Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    Tunisia
    الردود
    596

    " . . . فُوبيَا . . . ! "


    كثيرًا ما كان يحدثني عنْ حياته في زنزانة أبيه, وكانت نبرةُ صوته تتغيّر حين يباشرُ الحديث في هذا الأمر بالذات,
    إذ كان فمه يبدُو كامرأة راودهاَ الطلق ولكن وليدهاَ لا يريدُ أن يولد في لحظَة كل العيون فيها تترقبُ مجيئه,
    وكان صوته بالكادِ يتقيّأُ الحروف أما عينه التي لا شأن لهاَ بالنطق ولا بمعاركِ فمه تحاولُ بكل بساطة سكبَ بكاءٍ يبدُو
    للرائي من مسافَة جيدَة أنهُ معينٌ نابضٌ من الدماءْ ..
    ورغمَ الشفقة عليه ولكني أبدًا لا أحرضهُ على الصمت ولاَ أقول له : " كفىَ .. لا أريدُك أن تتحدث في هذا الأمر!"
    كان واضحًا أنّي أطمعُ في الإستماع وكان جليًّا أيضًا أنهُ لا يريدُ أن يصمت ..
    بدأَت أزمته في البوح تتلاشىَ قليلاً, فربما تذكّر أن والدَه لم يعُد على قيد الحياة وأنهُ لا يمكنُ ليَده العظيمة أن تصفعه من جديد وأن تسحبه من أذنه على مرأى الناس جميعهم كيْ يُدخلهُ إلى تلك الغرفة الضيقَة حيثُ لا شيء يؤثثهاَ سوىَ مسمار صديء و سوطٌ طولهُ متر ونصف معلقٌ عليه..
    ولم يكُن يشكّ أن السوط سيبقى معلقًا هكذاَ أمامَ عينيه لمدة طويلة, فيَدُ والده ترفعه إلى الأعلى, إلى أعلى حدٍّ تصلُ فيه ذراعه ثم يُسقطهُ بتتابع علىَ ظهرالصبيّ ...
    كان عرَقُه, جراحه, دماؤه, زرقةُ جلده .. كلهاَ يلحسهاَ السوط ثم يعيدهاَ من جديد, كأنَّ هذا الشيء متواطىءٌ بشدّة مع الأب المتوحشّ ..
    كانت حياتهُ تنتهي بينَ اللحظة التي يلجُ فيها الصبيّ ذلكَ العذاب وبين مجيء أمه بعد ساعات لتضمّدَ جراحه ببكائها . ذلك البكاء الذي تكرّر أمامه حتى فقد معناه ..
    فقد بلغ درجة الإيمان بأن لا شيء, ولا أحد, ولا أي قوة في الأرض يمكنُ أن تخلّصهُ من تلك المأساة ..
    حتى أنهُ نسي أن البشر مهما بلغَت درجات قوتهم أو ضعفهم سيموتون في النهاية ...
    إلى أن جاءهُ خبر والده حين كانَ يبيعُ حلوى الكراميل في صندوقه الخشبي قُربَ موانىء المدينة.
    أتى الخبرُ مغلَّفًا بصوتِ ابن جيرانهم حين قال : "لقد ماتَ أبوك في حادث حين كان يقطعُ الشارع ثملاً!"
    وفي حركة لاشعورية وضع يدهُ اليُمنى على خدّه الذيِ نالَ مئات الصفعات طيلة سنواته العشرة , كأنهُ يريدُ لهذا الخدّ أن يسمعَ خبر تحريره ...
    ثم عادَ مهرولاً إلى البيت, وطوال الطريق لم يحزن , أو ربماَ أجَّل الحزن حتى ينفض عن إيمانه السابق غبار أخطائه, لأن البشر فعلاً يموتون !
    وجدَ أمهُ أمام باب البيت تبكي حتى احمرَّت وجنتاها وتعرَّقت ناصيتهاَ بعَرَق ساخن,
    أما جثةً أبيه فقد ذهبَت إلى الغرفة التيِ كانَ دائمًا يعاقبهُ فيها, حيثُ انهمكت عشر أيادٍ سمراء بتغليفها بالكفن !
    عاد إليه الشكُّ مرةً أخرى, ولأكثر من مرة في صحوه ورقاده, إذ استمرَّ في رؤية والده يوميًّا في أحلامه, ولم تتلاشَ تلك الصورة البشعة إلاّ بعد أن انقضىَ شهران على وفاته, استرجعَ فيهما ظهره لونهُ الطبيعيّ وماتت فيها تقرّحاتُه وجراحه ... وصارَ قادرًا بعد تلك اللحظة أن ينام دون أن تلكزهُ تأوّهات الأنين !



    زينب المرزوقي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المكان
    معكم ..
    الردود
    2,117


    ..

    إلى المشهد مرة أخرى ..

    شكرا لك ..

    ..

    هنيئا للأحرار ..

    يا رب ..
    .......... اعطهم ما تمنوه لي ..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المكان
    Another Earth
    الردود
    1,926
    رُبما كان لذلك الأب المتوحش عذره الذي أظهرته طريقة موته
    فقد مات ثمِلًا مُغيب العقل من أثر الخمر
    فماذا نقول فيمن يقتلون أبنائهم من رجال و نساء
    بعد تعذيب شديد و ضرب مُبرح و قسوة غير مُبررة
    رغم حضور عقولهم ؟
    إن سنوات العمر الأولى لها النصيب الأكبر في تكوين شخصية الفرد
    تحديد ميوله أهدافه رغباته حاجاته و طرق تحقيق هذه الحاجات و الرغبات
    بغض النظر عن مدى قانونيتها من عدمه
    وفي هذه السنوات تحديدًا ينبغي على الآباء و الأمهات معاملة الأبناء بطريقة خاصة
    أجل يعاقبون و لكن بعد تطبيق مبادئ الثواب أولًا
    و يكون العقاب في حدود سنهم
    فما أصعب أن يتمنى الابن وفاة أمه أو أبيه
    و ما أصعب أن يتقبل نبأ خسارته لهذا الأب أو هذه الأم بسعادة .

    سردكِ مُتقن لغتكِ فارهة
    عرض الفكرة جاء في إطار مناسب تمامًا
    و عنوان النص أراه يوضح مدى معاناة بطله

    شُكرًا لكِ زينب

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المكان
    عند آخر السطر
    الردود
    127
    كم من ألم كهذا يسفع مشاعر الأبوة، فلا تعود كلمة الأب مقرونة إلا بالقهر والذل والإمتهان، لعل الآباء وهم يخرجون كبتهم وفشلهم في هذه الدنيا عبى شكل صفعات وركلات يتوقعون أن يسامحهم الأبناء حينما يقولون لهم " كنا نربيكم " " كل ذلك كي تصبحو رجالا" ، بحق الله أي علاقة تلك بين إخراج كائن متآكل نفسيا ومفجوع الذاكرة في أقرب الناس إليه وين التربية وال " رجولة"

    هذه الفوبيا أربكتني و أدخلتني في متاهات لن أعرف طريقي خارجها قريبا، غير أنني أقول "نصك مكتمل الأعضاء و جيد الصياغة وبارع اللغة ، أكتبي لنا أكثر

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    فى قلب صلالــه
    الردود
    94
    جميل نصكٍ رغم الكم الهائلا من الألم التى تبللت به القصه

    اعجبتنى النهايه بموت الوالد ينهى عذاب الابن

    هنا بدائتى القصه بتشاؤم وانتهت بتفاؤل

    بارك الله فيك عزيزتى

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •