Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 8 من 8
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    الهَذرات المُختارة ..


    ناس في عرس ، ..



    ـ من أين ينشأ الخطر؟
    ـ من التكثف، التطرف، التعمق، قاع الكأس، الحفرة، القمّة، الرأي الواحد، صفاء الصّفَة، تركُّز العاطفة.
    ـ كيف ذلك؟
    ـ لماذا شلة الأوغاد تفعل الوغادة؟؛ لأن الوغادة كانت فيهم مركزة فلم تشبها شائبة خير، وقاع الكأس غير المحرك بما فوقه جيدا، لاذع وغير لذيذ، وحالٍ أكثر من اللازم، المتطرف أو "الصايع"، كلاهما خطران لأنهما يحملان عاطفة منحرفة لا شية فيها، أدّت إلى ما هما فيه.

    هل هذه المقدمة مناسبة لحكاية أن الأعراس احتفالات نسائية مركزة يظهر فيها كل ماهو نسوي خام، صرف، ساذج، مسرف، متكبر؟ .. اللهم إنه يا ليت ..

    يحدث أن يقرر اثنان أن يصيرا واحدا، أقصد أن يذهبا إلى بيت جديد، لا أن يكونا سياميين ـ لكن هذا تبسيط أكثر مما تحتمله كلمة البساطة ـ هذان الاثنان؛ يرافق اقترانهما احتفال كبير يتحمل مصيبته السعيدة، كل من يعرفهما.
    (ما علينا، البداية سيئة، لنعيد):

    يحدث أن يقرر اثنان فجأة أن يتخلّيا عن أهليهما وأمكنتهما ويذهبا ليبدآ حياة جديدة خاصة بهما، لا يتخليان بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة، لأنهما يفعلان ذلك بسعادة كبيرة وبمباركة من الأصدقاء والأعداء، ثم يلزمك أن تذهب لمهرجان تخليهما الكبير، أقصد بدايتهم الجديدة، يلزمك أن تحضر قبل أن تُقطع من الرحم المعلق على عرشه، سبحانه.
    (بداية مخاتلة، نرجو الأعادة بصدق):

    يحدث أن يهيء الله اثنان بتجميع من أمهاتهما ـ غالبا، وبتوفيق من الله ـ بإذنه، إلى عقد قرانهما، الشرعي، المقدّس، ليكون نواة صالحة للعواطف والأودام ـ الذين في الطريق، بحقوق وواجبات مقررة في كتاب الفقه، ويلتئما، بسعادة، باحتفال يشيع الفرح والبهجة في مئات الناس، ويجلب كلماتهم الطيبة، إلى فسحة من البناء، ويعلن عن زواجهما، وترابطهما الحياتي، لا المالي، ولا العملي، ولا المنفعي، بل برجاء من الرب بمودة في القلوب، ورحمة في التعامل.
    (محاولة للتخلص جيدة، لم تسلم كليا، لكن يكفي شرف المحاولة. لندخل العرس الآن):

    اربط جأشك، ولا تفزع، هذا صراخ مزغرط، المرأة الجالسة عند الباب، استأجروها ليعبروا عن سعدهم بقدومك، ثم لا عليك من تفتيشك، يبحثون عن كاميرا، تعرف: "أعراض ناس هذي"، ستنتبه إلى جدران المرآة الكبيرة، اذهب إليها، انزع عباءتك، أصلح فستانك، تحقق من ورمك، أقصد حشوة رأسك، أقصد تسريحتك، خدعتك المسرّحة، وركبتْ لك رأس آخر في رأسك، كما لو أنك بعقلين، ..
    (تذكُّر، لابدّ منه):

    أوه، المشاغل، البؤرة النسائية الأكثر تركزا، بروائح المثبتات، وهدير الاستشورات، وسفك الأموال، وتعنت الكوافيرات، ومشاجرات الزبونات، وطابور الانتظار وملله، ومناظر النسوة، إنْ بمكياج وشعر مبهذل لم يصنفر بعد، وإنْ شعر فاخر كبير بوجه حديث استيقاظ من نوم، وحواجب أزيلت، وشعور غيرت، وصبغ أظافر، إنه العالم، المفجع لأي ذكر نقي، التافه لأي معاين له، ولا يؤمن بثقافة الآخر المحورية في حياة الآخر.
    (عُدنا):

    .. ، تأكدتَ الآن من تمام شكلك، أعط المرآة ظهرك، وخذ للعباءة رقمك، واحفظه جيدا، وإلا بقيت الأخير بعد خروج الناس كلهم، قف عند بوابة القاعة، عاين أي من النسوة في الصفين ربعك، وتوجه إلى أحدهما، وسلم ثم سلم، ثم قف مليا، واختر طاولة لك، يحبذ فارغة، واذهب، لا تحسب أنك ستجلس سريعا هكذا، وراؤك الكثير من التسليم، انتهيت، أرخ رأسك، أخرج المرآة، وامسح لطخات "روج" ممن ـ هداهم الله، يسلمن بكثافة ـ من قال أنها خالتك ـ ثم تجد أن لونك اتحد مع كل ألوان أوجه الحاضرات، نتائج الاحتكاك المباشر. قلق من رأسك، تشعر أن الناس يتواصفون أمكنتهم به، لا عليك، من بجانبك تقول إنه جميل، فكر إن الدنيا ماضية الآن، وامحُ قلقك المهمش، وتعلم منها ثقة المرور الخيّال ولو بتفاهة، استرخيتَ، انظر للضيافة أمامك: إني أغفر كل شي أمام برج الأطعمة هذا ..
    (خروج من السياق، واستخدام أسلوب لا يليق بالموضوع. فك القيود، مشاكل الأسلوبية):

    العرس قصة تبدأ من عام، ويومه عقدته، لهذه العقدة، تهرج النسوان لها من قبل عام، توقعاتهم له ، وكيف سيكون، وتجهيزاتهم بعبور كل الأسواق، بدءً من المجلة، ثم المصممة، فاختيار القماش، فتفصيله، فانتظاره لأشهر، وانتظاره، عرفت من لا تنام جيدا كلما اقترب موعد تسليمه، ومن تنحني على كبدها كلما تذكرت بُعد لقائه، ثم "بروفا"، ثم بعدها "بروفا" أخرى، ثم تسليمه، ولابد من تعديله، لكن القصة لا تنتهي، ما زلنا في المقدمة، ثم رحلة البحث عن اكسسوار مناسب، ثم الحذاء ـ مكرمين، وخلال كل ذلك تطعم الأحاديث بتفاصيل الأخبار غير الموجزة، المصحوبة بالتقارير، وجلب أحداث فساتين الغير، ثم تسرع الأيام، تسرع لأنها سريعة، عند أهله مشي بعكازين، وتجيء بهم إلى يومه، وسويعات، وينتهي كل شيء، كالدنيا العرس تجهيز طويل فارغ بأمل مغرق بالسعادة ثم هكذا ينتهي كومضة، كأنه لم يبدأ، ولا عليهم إعادة الكرة، إذ لو خطبت بنتهم تلك الليلة، وبعده تكون بداية النهاية: تكرير ما حدث، وفستان فلانة وفلتانة كيف، ما الذي ينبغي له، ما نقصه، ما العامل الذي أدى إليه.

    تسمع عادي في مجتمع متابهٍ، يخاف من أن يكون دُون، أو أن يُكشف أمره، بأن فلانا ميسورا حاله، أقام عرسا من صفته كيت وكيت، وتكون عندئذ هروج العرس بداية نهاية حقا، لكنها تشريع لبداية كبيرة، مؤسية ، بداية تبدأ من أول إفاقة من غفوة الفرح، للأرق طويلا، لتسديد ثمن رقص النسوة في التلة الأمامية، وأكلهن من الحلوى الباتشية، دين لا تنتهي منه إلا مع مجيء الأبناء، ولن ينفع ضجر الندم، ولا التحسر من المنحوسة جالبة الوبال ذا كله، وما تصنع النساء وبالا إلا لاعتوار الرجال موافقةً.
    (لابد من النظر إلى الربع الممتلئى، السعادة لا تجيء من كثير، الدنيا كنز ناقص، ولن تسعد أبدا ما أشغلت نفسك بنقصانه):

    العرس منظومة فنون جميلة، من أين أبدأ يا الله، من الجمال في كل ركن: فن عمارة، ورقص، وزينة، وتسريح، وغناء، زخرفة، نقوش، ورود، وملابس.
    أتملى في الفساتين المتعوب عليها، أنظر وأقرأ تاريخ كل المتاعب، وعبرات من أوصلوهن، والنفقات، وأيام من أخاطها.
    الرقص، بغض النظر عن أنه كله متشابه، أي ليس هناك غربي من جهة، وفالس في الجهة الأخرى، الفروق في الأحجام لا غير، وأنه عندما ترقص خمسين نفر، من البداية حتى النهاية؛ يتركز نظرك على المنظر الذي "يِقهر"، ليس القهر الحرفي، هاه، أقاوم أن ألكز من بجانبي، أحاول بأن أنشغل "بشيلة" في الطرف تُنهك رجولها كثيرا، أقاوم، لكن تُدك حمى المقاومة، وأسقط في الغيبة، ونتشارك طويلا، بالمناوبة.
    والمُغنية ـ وهذا اسم "كشخة"، أقصد: الدقاقة ـ إما أن تكون مطربا فاشلا لا يحركك، أو شيطانا يحرك فناجين القهوة أمامك رقصا، لكن أعتب فقط على السماعات الكبيرة، كرادرات في كل الأمكنة، تجلعك تتكلم صراخا مع مَن بجانبك، وبعد أن تهدأ توقن أن الضوضاء شاحنة في الأذن، لا يخبرك بها إلا الهدوء.

    هنا الرغبة القصية في الجمال، أقدر ما يستطعن الجمال، وويلها من لم تصل، ثم الظن بالجمال، يبدأ من النظرة الممتلئة المشعة، التي تعبر ونظرتها إلى الأمام، وهي متوزعة تبحث عمّن ينظرن إليها، إلى الثقة وفعل ما هو ناءٍ عنه، وإن شرعت ستائر الظهر المكتنزة.
    (الممتلئ إذن!، لا يهمّ، الخلاص):

    ثم تتويج المحفل الكريم بإطلالة الملاك الأبيض الجميل من علِ ، وسط فرحة غامرة من الذين تجمعوا في الأسفل تصفيقا ورقصا، ثم تهاديها في زفتها، ثمّ ثمّ، ثم من يصبر حتى تجلس فهو أمر جميل ، حتى يُغنى لها أكثر من أغنية، فهو أجمل، ثم تجد أنه خلاص تولّى الناس، ولا حاجة لوجودك، وأنه الآن الانصراف من القرابة والصداقة والمحبة، تتركها خلفك وتذهب لتأكل، هكذا!، من عوالٍٍ إلى دوالٍ، إن هذا قاس بعض الشي، مشهد تأبيني فظيع يبدأ من لحظة الاستدارة حتى اتخاذ طريقك إلى العشاء كما كل الناس فعلوا، فتتذكر أن هذا أصلا في مجمله بدون رتوشات كما كُتب: ندعوكم لتناول طعام العشام. خلصنا ...

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    .. : أكرهك مُوت.



    بَاركُوا مَكْروهيكم، اكْرهوهمْ زيادة، أجّجوا نيرانَكم فيهم زيادة، لا تمانعوا إذا ما أحسْستم برغبةٍ في إلقاء الحطب زيادة وزيادة، واتبعوا قلوبكم ولا تقولوا لها: لا لا.

    عاملوهم كأحبائكِم، داروا بُغضكم، وتحايلوا على إظهاره، بشتّى الغايات ووسائلها، حتى إذا ما جاءتْ لحظة البوح العظيمة، فانفجِروا، كما يليق ببركان نسي النّاس خطره، لا تبقوا ولا تذروا، اقْذفوا من ألسنتكم الحمم، قولوا أشياء كبتّم نفسكم من قولها، حركوا أيديكم بحركات هي لم تتوقعْ يوما أن تقدر عليها، أرجوكم قدروا مشاعركم، لا تكتبوا لها لحظة وجود لا تليق بخروجها منكم، لا تجعلوا لها قسمة لا ترقى بدهور حبلها فيكم، ازفروها، وكونوا زلازل.

    إنّهُ الكره يا أصدقائي، فأعيدوا اعتباره، وضموه إلى سامي المشاعر، أسرفَ البشر كثيرا في التغنّي بأخيه المدلل المُطعم، وفي القلوب المكرّم، ولأسباب واهية، وحبّ مظاهر، والظهور أمام الناس بالرّفعة، أُهمل الكره طوال هذهِ المُدة.

    فلنكتبْ له ميلادا كميلاد العُظماء، لنجعلْ لهُ شجرةً نسقيها بدمائنا المغلية، لتثمرَ حمما بركانيّة، تعلّموا من الطبيعة الغضب، انظروا للفيضانات، للبراكين، للعواصف، لقَيْظ الشّمس، لنتوءاتِ الجبال، لانفجار خزانات السماء، ولا تجعلوا الأرض تخجل من هؤلاءِ الأطفال الذين يتهدهدون عليها، ولا يتعلمون منها، طيلة حياتهم عليها، وتجعلون مبلغ أنظاركم كالخانعين غيمة؛ ستبعدها عاصفة، أو زهرة متوالدة من شقِّ صخرة، أو عصفورا سينقضّ عليه بازٍ.

    لكن لا تسرفوا فيه، قلتُ لكم: الكرهُ شريفٌ ومباركٌ، قولوا لي: هل كل يوم تقعون في حب جديد؟، وتحيلون الدنيا أغاني وأزهارا، بالطبع لا، إلا إذا كنتمْ غير صادقين، هكذا أريدكم في الكره، دائما وأبدا، خذوا دروسكم من أخيه، وطبقوا عليه أفعالكم فيه تماما، أرجوكم لا يخدعنكم شاذّ، يتهمكم بالسواد، لأنكم تعترفون بكرهكم.

    لنقرر يومَنا السّنوي، لنعيدهُ شامخا، نجتمعُ في أوسعِ ساحات المدينة ظهرًا، يدٌ بشوكة طويلة ويدٌ على قلوبنا، ولباسٌ من سواد، وننظمُ أغانينا فيه، وإن أعيتنا القافية أحضرنا شاعرا، فأمرناه، وإن أبي أن "قلبه خَضَر"، جلدناه، وعلى عمود الزيف صلبناه، عبرة للناس أن الكرهَ معتبر، لا خجلَ منه ولا وتر.

    نريد تجديدا، مللنا قصائد الهجران من بعد الغرق محبة، وفجيعة الخيانة أثناء جريان الوفاء، ومرارة الإساءة رغم سكب الطيبة، نود بلاغات استيقاظ العروق انتفاخا، وفيضان العيون دما، واستكشاف خارطة كيف تبدأ شرارة عَتمة تزبد رعدا، واستتباع مخططاته الصغيرة إلى مكائده الطلائعية.

    نحكي للنّاس كرهنا المباشر، ومن تشنّج عروقنا غضبا، وقطعِ شفاهنا حقدًا، نحكي للتاريخ قصصُ كرهنا الجميلة، الوفيّة، فنمكّن جيلا نصفّه مع قيْس وروميو، ونشيع ألفاظنا الجديدة: كرِِيهي، مكْروهي، كرّوهي.

    راعِ فجائيّة الكره يا أخي، لا تبحثْ عن سبب، افتحْ له الباب، وكنْ خيرَ مضيفٍ لأهْيب ضيف، هِبْ في الكره كعياث ألماني لأي سبب للحرب، وإذا ما ظفرت كنْ كمسلمٍ فاتح، وإذا وجدتَ أن المخلوقات لا تستحقّ، فكن صليبيا لا يرحم. امقتْ شيئا سعيتَ له بمالك ووقتك، فوجدت تفاهة ما كنت له عبدا، فاحرقْ إذن ما قلّل وقتك في الحياة حرًّا، انقضْ مسلمات العالم وطرّزْ لهم مسلماتك، واهدهم قاموس شتائمك الجديد، من أي شيء تكرهه، افعل ما يبدو لك، ولو لعنك صالحي الدنيا وفاجريها، وافجعهم بديوانك الأثير: "الحب كلبٌ من الجحيم"، حابا بعقلك، كارها بقلبك.

    اكرهْ بتلقائية عزيزي الكريه، كريهي المعزّ، فسدَ الكرهُ إن قلبته عشرين مرة، كرهتَ صديقك فجأة، اقطعِ الخط، وعدْ له بعد أيام شاتما البطّارية. شعرتَ أنّ التحفةَ كريهة أكثر مما يجب؛ ادفعها من الطاولة، ولا تفوّت لحظة تفتّتها، ثم اعتذرْ عن عدم انتباهك. وجدتَ أن الستارة قبيحة كما لم تنتبه، اطرحها أرضا تعلقًا، وتحدّث عن فواعل العواصف أثناء مرورها. لاحظتَ طفلًا ممسوخًا بين الأطفال، تقصّده، ثم تعمده إساءة حتى البكاء، لتصلحه بكرهك لفطرته الأولى. اكره مطربا سبّا، ثم ثقْ بلا شعورك إذا سمعتَ عن جلساتِ علاجه النفسي. اكرهْ يا أخِي، اكره الجريدة، اشتم ممسوخاتها، ابصق على كذبها، ثم اجعل أوراقها، ممسحة حذائك النزيه، اكره ما وجدت سبيلا حيًّا في قلبك له، اكرهْ وأعِد بناء العالم بهدم حبّه المفتعل، وسلامه الزائف.

    أما أنا لا تسألني مُريدي، فكرهتُ حدَّ الدمع يأسًا، لكن قصّرت بعد أن بُعثت له: وجدتُ كرهي بغرابة، لم أتفطّن له ينمو ويورق شرارا، ثم عرفت أن هذا جلال الكره قادم، وكنت أراها تقبل وتبتسم فأبتسم نارا، ونجلس وتحدثني، وأدخل يدي عميقا في جيبي من الرعشة، ولو فلتّها؛ لانقضّت على شعرها، لكنِ اغفر لي، ذهلتُ نسِيت، لا أدري كيف، كرّت الأيام، وفجأة وجدتني أنظر لها بحنان. فانطلقوا أنتم في صحاري الكره، وتعطروا بالقتاد، وانقفُوا الحنظل، واملئوا جيبوبكم حجارةً، لحين ترمي عليكم الأيام كريها، عندها تلقفوه بمخالبكم، ولا تدعوه، ولا تستعجلوا أرزاقكم، ستجدوه جانبكم قريبا، فقط هيّئوا قلوبكم للتّنكيل بهِ ...

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    صيف ما يلعب ..



    أهلا عزيزتي ..
    أعتذر عن قطعي المحادثة معك بهذه الطريقة الفجّة، لكن صدقيني أنتِ السبب، في الحقيقة أنا أحبّ الألفاظ المعبرة، القوية، التي لا تترك مجالا للنظر للناحية الأخرى، وأنتِ أتيت بلفظة مهترئة تصفين بها حرّنا ـ أتورع عن ذكرها، فاعتبرتُ الموضوع امتهانا شخصيا، وفعلتُ ما فعلت، فاعذريني.

    حَرّنا يا صديقة، لا نستطيع إلا أن نقول عنه إلا أنه فرن كونيّ كبير، ونحنُ خبزه، خبّازه لا نحب الإشارة إليه، لاعتبارات قدسية. فرننا هذا ناره الشمس، والشمس نار، كلّ يوم من قبل الشروق تأذننا الكتمة بقدومها، وبعد الغروب تدلنا حرارة الأرض على قرب مغيبها، وما إن تبدأ الأرض بالبرودة قليلا في ثلث الليل الأخير، حتى تفجأها الشمس، فتبكي الأرض سأما، ويبكي سكانها عَرقًا.

    كنتُ أظن في الأيام الأولى لهذا الفُرن، أنَّ الشمس تمزح، فبدأت أشير إليها، أننا نضحك فافهميها خلاص، لكنها لم تكن، كانت أجدّ من الجدّ نفسه، وكأنها مسلطة لنا، بدرجة "صكّت" الستين، ويقال أنها في قادم السنوات، ستضرب الثمانين، وأنا أتكهن وقتها بأنه سيتم تصديرنا ككباب لآكلي البشر.

    صحيح أنا مفصولون عن بيئتنا كثيرا، ونكاد لا نعرفها، والطبيعة عندنا مفهومة على أنها لوحة نضِرة بكوخ ونهر، أكثر مما هي خيمة ونخل. لكن الصيف ذا انتقم منا ومن هروباتنا، وأبى إلا تغلغلا في نسيج حياتنا:

    لم يعد يجدي التستّر بمكيفاتنا، المكيّفات لم تعد تبرد ولا تحمي من قيْظ، هيَ أول من أعلن تخليها عنا، فأصبحت تدمع كثيرا، وحلقة وسيطة، تقارب ما بين الداخل والخارج، المكيفات لو تسمعين أنينها، وسخط الناس عليها آن الظهريات، لأشفقتِ عليها، تعمل بلا توقف وهدنة، بلا استراحة ومهلة، وإذا ما توقفت لا يظهر أنها كانت تعمل من اثنتي عشرة ساعة، فتبدأ شرارات الفرن في العمل، وتترك الجدران حياديتها، وتسرّب الحرارة، فعندها تنقضّي على زر المكيف، الذي احترقتْ لمبته من سرمدية توهّجها. حتى تأثرتْ سيدة بحالها، وأنشأت جمعية حقوق المكيفات ..

    لم يعد هذا الحرّ بمنأى عنّا، ومن لهيبه أصبحت لنا سلوكيات جديدة لا يفعلها غيرنا، مثلا هل عرفت مَن يطبخون أكلهم تحت الشمس، نعم فعلناها، أمي تكبسها في الخارج، وأخي أشم رائحة الأندومي عند نافذته، لما أفتح نافذتي لغلي القهوة، وأبي يصنع الشاي مباشرة من الصنبور، لأن الماء تعدَّ مرحلة الدفء وأصبح حارقا، وأختي سقطَ شعرها لأنها تحممت تحت ماء الساعة الثالثة، وسمعنا عن طفل حممته الخادمة في هذا الوقت فسُلخ جلده. السيارات أيضا ، لمّا تأتِ من بلدانها تصاب بصدمة حرارة فلا تعمل لبعض الوقت، وطرقنا أصبحت سوداء فاحمة كعباءة من ذوبان الكفرات بها. وأضيفت طرق جديدة في العقوبات، فمثلا الأم أصبحت ترمي أبنائها في الفناء على البلاط الحار، فيتقافزون كفشار في حماصة. وهناك شاب اخترع سرير يُشبك في الكهرباء، لتكون النتيجة كما أنك تنامين في ثلاجة، وطبيب سجل براءة اختراع؛ بتسديح البدناء تحت أشعة الشمس المذيبة للدهون، فما كانت إلا خمسة أيام وهم يرفلون بنعمة الوجود الرفيع في الحياة. وهناك أنباء عن مواطنين صرفوا راتبهم كله في فاتورة الكهرباء، ولو ترين كيف ازدحام الناس عند "باسكن" ليحظوا بملطف جسمي، وكيف تحدّث مسؤول الشركة عن التكاليف كي تصل منتجاتهم بهذه البرودة الخيالية. وأشياء أغرب من هذا تحدث في حَرّنا، فأرجوك صدّقيني.

    والأمرّ من ذلك؛ المهرجانات السياحية البائسة، التي تستخفّ بمهرجان الحرّ هذا، فهناك "الجوف حلوة"، و"حسانا فلة"، و"بريدة وناسة"، تخيلي منظرا كالتالي لأناس في مدينة أخرى : "هيا يا أبنائي الأعزاء"، "إلى أين يا أبي الحبيب؟"، "إلى بريدة، فبريدة وناسة"، اللهم إني لا أستهين، لكن مدننا متشابهة حد "الطفش"، وسخافة أن ينتقل الإنسان ليتمشى في مكان عمرانه وناسه وثقافته وأسعاره كمثل المكان الذي جاء، أما ما تسمعين مثلا حول ما يشاع عن بعضها، فهراء كل ذلك، الظهر نفس الظهر، وإذا كان ذلك كذلك فكذبي ما يشاع عن أي مناخ من حُسن، أما في غيره فيلطف ويبرد لكن ليس بالدرجة المدهشة، والأشجار نفس لونها الذي تشاهدينها في أي مكان، فقط بزيادة عدد طفيف في عددها.

    والمهرجانات غالبيتها خيمة شعبية تسكب فيها القهوة، وفي الجانب الآخر رسم نقشات في أيدي البنات، أو سوق فيه ثقيل ظل يعلق على الأطفال الذين يلاعبهم لعبة الكراسي بخفة ظل، وعلى الجانب وافد يرسم على أوجه الأطفال الحيوان الذي يريدون، وتلك المراكز الكبيرة الضخمة خاوية إلا من تسكع النساء، تقيم لهن مهرجانات تسوق، هنّ اللاتي كن طوال العام "يدهرون" فيها، هي ملاذهن الوحيد، الذي ينشأ بأعداد جنونية.
    وبدلا من صرف قروض للمواطنين للسفر إلى الخارج، والضرب في أرض الله، يعني وتعليمهم ثقافة الآخر، التي يدندن حولها كل يوم، يستهلكون في هذه المهرجانات البائسة ..

    وستجدين أن الصحف تغيرت بنية مقالاتها المعتادة، فبعد أن تاجروا بقضايانا ونالوا شرهاتها المحترمة، فإذا بهم بفتعلون موضوعا، يمهدوا له بعد الهرج عن جولتهم الأوروبية، عن مثلا طريقة أحبوها في عامل المقهى، أو السفارة التي جعلتهم ينتظرون، أو طفل شده انتباههم وتحسروا على أطفال البلد الفوضويين، أو طلاء رصيف لمَ لا يكون لدينا مثله، وهكذا تركونا يا صديقتي ..

    في مصيف اللهب هذا، لا تستغربي أن يطرق الضيف بابك الحادية عشرة مساء، ولا أن تخرج عائلة لتتمشى عند منتصف الليل، أو أن تغرق النساء في حضور الأعراس، أو تشاهدي مشاجرة الحرّ هو من افتعلها، أو شبابا ينامون نصف يوم كامل، أو مثلهم مستيقظين لكن في أوضاع كما لو أنهم نائمون، يا أختي، هنا حر لا يخفت، وشمس لا تغيب يوما، وإذا غابت، الغبار غيمها، لا الغيم، وإذا ما هبت ريح، فعاصفة تراب تفرش أرض غرفتك، وسخط على الأشياء يضمر قبل إطلاق شتيمة محرمة، تنتهي بنفض النمل الأسود عنك، وتشريد الذباب هذا القذر الذي يأكل أكلك فيما لو فكرت بمخاطرة الخروج. ويخرج الناس إلى المُخططات، وهي مشاريع أحياء لم تكتمل بعد، أرجو أن تتخيلي البؤس الإنساني، في خروج إلى شارع مسفلت للتفسّح وفرش فرشتك بجانب السيارة، تحت لمبة صفراء كريهة، وتحدقين في المناظر الجمالية الصخرية، حتى محين شارع آخر، وعليه سيارة أخرى، تنظر في الأرض الخلاء التي لم تعمر ـ وهي مليئة بالنفايات علما، وهكذا.

    ولو خرجت في الظهر إلى الشوارع، لأحسست بكآبة عميقة لا سبب لها، رؤية انغلاق كل واحد في سيارته، مجابها الحر، وملامح الوجوه، والعمال المتساقطون على جوانب كل شارع ـ مضروبي شمس ـ ولم يعد للإسعاف عمل غير استنفار التقاطهم "بالكريك"ـ صدقيني أيضا ـ لعرفت أن الكآبة العميقة، ليس لابدّ أن تكون لها أسباب ظاهرة.

    أتمنى الآن أن تكوني عرفتِ لما تجاهلتك وأحسست باللاجدوى في إكمال حديثنا ذاك، لكن لولا الفرن ذاك لما رأيت الروثانا والعجوة، شموس صغيرة ناضجة في عذقها تنتظر قطفها، وأكلها مع فنجان قهوة، جنبَ جَدّ طيّب، هل يبدو استدراكي بائسا؟، أرجو لا، قررتُ أن أغفر لهذه الصحراء المباركة، يوم شددتْ لهيبها إيذانا بإنجاب أطهر شيء يمكن أن ينجب في هذه الأرض ...

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المكان
    خارج المجره
    الردود
    1,534
    اما هذراتك المختارة فقد وفقتي في وصفها بدقة متناهية أشعرتني من خلالها وكأني أجلس إلى طاولة مستديرة وبجانبي مباشرة سماعة ضخمة تخترق طبلة أذني بصراخ إمرأة تظن خطأ أنها تغني لتطرب الحضور
    وهذه معاناتي الأزلية مع الأعراس التي أدفع دفعا لحضور مراسيمها الملبدة بالفوضى والازدحام الخانق
    عذرا لنشاركهم الفرحة فقط
    أما عن الكراهية فهو دعوة لممارسة شعور يحدث بكثرة في الخفاء مع محاولات جادة في كبح جماحه تجاه أشخاص أو أشياء لانملك إلا أن نبتسم أمامهم بغيظ
    ثم إن الكره عذاب ياعزيزتي
    أما عن الصيف فقد كفيتي ووفيتي وإنها لأجواء ملتهبة جدا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الردود
    32
    لحظة فرح ,,
    ليش هالإسراف ؟!
    يعني أنا اضطريت ألبس نظارة حتى أكمل قراءة ,,
    هذراتك المختارة بعناية جميلة ,, بس الترتيب لا ,,
    قلتي كيف ,, أشرحلك ,,
    صيف ما يلعب كان المفروض تكون الأولى , ثم أكرهك موت , وناس في عرس الأخيرة ,,
    قلتي ليش ,, بقولك
    الناس بتنشغل بالعرس وما تكمل قراءة وما تترك رد ..
    استعباط ,, دمت بفرح

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المكان
    في كتاب .
    الردود
    3,340
    بالنسبة للعرس , فلا تفضحينا , وهو أبسط مما قلتِ فهنا تعرفين الكثير من الرجالة , لكنه والله كما قلتِ وأشد تنكيلا , وخاصة بعد أن تزجين بقدمك في حذاء حتى تبدين سندريلا حقيقية وليست مجرد قصة , فتعودين المنزل وتلعنين سندريلا والحذاء يومين متتاليين ..

    لكن الجمال مطلب , والتسريحات موضة , والميك أب فن وذوق , والفساتين بحاجة لكد وتعب حتى تكونين نسخة وحيدة غير مكررة , والإكسسوار وكل الكماليات هي ليست كماليات بل هي تلعب دور رئيسي في تحديد أي طاولة يجب أن تختارين وأي كرسي يجب أن يُقدم لك , حتى أظافر الزينة هي مهمة جداً فهي تجعل كل ماتودين القيام به من رفع خصلات شعرك المتسللة بخبث و تحريك خاتمك ورش العطر الخاص بك مهمة لاتقبل الجدال على من تقطن جنبك .
    ( كلام وحدة بتفتح مشغل قريب , حياكم الله ) ..

    (:

    جعل الله لك من اسمك النصيب الأكبر وجعلها عمر وليس لحظات ..

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    يد الله
    الردود
    3,225
    خبّازه لا نحب الإشارة إليه، لاعتبارات قدسية
    من تقصدين بتعبيرك خبازه ..؟
    تعالى الله عن هذا الوصف علوا كبيرا
    ليتك لم تقولي هذه الكلمة .

  8. #8
    ..
    فرح،
    أخبركِ: حُقّ لكتاباتكِ أن تتربّعَ أمامَ النّاس يتأمّلونَها. شكراً لكِ كثيراً جداً يا فرح، شكراً لأنّكِ كُنتِ ولا زلتِ تكتبين.
    جداريات.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •