Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: الفيلسوف نعيم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    المملكة العربية المسروقة
    الردود
    53

    الفيلسوف نعيم

    ( الفيلسوف نعيم )
    قصة قصيرة
    خليل الشريف 23/ 11/ 1431 هـ
    .

    بدأ الفيلسوف ( نعيم ) محاضرته أمام جمع كبير من المفكرين والأساتذة والطلبة قائلا :
    لن أزعجكم في بداية حديثي عن الكيفية التي شكلت العقل الإنساني ، في بعض الحالات . حتى يصبح ممارسا للفلسفة . أي باحثا عن الحقيقة . إذا رغبنا في تضييق المعنى . إذ أن الحديث في مثل هذا الموضوع يعد شائكا لدرجة قد تأخذنا إلى جحيم فكري لا نملك الوقت أو الجهد ولا حتى الأدوات للخوض فيه . لكن فيما يغلب عليه الظن . وأؤكد على مفردة الظن ! أن هناك تصور سائد ومطروح عند عامة الناس ؛ وربما كان عند خاصتهم أيضا . مفاده أن عملية البحث عن الحقيقة ، تعد سمة إنسانية ذاتية . يؤدي بها العقل وظائفه العليا . ويقوم لأجل ذلك بالمهام الأكثر إلحاحا ، والأجدر أن تأخذ مكانها في رحلة الفكر الإنساني.
    لكننا ، ومثل الكثير من الأمور التي نطلق عليها بأنها سمات إنسانية فطرية . لا نكاد نرى اتفاقا إنسانيا كاملا عليها ! كما يتفق البشر على فطرة الحب والخوف ، أو الجوع والميل الجنسي، أو الرغبة في التملك والسيطرة ، وأحيانا الرغبة للخضوع . بيد أنني أتساءل ؟ هل خرجت الفلسفة في يوم من أيام التاريخ . وأقصد بالتاريخ ؛ ما يبتدئ من هذه اللحظة التي ألقي فيها محاضرتي ، ثم يتنازل وحتى اليوم الأول للوجود البشري . عن صفوة الصفوة من أفراد نالوا قدرا هائلا من العلم ، وحظوا بما لم يحظى به غيرهم من الدراسة الجادة ، والفرصة للفهم ، والتأمل ؟
    فإذا كان الجواب ؛ أنه لا وجود للفلسفة في أذهان الكادحين والمشغولين . ولا يهتم للحقيقة أولئك الذين يسعون كالمسعورين خلف الثروات والحكم والمكاسب السياسية . فأي معنى سيأخذنا إليه هذا الجواب ، غير أن هذه الحالة التي تصيب عقل القلة القليلة من الحضور البشري سواء القديم منه أو الحديث . والتي أطلقوا عليها عبارات رنانة يصعب التصادم معها مثل ( البحث عن الحقيقة ) أو( محبة الحكمة ) . هذه الحالة إذا خلصنا لمثل الإجابة السابقة . سنفهم عندئذ أن الفلسفة لم تكن في واقع الأمر سمة إنسانية إلا عند الفلاسفة والفلاسفة وحدهم !
    ثم كيف لنا أيها الأعزاء . أن نفهم تلك الثقة التي كانت تطلقها كل جماعة فلسفية عن تصوراتهم وتفسيراتهم . ثم لا نلبث بعد فترة من الزمن أن نكتشف أخطاء رهيبة حول تلك التصورات والتفسيرات . يقف عليها مرة أخرى - ويا لنكته- فلاسفة جدد ! وليس فقط أولئك الذين يمتلكون أدوات البحث العلمي الصارمة ؛ والتي كانت هي الأخرى منتوج فكر فلسفي ، جعل من نفسه حصنا منيعا ضد أي فلاسفة جدد . حيث أخرج الفلسفة عبر أبواب البحث العلمي وأغلقها بإحكام . لكنها استطاعت بعد ذلك أن تدخل عليه عبر النوافذ !!

    أيها الأعزاء ، إنني أحيي هذه العقول أمامي ، من الطلبة على الخصوص . هذه العقول المتعطشة للمعرفة . وأنا اليوم . إذ أنوي التوقف التام عن إلقاء المحاضرات أو المشاركة في أي ندوة علمية أو فكرية . لأسباب كثيرة ، قد يكون أهمها ما يتعلق بالوضع الصحي الذي يبدو أنني سأقبل عليه . أو بالأحرى الذي يظهر أنه سيقبل علي ! عند هذا المنعطف، أرى من واجبي أن أوجه هذه العقول الشابة الجريئة . أن تتوقف عن تلقي المعرفة بهذه الطريقة التي تجعل من أدمغتهم أشبه ما تكون بالكرات الصغيرة تتقاذفها أقدام الفلاسفة كما يتقاذف لاعبي كرة القدم تلك الكرة المستديرة بين أقدامهم !
    إن تلقي المعرفة على هذا النحو يدفع العقل للوصول لمرحلة من التشتت والحيرة حتى يرضخ صاحبه باستسلام . ويقرر أن يضع عقله تحت قدم فيلسوف ما . وهذا بطبيعة الحال ، قرار لا بأس به إذا ما قورن بأن يبقى تحت طائلة مجموعة من الأقدام تركله من هذا إلى ذاك . وعند تلك اللحظة ؛ التي سيطمئن عندها المتلقي لرضوخه لعقل فلسفي واحد . سيحدوه الأمل والرغبة ألا يفكر هذا الفيلسوف الأخير، بركله من جديد نحو فيلسوف آخر . وتتجلى هذه الرغبة حين ترى من يدافع عن فلسفة ما ، تجاه فلسفة جديدة تريد أن تكسر عرى القديمة، بينما أتباعها يحرسون قلاعها بكل استبسال . ومثل هذا الأمل ، وهذه الرغبة ، أبعد ما تكون عن الممكن في عالم الفلسفة . لأنه عالم صنعه الفلاسفة . وهم أكثر من يهمهم أن تكون الحقيقة ذات طابع معقد مركب وعميق جدا . إنهم يحولنها إلى شيء أشبه بالسراب . تسعى خلفه لكنك لا تصل إليه . وهكذا يفترض أن يستمر الركض للحاق بالحقيقة .إذ أنه متى ما تم الوصول إليها؛ فماذا سيبقى للفلاسفة أن يفعلوه؟؟
    ولا عجب أن هذه الحيرة . وذلك التشتت جعل كثير منهم يفضي إلى نهايات كنت أتابعها باستغراب وتوجس . إنها نهايات محيرة وغاية في الغرابة وأحيانا السخف ! وإذا ما نظرنا لفلاسفة العصر القديم . فالفيلسوف ذيوجانس – على سبيل المثال - طلب أن يدفن على رأسه ! إيمانا منه أن العالم سينقلب . فإذا انقلب صار واقفا على قدميه ! والفيلسوف الشهير أرسطو ألقى بنفسه في البحر عندما عجز عن تفسير سبب التيارات البحرية ولماذا تتغير في اليوم الواحد عشرين مرة ! والفيلسوف هرقلطيس غطى نفسه بروث البقر حتى مات ! والفيلسوف زينون قطع أحد أصابعه عندما بلغ التسعين ؛ وراح ينزف ثم يدق الأرض بقدميه ويديه مرددا بيتا من الشعر القديم يقول : جئت إلى هنا ، فلماذا أتيت بي ؟ أما المفكر الروماني برجرينوس أشعل نارا ضخمة وراح يدور حولها وأبدى إعجابه الشديد بأصواتها وألوانها ثم ألقى نفسه فيها !
    أما ما يتعلق بفلاسفة العصر الحديث . يكفي أن نقول أن الفيلسوف الألماني نيتشه ، وفي آخر حياته ، لم يتمكن من النوم لفترة طويلة جدا . حتى أصيب بالجنون التام . والفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو قرر أن يطبق فلسفته التي تقضي بأن الإنسان مات بمجرد التزامه بوطن وهوية ومجتمع وتقاليد وأخلاق . فخاض في انحرافات أخلاقية فظيعة . وتحرر من كل القيود والأعراف . وانضم إلى مجموعة من الشاذين في سان فرانسيسكو بأمريكا . مما أدى إلى إصابته بمرض بالايدز ومات على إثره . أما الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز والفيلسوف اليهودي فالتر بنيامين فقد قررا إنهاء حياتهما بالانتحار ! والأمثلة حول هذا الموضوع كثيرة ، ويصعب حصرها .."
    عند هذه العبارة تنفس الفيلسوف نعيم بعمق ، وأسند ظهره على المقعد ورفع يده شيئا يسيرا إلى الأعلى ثم قال:"إلى هنا وأتوقف."
    ارتسمت الدهشة بشكل واضح على الحضور . وارتفعت أيدي كثير منهم- الطلبة منهم على وجه الخصوص - مبدين حماسة شديدة لطرح آرائهم وأسئلتهم حول ما ذكره الفيلسوف . لكنه قرر ألا يستمع إلا لسؤال واحد متذرعا بضيق الوقت ، فأشار لشابة حسناء طويلة ، لها شعر ناعم قصير لا يتعدى كتفيها. قامت وعدلت هيئتها ثم قالت بصوت دافئ ونبرة هادئة :
    - ألست الفيلسوف نعيم ؟
    ظهرت جلبة خفيفة بين الحضور . وقبل أن يرد الفيلسوف ابتسم بطريقة خجولة . لكن عينيه بدأت تتسع وتحدق نحو الفتاة بشكل ثابت . قال :
    هذا اللقب أيتها الشابة كلفني الكثير في مسيرة حياتي . ولقد كانت لحظة فارقة ومهمة حين قررت أن أتخفف منه الآن . ويمكن أن يكون هذا بمثابة الشعر الذي ازداد جمالا حول وجهك حين قررتِ التخلص من جزء ليس بالقليل منه .
    صفق الحضور بقوة . بينما ضاعت الشابة في نشوة من الخجل بدت عليها دون أن تحاول إخفاءها . ونهض الفيلسوف عن مقعده وهو لا يزال ينظر للفتاة . ولما حيا الجمهور بتحية متواضعة أخذ بيد زميله في منصة الإلقاء ومضى وإياه من باب خلفي للقاعة الكبيرة ، وكانت تلك محاضرته الأخيرة كما وعد .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المكان
    البيضة
    الردود
    665
    القراءة لك ممتعة
    قلبي م الحامظ لاوي





    ميم دال حالياً

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    المملكة العربية المسروقة
    الردود
    53
    حضورك ليس ثمة مايشابه لطفه

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المكان
    أمامك الان الا تراني؟
    الردود
    663
    جميله اعجبتني نهايتها الهادئه البعيده القريبه من الفلاسفه

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المكان
    وطن بائس,
    الردود
    862
    شكراً للغاية يا مشتاق لإعادتك لهذا النصّ الجميل للغاية.. من المُزعج جداً أن تضيع مثل هذه الأشياء الجميلة تحت أقدام المستعجلين "في عصر السرعة"..

    أخي كاتب عمومي, ما شاء الله عنك.. نقلت إليّ جوّ أحبّه للغاية.. ووصفت بدقّة مذهلة اللحظات الجميلة التي يكون فيها المتعطّشون للمعرفة متحلّقين حول عالمٍ أو مفكّر ما.. وتكون كل كلمة منه في هذه اللحظة درّة من درر الحكم..

    حين جعلت الفيلسوف يتوقّف فجأة.. تفاجأتُ قليلاً.. ولم أعرف إن كنت تقصّدت ترك الباب مفتوحاً على هذا الشكل للفضول.. أم أن كل ما تحتاج قوله قد قلته فعلاً..
    على كل الأحوال كانت وقفة مُفاجِئة وجميلة ومذهلة.. أتبعها انتقال مذهل شكّل مَخْرج مناسب جداً لمثل هكذا قصة..

    عموماً, لستُ أدري حقّاً إن كان ما تحدّث عنه الفيلسوف من نهايات مُفجعة للفلاسفة حقيقياً أم لا؟.. ولكنه ليس مستغرباً.. إن كل من يجتهد في البحث في أمور الحياة ربّما يصل إلى حالات قصوى من المشاعر.. ويفعل بنفسه أموراً نستهجنها عليه..
    وكذلك ليتَ كل المعلّمين دون استثناء يتحدّثون كما تحدث الفيلسوف نعيم بخصوص طريقة تلقّي العلم كله, وليس الفلسفة فقط..

    الكثير من الأمور الأخرى لفتت انتباهي أيضاً.... ولكن ما ذكرته يكفي وزيادة.. وكل ما سبق يمكن اختصاره ببساطة بما قاله ماجد الصالح:
    القراءة لك ممتعة

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •