Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: الفأرُ الأعمى

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110

    الفأرُ الأعمى

    الفأرُ الأعمى .

    كعادته ألفاهُ يركض في الدولاب الصغير ذو المسننات المستطيلة التي لا يتجاوز طول واحدها عُقدة الأصبع . كان في قفص ٍ موضوع على الطاولة ، فأرٌ أبيض بذيل ٍ غريب الشكل ، يؤرجحُ به خلفه كلما صعدَ إلى الدولاب بمشيئته كل يوم . يستمرُ بالركض الذي يجعلُ الدولاب يدور كأنما إلى لا نهاية . هو فأرٌ أعمى رهين محبسين ، اكتشفَ ذلك منذ مدة طويلة ، و لكنه عَجِبَ مع مرور الوقت من مقدرته العجيبة على المواصلة . رغمَ أنه لا يرى ، ثم لماذا يصرّ على الدخول إلى الدولاب و الجري فيه ؟! . هل هو اليأس ؟ ، لكن المضي في المحاولة مُتعب ، فهل هذه الروح لا تيأس و لا تتعب ؟ . و ما هو معينها الذي يبدو أنه لن ينضُب إلا بالموت ِ و الفناء ؟ . الحياة ؟ حُب الحياة ؟ . أعرفُ أنها كافية لكي يدافع عن وجوده ذاك الدفاع الوحشيّ و ليس الصعود إلى الدولاب فحسب . لكنني وصلتُ إلى هذه النتيجة متأخراً ، أي بعد أن تحوّلتْ قطعة اللحم التي تحب الحياة و التي لفظتْ الروح من بين جنباتها أخيراً ، هذه الروح التي كانت أشبه ما تكون بمرجل ٍ يغليّ بالتشبّثْ رغبة ًأزليّة بالبقاء و الإستمرار ، إلى قطعة باردة خالية من الدفء . لقد ماتْ . رفعتهُ من ذيله إلى مستوى نظري ، مُقلِبّاً إياه جسداً هامداً فاقداً روحه حال لونه إلى الشحوب ، فوق سطح الطاولة . وصلتُ إلى نتيجة أن ليس هو الخوف و لا الرغبة بتاتاً إنما هو الحب . كان أبيض الشعر بأرجل ٍ قصيرة و ذيل ٍ غريب الشكل كما وصفتُهُ من ذي قبل .

    تملّكتني نزعة خبيثة إلى أن أفاقِم معاناته ، فعمدتُ إلى تعذيبه و مضاعفة شقائه . أول الأمر ، جعلتُه في مواجهة القِط السمين وحيداً أعمى بلا أي أمل ٍ للنجاة أو أن ينفد بجلده . إلا أن القِط تركه بعد وقت ٍ قصير و لم يَهمّ بالإقتراب منه خطوة واحدة . فاحتملتُ أن يكون هو القِط القوي قد أحسّ بحدسه فقدان الفأر للبصر ، و أن لا مغنم واف ٍ يرجوه من جراء هذه المغامرة ، فلاذَ عنه مُبتعِداً . فقمتُ بإعادة الفأر إلى القفص و رجع يؤدي فعله السابق ، بأن يركض في الدولاب كارّاً إياه في حركة دائريّة متواصلة طيلة فترة الركض . ثاني محاولة كانت بعد أن عِفتُ الفأر و الدولاب معاً ، و انتهيتُ إلى استحالة أن أعثرَ عن الدافع الحقيقي الذي يُصعِدُ الفأر إلى الدولاب بل و الركض فيه كأنه مُجبَر و مُرغم على أداء ذلك . أي قوة ٍ تلك التي تطيش بالحياة فوق بحر ٍ من الموت ِ و القفار و العَدم ؟ ، قاهرة ً إياه منتزعة ً لقمة البقاء من بين شفتين يابستين جافتين ؟ . عجزتُ نعم عجزتُ ، و لم أفرغ إلا إلى دروب مسدودة لم تُفضِ إلا إلى المزيد من الحيرة ِ و العجب . و في لحظة ٍ فقدتُ فيها السيطرة على أعصابي و إمساكي بزمام المعقول و المنطقيّ ، في لحظة ٍ تكاثفتْ فيها سُحب القسوة على ربوة مشاعري و إحساسي . دفعتُ بيدي إلى داخل القفص جاذباً إياه و قد سحبتُه من ذيله و هو يكافحُ بصعوبة مريرة في الهواء و يضربُ برجليه و يديه فاقداً إتزانه ، ثم نحيّتُ غطاء الموقد الساخن و ألقيتُ به بحركة ٍ خاطفة في قلبه المتجمِّر .

    ذبّلتُ بجفني هنيهات ، و قد ارتدّ نظري عن سطح طاولة و يداي متخذتان هيئة الوسادة بأن أركيتُ واحدتهما فوق الثانية . كنتُ قد استفقتُ لتوي و عاد إليّ الوعي بموجدات الحُجرة ، فتناهتْ إليّ قرقعة ٌ خافتة ، إذْ هو الفأر الأعمى نفسه يستمرُ بالركض في الدولاب .

    8 \ 10 \ 2010
    عُدّل الرد بواسطة معتصم رزق : 08-10-2010 في 02:04 PM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المكان
    أمامك الان الا تراني؟
    الردود
    663
    رغم ان القصه عن فار الا ان الجمر احرق قلبي قبل ان يحرقه

    الرجاء كتابة ... يمنع دخول ذوي القلوب الضعيفه

    جميل

  3. #3
    شيقة جدا تلك القصة
    وأسلوبها أكثر من رائع
    تعاطفنا جدا مع الفأر الأعمي ...والآن لا أحد يريد مساعدتك في قتله ....بل ربما منعوك من اللحاق به وطرده من الدولاب ...ههههه
    :
    شكرا لك

  4. #4
    فأر أبيض أعمى مسجون لا ييأس ونحن احرار مبصرون قد يتملكنا اليأس
    درس لكل الأحرار
    وصدق الشاعر إذ يقول
    فإن تكن الأيام فينا تبدلت ** ببؤسي و نعمى و الحوادث تفعل

    ‏فما لينت منا قناة صليبة ** و لا ذللتنا للتي ليس تجمل

    ‏و لكن رحلناها نفوسا كريمة ** تحمل ما لا يستطاع فتحمل

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المكان
    قلب حبيبي
    الردود
    179

    Smile

    مسكين الفأر الأعمى الأبيض متفائل ولا ييأس ومع ذلك حُرق
    قصة شيقة بأسلوب رائع شكراً لك

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المكان
    Another Earth
    الردود
    1,926
    الأمر أكبر من مجرد فأر أبيض أعمى
    هي فلسفة حياة و موت و إرادة غائبة عن كثير من المنتمين إلى الجنس البشري
    جديرة بالتأمل تلك الرائعة

    دمت مُبدعًا

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •