Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 18 من 18

الموضوع: الرسـمـة .

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110

    الرسـمـة .

    قال لي يا شاعر

    لو خايف

    شوف الرسمة

    والرسمة فيها دمعة وضحك وأرض ملك

    وابن واقف خلف السلك

    قصاد رسمة

    والرسمة فيها يهود بحاخام

    والأنكل سام

    وعرب لطاف

    عايشين في سلام

    جوه الرسمة

    رسم الكفوف زي الصبار

    حنظل بمرار

    صبي قصير واقف محتار

    قدام رسمة

    رسمة لا تعرف تتحاذق

    ولا بتنافق

    عيب ناجي أنه عاش صادق .

    ( عبد الرحمن الأبنودي )


    توقفتْ للحظة . كانت في طريقها إلى الأهل الذين تحلّقوا حول الزيتون ، عندما لاحَ لها وجهه المدوّر الصغير مخذولاً تَعِساً ، يضربُ في البستان على غير هدى ، بشعره ِ الأسود الخشن و عينيه الخرزيّتين الضيقتيّن . و لما همّتْ أن تناديه ، ألفته يقتربُ بخطى بطيئة من صخرة ٍ كبيرة كانت إلى نحو ٍ قريب ، و يخرِجُ دفتراً من حقيبته المدرسيّة ، فجلسَ و أخذَ يقلّبُ صفحاته ساهماً تشي نظراته بالملل و الضيّق ، حانياً رأسه موسِّداً إياه قبضته المضمومة ، مؤرجِحاً ساقيه الذي احتواهما السروال المدرسيّ القصير ، بحذائين مُغبريّن تلطّخا بطين البستان .

    كان موسمُ قِطاف الزيتون قد حان و انتشرَ لإقباله أهلُ البلد ، يفرطونَ الحبّات السوداء و الخضراء على أكياس من النايلون أو شراشف و بُسط خفيفة يفرشونها تحت الزيتونة ، مشتبكينَ مع أغصانها الحانيّة في شد ٍ و جذب ٍ متواصلين .

    لم ينتبه إلى وجودها إلا عندما حاذته و صارتْ فوق رأسه .

    بادرته مُشفِقة :

    - سعد . ما بك ؟ أراكَ حزيناً ، و هذا مما لا يليقُ بتلميذ ٍ في الإبتدائيّة .

    - لا شيء يا أختاه ..

    و فرشَ كفيّه الصغيرين فوق ركبتيه ، ثم أردفَ :

    - أين أبي ؟ أين أمي ؟ .

    - هناك .. في الجهة الثانيّة من البستان . لماذا ؟ هل تشعر بالجوع ؟ .

    - لا . أنا فقط عطشان .

    و نزلَ عن الصخرة مُبتعداً ، ماضياً تحت الشمس بين الأشجار .

    ارتدَّ نظرها نحو أشيائه ، بما فيها الدفتر المفتوح . أمسكتْ به و انزلقتْ بين كفيّها الصفحات مُمررة ً عليها النظر بسرعة . نحلة ٌ تقفُ على بتلات زهرة ، شمسٌ في يوم غائم ، و عصفور على شجرة . كان يتفق لخياله الطفوليّ الجميل أن ينبعثَ على الورق ، فيحلو له أن يُفرِغَ علبة ألوانه على السجّادة ، مُتربّعاً ، مسترسلاً في الرسم و التلوين . لكنها ما لبثتْ أن وقعتْ على رسمته الأخيرة ، " شجرة ُ الزيتون ."

    كانت الرسمة مكتملة و تشبهُ إلى حد ٍ بعيد أشجار البستان ، غير أنها ناقصة الألوان . فالأرض بلون ٍ بني ٍ كامد في أسفل الصفحة . و السماء الزرقاء و السحاب الأبيضٌ الخفيف في أعلى الصفحة مع شمس ٍ صفراء مُشعة . أجنحة ُ عصافير ٍ سوداء بعيدة تلوحُ في الأفق ، ثم الأوراقُ بلا لون ، تساءلتْ .. لماذا ؟

    دسّتْ كفها في الحقيبة و بدأتْ تبحثُ عن اللون الأخضر بين الألوان فلم تعثر عليه ، و آثرت أن تعرفَ سبب ذلك من سعد ..



    --------------------------------------------------------------------------------


    لم يطرأ في بالها قط مما كان قد حصل للجمع أثناء غيابها .

    رويَّ لها أن حفنة من المستوطنين اليهود كانوا قد استباحوا البستان خلسة ً ، فرفعوا السلاح على الناس متوعديّن إياهم مهددين ، و ما لبِثَ أن انضم إليهم بضعة جنود صدوّا الرجال و أبعدوهم . بينما راحَ المستوطنون بالتخريب و العبث ، فقصوّا الأغصان بمناشيرهم الكهربائيّة ، دالقينَ محتويات الأكياس على الأرض . حتى أن أحدهم شوّهِدَ و هو يهمُّ بإشعال النار . لكن الأستاذ صبحي ، الذي لا يدري أحدٌ أين كان بالضبط حينئذ ٍ ، تفلّتَ من الطوق الذي ضربه الجندُ على الرِجال و أسرعَ مطوّحاً بقبضته نحو المستوطن المعتدي ، و الذي همّ بالفرار ..


    كان سعد قد ركض كثيراً وراء الجيب العسكري و هو ينادي أبيه المركون في صندوقها الخلفيّ المشبّك مع إخوانه من أهل البلد .

    و عندما شاهدتْهُ يذرعُ شرفة البيت مساءً ، لم تشأ أن تسأله : لماذا لم يُكمل تلويّن الشجرة ؟ .



    --------------------------------------------------------------------------------


    شاعَت في المدرسة ، في اليوم التالي ، حكاية الأستاذ صبحي و هو ينقضُّ على المستوطن و ينزعُ منه ( غالون ) الكاز الذي كان ينويّ أن يصبّه للإشعال ..

    و وصلَ الطلبة إلى نتيجة أكيدة ، مفادها أن حصة الفنون لهذا اليوم ستكون بدون الأستاذ صبحي ، و قد يُتاح لهم أن يعودوا مبكريّنَ إلى بيوتهم . بما أن حصة الفنون هي الأخيرة في الجدول الدراسيّ .

    حتى أن الأستاذ عصمتْ ، أستاذ اللغة العربيّة ، أكّدَ لهم أن الأستاذ صبحي لم يأت ِ إلى المدرسة هذا اليوم ..

    و حينَ همّ التلاميذ بزمّ حقائبهم و الخروج . انشقّ الباب عن وجه الأستاذ صبحي ، كأن شيئاً لم يحدث في البارحة . تقدّم من طاولته بهدوء ، ثم قلّب ناظريه في التلاميذ المشدوهين ، و قال :

    - لقد طلبتُ منكم في الدرس الفائت واجباً ، أن يرسُمَ كل واحد ٍ منكم شيئاً عن موسم القِطاف . و لذلك ، ضعوا دفاتركم مفتوحة ً فوق الطاولات .

    و لم يجب أحد .




    إلا أن خناقة نشبتْ فجأة ً ، ارتفع لها صياحُ إبراهيم و سليم ، و جذب واحدهم الآخر من ياقته . انتهتْ بأن سالَ الدمُ من كليهما . و لزم الأستاذ صبحي إزاءها الصمتْ ، و اكتفى بأن حدّق قي الوجوه من وراء طاولته .

    انفضّ التلاميذ ، الذين هبوّا لفضّ الخناقة ، و انصرفوا عائدين إلى أدراجِهم مُخرجين دفاترهم ، مُنتظرين الأستاذ صبحي ، الذي سمح بدوره للمتشاجريْن بالخروج للإغتسال من الدم المسفوح . و صادفَ حينذاك أن يكون بين كفيّه دفترُ سعد فلاحظَ تلك الشجرة غير ملوّنة الأوراق بتاتاً .

    و اضطربَ سعد و رفع عينيه بقلق إلى الأستاذ صبحي ، قبل أن يسمعه يتوجهُ للتلميذيْن نفسهما بالكلام :

    - تعالا ، و ليمسح كلاكما دمه هنا .. على الرسمة .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المكان
    ما بقى من أشلاء غزة !!
    الردود
    62
    سَلِمت أنامِلُكَ
    أبدعت أخي, و أعجبتني الرمزية في النص
    وبانتظار مزيدك

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة نور .. قلب عرض المشاركة
    سَلِمت أنامِلُكَ
    أبدعت أخي, و أعجبتني الرمزية في النص
    وبانتظار مزيدك
    إن شاء الله تعالى ، لطالما استشعرُ الاثر و لو بردّ واحد فإنني أكونُ ممنوناً و مؤمِّلاً بشيء جديد ..
    تقديري لك .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    بين جدران أربع بباب وشباك صغير لا يطل الا على الجدار الخامس
    الردود
    174
    صورة غسان كنفاني ..ذكرتني بصديق فلسطيني ...والطفل بابن له ..وكلماتك بما يحدثني به عن فلسطين
    دمت بخير أخي
    تقبل مروري

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة لودميلا عرض المشاركة
    صورة غسان كنفاني ..ذكرتني بصديق فلسطيني ...والطفل بابن له ..وكلماتك بما يحدثني به عن فلسطين
    دمت بخير أخي
    تقبل مروري
    و لن تُنسى .. لأنها قصة الحاضر للحاضر ، و اتفاق الماضي و المستقبل على تذكير الحاضر مجدداً .

    و أنت بخير أختي .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    أبدي امتناني لهذه الثقة مجدداً من قِبل منتدى الساخر على تثبيت نصي .

    شكراً لكم .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المكان
    قد عشت على حواف أمل..و على مينا الغروب ..بانتظار)**
    الردود
    198
    لوصفك لا داعي لرسمة
    زجاجية الهيكل

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة الأحرف المبعثرة عرض المشاركة
    لوصفك لا داعي لرسمة
    جاءت الرسمة تجمع الأوصاف .. و كي لا تدع التفاصيل وحيدة ً في مفترق طرق ، فنصفها الآخر ، أرجو أن يكون وصل إلى القارىء ..

    شكراً لحضرتك ، و أهلاً بك دائماً .

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    بداخلي مُدن !
    الردود
    359
    جميلة...، حزينة بعمق !


    بارك الله هذا القلم ما أبلغه

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة مُجرد ايكو عرض المشاركة
    جميلة...، حزينة بعمق !


    بارك الله هذا القلم ما أبلغه
    هذا من روح ٍ طيبة ، فأبعثُ لها بسلامي .

    تقديري .

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المكان
    أمامك الان الا تراني؟
    الردود
    663
    قوية قوية جدا استاذ معتصم


    سجلت القضيه الفلسطينيه بطريقه لم اتخيل يوما ما انها قد تكون

    رسمت بحروفك الملخص دمت رااااااااااااااائعا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المكان
    في كتاب .
    الردود
    3,340
    جميلة ..

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المكان
    غريب أو عابر سبيل
    الردود
    37
    أتقنت فنَّك أخي معتصم.

    جمعت الكثير بإيجاز ماهر وإبداع بارع. جعلت شعر الأبنودي يرسم حنظلة بالنيابة عن ناجي العلي، وبذلك مهدت لأقصوصتك بصورة خلفية حاضرة بوضوح.

    أعجبني السرد بصوره وإتقانه رغم أنه تركني مكتئباً.

    رمزية المتشاجرين بارعة للغاية لكن وجدت نفسي أختلف مع رؤية الواقع الذي تعبر عنه رغم شيوع هذه الرؤية التي ترى الخلاف الفلسطيني بين طرفين كلاهما مخطئ، إلا أن أكون قد أخطأت فهم الرمزية.

    شكراً لك معتصم على هذا الأدب.

    أيام الصَّـبر:
    http://ayamalsabr.blogspot.com

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة مشتاق لبحر يافا عرض المشاركة
    قوية قوية جدا استاذ معتصم


    سجلت القضيه الفلسطينيه بطريقه لم اتخيل يوما ما انها قد تكون

    رسمت بحروفك الملخص دمت رااااااااااااااائعا
    هذا جزاء حسنٌ لي سيدي . يسعدني حضورك ..

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة روح وبوح عرض المشاركة
    جميلة ..
    الله يبارك فيك مشرفنا .

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة طير زاجل عرض المشاركة
    أتقنت فنَّك أخي معتصم.

    جمعت الكثير بإيجاز ماهر وإبداع بارع. جعلت شعر الأبنودي يرسم حنظلة بالنيابة عن ناجي العلي، وبذلك مهدت لأقصوصتك بصورة خلفية حاضرة بوضوح.

    أعجبني السرد بصوره وإتقانه رغم أنه تركني مكتئباً.

    رمزية المتشاجرين بارعة للغاية لكن وجدت نفسي أختلف مع رؤية الواقع الذي تعبر عنه رغم شيوع هذه الرؤية التي ترى الخلاف الفلسطيني بين طرفين كلاهما مخطئ، إلا أن أكون قد أخطأت فهم الرمزية.

    شكراً لك معتصم على هذا الأدب.
    مرحباً بك أخ علاء . أنا جداً سعيد بمشاركتك و ردّك على النص .

    لا يتعلق الأمر بخطأ ملومٌ به الطرفين ( كما هو الوضع الرهن ) ، أو اتهام ما تحمّله إياهما القصة ، و إلا لاقترن ذلك بعقاب يقرره الأستاذ بحقهما ، و هذا ما لم يحدث . و إنما المبدأ هو إلتقاء الدم على الرسمة ، و الذي لا يمكن أن يكون إلا دمّاً واحداً غائباً عن الرسمة .. و المرصود له بالإجتماع
    كتعويّض لا محالة عنه حيال غياب اللون الأخضر ..

    أشكرك أخ علاء .

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    بين الحقيقة والخيال
    الردود
    954
    رائعة ..
    .
    حتماً ستكون الدماء الوسيلة لإعادة اخضرار أشجارهم ..
    شكراً لك معتصم رزق ..

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المكان
    غريب أو عابر سبيل
    الردود
    37
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة معتصم رزق عرض المشاركة
    مرحباً بك أخ علاء . أنا جداً سعيد بمشاركتك و ردّك على النص .

    لا يتعلق الأمر بخطأ ملومٌ به الطرفين ( كما هو الوضع الرهن ) ، أو اتهام ما تحمّله إياهما القصة ، و إلا لاقترن ذلك بعقاب يقرره الأستاذ بحقهما ، و هذا ما لم يحدث . و إنما المبدأ هو إلتقاء الدم على الرسمة ، و الذي لا يمكن أن يكون إلا دمّاً واحداً غائباً عن الرسمة .. و المرصود له بالإجتماع
    كتعويّض لا محالة عنه حيال غياب اللون الأخضر ..

    أشكرك أخ علاء .
    شكراً أخي معتصم. جعلتني أرى القصة بقدر أقل من الاكتئاب.
    وأذن لي أن أتفق تماماً مع الحالمة الناصحة.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •