Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 11 من 11
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110

    الـنـسـيِّــان .

    عليَّ أن أعبّأ الزجاجة بالماء و التأكدُ من انسداد أنبوبة الغاز جيداً ، ثم أنقادُ بهدوء إلى السرير . لا شيء مهم اعتدتُ فعله قبل أن أخلُدَ للنوم و ذلك منذُ أن أضحيتُ من جديد وحيدة . امرأة ً عزباء مرة ً أخرى ن أقومُ بتسيير شؤون حياتي بمفردي . بإختصار أنا امرأةٌ مُطلقة . طلّقني هو في مطلع شهر نيسان ، و لما بُحتُ بذلك إلى زميلاتي في الشُغل ، وجمنَ هنيّة ثم بدأنَ بالضحك ، و استغربنَ من أنني صِرتُ أختلقُ الأكاذيبَ فجأة ً ، مع أنني لا أفعلها .. لا أفعلها ! .

    خلعتْ خُفّها الدافىء و انسحبتْ بكامل جسدها تدريجيّاً فوق السرير ، الذي أصدرَ صريراً مُتكسّراً بدوره ، لكنها ما لبثتْ أن اعتدلتْ ثانيّة ً و نهضتْ لتُغلِقَ النافذة القريبة . كان شهر كانون الأول قد شارفَ على نهايته ، و الطقس البارد يعدُ بالمزيد من المطر . و هي لا تقوى على احتمال البرد . منذ أن كانت صغيرة و أمها تصبُ عليها الماء و هي بالطشتْ لتستحم ، بدأتْ ترهبُ الماء البارد .و عندما صارتْ في المدرسة ، كانتْ تركضُ تحت المطر مُسرعة و رفيقاتها في الفصل يضحكنَ عليها و يسخرنَ منها . حتى عندما كانت برفقته هو ، و هما يترددا على الحديقة العامة ، كانت تتوخى المرور بقرب رشّاش المياه ، لأنه ببساطة يُذّكرها بالمطر .

    ما ألذَّ هذا الإحساس ! ، عندما أدِّسُ ساقيَّ المُنهكتين في اللحاف ، أشعرُ بالحرارة تسري إلى جسدي ، تسكنُ نفسي و أنا ألفُّ اللحاف حولي . أفرشُ شعري على الوسادة ، و أظلُّ محملقة ً قليلاً في السقف . و إن حالفني الحظ ، فإن النوم يغلبني و لا يدعني عزلاء بمواجهة خواطري ، مجردة ً من كل سلاح ٍ إلا الندم . و لما طرقتُ باب الطبيبة و شرحتُ لها عمّا آلتْ إليه حالتي النفسيّة . ألقتْ عليَّ محاضرة ً طويلة أسفرتْ إلى أنه لا يتوجب عليَّ النظر إلى الماضي و أن لا أستسلمَ للندم ، فالحياة كما تراءتْ لي في ابتسامة ٍ ارتسمتْ على شفتيّها لا زالتْ جميلة . لكن الماضي هو .. و هو الماضي .. آه يا ليتهُ يترك الماضي وحيداً و يأتيّ إليّ أنا الوحيدة ، فعندئذ ٍ أستجمعُ قواي و أصعدُ فوق جروحي لكي لا أندم . فهو معي ، لكنه لا يأتي .. لا يأتي .

    أغمضتْ عينيّها مُطلقة ً تنهيدة صغيرة ، ثم رفعتْ كفّها من تحت اللحاف و مررّتهُ أمام عينيّها . كانت قد أصيبتْ برضّة أثناء سيرها في الشارع العمومي ، إذ سقطتْ لأن الشارع حينئذ ٍ كان مُبتلاً زَلِقاً ، و فردتيّ حذائها الجديد لم يفلحا في تفادي الوقوع . و هكذا تلّقتْ كفُّها اليمنى عاقبة اختلال توازنها و انكفاء جام الثِقل فوقها . فأحسّتْ وقتذاك بالدموع تصعدُ إلى حلقها ، لكن السماء بدتْ مُكفهرّة أكثر من أي وقت ٍ مضى ، و أوشكتْ أن تستغرقَ بالهطول . و هي تخافُ المطر ، فسحبتْ كفّها المتوجٍّعة و مضتْ مسرعة ً في الطريق .

    لماذا استيقظُ الآن ؟ ، يخيّلُ لي أنها قرابة الثالثة صباحاً . أفّ .. إنه الأرق و هذا الرأس الذي لا يهدأ أبداً فالليلُ موعدُ مخاضه المعتاد ، تتوالدُ فيه الأحلام و يجتمعُ شملُ الشتات اليوميّ ، فينزلقُ الحلمُ بدائيّاً بِكراً لا يمسّهُ أحدٌ إلايّ .. و ياليتَهُ هو ، ذاك الخائن يرتدُ طاهراً كالحلم لم تمسسهُ أخرى ، مثلي و كالحلم . لكنني وحيدة .. وحيدة ، فهل الأحلامُ تكونُ وحيدة ؟ .

    ميّزتْ مقاعداً و ركاباً ، فأيقنتْ لمّا خرجتْ من الحُلم أنها كانت داخل مركبة عموميّة و على الأرجح أنها حافلة . و الذي تذكرهُ أيضاً ، أن الجابي ذكرَ لها أن الأجرة ناقصة ، و لم يكن هنالك بُدّ من أن تمدَّ كفّها كرّة ً أخرى إلى محفظتها و تفتّشَ فيها عن قطعة نقود ٍ تاهتْ عنها أول الأمر . و عندما لم تجدّ احمرّتْ وجنتاها خجلاً و لم تدر ِ ماذا تقول . إلا أن كفّاً رجاليّة ارتفعتْ موفيّة ً باقي المبلغ ، حدستْ أنها تعرفها جيداً على الرغم من أنها لم تسمع صوت المنقِذ الشهم ، و لم يتسع وقتُها كي تلتفتْ لأنها سمعتْ زخّ المطر على الزجاج ، و انقطعَ الحُلم على مشهد الماء و هو يغسلُ النوافذ و العالم .


    كلما فكرتُ أنني كنتُ زوجة في بداية هذا العام و أصبحتُ مُطلّقة في نهايته ، راودتني غصّة و فقدتُ صوابي . مالذي حدثَ بالضبط ؟ ، لكأنهما زمانيّن منفصليّن لا يربطهما غيرُ أوراق رزنامة على الجِدار . و لم ينقض ِ وقتٌ طويل حتى سمعتُ عن نيّته بالزواج ، و أنه فتّش و دقّ أبواباً كثيرة إلى أن وقعَ اختياره و بعثَ لي دعوة الزفاف بغير خجل كأن بي صديقة قديمة له . و في فورة غضبي - و أنا الذي أمّلتُ أن يعود إلى البيت ، البيت الذي استأجرَ غيره و شطبَ عنوانه من دفتر ِ حاضره و لم تعدْ خطاهُ تدوّسُ عتبته - أرسلتُ إليه بباقي أغراضه و خاصّتِه . القدّاحة و القلم الحِبر ، زجاجة العِطر و البذلات التي لم يأخذها معه ، ساعة يد كان قد أهداها إليّ في عيد زواجنا الأول .. كل شيء ، سوى البيت الذي سُجِّلَ بإسمي فيما بعد . و إنني أسألُ نفسي مُلّحة مفتشّة ًفي داخلي مِراراً ، مُقلَّبة ً الخاطر تلو الخاطر ، و أنا أحتسي القهوة في الكافتيريا ، أو عندما يطالعني وجهُ زميل يلوحُ ملقيّاً عليّ تحية الصباح .. و أكبتُ الألم في سريرتي ممسكة ً بتلابيب الدمعة قبل أن تفلتَ و تهرب فوق خدي فاضحة ً حُزني أمام الآخرين . و ليس لي إلا أخٌ واحد بعد وفاة ِ الوالدين يكفيه ِ ما فيه ، تتنازعهُ مشاغل الأسرة ، و يركض ليل نهار و لا يلحق ركب الكفاية .
    و هكذا بقيتُ وحيدة ..

    دسّتْ رأسها في محاولة ٍ يائسة منها لنداء النوم ، و اقتفاء أثر ذلك الحُلم لو حالفها الحظّ . يا تُرى ؟ ، هل يكونُ هو الذي في الحلم ؟ ، ذلك المُنقِذ الشهم ..


    23 \ 11 \ 2010 .



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الردود
    90
    متألقة بوحدتها.. موجعة بتصاويرها.. رائحة المطر الوحيد تعبق الصفحة.. أحياناً تكمن الصِّحة بالأرق!! قصة تملك رقيّ الصمت

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة هاربة اليك عرض المشاركة
    متألقة بوحدتها.. موجعة بتصاويرها.. رائحة المطر الوحيد تعبق الصفحة.. أحياناً تكمن الصِّحة بالأرق!! قصة تملك رقيّ الصمت
    إذاً يظهرُ أن الصوت الواحد في النص قد قَدِر على تمثيل و طرح الوِحدة على باب السؤال ،
    و الوِحدة حال غير ثابتة لذا فهي موضع سؤال دائم .. كالحُلم تماماً .

    تقديري .

  4. #4
    الوقوف على أعتاب الوحدة صعب جدا، لكن المطر يشي بالخير!
    محاولة جيدة لترويض نسيان يا معتصم.
    تقديري،،

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    بين جدران أربع بباب وشباك صغير لا يطل الا على الجدار الخامس
    الردود
    174
    كم نحتاج للنسيان وكم تخوننا الذاكرة عندما تفتح شبابيكها للمطر فتنتعش الذكريات بكل ما فيها من قوة حنينا الى حلم لم يكتمل ............
    تقبل مروري
    دمت بخير
    ابق ساكناً قلبي ولا تُثر غبارك
    دع العالم يجد سبيله إليك
    طاغور

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة محمد العَرَفي عرض المشاركة
    الوقوف على أعتاب الوحدة صعب جدا، لكن المطر يشي بالخير!
    محاولة جيدة لترويض نسيان يا معتصم.
    تقديري،،
    أهلاً أخ محمد .

    أردتُ المطر كهاجس ليس إلا ، لا هو بالغائب تماماً و لا هو بالحاضر تماماً ..

    ، و لك جام التقدير .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المكان
    أمامك الان الا تراني؟
    الردود
    663
    سيدي اندم كثيرا ان فلت من تحت يدي نص من نصوصك الرائعه

    فعلا يشرفني ان يقال اني اقرأ لك

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    عـبــسنّـدْ خواصر الحائط !
    الردود
    2,549
    ما شاء الله يا أخ معتصم ، قلمك جميل
    لا يمكن ومن الصعب أن يعيش الشخص وحيداً ، الوحدة نقرأها في الوجوه ، وأشياء أخرى نقرأها أيضاً ...
    اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين
    تحياتي أخي معتصم ....

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المكان
    في مكان لا اعرفه
    الردود
    160
    ما أقسى ان نصارع دمعة ساخنة لا محاله ستفر في اخر الامر.ما ابشع ان نواجه الالم بابتسامه والحلم بالنسيان .هنا يضاف الى كل ذلك ان تتحمل المرأة المطلقه وزر طلاقها.شكرا معتصم

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة لودميلا عرض المشاركة
    كم نحتاج للنسيان وكم تخوننا الذاكرة عندما تفتح شبابيكها للمطر فتنتعش الذكريات بكل ما فيها من قوة حنينا الى حلم لم يكتمل ............
    تقبل مروري
    دمت بخير
    الحاجة إلى النسيّان قد تتضاعف بمرور الوقت ، لأن النسيّان ليس وارداً لكل الأشياء و المضامين و الحوادث و البشر ، لذا يفضّل البعض أن لا يتكلفوّا مرارة النسيّان ( كما فعلوا سابقاً مع الخوف ) ، فيجهدون بتأليف القناعات و يخرجون بنتائج يسيرون عليها بقية حياتهم ، فيها الصحيح كما يُحتمل فيها الخطأ .

    أشكرك .

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المكان
    في ذات الذات .. ما زلتُ أبحث
    الردود
    110
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة مشتاق لبحر يافا عرض المشاركة
    سيدي اندم كثيرا ان فلت من تحت يدي نص من نصوصك الرائعه

    فعلا يشرفني ان يقال اني اقرأ لك
    و أنا الأسعد أخي العزيز .

    أهلاً بك دوماً .

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •