المسألة كانت مختلفة، فحين يطلب شاب يد بنت يحبها وتكون تحبه ويرفض طلبهما فإنّ الاثنين معاً يشعران بالهوان ذاته، ولكن المسألة أعقد هنا، نعم أعقد، صحيح أن لميس وصالح يحبان بعضهما، والمسألة مش سرّ، رغم أنّ لميس ظلّت دائماً متكتّمة، لكنّ الصعب أن رندة أكبر من لميس، صحيح أكبر بخمس دقائق لا غير، ولكنها أكبر، ولها الحقّ، في نظر أمها وأبيها وأخويها أن تتزوج أولاً، لذلك أحببتُ أن أتحدث مع رندة أولاً، حتى لا يُجرّحها أحدٌ بالقول، لقد تزوّجت أختك الصغيرة قبلك. فهمتني؟ حتى تحسّ أنها هي التي زوّجت أختها وهي التي أعطت الوعد بالزواج. ثمّ عليك أن تتذكر أنها صاحبتي، صحيح أنني لم أزل أراها كما رأيتها أول مرة وهي تختبئ خلف أمها، وتتطلع إليّ كأنني آثار الحكيم، أعرف أنني لم أقل لك هذا الكلان، لكنه أسعدني كثيراً، لم أقله لك حتى لا تعتقد أنني شايفة حالي!!
    ما الذي فعلته يا جمال؟ ها قد قلتها لك وأنا لا أريدُ أن أقولها، ولكن أقسمُ بالله العظيم عشر مرات، لا بل ثماني عشرة مرة، بعمر ابننا في صباحه هذا، أنني لم أقصد أن أقولها لك.
    خلاص، صدّقتني؟. حبيبي!.
    ما الذي كنتُ أقوله؟.
    كنتُ أقول يا جمال، إن المسألة صعبة عليّ، فتصوّر -والإنسان يبقى إنساناً في النهاية- تصوّر أن رندة أخذت على خاطرخا، وقالت لي: كنت أعتقد أنني أنا صديقتك المفضلة، وانك تحبينني أكثر، وأنكِ حين تفكرين بعروس لابنكِ، لن تجدي أفضل مني. تصوّر أيّ مصيبةٍ هذه التي سأقع فيها، حين لا أجد كلاماً أفسر لها الأمر به.
    الصحيح، ما في أفضل منها، أقول لك هذا بصوت منخفض حتى لا يسمعني صالح، لكن الوالد وقع في حبّ لميس من ....، لا لن أقول ذلك، لا لن أقول.
    زعلت؟. خلاص، سأقولها لك.!
    تقولي لي: من أول هبة هواء أطارت الفستان؟. من قال لك ذلك؟. كيف عرفتْ؟ لا أتذكر أنني قلتُها لك، ومن المستحيل أن يقولها الولد! هل من المعقول أن يكون قد تجرّأ وقالها لك، ولكنه لم يقلها لي وأنا أمه!! لا ، لا يمكن، فحين يصل الأمر إلى هبة الهواء التي أطارت الفستان، أي فستان، فإن الأمر يتحول إلى أكثر من جدّ. يكون الولد قد كبر دون أن أنتبه، كبر الولد وأصبح، ماذا أقول، أصبح عريساً، دون أن أنتبه.
    لكن الحب لم يبدأ، على أي حال من هان، بدأ قبل زمن طويل، هنا يمكن أن أقول أنه تطوّر!
    ألم أقل لك يا جمال، إننا نحتفظ بالصورة الأولى عن الناس الذين نعرفهم، والصحيح، ها قد المثل الصحيح، المثل الذي لا مثل بعده، أولادنا .. أولادنا يا جمال، أولادنا الذين يظلون في أعيننا أولاداً، أولانا الصغار الذين لا نتصورهم كباراً مهما كبروا.
    فهمتني الآن.
    طبعاً. غداً سنزوّجه، ويكون له أولاد، قول: إن شاء الله، وأصبِحُ جدّة، وتصبح جداً، ولكننا لن نصدق أنه أصبح أباً، كما لن يصدق أحد يعرفنا من زمان أننا أصبحنا جداً وجدة.
    كل الناس يا جمال يحبّون الآخرين على الصورة التي رأوهم عليها أول مرة. نعم. ما هو السبب في رأيك؟ أنا يحيرني هذا الأمر كثيراً. طبعاً ، أنا لا أفكّر في هذا ليل نهار، ولا أريد أن أقرقعَ رأسك بهذا الكلام، ولكنني أظن أن الناس يحبون من أحبوا على تلك الصورة التي رأوهم بها أول مرة، لأنهم يعرفون في قرارة أنفسهم، كما يقال، أن هؤلاء الناس سيتغيرون، وأنهم لن يكونوا أولئك الناس الذي عرفوهم، ولذلك يكونون مضطرين للاحتفاظ بالصورة الأولى.
    لا تضحك عليّ! لقد فكرت في المسألة كثيراً جداً، وأدركت أخيراً أنّ الإنسان آلة تصوير! نعم، آلة تصوير. ها أنت تضحك. تضحك! لا تريدني أن أنهي كلامي. بلاش. خلص. لن أتكلم.
    أتعني أنك فعلاً لا تضحك عليّ؟ هل تجاملني إذن؟ تأخذني على قدّ عقلي؟
    تقول لي: إنّ عقلي كبير. ولا يمكن أن يكون أقل من ذلك؟ لكن الفكرة عجيبة. طبعاً عجيبة، ولماذا أقولها لك؟ هل عليّ ان أثرثر فقط! أن أقول كلاماً يسوى، وكلاماً ما يسواش، وأنا أتحدث معك؟!
    تجاملني، أم تقول الصدق. كلّ كلامي يسوى.
    شكراً.
    وحتى اللي ما يسواش؟
    ماذا تقصد؟ ها قد عدنا للبداية، سأزعل والله، ولن أحدّثك. لن أحدّثك، وأنت تعرف أنني فعلتها، وبقيتُ أياماً طويلة لا أحدثك، حين فهمتُ خطأ أنك لم تعُد تسمعني! تلك غلطة لن أعيدها، لم أعيدها أبداً، لا أقطع هذا الوعد حتى أرضيك، لا، بل لأنني فقط لن أعيدها.
    أتريدني أن أكمل؟
    ولكن، عن أيّ شيء كنا نتحدّث. ذكّرتني، عن الإنسان باعتباره آلة تصوير.
    نعم، الإنسانُ آلة تصوير بالتأكيد، ولا يلتقط لكل شهص يعرفه سوى صورة واحدة. طبعاً، لا أحد يعرف طول الفيلم الموجود داخل الواحد منا، لكنني أظنّ، والله أعلم، أنه فيلم يطول ويقصر حسب إقبال الإنسان على الحياة أو إدباره. حسب الاستعمال يعني، فما دمت تستعمل عينيك جيداً، وهكا تقومان، هنا، بدور العدسة، فإنّ الفيلم الذي في داخلك يمتدّ ليكون قابلاً لاحتضان صور أخرى.
    بعضا لناس تعجبهم بعض الصور فيكبرونها، ويضعونها على حوائط بيوتهم، أعني الصور التي يلتقطونها بكاميراتهم العادية، ولكن صدقني سيأتي ذلك اليوم الذي باستطاعتك فيه أن ترى صورتك داخل الشخص الذي يحبك. وفي هذه أظنّ أن فيروز سبقت زمانها، سبقته بكثير، وإذا لم تصدّق كلامي هذا، فإنك ستصدقها، لأنّك تحبّ أغانيها كلها، أليس كذلك؟ فهي الوحيدة التي غنّت:
    دقّت على قلبي وقال لي افتحه
    تا شوف قلبي إن كان بعده مطرحه
    الله ، الله !!
    ألف مرة قلت لي، عجيب يا آمنة، كلّ أغانيها حلوة، أتمنى العثور على أغنية واحدة لا تُحبّ لكي أقلل من حبي بها، ولكنها كاملة، هل تعتقدين أنها كاملة لأنني أحبها، أم أنها كاملة لأن أغانيها كذلك؟
    ابتعدنا مرة ثانية!
    كنتُ أريدُ أن أقول لك، لسنا آلات تصوير فقط، بل معامل تصوير غريبة عجيبة، لأنني لا أخفيك، حين ذهبت اليوم لطلب يد لميس، رأيت رندة على الصورة التي التقطتها لها عدستاي، أعني الصورة التي رأيتها عليها أول مرة: البنت الصغيرة التي تختبئ وراء أمها، وخي تختلس النظر إليّ باعتباري ... ياعتباري تلك الممثلة التي قلتُ لك اسمها!! وهكذا، للحظة، فكرتُ أن أعود. وأنت تعرف أن الفرق في العمر بينهما خمس دقائق، كما أنهما الخالق الناطق زي بعض، يعني حبة فول وانقسمت.
    ولكن، أظنّ أن علينا من الآن أن نكون جاهزين للفرح، أسوأ شيء أن يباغتك الفرح رغم أنك تنتظره من زمن طويل.
    أليس ذلك عجيباً يا جمال، أليس عجيباً أن الفرح يباغتنا دائماً؟
    أتعرف لماذا؟
    ببساطة لأنّ الإنسان يشكّ في الدنيا، الإنسان شكّاك يا جمال، واسمح أن أقول بأنه مراوغ، نعم مراوغ. كلمة كبيرة هذه؟ أعرتف، نعم كلمة كبيرة!.
    الإنسان يراوغ، أتعرف لماذا؟ حتى لا يفقد الدهشة. فقط حتى لا يفقدها.
    لستُ فيلسوف ولا بطيخ!! منذ مدة تقول لي هذا الكلام وتعيده، لكنني أحب أن أقول لك، إنني لم أكن أرى تماماً يعني ببساطة، عدساتي كان عليهما الكثير من الغبار.
    الآن،
    أنا آمنة أخرى، لستُ أدري إن كنت أفضل من آمنة القديمة أم لا. لكن الذي يؤكد لي أنني أفضل، إحساسي بأنّك، رغم قلة كلامك في الفترة الاخيرة، تحبّني الآن أكثر!.



    يُتبع .

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37
    وجود آمنة في البيت المجاور،


    غير الكثيرَ
    وغيّرنا، أنا وأختي.
    أختي التي، ودون مقدّمات تخلّت عن نصفها صديقاتها من أجل أن تكون إلى جانب آمنة، وهذا ضيّق الفارق الكبير بيننا من حيث عدد الصديقات، وجعلني أبدو في عينيّ أمي أقلّ عزلة، مع أنّ شيئاً لم يتغير في الحقيقة.
    أما أنا، فقد حدث وأن تحققت المعجزة التي لم يكن أحد يظنّ أنها قابلة للتحقق، إذ غدت المقلاة تحتي أقلّ سخونة، بحيث أصبح بإمكان أمي أن تبحث عني وتجدني في بيتِ آمنة.
    غالباً ما كنا ننتظرها عند بوابة البيت، في وقت عودتها من عملها من مركز تأهيل المصابين الذي قادتها شهادتها الجامعية في علم النفس إليه كمشرفة، من طرف الشارع تطل حزينة دائماً، لكنها ما إن ترانا، حتى تنشر ابتساماتها التي عرفناها بها.
    كان علي أن أنتظر زمناً طويلاً كي أدرك حجم الأسى الذي تدفنه في عتمة داخلها.
    - ليس هناك أكثر إيلاماً من أن ترى طفلاً يتألم، طفلاً تعرف أنه لن يمشي، طفلاً لن يعرف إلى الأبد ما سيحدث غداً، في هذه الدنيا، طوال حياته.
    حين تنتبه أمي لوجودنا تطلب منا الخروج للعب، فنخرج، لا لأنها طلبت ذلك، بل لأنّ آمنة لم تعترض على ذلك الطلب، ويكون هذا كافياً لإفهامنا أن هذا الوقت لهما. لكننا لم نكن نبتعد، نجلس عند العتبة، أو نسند ظهرينا إلى النخلتين الوحيدتين في حوش بيتها، أختي تسند ظهرها للنخلة الصغيرة وأنا للنخلة الكبيرة، وننتظر الأوامر.
    هكذا أصبحنا نسمي طلبات أمي.

    - من الصعب أن تجد القدرة في نفسك على الوقوف منتصباً وأنت ترى ما تراه.

    كان عليها الذهاب كثيراً إلى المستشفيات للالتقاء بالأطفال المصابين، وإقناع بعض الأهل الذين لم يكونوا، غالباً، يقبلون وضع أبنائهم تحت رعاية خاصة.

    - يقتلك أن هذا العدد الهائل من الأطفال لن يروا الشمس.

    الرصاصات التي كانت تطال عيون الأطفال بالذات، كانت تعذبها أكثر، وكانت الإصابات تزداد، وفي لحظات تتحدد كما لو أنها في مكان آخر، تقول:
    - حين أسير في الشارع أظل أتلفّت أمامي، حولي، باحثة عنها، عيونهم!.
    أقولُ لعلّ واحدة سقطت هنا، ويفزعني تناثر الألوان على بعض الجدران، فأقول لعلها عيونهم. بالأمس جاؤوا بعيون زجاجية، عيون خضراء، وزرقاء، وبنية ، وعسلية، وسوداء، عيون صغيرة، وكبيرة، عيون ميتة.
    فزعتُ .
    وقلتُ لعلها بعض عيون هؤلاء الأطفال، يقتلعونها وبعد أن يسرقوا الحاة منها يعيدونها إليهم.
    أحدُ الأطفال اقترح أن يغمض كل طفل عينه الباقية ويتناول عيناً عن الطاولة. رفضنا ذلك، رفضنا، ولكنهم أخذوا يبكون، وصرخ أكثر من واحد منهم: هذا عدل! فقبلنا، لكنّ الأمر تحول إلى مأساة، حين فتح الأطفال عيونهم ورأينا عيناً خضراء إلى جوار عين سوداء، وعينا عسلية إل جوار عين زرقاء .. ضحكوا في البداية ، لكنهم راحوا يبكون بفزغ كما لو أنهم التقوا فجأة بوحوش صغيرة تسكنهم دون أن يدروا. تماسكتُ قدر استطاعتي، جمعنا العيون، أخرجنا الأولاد من الصالة. وصحوتُ من نومي أكثر فزعاً !
    .. ولكن،
    ما الذي يُمكن أن تفعليه حين تقول لك بنت لم تبلغ الثامنة من عمرها فجأة وهي تصرخ: هذه عيون ميتة، وأنا أريد عيني الحقيقية، أريدها الآن، الآن!.
    وتسقط أمامكِ غير قادرة على السيطرة على أعضائها المرتجفة، تفرفط كجناحي عصفور مذبوح؟.

    ** **





    يُتبع .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37
    ** *** **


    اعتقالُ جمال الذي لم يفرح برية ابنه سوى شهرين، وتزايدُ أوامر حظر التجول، كانا سببين كافيين لكي يجعلا أمّي تنسى وجودنا ذات يوم، وتذهبُ في تأمّل شبّاك الغرفة المطلّ على حوش آمنة، إلة درجة أنها جعلتنا نحسّ أنّ ثمة شخصاً يقف خلفها، لا يراه أحدٌ سواها. وحين سألتها: شو في؟
    لم تردّ.
    وسألتها ثانية، وعدها انتبهت. قالت:
    - سأحوّل هذا الشباك إلى باب. ليس من الضروري أن أدور من باب حوشنا إلى باب حوش آمنة كي أصل بيتها أو تصل بيتنا.
    كنا كبرنا قليلاً، ولم نعد نتشاجر كثيراً بسبب اسمها الذي كنتُ أصرّ أنه لي ، وهي تصر أنه لها، بمجرد أن اكتشفنا أنه أحلى من الاسم الآخر، أو بسبب صالح. هذا الشجار الذي لم يكن يتوقف حول من سترعاه منا. والحقيقة أن أختي لم تعد مهتمة بوجود لعبة حية لها، لأنني اكتشفت أن عدد صديقاتها يتضاءل، وأن ولداً واحداً يسكن بجانب دكان (المغربي) قد احتلّ مكان أربع بنات كُنّ لا يفارقنها.
    لكن، سأعترف أن صالح كان يحبها أكثر مني، رغم أنني لا أعرف كيف كان يفرق بيننا، وحين أصبح له لسان مثل ألسنة البشر، كان السؤال الوحيد الذي لا يكلّ ترديده: متى تعود لميس ؟
    فأقول له: أنا لميس.
    - لا، أنتِ لميس الأخرى.
    سؤاله هذا كان كافياً لإحداث ارتباكات كثيرة في حياة لميس، فبمجرد أن تسمعه أمي، تصرخ في وجهي،اذهبي وفتّشي لي عن أختك المفعوصة، وهاتيها فوراً.
    - رندة ؟.
    - لأ لميس، بدّك تجنّنيني؟!
    عندها أراه يبتسم، أرى صالح يبتسم ، صالح الذي أصبح يدرك أفضل الطرق وأقصرها لاستعادتها من الشوارع وهو في مكانه.
    ذلك لم يحدث بين ليلة وضحاها، فقد ضاع الولد مرتين، وفي المرة الثالثة فقدنا الأمل في العثور عليه، وفي كل مرة كنا نسأله: ما الذي جاء بك إلى هنا؟.
    - أدوّر على لميس!.

    ذات يومٍ وقف على الباب ونادى، لميس، لميس. وكانت تحدث سامر، فتى أحلامها. وحين أجابت: شو بدّك؟؟ قال لها: بحبّك يا لميس! بحبّك!.
    أسبوعاً كاملاً لم تحدّثني بعد اعتراف صالح المجلجل ذاك، كانت على يقين من أنني من دفعته لقول ما قاله: ومن أين لولد بهذا العمر أن يقول شيئاً كهذت لو لم توضع الكلمات كلمة كلمة في فمه؟.
    وأقسم لها، أن ليس لي علاقة بالأمر، فلا تصدّقني، وتمرّ أيام أخرى قبل أن أدرك أن الاحراك الحقيقيّ كان لسامر، وليس لها. إذ ارتفع صوت أولاد الحارة الذين أصبحوا يقولون له: الناس في إيش، وإنت في إيش، الناس بتموت وإنت بتحبّ !.
    لكن صالح، بلغة غزّة هذه الأيام، صعّد الأمر أكثر، فحين أدرك أنّ سؤاله عنها لم يعد يأتي بها إليه، التجأ إلى وسائل أخرى أقول: ذات مرة أحضرت أمي الشاي من بيتنا لنشربه في بيت آمنة، وعندما ناتهت من صبّ الشاي في الكاسات/ تناول صالح واحدة، وتناولت أمي واحدة، وتناولت أمي واحدة، وتناولت آمنة واحدة، وما إن مددت يدي حتى صرخ بي: لا! هذه للميس. أصّرت آمنة أن آخذها، فاندفع وأمسك "الكاسة"، في الوقت الذي كانت فيه يده الأخرى تثبض على الثانية. ساخناً كان الشاي. رجته أمي أن يضع ما في يديه على الأرض، لكنه رفض وتراجع خطوات، كان أشبه بقطة أنشبت مخالبها في الهواء، بعد قليل رأينا دموعه تتدفق من عينيه بسبب الألأم الذي تسببه له سخونة الشاي، وخشينا أن نقترب منه فيندلق الشاي على جسمه، فبقينا بعيدين.
    لم تشرب آمنة الشاي، أو أمي، وبقيت في مكاني خائفة أرتجف ، وكأنني السبب، وظل ممسكاً ما بيديه حتى عادت أختي.
    تلك الليلة اندفعت أمي تضربها بكل ما تطالها أصابعها، وهي تصرخ: أنا رندة، لكن أمي لم تتوقف إلى أن تعبت فجلست مصلقة ظهرها بالجدار، كأنها تدفعه للوراء، كما لو أنها لو تحركت سيسقط. ويسقط معه البيت كله، العالم كله، وفي لحظة من لحظات يأسها القليلة التي كنا نراها قالت: يا ربي، مال الذي فعلته حتى تلقى فوق صدري جبال الهموم هذه، واحد في السجن، واثنان ملاحقان، وبنتان لا أستطيعُ أن أحكّمهما أو أفرّق بينهما!؟

    لم تعرف أختي بما حدث، لم تقل لها أمي شيئاً عن ذلك الذي فعله صالح، ولم أقل لها، لأنني أحسست أنها قد تشمت بي بعد أن هزمتني بالضربة القاضية على جبهة هذا القلب الصغير .. لكنها ذات يوم ستعرف.

    ** ** **


    أمّا نحنُ فلم يكن يلزمنا الكثير من الذكاء حتى نعرف أن حال زوحها جمال من حال أبينا، وحال أخوينا اللذين ظلا يتشاجران كول الوقت، واحد منهما يدافع عن تنظيمه، يتشاجران دون أن يتذكرا أن رأسيهما مطلوبان لرصاصة واحدة.
    فتتدخل أمي لحسم الخلاق وهي تقول لهما:
    مش عارف على إيش بتتقاتلوا، ما هو، إذا كنت مع حماس إسرائيل بتقتلك، وإذا كنت مع الجهاد إسرائيل بتقتلك، وإذت كنت مع فتح أو الشعبية أو الديمقراطية إسرائيل بتقتلك، وإذا كنت مع المقاومة إسرائيل بتقتلك، وإذا كنت مع الاستسلام إسرائيل بتقتلك، وإذا كنت مع أبو عمار إسرائل بتقتلك، وإذا كنت ضدّه إسرائيل بتقتلك، وإذا كنت بتفتح الشباك على شان تشوف شو صاير، بيجي قنّاص وبيقتلك. وإذا كنت ماشي في الشارع أو نايم في بيتك وفي في حالك، بيجي صارخ من السما وبقتلك!! وعلى إيش إنتو بتتقاتلوا والله ماني فاهمة!

    ** ** **

    لقد مضى ذلك الزمان الذي كانت أمي تقل فيه لآمنة وهي تراقبنا بطرف عينها: وجهك مفتح هذا الصباح، هل جاء المهندس ؟
    وتضحك آمنة التي بقيت عروساً في أعيننا حتى بعد أن أنجبت صالح، تضحك دون أن تجيب.
    فتعرف أمي أمّ المهندس تسلل إلى بيته، وتعرف أختي سبب الضحك، فتضحك، فأقول لها زاجرة في الخارج ما إن نصبح وحدنا: وما الذي يجعلك تضحكيم؟ الضحك من دون سبب قلة أدب.
    فتردّ: ذات يوم ستفهمين، وعندها ستضحكين على نفسك لأنك لم تكوني تضحكين!
    - شو ؟
    - لا شيء .

    ** ** **

    فجأة أصبح على لميس أن تلاحق سامر من حاجز إلى حاجز كي تظمئنّ عليه، تراقبه من بعيد بعيني ابنة الثالثة عشرة الممتلئتين هلعاً، وحين تحسّ أن الوضع أصبح أكثر خطورة، وأن تحذيراتها له تتلاشى مع تصاعد صوت الرصاص، أو حين يختفظه دخان قنبلة مسيلة للدموع، تخرج من مكمنها، إلى حدّ أن البعض أصبح يدعوها "بقوات التدخل السريع الفلسطينية".
    لكن سخريتنا هذه تحولت إلى خجل حقيقيّ من أنفسنا، حين استطاعت في إحدى المرات أن تحمله على ظهرها وتجري به بعيداً عن جنود حاجز "المنطار" الذين اندفعوا للقبض عليه، أو الإجهاز عليه، بعد أن أدركوا أنهم أصابوه.
    تحولت لميس فجأة إلى بطلة، وأصبحت أكثر فخراً بأنني أختها. ول أجرؤ على سرقى نصرها منها، بحيث أنني تحاشيتُ الدخول معها في أي معركةً حول الاسم لزمن طويل، وقال لها صالح: بحبك لأنك شجاعة.

    ** ** **
    ذات يوم عادت لميس من المدرسة، فوجدت صورة سامر على باب بيتنا، وفوقها عبارة بخطّ أسود عريض (نعي شهيد)

    ** ** **

    أصبحت حزينة، حزينة إلى الحدّ الذي لا يُحتمل، فقلت لها: لميس، إذا ؟أردتِ أن أكون أنا لميس، يومين أو ثلاثة، حتى تستريحي قليلاً من أحزانك هذه ، فسأكون.
    وقالت لي: كنتُ أريدُ أن أقول لك الكلام نفسه، فأنت تبدين أكثر حُزناً منب، لأنكِ لا تبكين !.



    يُتبع .

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37
    حتى الشهداءُ لا يكبرون بهذه السرعة،

    لا. لا يمكن أن تكون قد كبرت إلى هذا الحدّ.
    تقولُ لي إنّ الشهداءَ يعودون أطفالاً ؟
    هذه لا أعرفها، هل قلتُ لكّ هذا الكلام؟. لا أظنّ ذلك، قلت لك إنّ الأطفال الصغار يتحولون إلى طيور في الجنّة، أما الشهداءُ فهم طيور الدنيا الجميلة. أعرف لماذا؟ لأنهم أكثرُ الناس حباً للحرية، تظلّ تناديهم وتناديهم، يجرونَ وراءها، ولأنها تحبهم تواصل اللعب معهم، تعلو وتهبط فيصعدون خلفها وينزلون، يفتشون عنها في كل مكان، وهم لا يعرفون أنها مختبئة في أجسادهم.
    الجنود يعرفون هذا السرّ ،
    نعم الجنود هناك خلف الحواجز، في الطائرة المروحية، في الدبابة، القنّاصون فوق الأبراج يعرفون السر، ولهذا السبب يصوّبون نيرانهم نحونا، نعم، هذا كل ما في الأمر، لا يصوبون نحونا كي يقتلوننا، يصوبون نحونا كي يقتلوا الحرية التي تختبئ فينا، الحرية التي نطاردها طول عمرنا كي نمسك بها. هل فهمت ؟.
    صالح، يا صالح! ها قد عاد للنوم من جديد! هل مكتوبٌ عليّ يا ربي أن أواصل الصراخ في آذانهم كي يستيقظوا؟
    يا صالح.
    ما الذي تقوله يا جمال؟! كيف أتركه يوصال النو، أشياء كثيرة تنتظر أن نقوم بها، هل تعرف ما الذي يعنيه العرس؟ يعني أن نحضّر له جيداً حتى لا نسوّد وجهك مع الناس. عليه أن ينهض لنذهب لشراء بدلة له، بدلة تليقُ به. لا يمكن أن آخذ مقاسه وهو نائم، أتذكرُ ما الذي حصل قبل شهر حين أخذتُ مقاسه لكي أشتري بيجامة له، وحين عدتُ وجدته قد أصبح أطول؟؟! مع أنّ آخر واحدة كنت قد اشتريتها له كانت أصغر من نصف هذه! قلت لي يومها: إنك لم تأخذي قياساته بشكل صحيح. هذا كلّ ما في الأمر.
    وحينَ حملتُ البيجامة واستبدلتها ببيجامة أ؟كبر، ما الذي حدث؟ لقد كانت البيجامة الثانية صغيرة أيضاً!
    لا. هذا الأمر ليس في قدرتي، بين ذهابي وعودتي يكون الولد قد أصبح أطول وأعرض. لأ، أنا لا أشكو من هذا، الحمدلله على ذلك، ولكنني لا أستطيع أن أمضي العمر على الطريق بين محلات بيع الملابس وهنا.
    صاحب المحل قال لي: يا أختي، هذه أكبر بيجامة موجودة في السوق.
    - ألا يوجد لديك بيجامات رجالية؟. قلتُ له. فأكّد لي أنه لا يوجد لديه إلا بيجامات رجالية أصلاً!.
    لقد درتُ غزّة كلها ذلك اليوم، وكلما أتيتُ ببيجامة كانت أصغر بكثير.
    ذلك الأمرُ تحملته، لكنني لا أستطيعُ أن أتحمل الأمر إذا كان متعلقاً ببدلة الأعرس.
    يا صالح،
    يا جمال،
    يا مصطفى، أنت خال العريس، وعليك أن تذهب مع الجاهة لتطلب البنت، ما الذي حدث لك؟ هل تريد أن تقول لي اذهبي وحدكِ، أنت الذي لم تتركني وحدي في أي يوم من الأيام؟ كنت أهمسُ أيام زمان، فأجدك فوق رأسي. وحتى قبل أن أهمس، أعرفُ أنك متعب، من يومك كنت متعباً، ولكن هذا لا يبرر لك أن تواصل نوك كأنك لا تسمعني.
    ما أحد لي غيرك يا مصطفى، أنت خال العريس، وصالح يحبك، انهض وقل له أن ينهض، لا بدّ أن آخذه معي لشراء البدلة، الزواج ليس مزحة، وهناك بدلة العروس، كيف نسيتُ هذا؟ ما الذي يحدث لعقلك يا آمنة؟! تفكرين في بدلة ابنك ولا تفكرين بثوب العروس التي ستغدو ابنتك أيضاً.

    ** ** **

    سأغيبُ قليلاً. سمعتم، قليلاً، ربع ساعة، أو نصف ساعة على الأكثر، عليّ أن أستشير رندة في المسألة، ربما يكون لها رأي، ولتسأل هي لمييس، البنات يفهمنَ ما يخصّهن أكثر، ربما كان في نفسها فستان عرس معين. فهي تنتظرُ هذا اليوم من زمن طويل. وبدل أن أدور وأدور بين المحلات بحثاً عن فستان، قد يعجبها وقد لا يعجبها، نذهبُ معاً ونشتريه.
    أنا نفسي فعلتُ ذلك، ولكنني كنت مضطرة، لأنك يا جمال كنتَ في مكان آخر، وبيننا حواجز كثيرة، دوريات وعزل مناطق عن مناطق.
    لم يتغير شيء من يومها..
    لم يتغير شيء، سوى أنني حبلتُ وولدتُ، وحبلتُ وولدتُ ، وأصبحَ لديّ ولدٌ وبنت!.
    يومها قالوا لي إنّ عرساً كعرسكما لا يمكن أن يتم. ما دام العريس في منطقة والعروس في منطقة، وما بينهما كل هذه القوات.
    قلتٌ لهم، بعينيّ هاتين رأيتُ أكثر من عروس تعبر الحواجز، والجنود ينظرون إليها من خلف أكياس الرمل ، ومن طاقات أبراج الدبابات. وسأفعلُ مثلهنّ. وحين فعلتُ، حين لبستُ ثوبي الأبيض، أعادوني. قال لي الجندي: أعراس ما في!. أعراس ممنوع!
    فقلتُ لهم: وما هو المسموح هنا؟! حتى الجنازاتُ تمنعونها أيضاً حين يكون بإمكانكم فعلُ ذلك، لا تريدون أن نزف لا في أعراسنا ولا في جنازاتنا.
    لوحت لك على الجهة الأخرى للحاجز، لوحت لي، وتفرقنا.
    ثلاثة أيام كاملة لم يتوقف فيها بكائي، إلى أن جاءني الخبر منك يا جمال، فقلت لي إبقى في مكانك، أنا الذي سيأتي.
    لا، دخيلك!! أب شيء ماعدا هذا، أتريدهم أن يقتلوك؟ أتتذكر أم محمد تلك التي حدثتك عنها، تلك المرأة التي ذهبت لأبارك لها بزفاف إبنها، واستقبلتني أمام الباب كما استقبلت غيري، وهي تزغرد وتغني، وحين راحت تبكي قلتُ في نفسي هذا البكاء ليس بكاء فرح يا آمنة. وكأن المرأة التي بجانبي سمعتني، فقالت لي: لقد استشهد قبل ساعتين. قبل ساعتين من عرسه تصوّر!! ألم يكن بإمكانهم الانتظارُ قليلاُ، يوماً واحداً، يومين؟ ما الذي كان سيحدث إذا كان عدد الناس الذين قتلوهم أقلّ، أقل بواحد فقط لا غير، هل بذلك سيختفي هذا الجحيمُ الذي زرعوه فوق رؤوسنا ويسقونه بالرصاص والقنابل ويحرسونه باالطائرات منذ خمسين عاماً وأكثر؟ هل سيهجر النوم أعينهم وتؤنبهم ضمائرهم لأنهم لم يقتلوا كما عليهم أن يقتلوا؟
    لا، لا أريد أن تأتي.
    وطمأنوني،
    قالوا سنحضره في سيارة إسعاف، اطمئنّي.
    كيف أطمئنّ، ألا يفتشون سيارات الإسعاف؟ ألا يطلقون النار عليها؟.
    قالوا: سنجدُ طريقة.
    لقد كمنَ يا جمال على مسافةٍ قريبةٍ من الاحجاز، ولولا رحمة ربنا لأصابك ما أصاب ذلك العريس، لترمّلتُ قبل أن أتزوج.
    صمتّ طويلاً يومها على الطرف الثاني.
    ألو، ألو، رحتُ أصرخ. وبعد زمن خيّل إليّ أنه العمر كله، قلتَ لي: كيف لم أفكر بذلك؟ هل أنتِ على استعداد أن تتزوجي من شهيد؟
    ما هذا الكلامُ الذي تقوله، هل جننت؟ أريدك حياً، وحياً.
    فقلت : الشهداؤ أحياء أيضاً، أليس كذلك؟ فقلت لك: نعم أحياء، ولكنني أريدك كمان أنت الآن، حياً كما أنت الآن، وليس حياً كشهيد.
    - اطمئني، اطمئنّي. لن أسمح لهم أن يجعلوكِ تنتظرين أكثر من هذا. غداً مساءً سنكون عندكم، العيلة بالليلة، البسي ثوبكِ، ثوبك الأبيض، وانتظريني.
    قلتُ لمضطفى هذا الكلام، فقال: هل جنّ خطيبكِ؟ سيقتلونه!.
    انتظرتُكَ، وانتظرتك، لم تأتِ، وجاء واحد يقول لي إنك في المستشفى، في مستشفى غزة المركزي. دخلتُ لأخلع ثوب العرس، فقال لي: إنه يريدك أن تأتي كما أنتِ.
    فرحتُ أبكي، أبكي كما لو أنني فقدتُكْ.
    في المستشفى احتضنتُكَ بأبيضي الذي استحمّ بالدمّ، وكان آخرُ ما كنت أتوقعه أن أراك تبتسمُ كما لو أن شيئاً لم يحدث.
    تبتسم!! سأقتلك، أهذا وقتٌ تبتسم فيه؟
    قلت لي لقد ألهمتُكَ الفكرة، ولذا، تسللت إلى داخل نعش!! وكان الجميعُ يبكون عند الحاجز، وهم يحيطون بك، ولكن ليس حزناً، بل خوفاً عليك أيضاً.
    الجنود لم يقتنعوا بذلك، أرادوا أن يروا ما في النعش، وحين قيل لهم أن ذلك مستحيل، قالوا للجميع حسناً، ابتعدوا، وصعد أحد الجنود حيث أنت، وحدك، مدّداً في العتمة، استلّ حربته وغرسها بين شقوق الخشب، إلى أن غاصت في اللحم، وعندما لم يسمع صراخاً، نزل من العربة، لكن شيئاً ما أعاده. غرس الحربة ثانيةً في مكان آخر، تأكد من أنها استقرت داخل اللحم في أعمق نقطة يمكن أن تبلغها، وسحبها ثانية من جديد.
    وحين هبط غرس الحرة في كيس رمل.
    بفزعٍ أدرك الجميعُ ما حدث، وتصاعد فزعهم عندما رأوا في الضوء الشاحب آثار دم على الكيس.
    هل رأى الجنديّ ذلك، هل كان يعرف أن حربته غاصت في لحم كائن حيّ، أم لم يخطر ذلك بباله، هل كان فرحاً بتعذيب ميت في نعش كما يكون فرحاً بتعذيب امرأة حامل تلدُ أمام الحاجز؟
    لكنك لم تصرخ. وبدل أن يأتوا بك إليّ هنا، حيث أنتظرُ، أتوا إليّ وحملوني إليكَ في المستشفى.
    كم عريساً يمكن أن يحتمل طعنتينِ مثلهما من أجل عروسه؟
    وتسألني لماذا أحبكُ إلى هذا الحدّ؟ لماذا لا أستطيعُ الابتعادَ عنك؟

    ** ** **

    يا صالح،
    يا جمال،
    يا مصطفى،
    وبعدين ؟
    أنا رايحة، سأشتري البدلة، حتى لو كان الجاكيت نصفُ كمّ، والبنطلون شورت!.





    يُتبع.
    عُدّل الرد بواسطة إيلياء : 17-09-2010 في 09:28 PM

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37

    لكي نشتري ثوب الزّفاف،
    كنتُ قادمة إليِك لكي نذهب معاً، أنا وأنت والعروس، من حقها أن تختاره بنفسها، أليس كذلك؟ قالت لي.
    قلتُ لها: نعم.
    - كنت قادمة ولكنني في الطريق سمعتُ أنّ (أبو عنتر) استشهد فقلت أذهب لأعزي أهله.
    - مصطفى الرملاوي؟ سألتها دهشة.
    - لا أعرف. قالت لي آمنة. أعرف أن اسمه أبو عنتر. أضافت.
    - ومن يقتل أبو عنتر؟ سألتها وأحسست بسذاجة سؤالي التي لا حدود لها.
    - ولو يا رندة، ومن يقتل الناس هنا غيرهم؟ كان يمر قرب مفرق الشهداء. القذيفة جاءته مباشرة، قذيفة دبابة وأطارت وجهه. لم يعرفه أحد، ثم عرفوه من ثيابه، هل الصياب أوضح من الوجوه؟!
    - الله يرحمه.
    استعدتُ صورته، صورة الرجل الأربعيني بثيابه الرثة، الرجل الحافي الذي يتنقل بين بسطات الخضار في المخيم حاملا كيس خيش على ظهره يزجّ به ما تبقى من فضلات الفواكه التالفة.
    - قلتُ لنفسي، لا بدّ أن تذهبي يا آمنة، فمن يمكن أن يعزّي بوفاة (أبو عنتر). سألتُ عن ببيتهم، فقالوا لي أنه كان يعيش وحيداً في هذه الغرفة، وإنه كان يغيب عنها أياناً، وسألتني امرأة: بتقربي له؟ أجبتها : نعم. فقالت لي المرأة: البقية في حياتك. عزّتني!. صحيح أن الله حرمه نعمة العقل، لكنه كان عاقلاً إلبى درجة أنه لم يؤذ احداً. سألتها: من أين تخرج الجنازة؟ قالت لي: من المستشفى، من مستشفى الشفاء. ذهبت إلى هناك، والحمدلله وصلت في الوقت المناسب. رأيت الناس هناك كثيرين (أمة الله!) همست لنفسي لا بد أن هناك شخصاً مهماً استشهد أو مات. وحين سألت أحد الشباب، ومن أين سيخرجون بجنازة أبو عنتر؟ قال لي: هذه جنازة أبو عنتر! بكيتُ يا رندة. قلتُ الدنيا بخير. أبو عنتر الذي كنتُ اظنّ أن لا أحد سيتذكره، كانت جنازته كبيرة إلى هذا الحد، وقلتُ نحن أولاد حياة، أقصد شعبنا، وإلا لكانو هزمونا منذ مئة عام.
    ** ** **
    .. عرفتُ أن الجنود احتجزوا جثمانه ساعات. قالوا إنه كان يحاول زرع عبوة ناسفة عند الحاجز!
    أبو عنتر؟! عليّ ان أكون مجنونة لأصدّق هذا الحكي.
    حين سارت الجنازة مشيتث وراءها. ومشتِ الآلاف، آ والله، آلاف، من الشفاء إلى النصيرات إلى بيته، ووجدت أيضاً أن هناك أناساً زي التراب يبكون عليه، فتأكد لي أن الدنيا بخير فعلاً. صلوا عليه في الجامع الكبير في المخيم، خرجوا، فتبعتهم إلى أن وجدت نفسي في مقبرة الشهداء.
    هناك تذكرت أنني كنتُ قادمة إليكِ، لكنني قلتُ: ما دمتِ وصلت يا آمنة إلى هنا، فلتطمئني عليهم! ذهبتُ ، وأنا أقول لعلهم استيقظوا، لكنهم كانوا نائمين. كما تركتهم، تصوري!. فابتعدتُ وأنا أسير على رؤوس أصابعي. لا أحد يعرف الآن ما يحدث حين يستيقظ الناس يارندة، توقظ الأم ابنها وتقول له: روخ اشتري لي كيلو بطاطا، وبعد خمس دقائق يعود للبيت شهيداً. أنت تعرفين الشهيد سمير عليوة، لم يخرج لشراء بطاطا لأمه، فهو أبٌ وله سبع بنات وولد، خرج لكي يوزع بطاقات الدعوة لعرس أخيه محمد، ولم يعد لأسرته إلا شهبداً.
    تعرفين ..
    ثمّ صمتت: شو بدي أقول لأقول. أنت تعرفين أكثر مني. ألستِ صحافية.
    كنتُ أريدُ أن أقول لها أنني صحافية مع وقف التنفيذ، لأن أحلامي لم تتحقق، لأنها ربما كانت أكبر بكثير من رأسي الصغير. إلا أنها فاجأتني: أعرف أنك تكتبين. وأنك ستنشرين ما تكتبينه ذات يوم!.
    - من قال لك ذلك؟
    - ول يا رندة!! لم أكن أعرف أنك تستهينين بخالتك آمنة.
    وحين رجوتها ان تخبرني حلفتني. وبعد أن تأكدة من أنني أقسمت اليمين صادقة، وأنني لن أبوح باسم من أفشى السرّ، دون أن تكفّ عن قراءة عينيّ، صمتت قليلاُ، ثم همست: لميس.
    - لميس!
    - لميس؟ ما أنا لميس!
    - وهل تظنين أنني لا أعرفها، وهي التي ستصبح زوجة ابني، أو أنها تخبئ شيئاً عني؟
    وتلفتت حولها: هل هي في البيت ؟
    - لا، خرجت!
    من الغرفة البعيدة جاء صوت جدتي: مع مين بتحكي؟
    - مع حالي يا ستي.
    - الله يردلك عقلك يا بنتي!!
    رأتنا أمي، قطعت الساحة الترابية إلى أن وصلتنا: آمنة؟ تفضلي. لماذا تتحدثان على العتبى. أدخلي.
    دخلت آمنة، أغلقت الباب وراءنا. وظلت أمي تسيرُ إلى أن دخلنا تلك الغرفة التي تحول شباكها إلى باب يُفتح على حوش بيت آمنة.
    - قومي اعملي شاي. قالت لي أمي، وقبل أن أنهض عن الكرسيّ، استدركت: ظلّي أنتِ، سأذهب وأحضّره بنفسي. وذهبت.
    ** **
    منذ زمن بدأت أمي تدرك أن آمنة لا تستطيع التحدث على راحتها إلا معي، وكان يسرها ذلك، وحين نخرج أنا وآمنة، كنت ألمح ذلك الاطمئنان الذي يغمر وجه أمي.
    - مع آمنة أعرف أنك ستكونين بخير.
    كانت أمي تعرف أين نذهب عادةً، لأنها كانت ترافقنا في أحيان كثيرة، ولم يكن هناك مكان نذهب إليه أكثر من بيوت عزاء الشهداء.
    - الواجب واجب. تقول لي آمنة. يحب أن يحس ع=هؤلاء الناس أنهم ليسوا وحيدين بعد أن فقدوا أبناءهم وآباءهم. ليس هناك أصعب من فقدات الابن أو البنت أو الأخ أو الزوج الذي تحبين، أو أي عزيز عليكِ. والأدهى من هذا الفقدان هو موعده، إنه يأتي في الوقت الذي تتوقعينه أن يأتي فيه تماماً، لأن هذا الوقت هو كل لحظة، لكنه يكون مفاجئاً دائماً. فهمتِ ؟
    - هل تسمحين لي بكتابة هذا الكلام؟
    - أي كلام؟
    - الذي قلته الآن؟
    - آ، باني على حقيقتك!
    ثم تصمت: وهل مثل هذا الكلام يُكتب؟!
    ثم تسترق نظرة لا أستطيع فهم معناها إلى حوش بيتها، تعود بعدها بتحدثني كما لو أن البيت الذي نظرت إليه ليس لها.
    - هل لميس هنا؟
    - لا ، خرجت!.
    - خرجت!! ألم تعرف بأنني قادمة ؟
    - نسيتُ أن أقول لها.
    - نسيتِ ؟ يا رندة، أهذا من الأشياء التي يمكن أن تنسى ؟
    - سامحيني.
    - طيب أمك، هل فتحت الموضوع معها؟
    - تعرفين ، أمي موافقة، دائماً تقول لي: ومن أين لنا بعريس أفضل من صالح، وبأهل أفضل وأشرف من أهله؟ لكنها أحياناً، تتذكر أبي ، تتذكر أخوي، تتذكرني، فتقول لي: وهل يُقام عرسٌ في بيت حين يكون الأب محبوساً والأولاد مطاردين. سنبكي ونحن نتذكرهم أكثر مما سنفرح بالعرسان.
    - معها حق، ولكن، لتنظر إليّ، هل هناك أكبر من مصيبتي؟ ولكنني دائماً أقول، الدنيا حياة من موت، وتعرفين الباقي.
    - أعرف، إلا أن الناس لا يتحملون مآسيهم يالشجاعة نفسها.
    - في هذه معك حقّ.
    ** **
    حين عادت أمي بالشاي، وضعته امامنا. ثم استدارت لتخرج. فسألتها آمنة: لماذا لا تشربين الشاي معنا؟
    - مشغولة. أنتهي من الغسيل وأعود.
    - ولماذا لا تساعدكِ رندة، أو لميس، لميس التي أصبحت الآن عروساً؟
    - الله يرضى عليهنّ. قالتها أمي وهي تغادر البيت دون أن تستدير بوجهها إلينا!.
    ** **
    بعد خروج أمي، تمس آمنة لي.
    - على الأقل ، ذكّرتها بأن لميس أصبحت عروساً. هذا نصف الطريق كي نطلب يديها رسمي.
    هززتُ رأسي موافقة.
    - شوفي، اليوم تأخرنا، ولميس غير موجودة، والصحيح، استشهاد أبو عنتر أحزنني. صحيح يا ربي أنّه ارتاح، ولكن ألم تكن هناك وسيلة أفضل تريحه بها، غير أن يقتله الجنود بقذيفة دباباة؟!
    صمتت قليلاً.
    ثم راحت تردد: أستغفر الله. حين همستُ لها محاولة مواساتها: يمكن لأن الله أراد أن يكرمه بالشهادة!
    - فكرك؟
    هززتُ رأسي.
    وقبل أن تًنهي شايها فوجئت بها تنهض: إلى أين، بدري؟
    - لا ، سيقلقون عليّ. الدنيا ليّلت. ونادية تعبت كما ترين. وتشير لصغيرتها نادية التي أدركت حزن أمها قبل أن تدرك أي شيء آخر.
    أراقبها تتجه نحو الباب الخارحيّ، فأسألها أن تخرج من الباب الذي يصل الغرفة بحوش بيتها. فلعلها تعودُ لعادتها القديمة، رغم أنني أعرف جوابها.
    - إذا عدتُ من هنا، فإنني لا أحسّ أنني قمتُ بزيارة. أحس أنني بقيتُ في البيت، ولم أخرج. وتعرفين ، هذه هي الخطوات الوحيدة التي أخطوها وأقول أنني زرتُ أحداً.
    أمضي معها نحو الباب،
    أفتحه،
    تخرج،
    وأظلّ أراقبها حتى تختفي..
    أعودُ، أدخل الغرفة حيث كنا، ومن الباب الذي يوصل بيتننا ببيتها، الباب الشباك، أراها، فتلوّح لي، تتجه يدها بالمفتاح إلى باب الغرفة، وأسمع طقطقة القفل. تلتفت إليّ، وتبتسم قبل أن تختفي.
    أبتسم، لكنني لا أستطيع أن أردّ بابتسامتي الدموع التي أفلتت من عينيّ!.



    يُتبع، إن شاء الله.

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37
    [B]
    ما الذي يقصفونه اليوم؟

    كنتُ عائدةً من عند أمّ جواد، حين سألتُ الناس، ما الذي يقصفونه اليوم؟ وقبل أن يجيب أحد الأولاد، قلت له: أعرف. لا تقل لي. ألم يقصفوا المقبرة؟
    فقال لي: صحيحٌ يا خالَتيْ.
    ولدٌ جميلٌ وطي!ب مثلك، مثلك حين كنت صغيراً يا صالح. دعوت له: الله يخليك لأمك.
    تأمّلته كثيراً، ثمّ قلتُ لنفسي أنسيت ما حدث يا آمنة؟
    وجئتُ راكضة.
    <B>ألم أقل لكم: لم يعد هناك أي مكان آمن ؟ أتعرفون، لم يعد هناك أي مكانٍ آمن! تتذكرون مصطفى الرملاوي- أبو عنتر؟ مصطفى ما غيره، قتلوه على مفترق الشهداء. قلبي سوغوشنس، ويقول لي: ما داموا وصلوا لقتل مصطفى، الله يرحمه، فلماذا تستبعدون أن يقتلوننا جميعاً؟
    حتى مقبرة الشهداء لم تعد آمنة يا آمنة، ستة صورايخ، ولماذا؟ هل سمعتم ذلك الهدير؟ لقد هزّ غزّة بأكملها.لم يعد هناك أيّ مكانٍ آمن.
    قبل قليل مرّ عليّ "عزيز"، "عزيز" ما غيره!. صبّح، وسألني: هل أنت محتاجة لشيء سا خالتي. قلتُ له: الله يرضى عليك ويخلك لأمك. لا يا حبيبي.
    فقال: على أي حال، أنا لن أكون بعيداً.
    قلت له: ستحفرون قبوراً جديدة؟
    هزّ برأسه: بعد قليل يأتي الشباب.
    تعرفون، هذا الولدُ معذّب بحفر القبور. يقول لي دائماً، تعرفين يا خالتي آمنة: إنهم يفاجئوننا، ويقتلون شبابنا كل يوم، ويجب أن لا نفاجأ. يجب أن تكون هناك قبور جاهزة. أعرف أننا في الفترة الأخيرة حفرنا قبوراً أكثر، ولكنهم قبل أيام فاجأونا بصاروخ قتل ثلاثة، وحين تجمّع الناس لإنقاذ من في السيارة والشارع أغارت طائراتهم وقتلت سبعة، وأصابت خمسين.
    قالوا لي إن أحد المصابين فقد ساقه، وبعد بحث طويل عثروا على الساق، لكنه ما إن رآها حتى راح يصرخ: ألم تلاحظوا؟ كم ساقاً يُمنى يممكن أن يكون لديّ.
    مجزرة يا خالتي.
    هناك شباب بقينا يومين نلملم لحمهم عن الحيطانِ وسطوح البيوت، وحين جمعناهم في أكياس كنا نعرف أن أحداً لا يستطيغُ معرفة لحم هذا من لحم ذاك؟ فقلت لهم لماذا لا ندفنهم في قبر واحد. رفضوا. ولكن قولي لي يا خالتي آمنة: ألم يكن ذلك أفضل، ولماذا نشغل هؤلاء الشهداء بالبحث عن أجزائهم يوم القيامة داخل قبور أخرى؟
    لم أعرف بماذا أجيبه.
    قال: أتعرفين ما الذي أتمناه يا خالتي؟
    - ماذا يا ابني؟
    - قال: أن يجيء يوم لا نكون فيه مضطرين لحفر قبور احتياطية.
    - ليس الأمرُ بيدنا. قلت له. ولكن إذا كان لا بدّ لنا من أن نحفر القبور قبل موت الناس، فإن علينا أن .. وتلعثمتُ، قبل أن أنطقها: أريدُ أن أوصيك، وما بدك توصاي، يا ريت لما تحفروا القبر تجعلوه واسع حتى الشهيد يرتاح في، وعميق حتى لا تصله الصواريخ إذا قصفوا المقبرة.
    - وفجأة راح يضحك ويضحك، ثمّ قال لي اطمئنّي يا خالي، والله أنني أحفر القبر كما لو أنني أحفره لنفسي!!.
    - الشرّ بعيد.
    - يا ريت يكون بعيد.
    ابتعدَ خطواتٍ ثمّ استدار، كانت الشمسُ خلفه ساطعةً، لكنني رأيتُ وجهه! فركتُ عينيّ وقلتُ هذا لا يمكن أن يحدث، لكنني حين فتحتهما ثانيةً كنتُ أرى وجهه أيضاً. وسمعته يقولُ لي: بس، لا سمح الله، إن متّ، لا تنسَيْ أن تمرّي عليّ، وتحكي معي، فأنا أعرف، ولا ألوم الناس، إنهم مشغولون دائماً بمن سيموت، وليس بمن مات. ومعهم حقّ. حتى أنا، أنظري، مشغولٌ بالذي سيموتونْ!.
    ** **
    عندما رأيتُ عزيز يحفر أوّل مرّة، قلتُ له: ما الذي تفعله هنا؟
    أتذكرون؟
    فقال: أحفر قبوراً.
    قلت له: وما الذي يمكن أن تجدُ في جيوب الشهداء؟.
    فقال لي: ألا تعرفين؟
    - لا، لا أعرف. قلتُ له. وقد حسبته سارق قبور مثل أولئك الذين نسمع عنهم أو نراهم في الأفلام.
    قال لي: اطئمني. الذين يسرقون الشهداء، ليسوا مضطرين لنبشِ قبورهم، إنهم يهيلون التراب عليهم أكثر أتعرفين لماذا؟
    - لماذا؟
    - حتى يطمئنوا أنّ الشهداء لن يعودوا! فهمتِ؟
    قلتُ له: فهمتُ. وأحببته.
    ثمّ راح يضحكُ بين القبور.
    قلتُ له: وطّي صوتَك.
    قال لي: اطمئنّي، هؤلاء هم أكثرُ الناس حباً للضحك، لأنّهم أكثرُ الناس حبّاً للحياة.
    راح يسيرُ بين الشواهج، وكأنه يعرفُ طريقه من ألف عام، رشيقاً، ودون أن ينظر أمامه، حتى وصل إليّ.
    أحببته عزيز هذا، وقلتُ: لا يدرك الإنسانُ دروي الحياة إلا حين يعمل، سواء كان هذا العملُ هو حفر لقبور أو بناء القصور.
    في إحدى المرات، قلت له: يا عزيز يا خالتي. الصياح رباح، يمكنكم أن تكملوا العمل غداًً.
    كنتُ متعبة، أريدُ أن أنام، وأريدُ أن تناموا ، وخيّل إليّ انهم سيحفرونَ طول الليل. فسألني: وهل تضمنين أنهم لن يقتلوا أحداً الليلة؟
    فقلتُ له : لأ.
    فقال: احتمليني إذن.
    تذكرون، بعد نصف ساعة من هذا الكلام، في تلك الليلة من تموز؟ والدنيا نار، كأنّ الشمس لم تغب، جاءت طاشرة إف 16 وألقت صاروخاً زنته ألف رطل وقتلت الشهيد صلاح شهادة وستى من عائلة "مطر" وحدها. تذكرون، يوم الجنازة لم يصدّق أهل غزّة أعينهم، حين أمطرت السماء ثلاث مرات، ثلاث مرات في يوم واحد، في شهر تموز! شهر الحريق!
    وذات مرة قال لي: يا خالتي، صرتُ أخافُ من نفسي، وصرتُ حزيناً أكثر.
    فسألته: ولماذا يا بنيّ؟
    فقال: لأنني أصبحت باللحظة التي يجب عليّ أن أترك فيها أصحابي أو فراشي لكي أحفر قبوراً جديدة/ لأنني أصبحت أشعر في لحظة ما انّ هنالك موتاً قادماً في الطريق، موتاً أكثر، وما يعذبني أنني لا أعرف أي طريق سيسلك، لأسبقه وأحذر الناس. وقال لي: اليوم حفرتُ قبراً، وكان التراب يستجيبُ للفأس بسهولة غير عادية. وأخذني من يدي وأراني القبر.
    - أنظري، ههنا صخور في هذا القبر، وصخور في هذا القبر، ما الذي يعنيه أن يكون هذا القبر الذي يقع في وسطيهما ليناً إلى هذا الحدّ . كله تراب ؟
    - قلت له: الله يعلم!.
    - فقال لي: وأنا أحسّ.
    تعرفون؟ بعد يومين استُشهد.
    قال لأصحابه عند المنطار: اسبقوني.
    سألوه: على وين؟
    فقال: على خالتي آمنة. قولوا لها دلّينا على القبر الذي حدّثكِ عنهُ عزيز!.


    يُتبع، إن شاء الله.


  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37
    دائماً أقف محتارة
    أمام تجليات الناس، بعضهم من كبار السن، من الأميين الذين لم يذهبوا لمدرسة في أي يوم من حياتهم، لكنّهم فجأة يقولون كلاماً عميقاً إلى حدّ انّ أيّ متعلّم لا يستطيعُ قول نصفه. ما زلت أتساءل كيف يحدث ذلك؟ إنهم يقولون تلك العبارة كما لو أنهم فكروا فيها طول حياتهم، مع أنني سأكون دهِشة أيضاً، لو قال لي أحد أنهم سمعوها وحفظوها عن ظهر قلب وخبّأوها لهذا الموقف أو ذاك، لأن عبارة كهذه من الصعب أن تُحفظ، من الصعب أن يقولها شخص آخرُ لم يعشها، عباراتٌ لا تلقى على اللسان ليلفظها بعد ساعةٍ أو سنوات.
    وقلتُ إنهم يشبهون الناس لاموجودين في الروايات. حين يكون هناك شخص في الرواية، لا يعمل الروائيّ على كتابة كل ما يفكر فيه ذلك الشخص طول النهار، إنه يساعده على قول أجمل ما فيه، ولذلك نفاجأ بالأمر. ونحب الشخص في الرواية، كما نحبّ الشاعر ربما، نحن نعرف ولكننا نتناسى أن الشاعر يأكل ويشرب ويشاهد التلفزيونَ ويحلم ويلاعبُ أو يُغاضِبُ أو يسمع موسيقى أو يبول. ولكننا نستبعدُ ذلك كله ولا نرى من الشاعر إلا شعره، ونحبه لهذا أيضاً، ولهذا السَّببِ بالذّاتِ يُصبِحُ في أعيُننا شاعراً، كما تصبحُ الشخصيَّةُ شخصيَّةً في الروايات.
    كنتُ أقرأ رواية (أم سعد) وأقولُ من أين لامرأة بكلّ هذه الحكمة؟ نعم (أم سعد) أفضلُ مثال. ولكن خطر لي أن أسأل: ما الذي تفعله أم سعد خارج روايةِ غسّان؟ كيف تمرضُ وكيف تفرح؟ ما الذي فعلتهُ في حياتها خارج الصفحاتِ التسعين للرواية؟
    أعرف أنّ امرأةً مثل (أم سعد) ستكونُ رائعةً دائماً، لكنها قد لا تكون رائعة بالمقدار نفسهِ قبل عشرينَ أو ثلاثين أو أرعينَ سنة، ربما كانت مثلي، مثلنا، ولكن هذا لا ينفي سؤالي: كيف وضع غسان أجمل ما فيها في الرواية؟ هل لأنه حين التقاها أنِسَتْ إليهِ روحُها وأحبّته كأنه سعد ابنها، وعند ذلك فاضت أحاسيسها وأفكارها كما لو أنها تحدّث روحها؟ أم لأن الروايات لا تكون روايات إلا إذا كانت هكذا؟ تقول ما يجبُ ان يقال في الوقت الذي يجبُ أن يقال فيه هذا الكلام يعينه وليس أيّ كلامٍ سواه، وتختفي لتعودَ ثانية وتقول ما يجب ان يقال في موقف آخر.
    كم صفحةً كان على غسان كنفاني أن يكتبَ لو أراد أن يحكيَ حكاية أم سعدٍ بتفاصيلها الدقيقية؟ وهل كنا سنحبها لو قرأنا حياتها في ألف صفحةٍ أو ألفين؟ هل كنا سنحبها مثلما أحييناها في التسعين صفحة؟ وهب هي كاملة هنا لا ينقصها شيء، لا لشيء إلا لأنها تملأ اللحظة، في حين يُمضي الناس أعمارهم خارج لحظاتهم؟
    ستُجنّنينَ قلتُ لنفسي. أنتِ التي لنم تستطيعي نشر تحقيقٍ واحدٍ من التحقيقات الصحفية التي تكتبيها وترسلينها للصحف فترفضها واحداً إثرَ آخر.
    أحدهم قال لكِ: لا يمكن أن يكون الأطفال الشهداءُ، أو غير الشهداء يفكرون على هذا النحو!
    - لا ، إنهم يفكرون هكذا، وأعمق أيضاً، لكنّ مشكلتكم أنكم حينَ تقرأونَ ما كتبتهُ عنهم، ما قالون، تكتشفونَ أنّ هؤلاء الأطفال يفكرّون أفضل منكم، وأنّ الأمهاتِ الحزيناتِ يفكّرونَ أفضل منكم، لأنكم أولاد القواميس لا أولاد الحياة!. لأنّكم تتصورونَ –بامتلاككم لمفاتيح النشر- نكم الأكثر حكمة. وتنسونَ أن المفتاح نخبئهُ عادة تحت السجادةِ التي نمسح بها غبرة الطريقِ ووحلها عن أرجلنا أمام العتبات!!
    حدث ذلك منذ شهور، وعندها أدركتُ أنني لن أستطيع النشرَ في هذه الصحيفة طول حياتي ما دام ذلك الصحفيّ فيها. لكنني بعد أن أصبحت على بعد أمتارٍ من مبنى مكتب الجريدة، أحسست بنفسي وية، ويمكن القولُ عظيمة! ما لو أنني استطعتُ الوصولَ إلى ذلك التجلي الذي أحسّهُ في هؤلاء البشر أو أبطالِ وبطلات الروايات، وإلا، من أين جاء لي مثل السجادة التي نمسحُ بها أقدامنا؟ لقد حددتُ له حجمه تماماً، هذا الذي يرى بأنه يمسكِ بيديه مفاتيح أفواهنا، وقلوبنا، ما يجب أن نقوله وما لا يجبُ أن نقوله، كيف يقالُ وكيف يٌكتبُ ، ما لو أنه مصحح آليّ في كمبيوتر.
    هل مثالُ الكمبيوترِ يعبّرُ عن الحالةِ كما عبرت عنها السجادة؟ ربّما لو كنتُ روائيّةً لفكرت بشطبِ مثال الكمبيوتر لأنه ليس بتألّق الأول.
    ولكن، ما الذي أفعله الآن، إنني أجمع الحكايات، واحدةً بعد أخرى، حكايات صغيرةٌ، بعضها أسمعهُ، وبعضها أعيشه، وبعضها أقصّهُ من صفحات الجرائد. وأظلّ أتساءلُ : ما الذي يفعلهُ كتّابنا اليوم. لماذا لا يكتبون عن ذلك كله؟
    ** **
    منذُ ذلك الشجار التاريخيّ قررتُ أن أكتب ما أراه! وقد ألقيَ به ذات يوم بين يدي كاتب، أو أفتّش عن قبر غسان كنفاني وأقول له قم واكتب هذه الحكايات، الحكايات اليتيمة التي لا يكتبها أحد. فالحكايةُ التي لا نكتبها، حكايتنا التي لا نكتبها، أتعرف ما يكون مصيرها؟ اسمح لي يا غسان، أن أسألك، أسألك من قلبي، فأمامك يمكن أن أصرخ أو أجنَّ وألّا أحسّ بإحراج، لأنني أحدّثك أنت، لأنك منا؟ هل تعرف ما مصيرُ الحكايات التي لا نكتبها؟
    إنها تصبح ملكاً لأعدائنا.
    ** **
    هكذا دائماً، كلما كانت تغلق الأبوابُ أمضي لبابع الذي لم أجده يوماً مغلقاً.
    ليلة أمس رأيته، غسان، في الحلم، فرحتُ، كان يسيرُ في شارع أعرفه ولا أعرفه، شارع واسعٍ ونظيف وحوله البحر من الجانبينِ، تبعته أولاً ، تبعته من بعيد.. لم أجرؤ على الاقتراب منهُ، وفي الحلم خيّل إليَّ أنني أحلم، وخيّل إليَّ أنني سأصحو، كلّ الأشياء تشابكت، وسمعتُ صوتاً يقول لي، لعلّه صوتي: أين شجاعتكِ، تتحدثين عنه ليل نهار، وحين يطلّ تفرّين هاربةً كفأرةٍ مذعورة؟
    - أنا فأرةٌ مذعورة؟ غضبتُ. لو كنتُ فأرةً مذعورةً لما قلتُ ذلك الكلام الذي قلتهُ لذلك الصحفيّ.
    لكنني اكتشفتُ أنني سأضيّع فرصة لقائهِ بهذا النقاش.
    نظرتُ نحوه، كان قد ابتعدَ كثيراً، ولكنني سمعتُ صوته يناديني باسمي. وحيرني هذا، لأنّ أمي نفسها تُخربِطُ بيننا.
    رحتُ أركض نحوه، لكن الماء راح يعلو كلما لامستُ إحدى قدميّ الأرض.
    وسمعتهُ مرة أخرى يناديني باسمي. ويطلبُ مني أن أسرع.
    أسرعتُ، وحين فقدتُ الأمل في أن أصله في الوقت المناسبِ، رأيتُ يده تمتدّ وتمتدّ، وكان يبتسمُ لي، وحين لمستُ أطراف أصابعه، اكتشفتُ بأنَّ تلك اليدِ هي يدُ أختي.
    فصحوتُ مذعورة.


    يُتبع

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    .
    الردود
    37

    Lightbulb

    لمن تُعيقهُ القراءةُ بحجم هذا الخطّ،
    يمكنهُ أن يضغطَ على زرّ: Ctrl وإشارةُ (+) بجانب الأرقامْ لتطبيقِ خاصية Zoom in + على الصفحة.
    فضّلتُ استخدام هذا الحجم/الخطّ لسببين:
    - اتّباع التنسيق ذاته المُستخدم في كتابِ "أعراس آمنة".
    - عامل نفسي! ( : ، سيّما وأنّني أدرِجُ صفحات عديدة في متصفح واحد.


    شُكراً للمّارين/القارئينَ/ والمتابعينَ الصامتين الذين أعلمُهم ولا أعلمهم. شكراً جزيلاً .

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    112
    متابع
    لكِ مني، دعاء لا ينقطع..

  19. #19
    حلو حلو حلو جدا

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المكان
    في كتاب .
    الردود
    3,340
    يعطيك العافية ..

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •