Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 12 من 12
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870

    أمير شعراء روسيا : ألكسندر بوشكين

    سالم سيف الجابر
    .
    .
    .





    في ليلة من ليالي يناير ( كانون الثاني ) سنة 1837
    في مدينة سانت بطرسبرج ( لينينجراد حالياً )
    كان الهواء البارد يلفح الوجوه
    وكانت النجوم تراقب الأرض
    والإصرار يسيطر عليَّ بضرورة لقائه اليوم قبل الغد
    لأني لا أعلم غدا أين أكون أو أين يكون ؟
    بخطوات متثاقلة تقدمت إلى الباب ، وترددت هل أطرقه أم أعود أدراجي ؟
    لا ... لن أعود بعد تكبدي عناء السفر ومشقة الطريق ولهفة اللقاء ..
    ماذا أنتظر وهذه الفرصة ربما لن تسنح فيما بعد ؟؟
    ثم
    كيف يمكنني أن أجري حواراً مع شخص لديه موعد ( رهيب / قريب ) ؟
    فقد تحدد يوم 29/يناير/1837 موعدا للمبارزة مع غريمه ..
    قال لي ( نيقولاي غوغول ) صاحب رواية ( المفتش ) وأحد كبار أدباء روسيا ، وصديق ( بوشكين ) ناصحاً :
    - هو عنيد لا يهتم ... اذهب إليه .. فقد أخبرته بقدومك ..

    طرقت الباب طرقات خفيفة ، انتظرت قليلا ، فتح لي الباب شاب قصير القامة ، أزرق العينين ، فيه بعضٌ من الملامح الإفريقية فهو ذو سحنة داكنة ، أجعد / كث الشعر لونه شبيه بلون الحبر الصيني ، غليظ الشفتين ، بارز الصدغين ، وجهه مشدود إلى أسفل ، قدرت عمره بـ( 36 ) عاماً ، كان يتنفس تنفسَ من يعاني من مرض زمين .
    أيكون هو ؟!

    سألته بشيء من اللهفة : هل يمكنني أن أقابل شاعر روسيا الكبير ، ( ألكسندر بوشكين ) ؟

    ابتسامة رقيقة رُسمت على شفتيه ، هزّ رأسه موافقا وقال بكل ثقة واعتداد :
    - نعم ، تفضل فالبرد شديد بالخارج ..
    تقدمت بضع خطوات ، قال لي : تفضل بالجلوس ، فأنا ( ألكسندر بوشكين ) !! ، أخبرني (غوغول)بأنك تحمل في جعبتك بضعة أسئلة ...
    قلت :- أيها الشاعر الكبير .. بداية لا أعرف كيف أبدأ ؟
    هل أقدم الشكر على قبولك لهذه المقابلة ؟
    أم أقدم لك اعتذاري عن هذا اللقاء في هذا الوقت المتأخر ...
    قال :- لا عليك ..
    قلت :- لذا فإني لن أطيل اللقاء ، إن هي إلا بضعة أسئلة أتمنى أن أحصل منكم على إجابة عليها ، لأني في الغد على وشك السفر و الطريق ليس سهلا كما تعرف ..
    لنبدأ إذن ..
    جلسَ في مواجهتي مباشرة بيننا طاولة صغيرة عليها أوراق كتب فيها بعض القصائد ،
    بدأتُ الحديث :-
    ( مؤسس الأدب الروسي المعاصر ) ، ( شاعر روسيا الأكبر ) ، ( شاعر روسيا العظيم ) ، ( شمس الشعر الروسي ) ..
    ( أمير شعراء روسيا ) ، أيها الشاعر ( بوشكين ) ... هذه بعض ألقابك ، أتعلم أن ( مكسيم جوركي ) لقّبك بـ( البداية لكل البدايات ) ؟ لذا فإن سؤالي عن بداية بداياتك ، من شجعك على التعلق بالأدب و متى نشرت أول مقالاتك ؟

    ابتسامة عريضة ملأت وجهه لم تلبث إلا قليلا ، أردفها بقوله :
    - حسناً .. ولد ( ألكسندر سيرغييغيتش بوشكين ) في موسكو في 6/6/ 1799 لأسرة ارستقراطية كبيرة ، وقد كانت أسرتنا أسرة من الأسر النبيلة تعيش حياة الترف واللهو ، لذا تركوا أمر رعايتي عندما كنت طفلا إلى الخدم والمربين الذين كانوا عرضة للتغيير الدائم ، ونظرا لعدم إتقانهم للغة الروسية إتقانا تاما ، فقد أُوكِلَ أمرُ تربيتي إلى ( مربية روسية ) كان لها دور بارز في حياتي ، حيث كانت تلقي إلى مسامعي الكثير من التراث الروسي ، وقد ذكرتها في كثير من أشعاري ..
    سكت قليلا ، ثم أكمل :
    - كان أبي مثقفا كبيرا وشاعرا معروفا ، هو الذي زرع في نفسي حب الأدب الكلاسيكي الفرنسي الذي تعرَّفته منذ طفولتي فأصبحت مغرما به ومولعا لدرجة كبيرة ، لذا كانت تربيتي في خطين متوازيين هما خط ينفتح على الثقافة الأوروبية وبخاصة الفرنسية ، وخط يلتحم بالتراث القومي الروسي .

    - أين درست ؟
    - التحقت بالمدرسة القيصرية ( الليسية ) الواقعة على أراضي مقر القيصر الصيفي ، وكانت هذه المدرسة بمثابة معهد للنبلاء للتعليم الثانوي والعالي معا في سانت بطرسبورج ، وكنت في الثانية عشرة من عمري حينذاك .
    - أهي جميلة هذه المدينة تلك الأيام ؟
    - مدينة رائعة ، محاطة بالمياه من كل الجهات تقريبا ، كانوا يشبهونها بالبندقية في إيطاليا .
    - وكيف كانت الدراسة في هذا المعهد ؟
    - لقد كانت الدراسة فيه لست سنوات ، وقد أنشأ هذا المعهد القيصر ( ألكسندر الأول ) لتجهيز شباب الأسر الروسية العريقة لتولي المناصب الهامة في الحكومة القيصرية ، ودرست في هذا المعهد الأدب الفرنسي حيث أفكار الحرية وحب الوطن ونظم الشعر ..
    - إذن .. هذا هو سبب معرفتك للأدب الفرنسي وتأثرك به ؟
    - حسنا .. لقد كانت لدينا مكتبة كبيرة في البيت ، هي مكتبة والدي ، الذي حرص على أن يوفر فيها أفضل مؤلفات الكتاب الفرنسيين والروس لا أنكر إنني كنت نهما للقراءة والمطالعة ، لم أشبع من تلك الروائع ، لقد أطلعت على الأدب الفرنسي إطلاعا جيدا وبخاصة مؤلفات موليير وفولتير وسواهما ، كما أطلعت على الأدب الإنجليزي : قصائد اللورد بايرون وأدب شكسبير ، وكان كثير من الشعراء الروس والفرنسيين يفدون إلى دارنا ..
    لذا فلم تكن كلمة " شاعر " غريبة عليَّ ولم تكن كلمة مجردة ، لم أكن أقرأ فقط ، بل كنت أستمع وهم يقرؤون الشعر بأنفسهم وكان لذلك تأثيره عليَّ بالإضافة إلى العامل الأساسي وهي الموهبة ، وفي المعهد نظمت مجموعة من القصائد مثل : ( أمنية ) ، ( العلم ) ، وَ ( رسالة إلى بودين ) .
    - متى نشر أول مقال لك ؟
    أتعلم ؟؟ .. لقد نشر لي أول مقال في مجلة ( مخبر أوروبا ) ، وقد كنت وقتها في الخامسة عشر من عمري وكان هذا المقال بعنوان ( إلى الصديق الشاعر ) ..
    صمتَ قليلا ثم أردف قائلا :
    - وكانت عائلتي تدهش من مقدرتي على حفظ أكبر قدر ممكن من القصائد وترديدها عن ظهر قلب ، لقد تفتحت موهبتي الشعرية منذ الطفولة ، بدأت أكتب أشعاري وأنا في الثامنة من عمري وباللغة الفرنسية .
    - لماذا لم تكن باللغة الروسية ؟
    - في ذلك الوقت كانت العائلات النبيلة في روسيا تزدري اللغة الروسية الأم وتعطي الأفضلية للغة الفرنسية ، لذلك كان الأطفال يسلمون إلى مربيات فرنسيات يشرفن على تربيتهم .
    - كيف كانت ردود فعل النقاد حول ما تنشره من قصائد ؟
    - أذكر جيدا ما قاله ( بطريرك الشعر الروسي في ذلك الوقت : غافرين درجافين ) فقد أعلن حينما قرأ كتاباتي ( ذكرياتي في القرية القيصرية ) عن مولد شاعر كبير في روسيا .
    - لقد حدثت وقائع تاريخية أثناء دراستك في هذا المعهد .. ؟؟ .. ( لم أكمل فقد قاطع سؤالي ) !!
    - نعم ، منها مساهمة روسيا في السياسة الأوروبية ، وغزو نابليون لروسيا ، وحرق موسكو ، وزحف الجيوش الروسية على أوروبا وسقوط باريس والقبض على نابليون ونفيه ،
    باختصار يمكنني القول نعم لقد عشنا أحداثا جسيمة طبعت في ذهني بشكل لا يمكن نسيانه ، لقد عشت المد الوطني الذي أثارته الحرب في بداية العقد الثاني للقرن الثامن عشر ، كما شهدت عودة المنتصرين الظافرة إلى أرض الوطن ، وفي بداية العشرينات من القرن التاسع عشر شهدت نهوض حركة التحرر الوطني في أوروبا ( الغربية ) ، قد شاركت بأناشيد الحرية كما ذكرت لك قبل قليل ، لقد شاعت تلك الأشعار السياسية التي ناهضت فيها التحكم والطغيان .. لقد تبنيتُ الحقوق الإنسانية للشعب .. اقرأ قصيدة الحرية و القرية وإلى تشادايف وغيرها ..
    - إذن هذا هو سبب عداء القيصر لك !!
    - نعم .. بعد أن تخرجت في هذا المعهد أُسندت لي وظيفة في الخارجية الروسية بمرتب ( 700 ) روبل في الشهر ، ولم يكن المبلغ كافيا لما أتمناه ، فالحياة الارستقراطية تتطلب مبالغ أكبر ، مما دفعني إلى الاعتماد على النفس ، ولعلي أول كاتب روسي يعيش من قلمه ولو جزئيا عن طريق كتابة العديد من المقالات النقدية في الجرائد الكبرى ، وما تكاد ساعات الدوام تنتهي حتى أتوجه إلى مجتمعات بطرسبورج حيث الأندية الأدبية والعلمية ، ولقد اشتركت سنة 1819 في جلسات جمعية ( المصباح الأخضر ) الأدبية التي كانت على اتصال بجماعة الديسمبريين السياسية ..
    (( توضيح : جماعة الديسمبريين السياسية ، هي جماعة من الثوريين النبلاء الذين كانوا يستهدفون ضرب الأتوقراطية القيصرية ونظام القنانة في الزراعة ، وإقامة نوع من حكم ديموقراطي في روسيا، وقد أعلنوا عصيانا في ديسمبر / 1825 م فعرفوا بالديسمبريين ، والذين قضى على هذا العصيان القيصر نقولا الأول ))
    لقد التقيت بالأديب والفيلسوف وعضو جماعة الديسمبريين ( تشاداييف ) الذي لعب دورا كبيرا في تكوين مشاعري الوطنية ، فقد كنت معجباً به إعجابا كبيرا ، وكنت أستمع إليه – عادة – بكل كياني ، فبدأت أكتب أناشيد الحرية ، ولقد وجد البوليس قصائدي بين أوراقهم ، لذا فقد أمر (القيصر الكسندر الأول) بنفيي قائلا:- " إن ( بوشكين ) قد أغرق روسيا بالأشعار المثيرة التي تحفظها الشبيبة كلها عن ظهر قلب " .
    - متى وإلى أين كان هذا النفي ؟
    - في عام 1820 نفيت إلى طرف روسيا الجنوبي وبقيت هناك إلى عام 1824 .
    - كيف أمضيت هذه السنوات الطويلة ؟
    - طويلة !! .. من قال ذلك ؟ لقد كانت فرصة عظيمة بالنسبة لي ، حيث تعرَّفتُ أشياء كثيرة ، كانت لي فرصة لأبدع كثيرا من الأشعار مثل: قصيدة روسلان و لودميلا ، أسير القفقاس (القوقاز) ، نافورة باخنشي سراي ، الغجر إلى جانب غيرها من قصائد .
    - إذن وجدت فرصة للراحة !! ؟
    - فرصة للراحة !! إنك لا تعرف قيصر ، لقد أدمنت الحكومة القيصرية مطاردتي إلى قرية نائية في ولاية ( بسكوف ) ، ووضعتني تحت الرقابة ... عشت في قرية ( مخيائيلو فسكويه ) حياة منعزلة ، تفرغت فيها للقراءة والكتابة ، وتفاعلت بقوة مع الفلاحين ، لقد عرفت عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم ، بل ولقد تأثرت بها ..
    كنت أستمع إلى حكاياتهم الشعبية واستلهمتها في رواياتي الشعبية ، أتعلم ؟ ما أكثر ما في هذه الحكايات من سحر ، إن كل واحدة منها قصيدة شعر ، نعم ... لقد تأثرت بهم لدرجة أنني تعرفت على الموسيقى وعلى الرقص الغجري ، فقد عشت فترة في تجمعات الغجر الرحل إلى ( أوديسا ) ، وبدأت أكتب ملحمة ( يفجيني أونيجين ) ، كما عشت بين الشعوب الإسلامية وقرأت القرآن واستمعت إليه مرتلاً ، وعرفت سيرة نبي الإسلام ، فكتبت قصائدي ( قبسات من القرآن ) و ( الرسول ) وتأثرت بالثقافة العربية وأطلعت على ( ألف ليلة وليلة ) ، لقد استفدت من ( ألف ليلة وليلة ) في كتابة ( روسلان ولودميلا ) سنة 1920 .
    - حقا ؟؟!!
    - نعم .. لقد كان العرب والمسلمون بالنسبة لي أمة تبني مجدها على تراث عريق ، وتتمسك بعادات وأخلاق سامية تعارفت عليها منذ القدم ، لقد استلهمتُ عدة قصائد مثل ( ليلى العربية ) و( محاكاة العربي ) من الشعر العربي القديم ..
    - هل لي أن أسمعهما منك :
    -
    من محاكاة العربي ( أو من وحي العربي )
    فتى جذاب ، دمث الأخلاق ،
    لا تخجل مني فنحن أهل ،
    وبداخلنا لهب عاصف ،
    ونعيش حياة واحدة
    لقد تآلفنا معا :
    تماما مثل جوزة مزدوجة
    أسفل قشرة واحدة ...

    وقلت في قصيدة ( ليلى العربية ) :

    تركتني ليلى
    مساء أمس دون اكتراث
    قلت : توقفي ، إلى أين ؟
    فعارضتني :
    " رأسك أشيب " ( في بعض الترجمات : لقد شاب شعر رأسك )
    قلت : للمتهمكة المتعالية
    " لكل أوانه !
    فالذي كان مسكا حالكا ،
    صار الآن كافورا "
    لكن ليلى سخرت
    من الحديث الفاشل
    وقال : " أنت تعلم :
    أن المسك حلو لحديثي الزواج
    أما الكافور فيلزم النعوش " .

    - ما رأيك ؟
    - رااائع ومبدع ... إنك لا تحتاج إلى شهادة بذلك أيها الشاعر ، ماذا حدث بعد ذلك ؟
    - تنقلت في جنوب روسيا ، في 1825 توفي ( ألكسندر الأول ) و تولى ( قسطنطين ) الحكم الذي تخلى عنه لأخيه ( نقولا ) الذي لم يكد يعتلي العرش حتى هبت ثورة ( الديسمبريين ) في 14/12/1825 ، إنها أول حركة ديموقراطية منظمة في روسيا ، وكنت منحازا لهذه الثورة ، لقد قُتِلَ بعض زعمائها ونُفِيَ أخرون إلى مجاهيل سيبيريا .
    - أين كنت وقتها ؟
    - لقد أجبرتني أسرتي على البقاء في منزلي أثناء اندلاع تلك الثورة ، فقد كانت تعرف برغبتي في المشاركة فيها ، و لم يستطع القيصر ( نيقولا ) أن يجد في مؤلفاتي ما يشير إليه أو إلى سياسته ، فنقلني من قرية ( ميخايلوفسك ) إلى موسكو لأكون شاعر البلاط والمؤرخ الرسمي للبلاط ، واستطعت فعلا التقرب من القيصر ، لكن العيون التي تراقبني جيدا عرفت أنني أنتقده وأنتقد سياساته ، فبدأت مضايقات القيصر لي تتوالى .
    - كيف ؟
    - إما بنقلي من مدينة لأخرى ، أو بإعطائي بعض الوظائف التي لا تليق بي ، وها أنا أخيرا في سانت بطرسبورج .
    لقد وضعت تحت الرقابة ... أتعلم أن أشعاري تعطى للتدقيق فيها لرئيس الشرطة ( بيكيندروف ) والذي تسبب لي بإهانات وعذابات غير قليلة ؟
    - قال لي ( غوغول ) أنك أصدرت صحيفة أدبية ؟
    - نعم .. هي صحيفة ( الجيل المعاصر ) أصدرتها العام الماضي 1836 ..
    - يقال إن هناك علاقة بين الشعر والمجتمع وبين الفن والتعليم ، فما رأيك ؟
    نظر إلي مستنكرا هذا السؤال وكأنه يقول في قرارة نفسه : أهذا سؤال .. ؟
    - نعم فالأمر بدهي للغاية ، فالعلاقة عظيمة ، إن الفن يجب أن يكشف عن حقيقة الحياة وأن يمتلك علاقة قوية بإبداع الشعب وأن يكون له طابعه الوطني ، على الأديب أن يكون واقعيا ، والأدب يجب أن يكون واقعيا يقوم على وقائع الحياة البشرية ، الأدب للمجتمع من فلاحين وأشراف وصناع وحرفيين ونبلاء .

    ما انتهى من حديثه حتى طلبت منه أن أقرأ له شيئا من قصائده القديمة أو الجديدة ، فناولني بضع أوراق كتب فيها الأبيات التالية :

    على تلال جورجيا
    على تلال جورجيا يخيم ليل مظلم
    وأمامي نهر (أراغفا) يهدر
    أشعر بالغمِّ وبالراحة ، حزني مشرق ،
    حزني بك مفعم ،
    بك ، بك وحدك ...
    لا شيء يمض شجني ، لا شيء يُقلِق ،
    والقلب يشتعل من جديد ويعشق
    إن لا يعشق هو يعجز .


    بلا عنوان
    إن خدعتك الحياة
    فلا تحزن ، و لا تغضب !
    في اليوم الشجي اهدأ ،
    يوم الفرح ، ثق ، لا بد آت !
    القلب يحيا في المستقبل ،
    فالحاضر كئيب !
    كل شيءعابر ، كل شيء سيمضي ،
    وما سيمضي – سيصبح أجمل .


    السجين
    في زنزانتي الرطبة أقبع وراء القضبان
    و النسر الفتي ، ربيب الأسر
    رفيقي الحزين ، مرفرفاً ، بجناحه
    ينهش وجبته الدامية عند النافذة
    ينهشها و يلقي بها ، و يتطلع من النافذة
    كما لو أنه يشاركني أفكاري
    إنه ليدعوني بطرفه و صيحته
    و يود أن ينطق : (هيا بنا ننطلق ...
    نحن طائران حرّان ، آن لنا أن نمضي
    بعيداً حيث الجبال بيضاء وراء السحب
    حيث البحر يتألق زرقةً
    حيث لن يتجول غير اثنين : الريح و أنا .


    لا تنشدي
    لا تنشدي ، قربي ، أيتها البهية
    أغانيك الجورجية الحنونة
    فهي تذكرني
    بحياة أخرى ، و بساحل بعيد
    أواه ! أغانيك الجارحة
    تذكرني
    بالشرود في ليل مقمر
    و تقاسيم امرأتي البعيدة البائسة
    أنا أنسى حين أرى فيك
    طيفاً أحبه ، طيفاً قاتلي
    لكن حين تنشدين
    أستعيد الصورة أمامي
    لا تنشدي ، قربي ، أيتها البهية
    أغانيك الجيورجية الحنونة
    فهي تذكرني
    بحياة أخرى و بساحل بعيد .


    لم أسأله بطبيعة الحال عن زواجه من أجمل فتيات روسيا ، فقد حذرني (غوغول ) بقوله :
    - إن ( بوشكين ) شديد الغيرة ، لذا لم أثر في حديثي معه أسباب المبارزة كيلا أجدد جروحه العميقة ، رغم إحساسي بأنها تستولي على تفكيره ، فمن يقدم على عمل كهذا لابد أن يديم الفكر فيه ، لأنها مسألة حياة أو موت .. بل هي مسألة وجود ..
    ساد قليل من الصمت ، شربت معه أثناء الحديث كوبا من الحليب الدافئ ..
    ودّعت شاعر روسيا الكبير .. رأيت روح التحدي وقوة الإرادة تلمعان في عينيه مع شيء من الحزن العميق .
    مازالت الريح الباردة تهب في الخارج لعلها تنتظر هذا الذي سوف يخرج بعد قليل لتلفحه في وجهه مذكرة إياه أنها لا زالت هي الأخرى تمارس طقوس وجودها بكل حرية في هذا الظلام ... !!!
    كتلك المؤامرات التي تحاك في سواد الليل !



    يتبع ..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    بعد مرور عدة أيام كنت بعيداً عن مدينة سانت بطرسبورج ، أحاول جاهدا معرفة أخبار ( بوشكين )
    لا جديد ... إلا أنه في صباح ذات يوم أخذ الناس يتجمهرون ... يقرأ أحدهم قصيدة ويكاد يبكي ، بل هو يبكي فعلا ، قصيدة كتبت بخط اليد وانتشرت بين الناس كالنار في الهشيم ، والقصيدة هي ( موت الشاعر ) ، يقول الشاعر ( ميخائيل رومنتوف ) في مطلعها :


    ماتَ الشاعر !
    سَقَطَ عَبْداً للشَّرَف
    - الرّصاصُ في صَدْرِه يَصْرُخُ للانْتِقَام
    والرَّأْسُ الشَّامِخُ انْحَنَى فِي النِّهَايَة –
    مَاتَ !
    فَاضَتْ رُوحُهُ بالألمِ مِنَ الافتِراءاتِ الحَقِيرَة
    حَتى الانفِجَار ..
    وحيداً وَقَفَ في المواجهة وها قد قُتل !
    قُتِل !
    فَكُلُّ نُوَاحٍ الآن عَقيم
    وَفَارِغةٌ تَراتِيلُ الإطرَاء
    وَهَمهَمَات الأسَى الكَسِيح
    ونحنُ نُحملقُ في إرادةِ الموت !
    وَبَعد – فهل أنَتُم أبرِيَاء
    يَا مَن حَاصرتُم في قَسوةَ
    مَوهِبتَهَ الحُرَّةَ الشُّجَاعة ؟
    يَا من نَفَختُم في الَّلهَب الخَامِد
    حَتَّى فَورة الغَضَبِ المُفَاجِيء
    فَلتَبتَهَجُوا إذَن –
    فَلَقَد كانَ صَفَاءُ الألَمِ فَوقَ طَاقَةِ الاحتِمَال
    وَاشهَدُوا الآن
    أنَّ قندِيلَ العَبقَرِيةِ انطَفَأ
    وإكليل الغَارِ عَلى جَبهَتِه يَذوِي
    لَم يعرف القَاتِلُ التَّردُّد
    وَهَو يُصَوبُ في بُرُود ...
    لا طَلقَةٌ واحدةٌ أخطَأَت القَلب
    وَلا وَحىٌ مُنقِذٌ أَرعَش البُندُقِية في اليدِ الوَحشِيَّة
    وَتَعَجَّب
    كَيفَ استَطَاعَ هَذَا اللاجِئُ الوَضِيعُ الانتِهَازِي
    الأَدَاةَ الخَسِيسَة العَميَاء ،
    أَن يَحتَقِرَ أَرضَنَا هَكَذَا
    وَيَسخَرَ ، في عَجرَفَته ، من لُغَتِهَا وتَقَالِيدِهَا الأَصِيلَة
    وَ لا يَستثنِي مَفخَرَتَها الكُبرى
    فَيَتَمَهَّل لِيَتَسَاءَلَ ضِدَّ مَن رَفَعَ يَدَه !
    قُتِل
    مَاتَ وارتَحَل
    مِثلَ ذَلِكَ الشَّاعِرِ لرِقيقِ القَلبِ المَغمُور
    وَالَّذي أَنشَدَ فيه قَصَائِدَ رَائِعة
    مَن ، مِثلَه ، بِيَدٍ قَاسِيَة خَرِبَة
    سَقطَ ضَحِيَّةَ الغِيرَة العَميَاء
    لماذَا غَادَرَ صَدَاقَاتِه وَتَأمُّلَاتِه الآمِنَة
    إلى عَالَم مَن الحَسَدِ الخانِق
    لِقَلبٍ عَشِقَ الحُرِّيَّةَ واشتَعَلَ بالحُب ؟
    لِمَاذَا أَسلَمَ يَدَيه لِلوُشَاةِ التَّافِهين ؟
    لمِاذَا استَسلَمَ لِلكَلماتِ الكَاذِبَةِ والابتِسَامَاتِ المُخَادِعَة ؟
    وَهَو مَن كَانَ – مُنذُ الشَّبَابَ قَادِرا على اكتِشَافِ حَقِيقَة النَّاسِ
    لَقد سَلبَوه تَاجَهُ وَتَوَّجُوه بِالشَّوك
    لِيُمَزِّقُ الشَّوكُ الخبيء
    جَبهَةَ الشَّاعِرِ النَّبِيلَة
    وكَانَت لحََظاتُه الأخِيرَة
    مُسَمَّمَة بالشَّائِعَاتِ والهمس البَذِيء
    وَهَا قّد مَات –
    بِالعَطَشِ العَبَثِي إلى الانتِقَام
    ُمعَذَّباً بِالآمَالِ المُحَطَّمَة التي تَتَهاوَى سَريعا
    لَن تَتَرَدد الأُغنِيَات الرَّائِعَةُ مِن جَدِيد
    فَالصَّوتُ النَّبِيل يَخلُدُ للصَّمت
    في الحُجرَةِ الصَّغيرَةِ دُونَ بَاب
    وَآهٍ ، أُغلِقَت الشَّفَتَان
    أَمَّا أَنتُم أَيَّتُهَا السُّلالَةُ المُتَعَجرِفَة
    يَا أَبنَاءَ من اشتُهِرُوا بِمَخَازِيهم الوَضِيعَة
    يَا مَن بِقَدَمٍ ذَلِيلَةٍ قَد دُستُم
    بَقَايَا عَائِلاتٍ نَبيلَة تَجَهَّمَ لَهَا الحَظ !
    يَا مَن تُحِيطُون بِالعَرشِ في قُطعَانٍ شَرِهَة
    كَالجَلاَّدِين الَّذِينَ يُخفُونَ نَوَايَاهم الحَقِيرَة
    في أَثَوابِ العَدَالةِ ، مُتَظَاهِرينَ بَالبَرَاءَة
    مَن أَجلِ ذَبحِ الحُرِّيَةِ والَمجدِ والعَبقَرِية !
    لكِن هُنَاكَ حُكمُ الرَّب
    حُكمٌ رَهِيبٌ يَنتَظِر
    لا يَمِيلُ مَعَ الذَّهَب
    وَأَمَامَ العَرشِ الإِلَهِي
    لَن تَنقِذُوا جُلُودَكم بِقَذفِ الأَوحَال ،
    ولَن تَستَطِيعَ كُلُّ دِمَائِكم القَذِرَة
    أَن تُعَوِّضَ أَبَداً الدَّمَ العَادِلَ لِلشَّاعِر .


    مرثية هي من مرثيات التاريخ الكبرى ، وأحد أهم معالم الرثاء في الأدب الروسي بل العالمي ..
    وكأنها في تاريخنا العربي القديم مرثية ( أبوليلى المهلهل – الزير ) في رثاء أخيه ( كليب ) .
    أو رثاء ( الخنساء ) لإخوتها ، أو رثاء ( متمم بن نويره ) في أخيه ( مالك ) ..
    ولا زال مصرع ( بوشكين ) إلى الآن يثير الأسى والألم في نفوس الروس ..



    لماذا هذا الحزن المستديم ؟

    قال أحد المثقفين الروس : " نعم ، لأن حزننا على شاعرنا مستديم ، فإننا أمة عظيمة " .






    ** مصرع بوشكين ...

    في عام 1931 تزوج ( بوشكين ) من فتاة رائعة الجمال ، تدعي ( نتاليا نقولا لايفنا جونتشاروفا ) ، وراح يعيش معها حياة القصور والصالونات الارستقراطية في موسكو ، ويقال أن البلاط هو من دبر بعض المؤامرات ضده من أجل الإيقاع به ، مما أدى في النهاية إلى حدوث تلك المبارزة الشهيرة التي أدت إلى مقتله وهو في السادسة والثلاثين من عمره ..!


    يذكر كل من الناقد والأكاديمي الانجليزي ( ت.ج. بينيون ) في كتابه المهم ( قصة حياة بوشكين ) ، والباحث الإيطالي وخبير التاريخ السلافي ( سيرين فيتالي ) في كتابه ( زر بوشكين ) ، أن أحد النبلاء الفرنسيين المقيمين في موسكو ( البارون جورج دانتيس ) أغرم بزوجة ( بوشكين ) ، وحاول مغازلتها لكن هذه الزوجة - كما تشير رسائل ( دانتيس ) إلى عرابه ( البارون غيركيز ) إلى أنها رفضت ابتزازه - بقيت مخلصة لزوجها ، واعتبر ( بوشكين ) أن هذا العمل إهانة شخصية له أو انتقاصا لشرفه ، فتحداه وطلبه للمبارزة ، وكانت تلك هي العادة السائدة آنذاك ، وتمت المبارزة بالمسدسات لا بالسيوف ، كما كان يحصل في القرون الوسطى ، وكانت النتيجة إصابة ( بوشكين ) إصابة قاتلة ولكنه لم يمت إلا بعد ثلاثة أيام من ذلك التاريخ ..!
    كان مصرعه فجيعة للأدب وللثقافة الإنسانية كلها .

    عندما سمع السفراء المعتمدون آنذاك في روسيا نبأ وفاته كتبوا إلى حكوماتهم :
    - " فقدت روسيا شاعرها الأعظم في عز عطائه " .

    ويختم ( ت.ج. بينيون ) شهادته قائلا : " إن سقوط ( بوشكين ) وهو في عز الشباب ساهم في تشكيل أسطورته ، فلو أنه عاش طويلا لاضطر إلى تكرار نفسه من خلال كتابات عديدة ، ولكان الناس ملوا منه ، أما إنه مات وهو في أوج الإبداع فإنه ترك وراءه ذكرى عطرة ، ذكرى لا تنسى ، لا تمحوها الليالي ولا الأيام ، لقد حصل له ما حصل للشاعر الإنجليزي ( اللورد بايرون ) الذي سقط في عز شبابه أيضا دفاعا عن اليونان وحريتها واستقلالها ، و هكذا يموت الشعراء الكبار وهم في عمر الزهور " .


    وأضيف هنا : إن مصرع ( ليرمنتوف ) لم يختلف إطلاقا عن مصرع صاحبه وصديقه ( بوشكين ) . فقد قتل في مبارزة بالمسدسات ومات ولم يتجاوز من العمر (27) عاما ، كما قتل ( اللورد بايرون) و (طرفة بن العبد) وعمره (26) عاما وكما مات ( أبو القاسم الشابي ) في نفس عمر (طرفة) .


    عندما مات ( بوشكين ) تجمع عشرات الألوف لمرافقة نعشه المحمول على فرس مطهمة ، لم تستطع الجموع تحمل هذه الفاجعة فهجموا على الفرس ، حلوا أطقمها وسيورها ورمتها في نهر ( النيفا ) ، وهو أمر جعل أحد البسطاء الروس يقول واجما :

    - " يا إلهي !! لقد شاهدت موت عديد من العسكريين ، غير إني لم أشاهد جنازة كجنازة هذا الجنرال "

    ولما أحست الدولة بتلك القوة التي تقف وراءه قررت السلطات على عجل نقل الجثمان من الكنيسة المركزية في قلب بطرسبورغ وإعادة دفنه في الضواحي .


    كُتب على النصب التذكاري لـ( بوشكين ) في مدينة ( لنينجراد ) أبياته التالية :

    وســأظل طويلا عزيزا على شعبي
    لأنني قد أيقظت بقيثارتي مشاعر طيبة
    ولأنني باركت الحرية في زمني القاسي
    ودعوت بالعطف على الســاقطين






    ** أصل بوشكين ..

    تشير الدراسات المختلفة إلى أن أصول ( بوشكين ) ترجع إلى أفريقيا ، ومن خلال البحث وجدنا اختلافا في اسم الدولة التي انحدرت منها عائلته :

    يذهب البعض إلى أن ( بوشكين ) هو سليل العائلة العربية التونسية ( بو سكين ) ، ذلك إن القياصرة بعد تأسيسهم لدولتهم القوية واتخاذهم من سان بطرسبرج عاصمة الدولة ، كان لابد لهم من الحصول على أفضل أسلحة وتحديدا الخناجر ، وكانت شهرة ( بو سكِّين ) العربي التونسي في صناعة الخناجر كبيرة ، فقد كان أمهر صانعي عصره ، وبدلا من استيراد الخناجر قرر القياصرة استيراد المصنع مع الصانع ، وهكذا تحت بريق الإغراءات المادية استقر ( بوسكين ) في سان بطرسبرج حيث أنجب هناك ولده ( ألكسندر ) ، ومع مرور الزمن حرَّف أسم (بوسكين) إلى (بوشكين) لسلاسة اللفظ على اللسان الروسي .


    يقول الشاعر الإيطالي ( جوفاني ) أثناء تناوله للسيرة الذاتية لـ( بوشكين ) إنه ينتمي إلى أسرة تنحدر من القرن الأفريقي ، وقد نشرت ( مجلة التضامن ) في صفحتها الأولى مقالا تحت عنوان " بوشكين شاعر روسيا العظيم أرتري الجنسية " حيث ذكرت إن عائلته التي يعتقد أنها مسلمة رحلت عن ( أرتريا ) عبر ميناء مصوع ، وكان جده الخامس يسمى " سلطان " و أسباب هذا الرحيل مجهولة .


    ويرجع البعض أصوله إلى الحبشة ، ويذهب إلى أن أمه ( ناديشد أوسيبافنا ) كانت حفيدة ( إبراهيم هانيبال ) الجد الأكبر لـ(بوشكين) ، وفي دراسة للعالم الأنثروبولوجي ( د. أنوشتين ) قام بها في التسعينات من القرن الماضي ، وتمكن فيها من إثبات الانتماء العرقي والقومي ( لإبراهيم هانيبال ) حيث أكد أنه كان " حبشي الجنسية وله بشرة سمراء داكنة " ، وقد اختطفه الأتراك وهو في الثامنة من عمره ، وأرسل إلى مدينة القسطنطينية حيث اشتراه السفير الروسي الذي قام بإهدائه بعد ذلك إلى القيصر بطرس الأكبر ( بيتر العظيم ) ، وكان من الضباط المقربين لدى القيصر بطرس الأول ، الذي أرسله إلى فرنسا لتعلم العلوم العسكرية ... إلى آخر القصة ،
    ونتيجة لتأثر( بوشكين ) بتاريخ جده ( إبراهيم ) كتب رواية بعنوان ( عبد القيصر بطرس الأكبر ) يحكي فيها قصة هذا الجد .


    وسواء كانت أصوله من أفريقيا أو من غيرها ، فإننا ننظر إلى الرجل وإلى أعماله وإلى ما ترك من إبداع وتأثير .





    ** من إبداعات بوشكين ..

    تنقسم أعمال ( بوشكين ) إلى ثلاثة أقسام : ( القصائد – المسرحيات الدرامية – النثر )

    1- القصائد ..

    ونذكر منها علي سبيل المثال ( أشعار ، مجموعة قصائد ) منها :
    - ذكريات إلى تسارسكوي سيلو (1814) .
    - الحرية (1817) .
    - أسير القفقاس أو سجين القوقاز ( 1821) : وصف فيها (بوشكين) التقاليد العريقة للشعب الشركسي
    الذي يسكن تلك الجبال الوعرة : جبال القوقاز ، وعبر في هذه القصيدة عن الأجواء السائدة بين الشباب التواق للحرية ، وعن التطلع إلى مثل أخلاقية جديدة .

    - الغجر (1824) : (رواية شعرية ) ظل (بوشكين) عاكفا عليها لمدة سنتين ، وهي مفعمة بالدفاع الحماسي عن الحياة الطليقة الحرة ، وعن قرب الإنسان من الطبيعة منفذه الوحيد إلى الخلاص .

    - الإعصار (1827) .
    - الفرقان (1828) .
    - صباح شتائي (1829) .
    - السيل العارم (1829) .
    - الفارس النحاسي ( ترجمها البعض : الفارس البرونزي ) ( رواية شعرية ) (1833) : استوحاها من تمثال بطرس الأكبر بساحة مجلس الشيوخ في بطرسبورج وكان (بوشكين) من أشد المعجبين بهذا القيصر ، وتعتبر إحدى أعظم قصائده السردية ، ويلقي فيها الضوء على محاولة بطرس الأكبر لإدخال المدنية الغربية إلى روسيا وتأثير ذلك على الروس العاديين ويوضح النتائج العظيمة والمأساوية أيضا التي تنتظرها روسيا من وراء هذه الرغبة الجامحة .

    - يفجيني أونيجين (1823-1831) ( رواية شعرية واقعية ) : قمة أعمال (بوشكين) الأدبية ، إذ استغرق في انجازها ما يزيد على الثمانية أعوام ، وقد وصف الناقد الروسي (بيلنسكي) هذه الرواية الشعرية الهامة دائرة معارف للحياة الروسية ، وفيها يرسم (بوشكين) لنا في شخص (أونجين) صورة ابن عصره الشاب ذا الثقافة الذهنية الرفيعة والذهن المتقد ، ولكن غير العاثر على مكان له في المجتمع ، يستخدم فيه قواه ، وبطلة الرواية ( تاتيانا) هي أكثر صورة النساء آسرا للنفس في كل الأدب الروسي .

    - الخريف في بولدينو (ترجمها البعض: خريف بولدينو): تناول فيها حياته قبل الزواج التي كانت أفضل أيامه.


    -- من القصائد التي تأثر (بوشكين) فيها بالثقافة العربية ولإسلامية :

    أ - مجموعة قصائد " قبسات من القرآن " (1824)
    (سوف نتناولها بالتفصيل في الجزء الثاني من البحث).
    ب - قصيدة " الرسول " (1826) (وترجمها البعض " النبي " (سوف نتناولها بالتفصيل في الجزء الثاني من البحث).
    ج - روسلان ولودميلا (ملحمة شعرية أسطورية) ( 1920) : كتبها بعد تأثره بقصص (ألف ليلة وليلة) ، وهو عمل يتألف من (3000) بيت شعري ، وقد نفدت طباعته حال صدوره مما حدا بالقراء على اسنتساخه وبيعه بسعر (25) روبل للنسخة الواحدة ممهدا الطريق لخلق تجارة السوق السوداء للكتب .

    د - نافورة باخنشي سراي ( نافورة الدموع ) (1923) : يتناول فيها (بوشكين) البحث عن الطبائع الفريدة وعن أهواء النفس الكريمة ، أكثر قصائده رومانسية .

    هـ - قصائد أخرى تأثر فيها بالثقافة العربية الإسلامية : إلى نتاليا ، إلى أختي ، أيتها الفتاة ، الوردة ، مكبل أنا بالأصفاد ، ليلى العربية ، محاكاة العربي ، آه يا فتاة الورد ، البلبل والوردة ، الشيطان ، الملاك ، لقطة من فاوست ... وغيرها من قصائد .


    - قصائد تأثر فيها بتاريخ مصر القديمة : كليوباترا ، قضينا أمسية في الداتشا ، ليال مصرية (1835) .

    - قصائد أخرى مثل : السجين ، لا تنشدي ، القرية ، أمنية ، العلم ، أحبك ، إلى تشاداييف ، منام ، إلى الأصدقاء ، الأخوة الأشرار ، بولتافا ، بيت صغير في كولومنا ، الكونت نولين ، تحية لك يا محيط الحرية ، من أوقفكِ يا أمواج ، إلى البحر .



    2 – المسرحيات الدرامية ..

    - بوريس غودونوف .. مأساة تاريخية (1825) : عرض فيها مشكلة العلاقة بين القيصر والشعب بكثير من الحدة ، وقد سرت في أعطاف هذه الدارما التاريخية روح الرفض لطغيان الحكم المطلق ، وهي تتعدى حدود تصارع الأفراد إلى تقرير مصير شعب ، حاول ( بوشكين ) من خلالها إدخال الأسلوب الشكسبيري في عرض الأحداث .
    - ضيف بطرس (1830 ) .
    - الفارس البخيل (1836) : وفيها تأثر بشكسبير .
    - موزار وساليري (1830) .
    - الوليمة في زمن الطاعون (1830).


    3 – الكتابات النثرية (قصص وروايات) ..

    - دوبروفسكي ( رواية ، كتبت سنة 1833 ونشرت عام 1841 م أي بعد مصرعه ، ويرتكز موضوع هذه الرواية على واقع من حياة شاب روسي هو ( فلاديمير دوبروفسكي ) نبيل فقير يناضل ضد العنف والظلم ، اغتصب جاره الغني أراضيه ، وصورت الراوية مغامرات (دوبروفسكي) وحبه لـ(ماشا ترويكورفا) ابنة غريمه وظالمه ، على خلفية الحياة والتقاليد الإقطاعية لتلك الفترة ، وقد كتب (بيلينسكي) الناقد الروسي الكبير وأحد معاصري بوشكين يقول : " إن رواية (دوبروفسكي) لواحدة من أعظم ما ابدعته عبقرية (بوشكين) " .
    صدرت هذه الرواية باللغة العربية عن دار التقدم بموسكو سنة 1976 .

    - قصص بيلكين ( أو حكايات بيلكين ) : كتبها في أواخر العشرينات من القرن التاسع عشر .

    - ابنة الضابط (ترجمها البعض : ابنة القبطان / وآخرون ترجموها: ابنة الآمر/ وترجمها فريق رابع: ابنة الكابتن ) (1836) : ترجمها إلى العربية خليل بيدس عام 1898 ) وتتحدث هذه الرواية عن الحي في فترة انتفاضة القرن الثامن عشر ، وهذه الرواية شبيه بالروايات التاريخية للسير (وولتر سكوت) الكاتب الرومانسي الاسكتلندي .

    - عبد القيصر بطرس الأكبر ( رواية تاريخية واقعية .. 1827 ): تناولنا موضوعها في (أصل بوشكين) .

    - قصص وحكايات أخرى تتميز بالإيجاز المفيد والدقة في وصف شخوصها وخلوها من المواعظ و قد كتب (بوشكين) يقول : " الدقة والإيجاز أولى حسنات النثر ، فهو يتطلب أفكاراً تلو أفكار " هذه القصص مثل : ضيف من حجر (ترجمها البعض : الضيف الحجري) ، حكاية الملك سلطان ، الأمية القائدة ، ريح الشمال ، الأنة الفلاحة ، الرصاصة ، صانع التوابيت ، ... وغيرها .

    - البنت البستوني (ترجمها البعض : ملكة البستوني) (1834) : فتعتبر رائعته في مجال النثر وهي نموذج القصة القصيرة من حيث دقة بنائها وجاذبية حبكتها ، ومهارة كتابتها ، وقد صور (بوشكين) في شخصية (هيرمان ) بطل القصة نموذجا لبطل جديد مفترس نفعي ، له مظهر نابليون وروح خيلسيسن ، وتدور أحداثها حول مقامر يصاب بالجنون ، بعد أن يفشل في الحصول على بعض الأموال في لعب القمار ، وتعتبر أكثر روايات (بوشكين) الواقعية شيوعا.

    - ناظر المحطة : تناول فيها مشكلة الظلم الاجتماعي .



    هذا هو ( بوشكين ) الأديب الروسي الذي يدين له كل الكتاب الكبار الذين جاؤوا من بعده كانوا من تلامذته ،
    نذكر بينهم :
    ( غوغول / ديستويفسكي / تولستوي / ليرمنتوف / تورغنييف / .... وغيرهم ) .


    .
    .
    .


    يذكر ( بينيون ) في كتابه ( قصة حياة بوشكين ) أن ( بوشكين ) هو أول من دشن الرواية التاريخية في روسيا حينما كتب قصة ( ابنة القبطان ) ، وكذلك كان أول من كتب الرواية الخيالية والشعر الشعبي الذي يسرد الحكايات العامية المنتشرة في تلك البلاد ، يقول ( ديستويفسكي) :

    " كلنا خرجنا من معطف (غوغول) ،
    ولكن ، ألم يكن معطف (غوغول) منسوجا من قميص ( بوشكين ) ؟ "

    ألم يكن بوشكين هو الذي ألهم زميله الأصغر منه مواضيع رواياته وبخاصة روايته الشهيرة ( الأرواح الميتة) " .



    وحتى ( تورغنييف ) تأثر به في العديد من كتاباته بالرغم من أنه عاش معظم حياته في الغرب ، وكذلك فإن واقعية ( ديستويفسكي ) متأثرة بـ ( بوشكين ) ، ورواية ( تولستوي ) الشهيرة ( الحرب والسلام ) استمدت أفكارها من قصة ( بوشكين ) ( بنت القبطان ) ، وبالتالي فأهمية ( بوشكين ) ليست بحاجة إلى برهان أو دليل ، إنها واضحة كالشمس الساطعة .





    ** مذهبه في الأدب ..

    تناول ( بوشكين ) في أشعاره كثيرا من الموضوعات مثل الطبيعة والحب والصداقة والوطنية ، وكان متحمسا للاتجاه العاطفي الرومانسي ، لأنه كان يعتبره منافيا لسائر الأساليب التي يقوم عليها الأدب الكلاسيكي المزيف ، وكذلك كان يعطي للكاتب حق التصرف بالفكرة الموضوعة ، ولكنه ما لبث بعد فترة أن غير اتجاهه إلى الواقعية ، وألف بعض الأعمال التي عبَّرت عنها فجاءت من صميم الواقع .

    كما استطاع ( بوشكين ) إحداث تغيير جوهري في المسرحيات الروسية حيث اتجه إلى شكسبير فوجد في مسرحياته الانطلاق والإخلاص والحقائق والأهداف السامية ، ورأى أن المسرح الروسي يتلائم ومسرحيات شكسبير الشعبية في ذلك الوقت .

    وكان ( بوشكين ) بإنتاجه الشعري يعبر عن الاستبداد الاجتماعي حيث السلطة مركزة بين القيصر والنبلاء ، وكان يطالب بحرية الشعب ، بوصفه المرجع الأول والأخير للسلطة ، وكان أول من دعا إلى الحد من سيادة النبلاء في روسيا و كان ذلك هو أحد أسباب نقمة القيصر عليه و أحد أسباب مقتله !



    يتبع ..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    ** شهادات أدباء روسيا ..


    يعترف جميع الأدباء والنقاد بأن ( بوشكين ) هو الذي أسس الأدب الروسي الجديد عن طريق تحريره من التبعية للآداب الأجنبية على الرغم من تأثره بها كلها ، وبفضل هذا التأثر بالذات فقد كان يعرف كيف يتخلص من التأثر بالآخرين لكي يبدع طريقه أو أدبه الخاص :
    .
    .
    .
    - غوغول : ( كاتب روسي شهير ، من أشهر أعماله ( المعطف – المفتش - الأرواح الميتة )) :

    " عند ذكر اسم ( بوشكين ) تومض على الفور الفكرة بخصوص شاعر روسيا القومي . بالفعل ، لايمكن أن يُطلق على أي شاعر آخر لقب شاعر قومي . فهذا من حقه هو بالتأكيد . لقد انعكس فيه ، كما في المعجم ، كل غنى ، قوة ، ومرونة اللغة الروسية . هو ، أي (بوشكين) ، أكثر من الجميع جعل حدود اللغة أوسع وفضاءها أرحب . إن (بوشكين) ظاهرة استثنائية ، بل ربماالوحيدة للروح الوطنية الروسية . إن الطبيعة الروسية ، الروح الروسية ، اللغة الروسية والطباع الروسية ـ قد انعكست فيه بكل نقائها وبكل جمالها البهي " .
    .
    .
    .
    - ي. تورغينيف : ( كاتب قصة قصيرة من رعيل الكتاب الروس الأوائل) :

    " إن (بوشكين) قد أعطى اللغة الروسية صياغة نهائية بحيث أنه ـ من حيث الغنى والقوة ، بناء وجمال الشكل ـ حتى علماء اللغة وأدباؤها الأجانب قد اعترفوا بها في المرتبة الأولى بعد اليونانية القديمة . لقد مارس (بوشكين) تأثيراً هائلاً من خلال الصور النموذجية والأصوات الخالدة على جميع اتجاهات الحياة الروسية " .
    .
    .
    .
    - ن. تشيرنيشيفسكي ( ناقد أدبي ذائع الصيت في الأوساط الأدبية الروسية في القرن التاسع عشر ) :

    " إن أهمية (بوشكين) عظيمة للغاية . فمن خلاله فاضت الثقافة الأدبية لتشمل عشرات الآلاف من الناس . بينما من قبله كان الاهتمام بالأدب يقتصر على القليلين .. فهو أول من رفع شأن الأدب إلى مرتبة الكرامة الوطنية ، في حين أن الأدب قبله كان حسب التعبير الناجح لإحدى المجلات التراثية مجرد قضاء الوقت بشكل ممتع ومفيد بالنسبة لحلقة ضيقة من الهواة " .



    إن (بوشكين) هوأول شاعر تربع في قلوب وعيون الجمهور الروسي على ذلك العرش الرفيع الذي يجب أن يشغله الكاتب العظيم في بلاده . لأن أساس تطور الأدب الروسي كان قد حُدد وسوف يُرسم في المستقبل من قبل (بوشكين) .

    - ولهذا قال ( ديستويفسكي ) ( مؤلف: الجريمة والعقاب ) و (الأخوة كرامازوف) في خطابه الشهير الذي ألقاه بمناسبة الاحتفال بذكرى (بوشكين) فيما معناه :
    " لقد كان (بوشكين) كاتبا كونيا لأنه كان روسيا حقيقيا ، وكان روسيا حقيقيا لأنه كان كاتبا كونيا ، فالكونية ليست ضد الخصوصية على عكس ما يتوهم ضيقو العقول وإنما هي توسيع لها أو تكميل وتعميق ، فـ(بوشكين) لم يستطع أن يتوصل إلى الكونية إلا بعد أن هضم تراث الآداب الأخرى كالأدب الفرنسي والانجليزي والعربي وصهرها كلها في بوتقة الأدب الروسي والشخصية الروسية .


    والواقع أن (بوشكين) كان حالة فريدة في نوعها في تاريخ الآداب الكونية ، فبإمكاننا أن ندرس الآداب الفرنسية والانجليزية والألمانية والايطالية والاسبانية من دون أن نشير إلى كاتب واحد يكون قد أثر على من لحقوا به ، أما بالنسبة للأدب الروسي فلا نستطيع ، فكل من جاء بعد (بوشكين) مدين له بشئ ما .

    ولقد اعترف ( ديستويفسكي ) بأن كل الكوكبة الحالية من الأدباء تعمل على هدى (بوشكين) ، ولم تصنع الجديد من بعده ، فكل البدايات كانت منه ، أشار بها علينا فضلا عن أننا صنعنا أقل مما أشار به علينا ، ولكن في المقابل فالذي صنع جاء متفوقا وثريا وفي عمق ووضوح ، وكان بفضله ، وبدرجة كانت ستجعل (بوشكين) يعترف به "
    .
    .
    .
    - الناقد ( بيلنسكي ) :

    " بوشكين شاعر كل الشعوب لكل العصور " ، لقد اهتم فقط بالنماذج الإنسانية الخيرة من حضارات الشعوب الأخرى ، لقد تميز الإنتاج الشعري لـ(بوشكين) " بالإخلاص بشكل مدهش للواقع ، سواء تناول وصف الطبيعة الروسية أم الطبائع الإنسانية الروسية ، وعلى هذا الأساس فالصورة المعلنة له : شاعر روسي قومي شعبي " .
    .
    .
    .
    - ( لوناتشارسكي ) :

    إن (بوشكين) أنجز لروسيا ما أنجزه (دانتي) و(بترارك) لإيطاليا ، وعمالقة القرن السابع عشر لفرنسا ، و (ليسينغ) و(شيللر) و(جوته) لألمانيا .
    .
    .
    .
    - مكسيم جوركي : ( أديب روسي شهير ) :

    ما يزال (بوشكين) " أكبر فخر لروسيا " و ما يزال يحتفظ لنفسه بمكانة " القمة ، مثل (ليونارد دافنشي) بالنسبة للفن الأوروبي .
    .
    .
    .
    - ( ف . ابراموف : أديب روسي معاصر ) :

    ما تزال عبقرية (بوشكين) حتى يومنا هذا " مستمرة في النمو و التعمق واكتناز القوة " .





    ** تقدير الروس له ..


    لقد أحس (بوشكين) بأن الشعب لن ينساه ، وفي السنة التي توفى فيها كتب أفضل رائعة شعرية له ( التمثال ) حيث أكد أن روحه سوف تعاني الموت أما " درب الشعب " إليه فلن يعرف ظهور الأعشاب :


    - لا تكاد تخلو مدينة في روسيا أو الاتحاد السوفيتي السابق من تمثال لـ(بوشكين) ، أو شارع سمي باسمه .

    - أقام ( ستالين ) في عام 1937 ( ذروة سنوات التطهير ) احتفالا كبيرا بمرور 100 عام على وفاته ، في نفس الوقت الذي كان يرسل فيه إلى معسكرات الاعتقال النخبة المثقفة .

    - احتفل الشعب الروسي ومحبو شعره في جميع أنحاء العالم في سنة 1999 بذكرى مرور (200)عام على ولادة الشاعر الذي تغنى بالطبيعة والحب والوفاء والصداقة والروح الوطنية .

    - تم تحويل بعض أعماله إلى أفلام : قامت المخرجة ( مارتا فاينس ) بتحويل رواية ( يفجيني أونيجين ) إلى فلم باللغة الانجليزية وقد لعب أخوها ( ريف فاينس ) الدور الرئيسي في الفلم .

    - أطلق أسمه على أكبر مسارح سانت بطرسبورج ( مسرح ألكسندر نسكي سابقا / أفتتح عام 1824) .

    - تم تحويل بعض أعماله إلى أوبرات موسيقية و مقطوعات أوركسترالية منها علي سبيل المثال :

    - ألف (غلينكا – الملقب بأبي الموسيقى الروسية ) صيغة أوبرالية لقصيدة : روسلان ولودميلا .
    والتي تعتبر نقطة البداية للموسيقى الروسية .

    - استهلم (غلينكا) من قصيدة (عفريت الماء) انجازه الموسيقي المهم (روسكا) .

    - شرع (غلينكا) قبل وفاته بفترة وجيزة بكتابة أوبرا (الضيف الحجري) أكملها عقب وفاته (ريميسكي كورساكوف) .

    - استلهم (ريميسكي كورساكوف) من شعر (بوشكين) أوبرا (القيصر والسلطان) .

    - أما رواية (يفجيني أونيجين ) فقد صاغها (جايكوفسكي) عملا أوبراليا رائعا .

    - أصبحت (بوريس غودونوف ) موضوعا لمقطوعة أوركسترالية شغلت رائد الموسيقى الروسية (مزورسكي) أربع سنوات .

    - تكرس قنوات التلفزيون الروسية الكثير من البرامج التي تعكس عبقرية الشاعر باعتباره يمثل صوت روسيا ووعيها الذاتي وضميرها الحي في أيام الاحتفال بعيد ميلاده ، وتتناول وسائل الإعلام في الأيام الأخرى أعماله .



    إن أعمال (بوشكين) ليست محصورة على فئة معينة من القراء ، حيث أعجب بفنه الأدبي الرفيع العلماء
    والدبلوماسيون والفنانون والسياسيون في روسيا وخارجها .

    تحولت ضيعته الواقعة في شمال غرب روسيا وشقته في مدينة سانت بطرسبورج مزارا لمحبي أدبه من جميع أنحاء العالم ، وأصبحت صوره كالأيقونات ، وتحولت كلماته الحكيمة إلى نصائح صديق قريب إلى نفس كلإنسان يحب أدبه .



    * تجميع مؤلفات (بوشكين) وإصدار أعماله الكاملة :

    - أ. بوشكين , ( المؤلفات الكاملة في عشرة أجزاء )
    - أ. بوشكين , ( المؤلفات الكاملة في 12 جزء )
    - أ. بوشكين , ( مقالات و مواد )

    - إصدار الكثير من الكتب والدراسات عن (بوشكين) وأدبه .





    ** كتب عن بوشكين ..


    ما زالت الكتب والمقالات تصدر إلى اليوم عنه ، وما زالت المطابع لا تعرف التوقف عن العمل في ذلك ، وفيما يلي نقدم نموذجا منها :

    = من الكتب والدراسات الروسية على سبيل المثال :

    1. أصدرت الشاعرة الروسية الشهيرة ( آنا أندريفنا آخماتوفا ) كتابا بعنوان ( مقتل بوشكين ) .
    2. م. الكسييف ، ( بوشكين ) .
    3. م. الكسييف , د. بلاجوى , ب. جورديتسكي , ( بوشكين .. أبحاث ومواد ).
    4. د. بوندي , ( فن بوشكين ) .
    5. ب. بروسوف , ( مصير بوشكين ) .
    6. ن. فريدمان , ( الرومانتيكية في إنتاج بوشكين ) .
    7. ج. جوكوفسكي , ( بوشكين و الرومانتيكيون الروس). 8. ل. جروسمان, ، ( بوشكين في مقاعد المسرح ) .
    9. ف. روزوف , ( بوشكين وجوته ) , في كتاب تاريخ الأدب الألماني .
    10. ن. سولوفي , ( في كتاب بوشكين في بلدان الشرق ).
    11. أ. سلومينسكي , ( فن بوشكين ) .
    12. ن. ستيبانوف , ( الشعر الغنائي لبوشكين ) .
    13. ن. ستراخوف , ( ملاحظات حول بوشكين وشعراء آخرين) .
    14. ن. سومتسوف , ( بوشكين , أبحاث ) .
    15. يو. تنيانوف , ( بوشكين ) .

    .

    = من الكتب العربية :


    16. أصدر الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة كتابا عن حياة (بوشكين) نشر ضمن سلسلة (إقرأ) سنة 1945 .

    وأشاد فيه بالأستاذ / نجاتي صدقي على صنيعه بترجمة كتابات بوشكين وقد كتب إليه يقول : " .... وها أنت تأخذ الكسندر بوشكين أعظم شعراء الروس ، وقمة باسقة من قمم الشعر الباسقات في الأرض فتنقل إلى قراء العربية أخبار حياته القصيرة .. وفي ذلك ما يعزيني بالأقل ، وقد فرغت من كتابة حياة بوشكين "

    17. مالك صقور ، (بوشكين والقرآن) ، دمشق ، دار الحارث ، ط 1 ، 2000 .

    .

    = من الكتب الإنجليزية :

    18. لعل أخر كتاب صدر عن (بوشكين) – وقت إعداد هذه الدراسة – هو كتاب :

    - ( قصة حياة بوشكين )
    - تأليف الناقد والأكاديمي الإنجليزي : ت.ج. بينيون
    - الناشر : Vintage Books
    - مكان النشر : نيويورك
    - سنة النشر : 2005 .
    - عدد صفحات الكتاب ( 784 ) صفحة .



    بل إننا نجد أن هناك كتبا تناولت سيرة ( بوشكين ) أثناء تناولها لموضوعات أخرى مثل كتاب ( حياة أنطون تشيخوف) ، تأليف البروفيسور (دونالد ريفيلد) ،
    أو أي كتاب يتناول حياة (ليرمنتوف) أو حتى (ن. غوغول) على سبيل المثال ، وأي كتاب يتناول الأدب الروسي شعرا أو نثرا حتما سنجد (بوشكين) هناك ، كما إننا نجد ترجمته في كل الكتب الخاصة بالأدب الروسي ، وفي كتب تراجم الشعراء والأدباء الأجانب أو الموسوعات .



    يتبع ..

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    ** ألكسندر بوشكين والقرآن الكريم ..


    " أنا الآن أعمل من أجل تمجيد القرآن الكريم " ( بوشكين )


    يجد الباحث أن المؤرخ (وول ديورانت) في كتابه (قصة الحضارة) قد أكد على أن علاقة روسيا بالعرب والمسلمين تعود إلى عصور الفتوحات الإسلامية وإلى أيام الخلافة (العربية) التي يسّرت وصول التجار العرب المسلمين إلى الشمال الروسي .

    كما تشير المصادر إلى أن الإسلام في القرن الثامن الميلادي انتشر إلى ما وراء القفقاس (القوقاز) وما وراء النهر ، وظل ينتشر حتى سيطر على بلاد واسعة وانضمت إليه جماعات كبيرة من مختلف الأجناس العرقية والتقاليد الثقافية والأساليب المعيشية .

    وحول هذا الموضوع أشار المستعرب ( إغناطيوس كراتشكوفسكي ) إلى أن أسم (العرب) قد ورد في مخطوط قديم يعود إلى القرن الحادي عشر هو " حكايا السنين الغابرة " ، ويقول إنه نتيجة وصول التجار العرب المسلمين إلى المدن الروسية ونتيجة الاحتكاك مع الشعوب المجاورة التي تعتنق الإسلام ، وكذلك ذهاب الحجاج الروس المسيحيين إلى فلسطين دخلت اللغة الروسية الكثير من الكلمات العربية التي ما زال بعضها يستخدم حتى الآن ، ومنذ مطلع القرن التاسع عشر بدأ تأثير الأدب العربي في روسيا واضحا جدا ، فقد كتب ( سينوفسكي ) " قصص شرقية " وترجمها ( بولديرف ) إلى الروسية ، كما تم ترجمة قصص ألف ليلة وليلة التي ظهرت في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ، وغيرها .

    وعلى ذلك يمكن القول بأن الاهتمام بفلسفة وحضارة العرب لدى الباحثين الروس قد ظهر منذ زمن بعيد .



    ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الروسية ..

    اتخذ الغرب وعلى فترات تاريخية موقفا عدائيا من الإسلام ، ولم يكن هدف ناشري ترجمات القرآن من ممثلي الكنيسة هو التعريف بالإسلام بل محاربته والهجوم عليه ، وينطبق هذا أيضا على الكتابات عن السيرة النبوية الشريفة ، وقد كانت هذه الترجمات مليئة بالأخطاء وعدم الدقة ، كما تختلف المعاني حينما يتم ترجمتها من اللغة الأم إلى لغة وسيطة إلى اللغة المعنية فعلى سبيل المثال ، ومن خلال المصادر المتوفرة لدينا وجدنا إن هناك اهتماما كبيرا بترجمة القرآن ( أو معانيه ) إلى اللغة الروسية وهذه الترجمات كانت من اللغة الفرنسية :


    - في عام 1716 أمر قيصر روسيا المتفتح الواعي ( بطرس الأكبر) بترجمة القرآن الكريم " معاني القرآن " إلى اللغة الروسية .

    - في عام 1716 قام المترجم (بوسينكوف) بترجمة القرآن الكريم والتي نقلها بدوره عن ترجمة فرنسية تمت على يد المستشرق الفرنسي ( دي ريير – Du Ryer ) عام 1647 ، ( وكانت أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية ) ، وهي ترجمة جعلت المستشرق الروسي (كراتشوفسكي ) يبدي تشككه حول قيمتها ومصداقيتها ودقتها ، إلا إنها تظل الترجمة الأولى للقرآن الكريم إلى اللغة الروسية رغم أخطائها العديدة التي تحدثت عن القرآن بعنوان غريب ( القرآن عن محمد / القانون التركي ) ، رغم أن هذا المترجم كان قنصلا لفرنسا في مصر ، وكان يتقن اللغة العربية واللغة التركية إلا إن في ترجمته هذه كثير من المواضع الغامضة ، وقد أعيد طبعها هذه الترجمة في هولندا سنة 1649 ، وقد ظفرت هذه الترجمة الفرنسية بالعديد من الترجمات.

    - في عام 1787 تم طبع القرآن كاملا في نصه العربي في بطرسبورج (477 صفحة) ، تحت عنوان :
    (Al-Koran , Arabice. Petropoli, 1787 ) ، وقد نشرت برعاية إمبراطورة روسيا ( كترينا ) " ليستفيد منه رعاياها المسلمون " ، وقد أشرف على الطبع مُلاّ عثمان إسماعيل ، وقد أعيدت هذه الطبعة في سنة 1790 و سنة 1793 دون أي تعديل .

    - ترجمة القرآن الكريم التي قام بها الأديب ( فيريو فكين ) في أواخر القرن الثامن عشر إلى اللغة الروسية سنة 1790 عن اللغة الفرنسية أيضا .

    - ترجمة (سالموكوف)التي صدرت عام 1878 م.

    - ترجمة المستشرق الكبير (كراتشكوفسكي ) التي صدرت عام 1963 .



    " ... وقد كان هذا الكتاب العظيم المتميز بمستواه الفني الرفيع قد ألهم الشعراء الروس فنظموا قصائد ذات صلة بمضمونه الغني ... " .



    أدباء روسيا والإسلام ..

    ذكر الأديب الفرنسي ( أندريه جيد ) في كتابه ( دوستويفسكي – مقالات ومحاضرات ) جانبا من اهتمامات هذا الأديب الروسي المشهور بالإسلام وبالرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الرسائل بين الأديب (دوستويفسكي) الذي كان منفيا في سيبيريا وبين شقيقه في موسكو ، و هذا الاهتمام ليس قاصرا فحسب على ( دوستويفسكي ) بل إننا نجد أن أدباء وشعراء روسيا اهتموا بالعرب يشكل عام وبالإسلام وبالرسول عليه السلام بشكل خاص اهتماما كبيرا ، فـ( ليو تولستوي ) و ( بوشكين ) و ( ليرمنتوف ) و ( إيفان نونين ) أمثلة واضحة على ذلك ، بل إن هناك من يذهب أو يظن إلى أن بعضهم من مات على دين الإسلام ، وأشير هنا على عجالة إلى بعض كلمات هؤلاء الأدباء :


    - يقول (بوشكين) : " كثير من القيم الأخلاقية موجزة في القرآن في قوة وشاعرية " ..

    - يقول ( ميخائيل ليرمنتوف ) : " فربما ، سماء الشرق قد قربتني بلا إرادة من تعاليم نبيهم " ، ومن يتصفح ديوان (ليرمنتوف) يرى قصائد ( الغصن الفلسطيني )، (الرسول) وهي إعجاب شديد بسيدنا محمد وتصوير لصلابته أمام التعذيب الذي مارسه الكفار .

    - ( تولستوي) : من خطاب له إلى الإمام محمد عبده " يوجد دين واحد : الإيمان الصادق ، وأعتقد أنني لا أخطئ حين أعتقد أن الدين الذي أعتنقه هو نفسه الذي تعتنقونه " .

    - ( إيفان بونين ) : " افتح إذن ذلك الخالد فوق الصحراء ، فوق الأرض في المساء المعتم الزرقة ، كتاب النجوم السماوية : قرآننا " .


    فسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الأمّي الذي تمكن بقوة الدعوة أن يوحد تلك القبائل المتصارعة وأن يصنع منهم وبهم دولة تمتد شرقا وغربا قد حازت إعجاب وانبهار أولئك الذين لا يتخذون الإسلام دينا ومنهم بالطبع (بوشكين) .

    و تناول هذا الموضوع بالدراسة لجدير بالاهتمام والبحث والتقصي ، و ما أتناوله هنا أعتبره مجرد إطلالة سريعة على أحد هؤلاء هو ( ألكسندر بوشكين ) الذي تعرفنا عليه في الجزء الأول من هذا البحث .

    ومن الضرورة إن التوقف لمعرفة آراء إنسان يدين بدين آخر غير الإسلام ذلك إن التباعد الذي تفرضه على (بوشكين) ثقافته وتربيته وعقيدته جعل بعض آرائه مخالفة للدين الإسلامي ولكنها من الندرة والقلة بالنسبة لتلك التي تتفق والفكر الإسلامي ، إضافة إعجابه الشديد بالقرآن الكريم وبشخصية النبي واحترامه الكبير لها وحبه للحضارة العربية والإسلامية وآدابها .




    ** تأثر (بوشكين) بالقرآن الكريم والسيرة النبوية ..


    عندما اقتربتُ من (بوشكين) وطالعت قصة حياته القصيرة أدركت مدى تأثره بالقرآن الكريم في شعره وأفكاره ، ولقد حدث هذا التوجه في فترة من أقسى الفترات التي مرت به حيث كانت المواجهة بينه وبين أجهزة القمع القيصرية في أوجها ، لقد كانت تلك الأجهزة تضيق عليه الحصار وتحاصره بعيونها وأرصادها حتى داخل بيته ، وحينما نفي إلى جنوب روسيا ( شبه جزيرة القرم )/( القوقاز ) تعرف هناك على المسلمين ، وعلى القرآن الكريم وعلى سيرةالرسول محمد عليه السلام ، فوجد في القرآن الكريم وروعة صياغته خير ملاذ يعينه على رفع صوت الاحتجاج ضد الشر وأشكال الظلم ، وعلى تأكيد حب الحياة الإنسانية والميل نحو الخير والعدل والجمال .


    جاء في رسالة بعث بها من منفاه في (نوفمبر- 1824) إلى أخيه في بطرسبرج : " أنا الآن أعمل من أجل تمجيد القرآن الكريم " إعجابا بالقرآن الكريم ، وتشير المصادر المتوفرة إلى أن (بوشكين) لم يكتفِ بقراءة ترجمة القرآن بل طلب أن يسمع القرآن الكريم ترتيلا عندما كان يعيش بين الشعوب الإسلامية في جنوب روسيا .


    وبدأ كتابة سلسلة قصائده التسع التي تحمل عنوانا واحدا هو " قبسات من القرآن " ( ترجمها البعض : محاكاة القرآن ) ، واستغرق في تأمل القرآن إلى درجة كانت تدفعه أحيانا إلى تطبيق لغة القرآن ومعاني القرآن على نفسه ، كما درس سيرة النبي ، وكتب قصيدة " الرسول " .

    لقد تأمل (بوشكين) بعض موضوعات القرآن الكريم التي أخذها عن الترجمة القديمة وقدمها إلى الناس على شكل أبيات من الشعر بعد أن قام بتشذيب تلك الترجمة وبسطها بأسلوب أدبي شائق لتصبح سهلة الفهم فقد كانت اللغة الروسية القديمة صعبة وشائكة إلى حد كبير .


    ويتكرر سؤال حول الأسباب التي حثت (بوشكين) على الاهتمام بالقرآن الكريم ؟

    تقول الباحثة الناقدة ( أ.لوبيكوفا) : " على امتداد مائة عام وأكثر حاول الباحثون في إنتاج (بوشكين) أن يحددوا السبب الذي جذب (بوشكين) تجاه القرآن ؟ وما الذي حفزه على كتابة (القبسات) وهذا الاستفسار لا يخلو بالطبع من لهجة الدهشة والتعجب "

    ولقد اختلف الباحثون في تحديد الأسباب التي أثارت اهتمام (بوشكين) بالقرآن ، من أهم هذه الآراء :

    - تقول الباحثة ( كاشنا ليفار ) : " إن اهتمام (بوشكين) كان مرده أسبابا شخصية ، كان من الضروري أن يشعر (بوشكين) تجاه القرآن باهتمام شخصي خاص " .

    - يقول الناقد ( سلومينسكي ) : " إن هناك توازنا بين التوثيقات المستلهمة من القرآن وملامح الظروف التاريخية الروسية " .

    - أما الناقد ( ستراخوف ) فيقول : " القرآن على ما يبدو قادر على التأثير بقوة على الناس ، وفي الوقت الحاضر تصنع روح هذا الكتاب انتصارات كبيرة " .

    - ويرى الناقد الروسي ( براجينسكي ) : " إن تأمل بوشكين في القرآن كان (فلسفيا) فقد لجأ إليه من أجل الوعي بدروس التاريخ ولخدمة الواقع " .

    - يقول الناقد السوفيتي ( براجينسكي ) : " أصبح القرآن مصدرا للتعبير عن الأفكار البطولية والشجاعة الصلبة والنضال المنكر للذات في الفترة التي سبقت حركة الديسمبريين ".

    هذا ما ذهب إليه النقاد الروس ، و في رأينا أن أقربهم للصواب هو رأي ( ستراخوف ) .


    ويمكننا القول بأن (بوشكين) عاش فترة شبابه متأثرا بالاتجاه (الرومانتيكي) إلى حد ما ، ولكن اطلاعه على حياة الشعب الروسي عن قرب وتعرضه للقمع والاضطهاد و تعرفه على الأفكار الثورية لبعض أصدقائه من المثقفين والعسكريين دفعه إلى إعادة النظر في العديد من آرائه الفكرية والاجتماعية والبحث في الكثير من المصادر لإنسانية الرصينة كي يتشف منها الطريق الصحيح الذي يقود إلى الخروج من الأزمة الروحية ، فكان القرآن من المصادر الأساسية التي درسها في تلك الفترة الحرجة من حياته والتي توجت بتحوله إلى الواقعية .

    وكتب عنه الباحث الروسي ( سولوفي ) : " يطرح (بوشكين) في هذه السلسلة الشعرية وبشكل واقعي خصائص الحضارة العربية والإسلامية ، ويحاول أن يقدم تصورا موضوعيا عن القرآن الكريم وعن النبي ، كذلك حاول (بوشكين) في نتاجه الشعري هذا أن يبين مدى أثر لغة القرآن االكريم وأهميتها بالنسبة للمجتمع العربي آنذاك "


    قصيدة الرسول


    كتب (بوشكين) قصيدة " الرسول " في عام (1826) ، وتتناول هذه القصيدة المرحلة المبكرة من النبوة : فترة تلقي الوحي ، بينما تتناول (قبسات من القرآن) مراحله اللاحقة ، ويستهل (بوشكين) قصيدة " الرسول " بمقطعين يلقيان الضوء على عجالة على ظروف النبي قبل تلقي الوحي مباشرة ، إن الرسول المنتظر تميزه روح غنية (يضنيها) التأمل في الكون والبحث عن حقيقة الوجود ، ومن ثم تجنح روحه المتأملة إلى العزلة في الصحراء (غار حراء ) يؤرقها البحث عن إجابات شافية لأرق الفكر والتأمل :

    يضنينا عطش الروح ،
    وفي الصحراء الموحشة كنا نتمدد


    ثم يرسم (بوشكين) صورة شعرية لظهور جبريل (عليه السلام) للنبي عليه الصلاة والسلام :


    فظهر لنا في مفترق الطرق ،
    سارافيم ذو الأجنحة الستة
    وبأصابع خفيفة مثلما في حلم
    لمس قرة عيني :
    فانفرجت مقلتاي النبويتان
    كأنهما عينا نسر مذعور



    في هذا الوصف نجد أن (بوشكين) ذكر (سارافيم : اسرافيل ) بدلا من (جبرائيل) وذلك لاشك راجع للترجمات التي قرأها (بوشكين) ، وقد وصفه بأن لديه ستة أجنحة وتتقاطع هذه الصورة الشعرية لجبرائيل مع حديث عبدالله ابن مسعود رضى الله عنه الذي يذكر فيه إن لجبرائيل (ستمائة جناح) ، فهل كان (بوشكين) على دراية بهذا الحديث ؟ ... ربما ، ومن ناحية أخرى ربما استلهم صورة جبريل (عليه السلام) من الآية الكريمة :

    ( الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) ) (سورة فاطر) .



    وصوّر (بوشكين) حالة الرسول عندما نزل عليه الوحي ( بالنسر المذعور) ولعل اختيار تشبيه الرسول في خوفه (بالنسر) كان يعني به (بوشكين) الدلالة على القوة والشموخ ، وربما اختار (بوشكين) النسر القوي لكي يصف به الرسول ، حيث يتحمل ثقل الرسالة والقرآن الذي عجزت الجبال عن تحمله ، ويواصل (بوشكين) قصيدته التي تصور هذا الحدث الجلل وهو بدء الوحي :


    فأصغيت إلى رعدة السماء
    وتحليق الملائكة في الأعالي
    وسريان حركة أغوار البحار
    ونمو الكرمة النائية


    وفي هذا الوصف يبدو تأثر (بوشكين) بسورة (النجم) وقصة الإسراء والمعراج :

    ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) )(سورة النجم )

    إن ( آيات ربه الكبرى ) تنعكس في الخيال الشعري لـ(بوشكين) في سماع النبي " لرعدة السماء" و حركة " تحليق الملائكة في الأعالي " وما يدور في " أغوار البحار " .. ثم أليس سماع الرسول عليه السلام لهذه الأشياء هو استلهام لقصة الإسراء والمعراج التي رأي فيها الرسول جبريل ، لقد أورد المستشرق الروسي (بولديريف) في مقال " رحلة محمد إلى السماء " وصفا للمعراج مما يؤكد معرفة (بوشكين) لهذه الرحلة .... ولنكمل :

    انحنى الملاك على فمي
    وبيده اليمنى المضرجة
    وضع في فمي المشدوه
    كل أقوال الحكمة


    إن هذا الوصف يبدو مستلمها من الآية الكريمة من سورة العلق : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ )
    ثم يورد (بوشكين) قصة شق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم :


    وشق صدري بسيفه ،
    واقتلع قلبي المرتجف ،
    وأقحم في صدري المشقوق
    جذوة متأججة النيران
    فانطرحت في الصحراء كالجثة ،

    ولقد وردت قصة شق صدر الرسول في كتاب (واشنطون ايرفينج ) وكان (بوشكين) على دراية به .

    ثم يتابع (بوشكين) قصيدته مستلهما سورة المدثر ( يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ(2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) )

    وناداني صوت الله :
    " انهض ، يا رسول ، وأبصر
    لبِّ إرادتي ،
    وجب البحار والأراضي
    وألهب بدعوتك الناس " .


    تلك هي قصيدة الرسول لأمير شعراء روسيا ، والتي أثارت اهتماما شديدا لدى جانب من معاصري الشاعر ، كما استمر تأثيرها لأجيال بعده ، فقد صارت السيرة النبوية الشريفة بالنسبة للصفوة المثقفة من الروس و روَّاد الحركة الوطنية نموذجا للقدوة الحسنة الصابرة على الرسالة ، والمجاهدة في سبيلها ، ومن ذلك قلب الأديب والثائر الروسي الديسمبري (تشاداييف) التي أكد فيها على عظمة الرسول وأثره في حركة الديسمبريين الثورية فيقول : " إن عظمة الرسول محمد الذي حمل لواء الدعوة الجديدة التي كان لظهورها الفضل في ذلك ( الغليان الديني في الشرق .. ) والمحفز لنضالنا " .


    في عام 1880 وفي حفل افتتاح النصب التذكاري للشاعر (بوشكين) اختار الكاتب الشهير (دستويفسكي ) من بين مؤلفات (بوشكين) قصيدة الشاعر ، وقرأها على الحاضرين " بانفعال وتوتر بدرجة بات من الصعب سماعه " .

    كما أكد النقاد تميز هذه القصيدة من بين أعماله ، " بالجمال والعمق " و اعترفوا بها مؤلفا نابغا يميزه جمال لا يوصف ، وأحد " أروع مؤلفات عبقرية (بوشكين) القادرة على تمثل الشخصيات " .

    وكتب (بوشكين) قصيدة بعنوان ( المغارة ) يقول فيها :

    وفي المغارة السرية
    في يوم الهروب
    قرأت آيات القرآن الشاعرية
    فجأة هدأت روعي الملائكة
    وحملت لي التعاويذ والأدعية .

    وتدل هذه الأبيات على أن (بوشكين) في اطلاعه على السيرة النبوية عرف تفاصيل الهجرة و قصة لجوء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى غار ثور وملاحقة المشركين لهما و نزول الآية الكريمة رقم (40) من سورة التوبة .

    وتظل رؤى الرسول عليه السلام وكلمات القرآن الكريم رغم أن (بوشكين) لم يحصل إلا على ترجمة غير دقيقة تضيء جوانب نفسه ويردد في قصائد حبه للشرق وللرسول وللقرآن :


    كم هي جذابة الزينة المبهمة
    لليالي الشرق الفاخرة
    كيف تنساب الساعات
    أمام عشاق الرسول .


    لقد أعجب (بوشكين ) بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم إعجابا كبيرا جعله يستلهم مراحل مختلفة من السيرة النبوية في أكثر من قصيدة و بخاصة في مجموعة " قبسات من القرآن " .


    قبسات من القرآن
    ( ترجمها البعض : " قبسات القرآن " أو " محاكاة القرآن ")



    في عام (1824) كتب (بوشكين) (قبسات من القرآن) من تسع مقطوعات مختلفة الطول والبحر وتتناسب مع الآيات القرآنية التي اقتبس منها وأسس عليها أشعاره ، وقد وضع أرقاما باللاتينية لهذه المقطوعات ومن (1) إلى (9) ، ويلاحظ إن الشاعر يسميها (مقطوعة) أو (منظومة) بدلا من القول (قصيدة) لأن العنوان العام هو (الاقتباس) وحاول فيها أن ينقل الترجمة الركيكة للقرآن الكريم إلى آفاق الشعر النابض بروح الإيمان العذب :



    الاقتباس الأول ..


    يتألف هذا الاقتباس من أربع مقطوعات ، كل منها أربعة أبيات ، و يستهل الاقتباس من القرآن شكل القسم الوارد قي القرآن الكريم مستخدما كلمة (أقسم) بدلا من (واو) القسم ، لأن اللغة الروسية لا يوجد فيها حروف القسم ، يقول الشاعر :

    أقسم بالشفع والوتر
    أقسم بالسيف ومعركة الحق
    أقسم بنجمة الصبح
    أقسم بصلاة العصر

    كلا ، لم أودعك ( في ترجمة أخرى : كلا لم أ هجرك )


    في هذه الأبيات نرى مدى تأثر (بوشكين) بما جاء في سورتي الفجر والضحى :

    ( وَالْفَجْرِ(1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) )

    ( وَالضُّحَى (1)وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) )

    فنجده يكرر المعنى ذاته ( كلا لم أودعك ) .


    فمن الذي هديتُ إلى ظل الطمأنينة
    وأخفيته عن تعقب الأرصاد فحافظت على حياته


    يصور (بوشكين) في هذا المقطع قصة هجرة الرسول إلى المدينة وقد وردت هذه القصة في الآية رقم (40) من سورة التوبة :
    ( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) ) .

    ألم أسقك يوم عطشك
    بمياه القفار؟
    ألم أمنح لسانك
    سلطانا عظيما على العقول؟

    تشجع واحتقرالخداع
    والزم طريق الحقيقة بعزم
    أحبب الأيتام وأذع قرآني
    بين الخلائق الخاشعة! " ( في ترجمة أخرى : وبشر المخلوقات المهتزة )


    و يعود (بوشكين) مرة أخرى في ختام هذا الاقتباس لاستلهام سورة الضحى :

    ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى(6)وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى(7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى(8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ(9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ(10)وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ(11) )

    .
    .


    الاقتباس الثاني ..


    إيه ، يا زوجات الرسول الطاهرات
    إنكن تختلفن عن كل الزوجات :
    فحتى طيف الرذيلة مفزع لكن
    في ظل العذب للسكينة
    عشن في عفاف : فقد علق بكن
    حجاب الشابة العذراء .
    حافظن على قلوب وفية
    من أجل هناء الشرعيين و الخجلى ,
    و نظرة الكفار الماكرة
    لا تجعلنها تبصر وجوهكن .

    يعكس هذا الاقتباس تأثر (بوشكين) بالآيات القرآنية التي تدعو إلى آداب الحجاب ، ونبذ التبرج والتي تعلي من عفة زوجات الرسول ، ونزولهن عن الرغبة في التزين والحياة الدنيا مقابل البقاء مع الرسول ، وبخاصة الآيات التالية :
    ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً(32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33) ) - سورة الأحزاب .


    والآية الكريمة التالية :
    ( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) (الأحزاب – 53 ) .


    أما أنتم ، يا ضيوف محمد
    و أنتم تتقاطرون على أمسياته ،
    احذروا فبهرجة الدنيا
    تكدر رسولنا .
    فهو لا يحب الثرثارين
    و كلمات غير المتواضعين و الفارغين :
    شرفوا مأدبته في خشوع ،
    و انحنوا في أدب :
    لزوجاته الشابات المحكومات بالعفة .


    في الجزء من الاقتباس يستلهم (بوشكين) الآية الكريمة التالية من سورة الأحزاب :
    ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَايَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً ) الأحزاب – 53 .


    .
    .


    الاقتباس الثالث ..


    تناول فيه (بوشكين) موضوعين :
    الأول : فيه قصة (عبدالله بن أم مكتوم) الواردة في سورة (عبس) ، حيث يقول:

    و تجهم الرسول ، و هو يتململ
    بعد أن أحس دنو الأعمى :
    و يسرع ، لكن الرسول لا يقدر
    أن يظهر له الحيرة .
    لأنه مع الكتاب السماوي معطي وثيقة
    لك يا رسول ، لا للخارجين
    بشر بالقرآن في سكينة ،
    دون أن تجبر الكفار !


    ونقارن معاني هذه الأبيات بالآيات التالية من سورة عبس :
    ( عَبَسَ وَتَوَلَّى(1) أَن جَاءهُ الْأَعْمَى(2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى(3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى(4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى(5) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى(6)وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى(7) )


    أما الثاني : فتناول فيه موضوع التكبر والغرور ووصف يوم القيامة :

    علام يتغطرس الإنسان ؟
    على أنه جاء إلى الدنيا عاريا ،
    على أنه يستنشق دهرا قصيرا ،
    و أنه سيموت ضعيفا ، مثلما و لد ضعيفا ؟
    ألم يعلم أن الله سيميته ،
    و يبعثه بمشيئته ؟
    و إن السماء ترعى أيامه
    في السعادة و في القدر الأليم ؟
    ألا يعلم أن الله وهبه الثمار ,
    و الخبز ، و التمر ، والزيتون
    ثم بارك جهوده
    فوهبه البستان ، والتل ، والحقل ؟
    لكن الملاك سيعود مرتين ،
    و سيدوي على الأرض رعدا سماويا :
    و سيفرُّ الأخُ من أخيه ،
    و يبتعد الابن عن أمه .
    ويمثل الجميع أمام الله ،
    صرعى من الرعب ،
    و يسقط الكفار
    يغطيهم اللهب و العفار .



    وقد استلهم أفكاره من الآيات (18) و(40) من سورة النبأ ، و الآيات من (33) إلى (42) من سورة عبس ، مستخدما الصورة ذاتها وحتى الكلمات دون تعديل تقريبا :

    و سيفر الأخ من أخيه ،
    و يبتعد الابن عن أمه .

    وفي القرآن الكريم : ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) ) في سورة عبس .


    .
    .


    الاقتباس الرابع ..


    معك في القديم ، يا قادر ،
    يا عظيم توهم أن يتبارى ،
    ممتلئا بالكبرياء المجنونة ،
    و لكن أنت إلهي ، أفحمته .
    أنت ( تقول) : أنا أهب العالم الحياة ،
    و أعاقب الأرض بالموت
    فيدي مبسوطة على كل شيء .
    و أنا كذلك ، ( أقول) ، أهب الحياة ,
    و أعاقب أيضا بالموت :
    فأنا يا رب ، ندٌّ لك .
    لكن خيلاء الإثم خفتت
    من كلمتك الغاضبة :
    سأرفع الشمس من المشرق ،
    فارفعها أنت من المغرب !


    واستلهمها (بوشكين) هذه الأبيات من سورة البقرة وأترك لكم التأمل في الأبيات والآيات والمقارنة بينهما:


    ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) . (سورة البقرة – 258 )



    يتبع ..

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    .
    .

    الاقتباس الخامس ..


    الأرض ساكنة ، السماء بلا عمد ، ( في ترجمة أخرى : هامدة هي الأرض ) .
    الخالق الذي نعتمد عليه ،
    لن يُسقِطَ السَّيل على اليابس
    و لن يقهرنا و إياك .

    اقتبس (بوشكين) هذه الأبيات من الآية الكريمة الواردة سورة لقمان :
    ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) ) .


    و يقول (بوشكين) : ( الأرض ساكنة / هامدة ) في حركتها الظاهرية مستمدا ذلك من قوله تعالى في سورة الأنبياء :
    ( وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُون (32) )


    لقد أضأت الشمس في الكون ،
    و أضأت أيضا السماء و الأرض ،
    مثل نبتة كتان تمتلئ بالزيت ،
    تضيء في مصباح بلّوري .

    صّل للخالق ، فهو القادر
    فهو يحكم الريح ، في يوم قائظ
    و يرسل السحب إلى السماء ،
    و يهب الأرض ظل الأشجار .

    إنه الرحيم : قد كشف
    لمحمد القرآن الساطع ،
    فلننساب نحن أيضا نحو النور ،
    و لتسقط الغشاوة عن الأعين .

    أترك لكم المقارنة بين هذه الأبيات و بين قوله تعالي :
    ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) ) ( سورة النور – 35)


    وقوله تعالى :
    ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (الأعراف- 57)


    .
    .


    الاقتباس السادس ..

    تبدأ هذه القصيدة باقتباس معنى الجهاد يعقبه الحديث عن مغانم الحرب ، ثم فكرة الجهاد بالنفس تم تبشير الشهداء بالجنة و (السخرية ) من ضعاف النفس المتقاعدين عن القتال :

    ليس باطلا أن حلمت بكم
    في معركة ، و رءوسكم محلقة ،
    و سيوفكم مضرجة ،
    في خنادق ، و في بروج ، و عند الأسوار

    ويبدو معنى الجهاد والحديث عن مغانم الحرب مقتبسا عن الآيات الكريمة :
    ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً(27) ) (سورة الفتح -27) .



    ( وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً(26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (27) ) ( سورة الأحزاب : 26-27)


    أنصتوا إلى الدعوة المبتهجة ،
    يا أبناء الصحارى الملتهبة !
    سوقوا إلى الأسر الإماء الشابات .
    اقتسموا غنيمة الحرب !


    وعلى الآيات التالية :
    ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً(18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً(19) ) (سورة الفتح : 18 و19)


    لقد انتصرتم : فالمجد لكم ،
    و يا للسخرية من ضعاف النفس .
    فنداء الحرب لم يلبوه ،
    و لم يصدقوا الأحلام الرائعة .
    و هم الآن في ندم ،
    تفتنهم غنيمة الحرب
    يقولون : خذونا معكم ،
    لكنكم ستقولون : لن نأخذكم .

    ( سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً (19) ) (سورة الفتح )


    ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَتَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوايَفْقَهُونَ(81)فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (82)فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ(83)(( سورة التوبة : 81-82 )


    الشهداء الساقطون في المعركة :
    هم الآن في الجنة
    يغرقون في نعيم
    لا ينغصه شيء .


    ( وَلاَتَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (196) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (170) ) (آل عمران : 169-170)


    ( يَا أَيُّهَاالَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) )(سورة الصف : 10-12)

    .
    .

    الاقتباس السابع ..


    يتناول هذا الاقتباس جابنا من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في تبتله وطاعته وقيامه الليل ، حيث يستلهم (بوشكين) معاني الآيات الواردة في سورتي ( المزمل ) و (الإنسان ) عندما يقول :


    انهض أيها الوجل :
    ففي كهفك ،
    مصباح مقدس
    يضيء حتى الصباح .

    و بصلاة خالصة ،
    تنحى ، يا رسول
    الأفكار الشجية ،
    و الأحلام الشيطانية
    و أقم الصلاة في
    خشوع حتى الصباح ،
    و الكتاب السماوي
    اقرأه حتى الصباح !


    ( يَا أَيُّهَاالْمُزَّمِّلُ (1)قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً(2) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3)أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4)إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5)إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً(6) إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7)وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً(8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً(9) وَاصْبِرْعَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً(10) ) (سورة المزمل : 1-10 )


    ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ) (سورة الإنسان -26)


    .
    .


    الاقتباس الثامن ..


    يؤسس (بوشكين) هذا الاقتباس على الآيات التي تركز على العطاء وعلى الصدقات والزكاة وعلى فعل الخير ، كما يركز على يوم الحساب الرهيب ، يوم يتساوى الجميع أمام الحق وعلى الصراط ، ولا يشفع عند الله إلا عمل الخير ، حيث يقول :


    و أنتم تتاجرون بضميركم أمام الفقر المدقع ،
    لا تنثر هباتك بيد مقتصدة :
    فالسماء تبغي الكرم الوفير .
    ففي يوم الحساب العسير ، و مثل حقل خصيب
    آه يا ناثر الخير ،
    ستجازي أعمالك بأعظم الجزاء .
    لكن إذا أسفت على عطاء الدنيا المكتسب ،
    و أنت تناول السائل عطاءك الشحيح ،
    وضيقت من بسطتك الغيور ،
    فاعرف : أن كل هباتك, مثل حفنة تراب ،
    غسلها مطر وفير عن حجر ،
    فتمحو ، و ينبذ الرب العطاء .


    أترك لك عزيزي القارئ المقارنة بين هذه الآبيات السابقة وهذه الآيات الواردة في سورة البقرة :
    ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَيُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(262)قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) ) .

    .
    .


    الاقتباس التاسع ( والأخير ) ..


    و تذمر إلى الله عابر السبيل المتعب :
    فقد أضناه الظمأ و الحنين إلى الظل ،
    و ضل في الصحراء ثلاثة أيام و ثلاث ليال ،
    و أرهق القيظ و الغبار مقلتيه
    و بحسرة يائسة استدار حوله ،
    فشاهد فجأة بئرا تحت النخلة .

    فأسرع الخطى نحو نخلة الصحراء ،
    و بتيار بارد روى في نهم
    لسانه و قرت عيناه شديدتا الالتهاب ،
    و رقد ، قرب حماره الوفي
    و مرت فوقه سنوات طويلة
    بمشيئة رب السماء و الأرض .

    ثم أتت للعابر ساعة الاستيقاظ ،
    فنهض و سمع صوتا غير مرئي :
    (( أنمت عميقا في الصحراء من زمن؟ ))
    فيجيب : ها هي ذي الشمس عالية
    كانت تسطع البارحة في سماء الصباح
    و نمت عميقا من الصباح حتى الصباح .


    لكن الصوت قال : (( آه يا عابر , لقد نمت أطول ،
    انظر: رقدت شابا و نهضت كهلا ،
    و قد فنيت النخلة ، أما البئر الباردة
    فقد نضبت و جفت في الصحراء القاحلة ،
    و حملته من زمن رمال السهول ،
    و أبيضت عظام حمارك )).


    و احتوى العجوز حزن خاطف
    و انتحب و هو ينكس رأسه المهتزة ...
    و آنذاك حدثت معجزة في الصحراء :
    فقد بعث الغابر في حسن جديد ،
    و من جديد تأرجحت النخلة برأسها الظليل ،
    و من جديد سرت في البئر برودة و ((شبورة)),

    و انتصبت عظام الحمار المتداعية ،
    و اكتسى الجسد ، و أصدر النهيق ،
    و أحس العابر بالقوة ، و البهجة ،
    و تألق في دمائه الشباب المتفجر
    و ملأ صدره الإنشراح المقدس :
    و انطلق مواصلا طريقه مع الله .


    أليس هذا الاقتباس هو استلهام من الآيات الكريمة التالية ؟
    ( ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) (سورة القصص-24)


    ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) ) (سورة البقرة – 259)

    تلك هي (قبسات من القرآن) التي استلهم (بوشكين) من القرآن الكريم ، والتي قال عنها الناقد الكبير (بيلنسكي) : " إنها الماسة البراقة الصاخبة في تاج (بوشكين) الشعري "

    وتشير (د.مكارم الغمري) إلى أن (بوشكين) لجأ إلى القرآن الكريم بحثا عن المثال الأخلاقي الخاص والعام ، ومن ثم فأسباب انجذابه للقرآن تكمن في القرآن نفسه الذي بهره بقيمه (الأخلاقية) التي وجد فيها تجاوبا مع مثاله الشخصي ومرشدا للعلاقة الصحيحة بين الإنسان والدين والآخرين ، والإنسان والوطن ، فاقتبس (بوشكين) عن (القيم الأخلاقية) القرآنية قيما – بذاتها – جسدها في أشعار بغية بثها بين مواطنيه ، ، كي تكون لهم طريقا نحو الأفضل ، و لاأدل على ذلك من كلمات (بوشكين) في الاقتباس الخامس عن القرآن (الساطع) والدعوة بالسعي نحو (نور) القرآن ، ونزع (الغشاوة عن الأعين) .

    لكن (قبسات من القرآن) هي – حقيقة – خليط بين الموضوعي والذاتي ، فهي ليست (محاكاة) بالمعنى المباشر لهذه الكلمة ، فـ(القيم القرآنية) التي تكتسب وجودا موضوعيا في (قبسات من القرآن) تنعكس من خلال الجانب (الذاتي) للشاعر في : بصمته الفنية الخاصة ، أسلوبه الشعري المميز ، منهجه الفني ورؤاه ، فـ(بوشكين) حين يقتبس (القيمة الأخلاقية) القرآنية يستخلصها من سياقها في القرآن ليعيد تجسيد ها من خلال (الأنا) الداخلية ، معبر مقوماته الفنية بحيث يمكن الإشارة إلى سمة هامة من سمات فن (بوشكين) وجدت تعبيرا لها في ( قبسات من القرآن ) هي : " التركيبة الغربية الشرقية في إنتاج بوشكين " كما يشير إلى ذلك ( أ. براجينسكي ) .

    ويلاحظ أن (بوشكين) لا يلتزم بتسلسل ( المعاني الأخلاقية ) كما وردت في القرآن الكريم بل قد يجمع في القصيدة الواحدة بين معان من سور مختلفة ، كما إنه يعيد تجسيد القصة القرآنية فنيا مستخدما تفاصيل لم ترد في القصة القرآنية ، وهذه التفاصيل تلقي الضوء أمام القارئ على الطبيعة الخاصة المميزة للصحراء العربية التي ارتبطت في أذهان الأوروبي بمهد القرآن ، فيرسم أمام القارئ صورة الصحراء العربية في بعض سماتها كالصحراء القاحلة وعيون الماء ونخلة الصحراء ( انظر الاقتباس التاسع على سبيل المثال ) وفي هذه السمات ينعكس – كذلك – الذاتي في استلهام القرآن الكريم .



    ** بوشكين والمسيحية ..


    ولعل البعض يتساءل عن موقف (بوشكين) من المسيحية ..
    يذكر (ت . ج . بينيون) في كتابه ( قصة حياة بوشكين ) إلى أن (بوشكين) نشر قصائد مضادة للمسيحية وهذا ما أثار عليه غضب القيصر والكنسية الارثوذكسية .
    وفي رأينا قد يكون ذلك سببا من الأسباب التي وقفت وراء مصرعه .



    ** دراسات حول تأثر ( بوشكين ) بالعرب والمسلمين ..



    الدراسات الروسية ..

    لم يحظ (الموضوع العربي والإسلامي ) في إنتاج (بوشكين) بدراسات مستقلة تعني بجوانبه المختلفة ، عدا هذه الدراسات التي كان لها سبق التطرق جزئيا إلى هذا الموضوع هما :

    1 – دراسة للباحث السوفيتي (د.بيلكين ) : " تصور الشرق في إنتاج بوشكين " وهي عبارة عن رسالة دكتوراة

    (موسكو – 1970 ) تناول فيها جزئيا دراسة تأثير الشرق العربي على إنتاج (بوشكين) خصوصا عند قصائد " قبسات من القرآن " ، وتناول على عجالة القصتين الشعريتين (روسلان ولودميلا) و( ليالي مصرية) ، وأغفل العديد من المؤثرات العربية والإسلامية الأخرى.

    2 – دراسة للباحثة السوفيتية ( أ.لوبيكوفا) : تناولت فيها دراسة التأثير العربي على القصة الشعرية " روسلان
    و لودميلا " في إطار تأثرها بالمنابع الفلكلورية المختلفة ، كذلك تناولت " قبسات من القرآن " من خلال رؤية يشوبها الكثير من الخلط وعدم الوضوح .

    3- ن. تشرنياف , ( رسول بوشكين في إطار مؤلفه "قبسات من القرآن")



    الدراسات العربية ..

    1- مالك صقور ، بوشكين والقرآن ، دمشق ، دار الحارث ، ط 1 ، 2000 .
    (للأسف لم أستطع الحصول على هذا الكتاب)

    2- د.مكارم الغمري ، مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي ، الكويت ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، 1991 ، ( تناولت " الموضوع العربي والإسلامي في إنتاج (بوشكين) (من ص 73 إلى ص 172 ) .

    3- د.جميل نصيف : أستاذ في قسم اللغة العربية بجامعة بغداد ، قدم بحثا قيما بعنوان ( صور عربية في الأدب الروسي الكلاسيكي) (نشر في مجلة دراسات الأجيال – العددان الأول والثاني – السنة الخامسة – آب 1914 – بغداد)

    4- دراسات متفرقة في بعض المجلات والجرائد أشرنا إلى بعضها في المراجع .



    ختاما ..

    لا يسعني إلا أن أشكركم جزيل الشكر لإطلاعكم على هذا البحث راجيا المولي العلي القدير أن أكون قد وفقت في إلقاء الضوء في هذه الإلمامة السريعة عن أمير شعراء روسيا ، وبالطبع لا يمكننا اختصار حياة استمرت (36) عاما كانت زاخرة بالعديد من الانجازات في عدة ورقات ، أعترف إن هناك جوانب كثيرة ومهمة لم أتطرق إليها .

    ولقد أشار الباحث السوفيتي (د.بيلكين) إلى أن تأثير القرآن الكريم والسيرة النبوية والتراث العربي على (بوشكين) يعتبر" موضوع مستقل له عدة أشكال ، ومن ثم فالبحث (المتعدد) الجوانب له يحتاج إلى طاقة جماعة متكاملة ".


    كما أتمنى أن أكون قد وفقت في دراسة هذا الموضوع ..
    وألقيت الضوء على أمير شعراء روسيا وعلى مدى تأثره بالقرآن الكريم وبسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأشير في هذا الصدد إن هذا الجانب من الدراسة هام يجب الاستقصاء والبحث فيه ، كما أتمنى أن يوفقني الله في المستقبل أن أن أقوم بدراسة لأحد هؤلاء الذين نكاد لا نعرف عنهم شيئا .

    وبطبيعة الحال فإن الدعوة مفتوحة على مصراعيها لمن أراد السير في الطريق.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
    والصلاة على سيد المرسلين .





    المراجع :

    الكتب :

    1. القرآن الكريم .
    2. الكسندر بوشكين ، دوبروفسكي ، موسكو ، دار التقدم ، 1976 .
    3. جوفري ويلر ، المسلمون في الاتحاد السوفيتي ، تعريب : إحسان حقي ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، ط 2 ، 1988 .
    4. سمير الشيخاني ، مع الخالدين ، بيروت ، مؤسسة عز الدين ، 2000 .
    5. د.عبدارحمن بدوي ، موسوعة المستشرقين ، بيروت ، بيروت ، دار العلم للملايين ، ط1 ، 1984 .
    6. ليرمونتوف ، الشيطان وقصائد أخرى ، ترجمة رفعت سلام ، الشارقة ، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ، ط 1 ، 1991 .
    7. د.محمد صالح البنداق ، المستشرقون وترجمة القرآن الكريم ، بيروت ، دار الآفاق الجديدة ، ط 2 ، 1983 .
    8. مكارم الغمري ، مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي ، الكويت ، المجلس الوطني للثقافة ، ط1 ، 1991 .
    9. مكارم الغمري ، الرواية الروسية في القران التاسع عشر ، الكويت ، المجلس الوطني للثقافة ، ط1 ، 1981 .
    10. منير البعلبكي ، موسوعة المورد العربية ، (ج1) ، بيروت ، دار العلن للملايين ، ط 1 ، 1990 .
    11. د.موريس حنّا شربل ، موسوعة الشعراء والأدباء الأجانب ، بيروت ، جروس برس ، 1996 .


    الدوريات :

    1. د.عبدالرحمن ياغي ، شهادات المستعربين في التراث العربي ، مجلة تراث ، أبوظبي ، العدد 79 ، السنة 7 ، يونيو 2005 ، ص 68
    2. طاهر المصري ، بوشكين .. حجر الزاوية في أدب عظيم ، مجلة الكويت ، الكويت ، عدد 260 ، ص 72
    3. حواس محمود ، أثر القرآن الكريم في شعر بوشكين ، مجلة الأدب الإسلامي ، الرياض ، العدد 47 ، 2005 .
    4. د.محمد علي البار ، بوشكين والقرآن الكريم (ج1) ، جريدة الإتحاد ، أبوظبي ، الثلاثاء ، 26/4/1994 ، ص 13 .
    5. ميخائيل ليرمنتوف .. بين موت الشاعر والغصن الفلسطيني ، جريدة الخليج (الشارقة)، الاثنين ، 11/8/1997 ، ص 37 .
    6. شخصيات قلقة .. ألكسندر بوشكين ، جريدة الجزيرة ، الرياض ، الجمعة ، 1/12/2000 م .
    7. نوفوستي – موسكو ، ألكسندر بوشكين : شخصية استثنائية في وعي الروس ، الخليج،الشارقة،الجمعة، 15/6/2001،ص 30.
    8. جمعة اللامي ، الروس يبحثون عن الرسول ، جريدة الخليج ، الشارقة ، الاثنين ، 8 /11/2004 م ص 37 .
    9. هلال الحارثي ، الشاعر الروسي الذي تأثر بالقرآن الكريم والسنة والنبوية ، جريدة الرياض ، ، 2/11/2005 .
    10. جريدة الأسبوع الأدبي ، العدد 985 ، 10/12/2004 .
    11. فالح الحمراني – تشخوف دون قناع ، جريدة الوطن ، الكويت ، الأربعاء ، 14/12/2005 .
    12. جريدة البيان ، ملحق البيان : الكتب ، العدد 399 ، الاثنين ، 26/12/2005 ، ص 11 .
    13. إبراهيم استنبولي ، بوشكين في ذكرى ميلاده ، الملحق الثقافي لجريدة الثورة ، 2 /8/2005 .
    14. أماني سعيد ، ألكسندر بوشكين .. أمير شعراء روسيا ( من الأنترنت)
    15. د.رياض رمزي ، مقتل الشاعر (ج1) ، ( من الأنترنت) .
    16. عبدالوهاب حامد ، بوشكين شاعر روسيا العظيم إرتري الجنسية ، بتاريخ 6/مارس/2004 ( من الأنترنت ) .
    17. بعض الموسوعات على الأنترنت مثل : الموسوعة العربية العالمية .




    مع خالص تحياتي ..




    سالم سيف الجابر


    .


    .. East or west , home is the best


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    فوق هام السحب !
    الردود
    3,870
    ..
    ألكسندر بوشكين في أدب
    http://www.adab.com/world/modules.ph...id=596&start=0
    .
    .
    ألكسندر بوشكين في حديث المطابع
    http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109236
    ..

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الردود
    387


    ..

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    بين الحقيقة والخيال
    الردود
    954
    استمتعت بهذه الفسحة من القراءة ...المختلفة
    والمميزة .. كالأدب الروسي
    .
    شكراً الخطاف
    (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفْ).

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    فى دواخلى ..!!
    الردود
    3,053
    ::

    شكراً جزيلاً يا خطاف

    بارك الله في عمرك
    _______________________

    { أنستازيا }

    اِبْك .. اِبْك خَفِيَّة لِئَلَّا يَجِيْئَك هُدْهُد حُزْنِك بِنَبَأ يَقِيْن..!*
    ..!

    زاويَّة خاصة .!

    ::

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المكان
    بين التجافي والتجني
    الردود
    487
    شكراً يا خطاف , لكن أستغرب قلة القصائد المنشورة في أدب له .!

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الردود
    43
    لم أقرأ البحث كاملا لكن القبسات لفتت انتباهي
    عجيبه! كلما أعدت قراءتها وجدت فيها شيئا جديدا
    ليتك ياكريم وضعت الآيه أولا ربما كان وقعها أجمل
    شكرا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    بعيد جداً
    الردود
    5,364
    شكرا كثيرا يا صاح
    الله يعطيك العافية

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •