"توابع غريبة لقرار يبدو عادياً"

***

(قصة قصيرة)

بقلم: عبد الغني عبده


اشترى سيارة خاصة فتفاقمت البطالة، وارتفعت أسعار حديد التسليح، وزاد الاحتباس الحراري فتغير مناخ الأرض وذابت جبال جليد القضبين فارتفع مستوى مياه المحيطات والبحار واختفت مدن بل دول بكاملها.... ومن ثم انتشر الجفاف والتصحر وتتابع وقوع الزلازل والبراكين والفيضانات... وترتبت على ذلك مجاعات أماتت مئات الآلاف من الأطفال حول العالم، واشتعلت حروب كثيرة، وتسارعت وتيرة الأوبئة والأمراض الفتاكة: "الإيدز – السرطانات – الكبد الوبائي – الإنفلوانزات"... وانضمت الطبقة الوسطى – مرغمة – إلى المهمشين في تلقي ما تجود به جمعيات "خيرية" من ملابس وأغطية "قديمة" وبقايا "طعام" وقليل من المال؛ الكفيل بإبقائهم قابعين في القاع... وجن جنون الأسعار فتضخمت ثروات تجار السيارات والسلاح ومنتجي: الحديد والكليبات، وورشات ترميم الأجساد المسماة "مراكز التجميل"، وتنامت عائدات مقاولي "البورتوات" ومروجي سياحة الشواطئ ومضاربي البورصات... وأدى تحالفهم مع السلطة إلى نهب "منظم/ مقنن" للأراضي والأموال...
ووَلَّدَ كل ذلك احتقاناً تُوِّجَ بثورات شعبية من شأنها أن تغير تاريخ الإنسانية وجغرافية الأرض...
ورغم ذلك – أو ربما لذلك – لم يقدم مشتري السيارة للمحاكمة!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
متن مهـمــش:-
لم يقع في رَوْعِهِ، للحظة، أن كل هذه التبعات سوف تترتب على شرائه لسيارة؛ قَدَّرَ أنها المخرج الوحيد من معاناته اليومية مع المواصلات العامة*؛ والميكروباصات التي لم تعد فقط مزدحمة بل نادرة** فيما بين القاهرة وبلدته؛ الواقعة على أطرافها؛ فضلاً عن رداءة*** تأدية هذه الميكروباصات لخدمة نقل الركاب.
لم يعد يحتمل تملقه المقيت لسائق "الرمسيس" سيئ الخلق... الذي كان مضطراً أن يبالغ طوال رحلتي ذهابه وإيابه من عمله اليومي في سرد مناقبه في تخطي ميكروباصات "التويوتا" ووصف جدعنته التي لا نظير لها في توصيل الناس لأعمالهم والطلبة لجامعاتهم...أصبح يكره لسانه الذي يلهج الآن بالتسبيح بحمد هذا السائق بدل أذكار الصباح والمساء!! رغم اقتناعه بأن ذلك هو الضمان الوحيد لاحتفاظه "بفلتر"**** أصبح كرسيه الأثير (وإن لم يكن الوثير) الذي اعتاد أن يمتطيه يومياً جالساً بجوار الباب ليقوم بدور التباع في تحصيل الأجرة من النازلين... دور قميء آخر يمارسه كارهاً؛ مؤكداً حكمة شعبية تَدَّعِي بأن "أكل العيش مر"!!...
ها هو يُقَبِّلُ يده ظهراً لبطن بعد أن انتشر نظام التقسيط؛ وتوفرت فيه الشروط التي مكنته من اقتناء سيارته الخاصة؛ ... يستطيع الآن أن يفتح زجاج نافذتها لينفح سائق الرمسيس إياه ببصقة؛ إذا أراد الأخير أن يمارس هوايته في تخطي السيارات من اليمين تارة ومن اليسار أحياناً؛ بصقة يظن وهي تخرج مندفعة من فيه أنها تحمل معها كل قاذورات لسانه التي لاكها نفاقاً لهذا الحيوان كما وصفه... يشعر الآن بانتشاء غريب يحس بأنه تطهر من نجاسات وأرجاس كانت تنغص عليه احترامه لذاته...
لم يكد يفرح بقيادة السيارة ليوم واحد؛ فقد فوجئ أنه وصل متأخراً عن عمله أكثر من نصف ساعة... بعد أن كانت المصلحة التي يعمل بها تضبط ساعاتها على ميعاد تواجده... وفي اليوم التالي دار دورتين حول المبنى ليجد لها مكاناً للانتظار لا يتعرض فيه لمخالفة وكان ذلك سبباً في أن أصبح التأخير ساعة كاملة.
ورغم أنه كان قد بلغ درجة وظيفية لا تلزمه بالتوقيع في دفاتر الحضور والانصراف إلا أنه اعتاد نظاماً صارماً منضبطاً يلقي على عاتقه الآماً نفسية مبرحة تنغص عليه من جديد احترامه لذاته؛ تنغيصاً يفاقمه إدراكه لقيمة الوقت الذي لا يمكن تعويضه أو إعادته للوراء؛ فلم يوفر الآن ما كان يضيع من وقت انتظار الميكروباص بعد أن يقطع المسافة من وسط البلد – حيث مقر المصلحة – إلى محطة شبرا الخيمة مستقلاً المترو في خمس عشرة دقيقة، فقط استبدله بوقت مماثل أو ربما أكثر في محاولة الخروج بسيارته من الزحام الخانق في شارع 26 يوليو وصولاً إلى مخرج القاهرة باتجاه محافظة القليوبية متخذاً إلى قريته طريق مصر اسكندرية الزراعي الذي تحول إلى صورة مطابقة لزحام وسط البلد يستوى في الاصطلاء بنارها كافة المسافرين...."ليتني أضعت وقتي فحسب... لقد تسببت في زيادة الوقت المهدر من كل مستخدمي الطرق التي أجوبها" زفر هذه الكلمات ليزداد معها شعوره بالاختناق...
وها هو الآن – بعد شهر واحد من شراء السيارة - يضطر إلى الذهاب بها إلى أحد الجراجات العمومية؛ لازدحام الشوارع بصفين من السيارات الخاصة؛ التي بدأ يسيطر على مخيلته أنها تتكاثر في المساء وتنجب سيارات جديدة كل يوم... وربما حَمَّلَتْهُ مصاريف الجراج عبئاً مالياً لم يكن في حسبانه...
انفجر في حالة هستيرية من الضحك حتى طفر الدمع من عينيه عندما أدرك أن هذه المنغصات اليومية التي تولدت وتوالدت من يوم أن قرر شراء السيارة مجرد تفاهات لا يعتد بها مقارنة مع التبعات الثقيلة التي قذف بها فمُ صاحبه المتغطرس الباحث في الاقتصاد*****.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
هــوامــش:-
* انعدم وجودها مع كثير من الخدمات التي توقفت الحكومة عن تأديتها مفسحة المجال للقطاع الخاص لممارستها.
** مقارنة بالطبع بالأعداد المتزايدة من البشر المسافرين من البلدة للقاهرة مع الصباح الباكر طلباً للعمل أو الدراسة أو العلاج... وهم أنفسهم يعودون مع الليل؛ دون أن يكون في البلدة نشاطات جاذبة لحركة عكسية إليها صباحاً؛ ومنها مساءً...
*** تبدأ بالكراسي والسائقين ولا تنتهي بالسرعات الجنونية التي تجعل وجهة الركاب المتراصين؛ كالسردين في علبة الصفيح؛ هي غالباً الدار الآخرة عبر الحوادث المتكاثرة التي تقع الآن بمتوالية هندسية.....
**** اسطوانة حديدة يُسْتَخْدَم منها ثلاثة ككراسى إضافية في سيارات الرمسيس الميكروباص.
***** المسطرة في المتن غير المهمش (أعلاه).
- تمت -
الرياض في: 5 أبريل 2011م