Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 13 من 13
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المكان
    غريب أو عابر سبيل
    الردود
    37

    حدث ذات غُدُو وإياب





    حدث ذاتَ غُدُو و إياب

    بين صاحبنا والنعاس كرٌّ وفرّ .. يغلب النعاسَ تارة وتارة يغالبه. إذا أمضى الليل ينجز عمله ويخفف حمله كانت له الكرّة. ثم تكون للنعاس بعد الفجر عليه كرة .. إذ كلما حاول صاحبنا أن يكمل تسبيحةً قبل شروق الشمس تأخذه سِنةٌ فتتلعثم شفتاه بالذكر.. وتظل تلك وتيرته حتى يترك الأذكارَ.. تحرُّفاً لقتالٍ فلا تظنُّه فرارا.

    يغدو صاحبنا إلى ملتجأٍ يحتمي فيه بيقظتَه ..

    لِهواء البحر وبرودة رذاذه سطوة ينحسر أمامها الأعداء، فتخلو الساحة لصاحبنا ويتم بفضل الله الأوراد.. ويخسر النعاس الكرّة.

    كانت عليه أعباءً كثيرة في يومه هذا توجب عليه أن يعود ليختطف قسطاً من الراحة يسيرا، يستقبل به ما قُدِّر من جولات قادمة، فحربه لا هوادة فيها ولا مهادنة.

    لكنّ عزيمته لم تقوَ على ترك الموج يتلاطم على الشاطئ والسحاب يتبعثر في السَمَا، وهواء الفجر يُجلي الصخر والنفس من أدران يوم مضى. ما بين إشراقٍ لم يزل بعد يطل من وراء الأفق على استحياءٍ من خلفه، وأضواء الساحلِ تتلألأ في ليلٍ لم يبرح بعد غرب المدينة من قِبَله، جلس على حواف الصخر وسرح في إقبال الأمواج وإدبارها، متسابقة تارة وتارة متعانقة.

    انصرف بصرُه تجاه ساحل المدينة أمامه فتذكر غيبته الطويلة .. ”أحقاً عُدت .. أهذي مدينة طفولتي وذاك شاطئها.. أأناذا هاهنا ناظرٌ بحقٍ إليها؟ أحمد الله على العودِ فالعود حقاً أحمدُ“.

    غاب في أمواج البحر وأفُقِ مدينته حتى جادَت سماها بمطرٍ نزل عليه بسَكينة وسَكَن، وتحركت بين جنبيه مشاعر ندية كانت خاملةً غمرت عينيه بماءٍ عذب، فاكتمل لهذا الصبح نَداهُ وفاض الساحل بنور الفلق..

    وتنبَّه فتذكر ما عليه أن ينجز قبل حلول الأعياد.. فنهض.


    في الطريق من الساحل إلى البيت رأى توابيتَ قائمةً على الرصيف على جانب أحد المتاجر المغلقة. لم يعبأ بما رأى ولم يلق لها بالاً. لا نُسيء الظنّ بصاحبنا، فما عهدناه ببليد الحِسِّ بل لَيِّنَ الجنبِ إنساناً.

    لقد عرِف صاحبات الجثامين المتواريات في تلك التوابيت، وقد كان يرى أخواتٍ لهن بالنهار في الذهاب والمجيء بداخل المتجر، خاويات القلب، كأنهن خُشُب مسندة، مائلات مميلات، تتناولهن أيدي الزبائن فلا يتمنعن وتأخذ برقابهن فلا يبتعدن وتلعب على أوتارهن فيطلقن أصواتهن في امتثال، يخفضن تارة باستخفاء ويرفعن تارة بصخب.

    كان محل القيثارات مغلقاً كعادته في تلك الساعة المبكرة، وعلى غير العادة كانت بعض بضائعه تنتظر على الرصيف وبجوارها رجل نحيل معها ينتظر، تكاد تخُطُّ هيئته وشَعره وملبسه لافتةً تهتف ”موسيقارٌ أنا!“.

    لما رأى العازف صاحبنا سائراً ناحيته، قرأ في وفرة لحيته ما أغناه عن تعارفٍ بسؤال وخبر. أخذ ينقر على أحد التوابيت وهو يتطلع تلقاء القادم يوشك أن يدركَه، ينقُر ويرقُبُ كالذي يتحسس بالرأس ”بطحةً“ ليس يدري عسى أن تكون بائنة.

    بمهارة الجوارح ترَيَّث حتى إذا دَنَت الفريسة حيث لا مفر ولا مهرب، رمى بسهمٍ ماضٍ لا يحيد ولا يخطئ: ”الموسيقى بتأدِّي دور مُهِم في الحياة !“ ..

    قالها بتؤدةِ الواعظين وثبات العارفين.

    أُخِذ صاحبنا على غِرَّة، لكن صدرَه لم تُغيِّرَ البغتةُ صفاهُ، ولا أذهبَت سَكينةً كان تحرّاها بين فجرٍ وضُحاهُ. ولا هو استشعر شَنَئاناً ولا أحَسَّ مِن ثَمّ عُدوانا.

    دون أن يتوقف عن السير ردّ بلطيفةٍ لا تصيب ولا تقتل، إنما تعيد ترتيب تضاريس النزال بقَدَر: ”صحيح .. بس دور كويس ولا وِحِش .. هو دا المُهِمّ!“ ..

    لكن العازف البارع كان بإعداد نباله منشغِلا، فما أفسح في صدرهِ لهذا الرد مُتسَعا، بل كان للنزال الأسبقَ، وكانت رميته الأسرعَ لمّا باغَت محاورَه، ساخراً كان أو كان مداعبَه: ”الإسلام هو الحل!“

    فيا للعَجَب .. جهولٌ وصَدَق.
    عُدّل الرد بواسطة طير زاجل : 05-11-2010 في 10:10 PM
    أيام الصَّـبر:
    http://ayamalsabr.blogspot.com

  2. #2
    ..
    أوّلُ ما خطر ليْ أن أقولَه هوَ: جميلٌ يا علاءْ .
    ولي عودةٌ بإذن الله . شكراً جزيلاً لك .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    البنتاغون <<عجل الله فتحه
    الردود
    455

    هذه عيديتي ....وأنعم بها من عيدية

    ماشاء الله عليك

    مبدع في قصك

    راق في أسلوبك

    قصيرة لكن مافيها يغني عن الطول

    بوركت

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المكان
    غريب أو عابر سبيل
    الردود
    37
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة عائدَة عرض المشاركة
    ..
    أوّلُ ما خطر ليْ أن أقولَه هوَ: جميلٌ يا علاءْ .
    ولي عودةٌ بإذن الله . شكراً جزيلاً لك .
    الكريمة عائدة،
    يبدو أن "المشهد مرة أخرى" وصف دقيق ..
    وجميلٌ جميلُ من جاء بهذه الرواية هنا من زوايا الرصيف.
    شكراً لك.
    عُدّل الرد بواسطة طير زاجل : 19-11-2010 في 10:56 PM

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المكان
    أمامك الان الا تراني؟
    الردود
    663
    لم تترك لنا مجالا للرد نطق النص بنفسه

    شكرا لبراعتك

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    المملكة العربية المسروقة
    الردود
    53
    قلمك مميز ، وقصتك متماسكة وشخوصها حاضرين بقوة
    ولأسلوبك هدوء يذكرني بهدوء طه حسين الغارق في العتمه
    بورك المداد

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المكان
    غريب أو عابر سبيل
    الردود
    37
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة عابـ سبيل ـر عرض المشاركة

    هذه عيديتي ....وأنعم بها من عيدية
    كل عيد وأنت طيب .. أعاده الله عليك وعلينا بالخير.

    Quote المشاركة الأصلية بواسطة مشتاق لبحر يافا عرض المشاركة
    لم تترك لنا مجالا للرد نطق النص بنفسه
    شكرا لبراعتك
    أخي المشتاق لبحر يافا.. شكراً للباقتك ..
    وأتمنى بحق الله
    أن نأتي إلى "يافا" ؟
    التي خيالها المحبوبَ
    في عينيك قد طافا
    ندخلها أعزاءَ
    برغم الدهر .. أشرافا ؟
    (من قصيدة مع الغرباء لهارون هاشم رشيد بتصرف)



    Quote المشاركة الأصلية بواسطة كاتب عمومي عرض المشاركة
    قلمك مميز ، وقصتك متماسكة وشخوصها حاضرين بقوة
    ولأسلوبك هدوء يذكرني بهدوء طه حسين الغارق في العتمه
    شكراً لك أخي الكاتب. إن كانت القصة بحق متماسكة ولشخوصها حضور، فربما لأن السياق وقع بالفعل.
    وأسأل الله أن يعافني وإياك من العتمة في الدنيا والآخرة.
    أيام الصَّـبر:
    http://ayamalsabr.blogspot.com

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المكان
    في مدارات الغياب
    الردود
    139

    جميل جداً ..

    يستحق أن يعلّق على باب المشهد !

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    المكان
    في البيت
    الردود
    14
    جميل جداً وخصوصاً وصف النوم ومقاومته بمعركة فيها كر وفر

    الاسلام هو الحل .. الكل يردد تلك العباره ولكن هل من مطبق لها .

    شكراً لك وتقبل تحيتي

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المكان
    غريب أو عابر سبيل
    الردود
    37
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة محمد الظفيري عرض المشاركة

    جميل جداً ..
    يستحق أن يعلّق على باب المشهد !
    السلام عليك أخي محمد ..
    إن أحسنت الظن بنفسي ..
    فسأفترض أنك تقصد الموضوع لا كاتبه .. فشكراً لك إذن.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المكان
    غريب أو عابر سبيل
    الردود
    37
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة طمّاح عرض المشاركة
    جميل جداً وخصوصاً وصف النوم ومقاومته بمعركة فيها كر وفر
    سلام الله عليك أخي طمَاح،
    أنت أول من استوقفه هذا الجانب، أو أول من أفصح عن ذلك على الأقل.
    فلعلك مثل صاحبنا مقاتل فاثبت .. فالوقت أثمن من أن يُقضى في النوم.

    Quote المشاركة الأصلية بواسطة طمّاح عرض المشاركة
    الاسلام هو الحل .. الكل يردد تلك العباره ولكن هل من مطبق لها .
    شكراً لك وتقبل تحيتي
    إن كنت تعني التطبيق على النفس ومن يعول فالكثيرون يبذلون الوسع، فعسى أن يجزئهم ذلك.
    أما إن كنت تعني الإحاطة بالأمر من جميع جوانبه فعسى أن يكون من يذكر هذه العبارة اليوم متيقناً على أول الطريق.
    فهناك من يذكرها متريباً .. أو دون ذلك.

    أشكرك أخي الكريم.
    أيام الصَّـبر:
    http://ayamalsabr.blogspot.com

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    بين الحقيقة والخيال
    الردود
    954
    جميلةٌ .. ومعبّرة . بأسلوبٍ جدّ راقٍ وجميل
    .
    في البدءِ شاعريٌةٌ جميلةٌ تتناسبَ وعودته إلى مراتعِ أوّل الحياة
    وتناسبت أكثر مع الوصفٌ لغلبةِ الرّوح على سلطانِ المادّة ..
    .
    وفي طريقهِ داخلَ موطنهِ اصطدم بزمن( الحداثة) زمن اختلاط المفاهيم بالشكليات
    ( وهي هنا , حسبَ مافهمته ولكلّ فيما يقرأ فهم خاص , اللّحية , ) ..
    شكلها أوحى للعازف أنها لموسيقي بوهيمي ولمّا ماكانت ذلك لا بدّ هي للإسلام عنوان..
    وشتّان مابين النقيضين ..في هذه الأيام

    .
    شكراً لك طير زاجل
    عُدّل الرد بواسطة حالمة غبية : 07-12-2010 في 01:31 AM
    (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفْ).

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المكان
    غريب أو عابر سبيل
    الردود
    37
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة حالمة غبية عرض المشاركة
    جميلةٌ .. ومعبّرة . بأسلوبٍ جدّ راقٍ وجميل
    .
    في البدءِ شاعريٌةٌ جميلةٌ تتناسبَ وعودته إلى مراتعِ أوّل الحياة
    وتناسبت أكثر مع الوصفٌ لغلبةِ الرّوح على سلطانِ المادّة ..
    .
    وفي طريقهِ داخلَ موطنهِ اصطدم بزمن( الحداثة) زمن اختلاط المفاهيم بالشكليات
    ( وهي هنا , حسبَ مافهمته ولكلّ فيما يقرأ فهم خاص , اللّحية , ) ..
    شكلها أوحى للعازف أنها لموسيقي بوهيمي ولمّا ماكانت ذلك لا بدّ هي للإسلام عنوان..
    وشتّان مابين النقيضين ..في هذه الأيام

    .
    شكراً لك طير زاجل
    الفاضلة حالمة،

    معك حق. لكل فيما يقرأ فهم خاص. فهل يحق للكاتب أن يصحح فهم القارئ فيقول ما قصدت هو كذا؟ أم يظل النص ملكاً للكاتب والفهم ملكاً للقارئ؟

    على أي حال .. أصبت فيما انتهيت إليه بشأن اللحية ودلالتها على الإسلام. ثم أنها لم توح للعازف إلا بذلك، فالفارق كبير في سمات هذه اللحية وحاملها وتلك. رغم أن صاحب اللحية كان لا يزال بعيداً ولم تبدر منه بادرة تفاعل مع العازف، إلا أن مجرد رؤيته ربما أشعرت العازف بما يشبه الإدانة أو ربما أوحت للعازف بإجراء مقارنة بين حاليهما. مما دفعه للاشتباك الجدلي -الودود في ظاهره- مع صاحبنا وكأنه يدرأ عن نفسه شيئاً صادراً عن ذاته هو أطلقته رؤية الملتحي.

    أشكرك على مشاركتك المفيدة.


 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •