تهادي الطلاب إلى فصولهم كسالى مع ساعات الصباح الباكر , ولم تفلح تمارين الصباح في أن تنفض عنهم سطوة النوم والنعاس التي تكون لها الغلبة عادة في مثل هذه السويعات.
في الصف العاشر , الشعبة الثانية, كان موعد حصة الجغرافيا التي يدرسها الأستاذ (فؤاد) , هذا الأستاذ الذي لا يتأخر عن موعد حصته إطلاقاً, ولا يمنعه المطر الغزير من أن يصل إلى المدرسة , والمؤمن مصاب ولكن لم يعرف الطلاب يوما تغيّب فيه الأستاذ ( فؤاد) عن المدرسة بداعي المرض !!
دخل الأستاذ ( فؤاد) الفصل وبيده خارطة كبيرة ملفوفة بشكل متقن لا تبرز منها حواف غير متناسقة . وقف التلاميذ احتراماً ثم أشار إليهم بالجلوس, لوّح الأستاذ بالخارطة التي يحملها بيده وهو يقول : " اليوم ستتعلمون شيئاً عملياً أكثر , ستتعلمون تحديد مواقع الدول على الخارطة , أحمل بيدي خارطة للعالم , ستجدون هنا الدول كلها من الألف إلى الياء ومن A إلى Z , سنتعرف على حدود الدول البرية والبحرية كما وسنتعرف على العواصم وأهم المدن في الدول ...
نفث الطالب ( أمجد) دخان الغيظ من داخله وهو يهمس في أذن زميله المجاور : " في أول حصة لهذا اليوم سنصول ونجول في هذا العالم , لما أتناول فطوري بعد , وهذا الأستاذ يريدني أن أكون في الهند تارة وفي الإسكيمو تارة أخرى , وفجأة يرسلونك إلى خط الاستواء !!
أشار إليه زميله بأن يحذر فقد يراه الأستاذ وهو يتحدث حديثا جانبيا فيعاقبه , اندّس أمجد في مقعده وأخذ يقول في نفسه : " لما لا يختصر ويحضر أستاذنا الفاضل خارطة العالم العربي مثلا ؟! لقد اهترأت حوافها وبهتت ألوانها , لقد رأيتها ذات مرة في سلة كبيرة للخرائط خلف باب غرفة السكرتارية , ثم تنهد بحرارة وهو يفكر – لم أطلب خارطة العالم الإسلامي- فقد سمعت أنها مفقودة وجاري العمل على جمع تبرعات المحسنين لشراء واحدة بديلة – إن وجدت - , المشكلة تزداد بأن الطلاب يمتنعون عن دفع مبلغ صغير لشرائها , ولم تفكر هيئة التدريس في تحمل تكلفتها مطلقا , وبالمناسبة وزارة التربية والتعليم ليست بعلم بهذا.
جذب أمجد مقعده للأمام فأصدر صريرا عاليا ومزعجا وهو يحتّك بالأرض ولكن صرير المرار في هذه الحصة أكبر من أي إزعاج آخر ..
نظر أمجد إلى عيون زملائه الكسلى وهم يغمضون أعينهم في استسلام وأخذ يفكّر على غير العادة ويحّث نفسه : " من منطلق أن التعليم يهدف إلى ابتكار الأساليب التعليمية التفاعلية وأباطرة الوزارة يشجعون على مضض هذه الأساليب , كيف لا وهم الذين تعلموا بأسلوب العصا الخالية تماما من الجزرة ويعتبرون عقدهم النفسية وسلطويتهم انجازا عبقريا وينسون أن الانحدار الذي نحن فيه اليوم سببه قرارات اتخذوها بعناية فائقة , يظنون أن التعليم التفاعلي هو الحل فقط وينسون أن السياسة والاقتصاد والصحة لها أدوار أيضا , صوت مستهزئ بداخل أمجد يقول : " نحن نهتم بالداخلية أيضا )
المدرس يقفز كالبهلوان يمنى ويسرى ويشير إلى خارطة العالم التي علقها على السبورة وأخذ يقول العالم عبارة عن سبعة قارات آسيا إفريقيا أوروبا ... أخذ التلامذة يرددون معه بصوت خفيض أمريكا الشمالية أمريكا الجنوبية استراليا انتاركتكا , ابتسم الأستاذ فؤاد وحرك رأسه كالمنتشي فرحا بهذا التفاعل , حافظ الأستاذ فؤاد بابتسامته واخرج كيسا من حقيبته وهزّه بجانب أذنه ثم وضعه على الطاولة وشبك أصابعه ببعضها البعض ثم قال : " أريد منكم الآن أن تخرجوا إلي هنا على التوالي وأن تقفوا أمام الخارطة وتشيروا إلي موقع الدولة المكتوب اسمها على الورقة بعد سحبها من هذا الكيس , زفر أمجد بارتياح وهو يقول لزميله : " أحمد الله أننا نجلس في آخر مقعد , قد ننجو من هذه المتوالية الصعبة , من يدري أين ستكون بعثتنا ..
في هذه اللحظة استنفر التلاميذ حواسهم وهاجوا وماجوا في نفوسهم وهم يترقبون هذا العذاب الجغرافي كيف سيبدأ وسينتهي ؟!
أطرق أمجد رأسه في يأس وضيق وقال في نفسه " ماذا يعني أن أكره مادة الجغرافيا , يعني أن أعيش حياة رغيدة في مرحلة الدراسة الثانوية , حيث لا واجبات ورسم للخرائط , مقابل التنازل طوعا عن قدر من العلامات متفق عليه دوليا .. "
أمجد ... أمجد ... انتزع صراخ الأستاذ فؤاد أمجد من أفكاره وقال له " انتبه مع زملائك يا ولد ..
حرك أمجد رأسه مستنكرا لعبارته التحقيرية الأخيرة ولكن لا جدوى من الاستنكار هكذا يقولون في كل مرة يخرج زعماء ليبيا ومصر والخليج والعالم كله يستنكر ويشجب و ....
خرج الطالب الأول وسحب ورقة من الكيس ثم قرأ المطلوب بصوت عال , حدد موقع جمهورية مصر العربية على الخارطة واذكر عاصمتها , واجه الطالب الخارطة وأمجد يرقبه بعيون ذابلة , أشار الطالب إلى مصر فقد كانت واضحة على ما يبدو , وقال عاصمة مصر هي القاهرة , ابتسم الأستاذ بارتياح وسأل الطالب سؤالا : وما هو اسم النهر الذي يجرى في مصر ؟! أجاب أمجد بينه وبين نفسه نهر الفرات , في اللحظة التي أجاب فيها الطالب نهر النيل يا أستاذ .. قال الأستاذ : أحسنت إجابتك صحيحة نهر النيل ..
قال امجد في نفسه : يا لشدة غبائي ,, كيف يمتزج النيل بالفرات ليتبادلا الأدوار ليكون النيل شاهدا على احتلال البلاد وإذلال العباد , ويكون الفرات شاهدا على ضياع الشعب والظلم والفساد واستبداد السلطة ..
التالي ... قال الأستاذ فؤاد .. خرج طالب آخر وكان المطلوب منه في الورقة التي سحبها ,, حدد موقع اسبانيا على الخارطة واذكر عاصمتها واهم المدن فيها , أشار الطالب إلي اسبانيا وقال عاصمة اسبانيا هي برلين , دفن امجد رأسه بين كفيه وهو يفكر , ألا يعرف أن مدريد هي العاصمة ؟ ألا يشاهد الدوري الاسباني لكرة القدم ؟ وإلا فمن أين كان نادي الريال مدريد سيأخذ اسمه ؟!
إستراتيجية معلومات كرة القدم مفيدة في جغرافية القارة الأوروبية , أما الأندية العربية فتبالغ في التفصيلات , حتى نجد أسمائها تبعا لمحافظات وشوارع فيها وليست مدنا رئيسية فيها , كل هذه الأفكار تواردت تباعا على ذهن أمجد , وكما أنه لا مفر من الموت , كان أيضا لا مفر من أن يقف أمجد أمام العالم وأن يحاول لربما عبثا أن يجد ضالته على الخارطة الكبيرة التي أرهقت الجميع ..
ما زال الوقت باكرا على دور أمجد للخروج ومواجهة هذا العالم السخيف على السبورة ..
وقف طالب جديد واختار ورقة وقرأ المطلوب ,, إيجاد الموقع الجغرافي والفلكي لفلسطين واذكر العاصمة .. استدار الطالب وواجه الخارطة ونظر إليها مليّا ورفع إصبعه في تردد واخذ يتمتم بكلمات غير مفهومة بعد هنيهة كان صبر الأستاذ فؤاد قد نفذ , فأمسك الطالب من رقبته وقال له قف إلى جانب السبورة , التالي ...
خرج طالب آخر وأخذ ينظر إلى الخارطة بعناية شديدة وهمّ برفع يده ولكنه تراجع في لحظات .. الأستاذ يصرخ إلى هناك حيث زميلك ..
تباً .. صرخ امجد في أعماقه .. أظنها ستكون مأساة اليوم , سنتلقى عقابا بالضرب من أستاذ لا يرحم ,, أين فلسطين على الخارطة ؟ أين ؟؟
فكر .. فكر .. بينما كان أمجد يفكر انتزعه صوت الأستاذ فؤاد من تفكيره وجعله يهب واقفا من على كرسيه وهو يحاول أن يبتلع غصة في حلقه ,, توجه امجد إلى السبورة والأستاذ يراقبه بصبر نافذ , وامجد يتعثّر في خطوه إلى السبورة ,, قال الأستاذ له : الآن حدد لنا على الخارطة الموقع الجغرافي لفلسطين , نظر امجد إلى الخارطة واخذ يتذكّر ما يسمع عن موقع فلسطين ,, أنها تقع على ساحل البحر المتوسط اخذ ينظر إلى المدن الواقعة على هذا الساحل ..
المغرب لا لا .. الجزائر .. تونس .. ليبيا ... مصر .... تبا أين هي ؟!!
تابع بأسى بالغ لبنان !!
حسنا حسنا .. انتم عارض علينا جميعا .. صاح الأستاذ بغضب عارم ...
اطرق امجد رأسه في حزن وضيق ووقف على جوار زملائه .. سحب الأستاذ فؤاد خيزرانة يستخدمها للضرب والشرح في آن معا ,, ثم نظر إلى الخارطة وبهت .. كما بهت النمرود ,, وتحركت حنجرته وكأنه يحاول أن يصرخ بالكلام .. بدأت أصابعه ترتعش ثم ( تررررررررن) رنّ الجرس معلنا انتهاء الحصة .. وانتهاء الأزمة الدبلوماسية في هذه الحصة ...
نظر أمجد بعين حاسدة إلى الأستاذ فؤاد وقال في نفسه : لقد أنقذك الجرس يا أستاذ !!
لملم الأستاذ أغراضه بسرعة واخذ خارطته وخرج مبعثرا خارج الصف , ونسي أن يعاقب الطلاب أو لربما أنقذهم الجرس أيضا هذه المرة ..
في طريق العودة تحدّث التلاميذ عما حدث اليوم , لم يعرفوا أين تقع فلسطين على الخارطة وحتى الأستاذ نفسه تسمّر كالمدهوش ولم يعطي جوابا ...
قال أمجد .. لزملائه سأسأل اليوم أبي عن موقع فلسطين على الخارطة أخشى أن يكتشف الأستاذ الموقع قبلنا فيعود ويمارس عذابا جغرافيا بحقنا ..
في المساء جلس امجد إلى جوار والده وقص عليه ما حدث اليوم وتسائل امجد ,, أين تقع فلسطين على الخارطة يا أبي ؟؟
نظر إليه والده وهو يتحرّى جوابا .. قطب الوالد جبينه وعبث بشاربه وهو يتأمل الأفق البعيد وقال لابنه امجد , يا بني يحد فلسطين عدة دول إيران مصر والولايات المتحدة ...
نظر إلى امجد وقال له لا تهتم لكلامي كثيرا فلم أكن يوما أحب مادة الجغرافيا نظر امجد إلى أبيه وابتسم بسرور وقال : الولد سر أبيه ..
في صبيحة اليوم التالي وبعد أن صعد التلاميذ على الفصول وفي الحصة الأولي دخل وكيل المدرسة وكتب على السبورة بالخط العريض تم إلغاء حصص مادة الجغرافيا التوقيع وزارة التربية والتعليم العالي ...
وكان هذا الخبر الكبير لهذا اليوم .. قال أمجد لن نرى الأستاذ فؤاد من جديد ...

انتهت ....