[justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify][/justify][justify]

قصة قصيرة ،
خليل الشريف
20 / 11/ 1431هـ
أتمنى لكم قراءة ممتعة
............................

- أيها المحترم ، هذه أوراقك ؛ يؤسفني أن اللجنة لم توافق على التماسك .

دون أن يرد ، مد ذراعه ليستلم الأوراق ، بدا عليه الإرهاق ، لم يكن خبرا مزعجا مثل هذا ، سيزيد الأمر سوءا بالنسبة إليه . لقد بلغت الأحداث الحد الذي لم يعد معه وجود أمر سيء إضافي يشكل فارقا يذكر . إنها حالة أشبه ما تكون بذلك الشخص الذي يحكم عليه بالإعدام في قضية من القضايا ، وما تلبث أن تتدافع عليه قضايا أخرى يحكم عليه بسنوات إضافية من السجن . وهل هناك ما يمكن أن يضاف على حكم الإعدام ؟ وفي حالته ماذا يعني أن لا يوافق رؤسائه في العمل على التماسه العاشر ربما ؛ حتى يعود إلى وظيفته التي سرح منها قبل شهرين . ماذا يمكن أن يضيف هذا الحظ العاثر من ألم ، على شخص يقع تحت طائلة تهديد السجن من قبل الدائنين . وهو أيضا ؛ قد تعرض لخيانة زوجته التي عاش معها أكثر من عشر سنوات .. هناء الجميلة ، خاض معها قصة حب تكاد تكون أفلاطونية . يتكرر كل ليلة فحيح صوتها في أذنيه ، يظن أنه يتوهم . يشعر أنه يفقد التركيز . لم يعد يفرق بين الحقيقة والوهم . و حين يحل الليل ويطفئ الأنوار ، يتسلل ذلك الصوت من جديد إلى أذنيه ، ويسمع العهد الذي قطعته له في أول ليلة من زواجهما بصوتها الأنثوي الدافئ :" أقسم لك أنني سأكون هناءك الذي لا ينقطع . وحبك الذي لا يتغير " يتذكر كيف كانت ردة فعله على هذه العبارة بريئة وخجولة ، وأنه لم يكن قادرا على أن يتفوه بكلمة لشد ما كان مدهشا وسعيداً. هكذا يبدأ لحظاته الأولى في فراشه كل ليله بعد أن انفصل عن زوجته . لم يكن يحظى إلا بالقليل من الإغفاءة قبل أن يذهب إلى عمله متهالكا لا يستطيع انجاز أي شيء . أو يقرر الغياب فيبقى حبيس المنزل في دوامة من الإرهاق والتعب والحرمان من النوم . ازدادت حالته ترديا مع الوقت . فقد أصدقائه وأعزائه ، تراكمت موجات الاكتئاب على صدره . تحول إلى إنسان صامت باهت لا يقوى على أن ينظر في عيني أي إنسان . لم يرضى رؤسائه في العمل بأدائه الذي كان لا يتعدى الحضور الجسدي ليس إلا . يعلمون ما يتطلبه عمل منسق العلاقات العامة من نشاط وكاريزما ومهارات اتصال فعالة . تأكدوا أنه فقد هذا كله . قرروا بالإجماع على تسريحه دون تراجع !

أخذ أوراقه من الموظف . مضى خارج المؤسسة . باغت عينيه ضوء الشمس المشع بقوة . ركب سيارته وبدأ القيادة . شعر بحيرة بالغة . لم يكن يعرف إلى أي مكان يفترض أن يذهب إليه الآن . فكر ماذا يعني له ذهابه إلى البيت في هذه الساعة ، يعني أنه سيرى ألعاب وملابس طفلته " لبنى " . لقد نثرها على الأرض قبل أن يخرج ، واستلقى وسطها وظل يذرف دموعه بلا صوت و لا نشيج . كان أقسى ما مر عليه ؛أن ابنته الصغيرة و الوحيدة ، فقدت قدرتها على الكلام بعد أن استمرت بالبكاء فترة طويلة حزنا على فراق أبويها . يعتقد أنها آثرت الصمت المطبق، إذ أنها لا تملك لغة كافية لتعبر عن معاناتها . وهل يمكن لأي لغة في العالم أن تعبر عن معاناة طفل حظي بالحياة مع أبويه ثم فقدها فجأة ! سأل نفسه وهو يشق طريق المدينة الرئيسي ؛ هل تحظى بالاهتمام الكافي عند من يقومون برعايتها ؟ هل يوبخونها على الأخطاء البسيطة التي طالما وقع فيها الأطفال ؟ هل يضمونها إلى صدورهم بالقدر الذي كان يمنحها عندما كانت ترمي نفسها بين ذراعيه ؟ وماذا عن المستقبل . كيف ستتفهم أنه اتخذ القرار الذي لم يكن له مفر منه حين تركها لتعيش في رعاية عمته المسنة ؟ إنه عاجز تماما عن الاهتمام بنفسه فضلا أن يمنح اهتمامه لمن حوله .

تذكر أنه لم يأكل شيء منذ يومين . وبدأ يحس بصداع في رأسه وبوخز حاد في رقبته . انعطف به الطريق ثم استوقفته إشارة مرورية بضوئها الأحمر . انطلق إليه رجل مسن نحيل يتكئ على عصا خشبية مهترئة ، ويمشي بخطوات مهزوزة للغاية . أشار إليه المسن مستدرا شفقته أن يتصدق عليه بشيء من المال . تأمل المسن في برود . اعتذر منه بإشارة سريعة بإصبعه . لكنه ظل يراقبه باهتمام . هاله منظر التجاعيد التي تحفر وجهه وكأنها تضاريس وديان غائرة في العمق . لا حظ انحناءة ظهره . قواه الخائرة . كذلك كرامته المهدرة مع تقدم عمره . سأل نفسه كيف يتحمل هذا المسن الشمس الضاربة في ظهيرة كل يوم ؟ شعر بهول الشقاء الذي يعيشه هذا العجوز . كرر داخله " ألا يعرف الشقاء أن يفرق بين المسن والشاب ؟ " عصفت بداخله مشاعر رهيبة . اضطرب اضطرابا شديدا . قال بصوت بطيء مسموع " لماذا نتمسك بالحياة حين تدير ظهرها لنا ؟؟" . لم يدرك الضوضاء التي خلفها وقوفه والإشارة قد فرشت بضوئها الأخضر حق الطريق إليه . تعالت أصوات زمامير السيارات . أدار مقوده وتحرك . غير أن هذه اللحظة ولدت لديه قرارا مفاجئاً وحاسماً أن ينتحر !

قال في نفسه " الانتحار لا يستحق جلسة مداولة . لا يعرف تراتبية بيروقراطية في اتخاذ القرار .. الانتحار وصفة مباشرة وسهلة لمن لا تعجبهم الحياة .. وهل يجب أن تعجب الحياة كل البشر؟؟ ليس لزاما طالما أن هناك أشقياء وسعداء "

تحمس للفكرة بشكل حازم . عرف أنه حياته ضيقة وأن فرصه معدومة . وأنه لم يعد يمثل شيء مهما ًبين هذا الحشد الهائل من البشر . تذكر أوجه الدائنين المتورمة التي لا تعرف الرحمة ، نظر إلى أوراق التماسه المرفوضة . فازداد تصميما . ووسط هذا الحماس المفعم للانتحار والذي كان باديا في ازدياد سرعة السيارة شيئا ملحوظا . فاجأته فكرة مهمة تتعلق بالموضوع . كيف سينتحر ؟ ضعفت وتيرة حماسه شيئا يسيرا ً. استشعر أن العملية أعقد مما يتصور . أو بالأحرى شعر بجدية الفكرة بشكل أكبر . لكنه قال في نفسه بطريقة عاطفية " ربما ترغب أن تعيش لتواجه بؤساً أكثر ؛ كما هو حال ذلك المسن ؟"

لمعت بذهنه أول فكرة للانتحار فتخيل نفسه يقف ويمسك بسكين حادة ثم يرفع يده بطريقة خاطفة تجاه رقبته وينحر نفسه ! . لكنه أدرك سريعا ؛ أن طريقة مثل هذه تحتاج إلى إرادة قوية جدا . وهل يتخلى عن الحياة شخص يمتلك إرادة قوية ؟

قرر أن يضع شروطه للانتحار أولا ً . بعد ذلك يفكر في الطريقة التي تتناسب مع هذه الشروط . وجد من المهم أن لا يسبب انتحاره الأذى أو الألم لأي إنسان . وهو لا يرغب أن يشاهد الناس جثته ، وأن يطيلوا التأمل فيها . يخشى حد الهلع أن يصورها المتطفلين ثم تقع مثل هذه الصور في يد ابنته يوما ما. كما أنه لا يرغب أن يلفت نظر أي مخلوق لمغادرته للحياة . إنه لا ينتحر ليلفت أنظار الناس إلى مأساته . هذه الأفكار الطفولية التي يفعلها بعض المنتحرين لا تعنيه بشيء . بل يرى أنها قذرة ومنحطة . كيف يقرر إنسان أن يغادر الحياة لمجرد أنه يرغب بلفت أنظار الآخرين إليه ؟؟ إنه يقرر أن ينتحر ؛ لأنه لم يعد يحظى بشيء . لقد فقد جميع امتيازاته في الحياة . ولم يتبقى له غير الشقاء . وهو لا يجد نفسه قادرا على إكمال هذا المشوار المضني مع الألم والخواء . ويرى أن يختصر الطريق ليس إلا . هذا هدفه بكل وضوح وبساطه . قال في نفسه " يجب أن لا أثير الرعب في نفوس الناس بعد رؤيتي ميتاً ، أو يقرؤوا قصة انتحاري في جريدة ، لن أسمح أن تتعفن جثتي في مكان ما ثم تصدر لها رائحة كريهة، ويحل التشاؤم في أرجاء المكان " كان يود أن يموت دون أن تبقى له جثة . يرغب في طريقة تخفي روحه وجسده عن الحياة في وقت واحد . فكر لو ابتلعته الأرض . لو دفن نفسه حيا . لكن ؛ من يجرؤ على مساعدته في هذا ؟ ماذا عن ابتلاع سم ؟ و أين سيتم هذا ؟ في الشارع مثلا . . سينقله الناس إلى المستشفى حالما يرون أنه فاقد الوعي. وربما استطاعوا إنقاذ حياته هناك ! وماذا لو أغلق على نفسه في مكان ما وابتلعه ؛ من المحتمل جداً أن تتعفن الجثة وتنتفخ ؛ وكان هذا أكثر ما يثير مخاوفه. تسلل إليه شعور واهن . قال لنفسه وكأنه يحاسب نفسه " أنت تضع هذه الشروط متشبثا بالحياة . تحاول الفرار من الفكرة . تعمل على تعقيدها بينما هي أبسط فكره يمكن تطبيقها . أن تموت . من يملك أن يمنعك عن القيام بهذه المهمة ؟" انقطع حبل أفكاره . شعر بتوتر شديد . وعجز عن التفكير . تأمل المدينة الإسمنتية التي يعيش فيها .رأى كم هي غارقة في التلوث والصراع ، تسمرت عينيه في الطريق أمامه . قرر أن يخرج عن محيط المباني . أن يبتعد إلى الصحراء . للمكان الذي أحبه في أيامه الخوالي . الصحراء تشعره بالعزلة . ليست العزلة التي يحس معها أنه شخص منبوذ . على العكس . أن يهيم في الصحراء هذا يعني أنه يمارس عزلة راقية . عزلة ترتقي به عن صراع البشر وحياتهم المكتظة بالغش والتلوث . عزلة تسمو بالروح وتحقق له كبرياء عظيم , وكأنه الوحيد الذي يعيش على هذا الكوكب ! تجاوزت سيارته حدود المدينة . حلق بعينيه في ذلك الفضاء الرحب من حوله . الرمال السابحة في أرجاء الأرض . حدد وجهته للمكان الذي تعود أن يقضي فيه الليالي المقمرة . انزلقت السيارة بين الرمال الصفراء الخشنة . ثم غاصت في أعماق الصحراء .

قال لنفسه وهو يمسح وجهه بكفه الأيسر " انه أجمل مكان يمكن أن ينهي الإنسان حياته عليه ، وسأكون بعيدا عن الأنظار " . تقدم بالسيارة في طريق مهدته السيارات التي تعهدت هذا الطريق . تعدى المنطقة التي اعتاد الجلوس فيها . فكر أن يتقدم أكثر . اتخذ طريقا منشقا آخر . وبعد أن سار ما يقارب النصف ساعة باتجاه الغرب بطأ من سرعته ثم توقف .

كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرا . أطفأ المحرك وترجل في حركة ثقيلة من السيارة . أعجبه الهدوء الذي يخيم على المكان . صوت الرياح المنطلقة في الرحاب الواسعة . قال في نفسه " لو أن شيئا يشجع على الحياة . لكانت الصحراء " . لكنه دون أن يسمح لنفسه بالتفكير . وضع خطته بكل حسم للانتحار على النحو التالي ؛ سيضرم النار في إحدى العجلات . ثم سيجهز قطعة من القماش المبللة بقليل من البنزين . وبعد أن يثبتها بالقرب من الفتحة المخصصة لوقود السيارة . سيشعلها ويسارع للدخول في السيارة ، ويغلق الأبواب والزجاج عليه بإحكام . حينها سيشرط معصميه بسكينته الصغيرة . ثم يستسلم للموت بهدوء . ولعل جثته بعد ذلك تحترق وتتبخر في كنف الصحراء . ولكنها لن تكلف أحداً عناء دفنها تحت التراب . ولن تؤذي أي إنسان برائحتها المتعفنة أو شكلها المقزز. إنه لن يتبقى منها غير هيكل عظمي لا يحدد أية ملامح لهوية شخص . إنها فكرة محكمة .

استجمع قواه . سحب نفسا عميقا . وشرع دون أن يسمح لومضة من التفكيرـ في سلامة ما هو ذاهب إليه ـ أن تخترق عقله . لقد صمم . نعم . ويجب أن يضع حدا لهذا التقهقر الذي لا يظن أنه سيتوقف . نفذ كل شيء بإحكام . وهاهو الآن يتمدد في المقاعد الخلفية لسيارته . وسكينته الصغيرة تنتظر إشارة كهربية من الدماغ لتنفذ أغرب أمر يصدره عقله إلى يده . أما الأدخنة السوداء فكانت تنبعث من العجلة اليسرى الأمامية بكثافة . وفي أي لحظة سيتفجر الوقود جراء قطعة القماش المشتعلة . فكر بأي معصم يبدأ تشريط عروقه . وقع اختياره على معصمه الأيسر . وبهدوء وخفه ؛ غرس حافة السكين ورسم خطاً رقيقا ً من الدماء .


لم يكن قبل هذه اللحظة بالذات يتصور أن المشاعر يمكن أن تتداخل مع الأفكار، وتسحق كل الحصون المنيعة التي يحاول الإنسان أحيانا وضعها أمام سطوة الذات المتشبثة برأي ما ، لتنفيذ أمر ملح يجد أنه من المهم جدا تنفيذه . لقد كان يظن أنه قادر تماما على إيقاف أي فكرة يمكن أن تثنيه عن هذا الأمر الذي صار مقتنعا به أيما قناعة . لكنه وجد نفسه في تلك اللحظة التي تناثر الدم فيها على ذراعه الأيسر، وانتشر على المقاعد المخملية . وجد نفسه يواجه موجه عنيفة ساحقه من الأفكار والمشاعر . لقد مر شريط الحياة أمامه بأقصى سرعة يمكن أن يتخيلها إنسان !

.. لحظات الطفولة العابرة ، الجميلة منها والمملة . الأجواء التي تثير في نفسه الفرح والخوف . الأوجه الكثيفة المتعاقبة على حياته . وجه معلمه الضخم في المرحلة الابتدائية . زميله في العمل الذي يسلم عليه كل صباح . جاره الطويل وهو يضع برميل الزبالة أمام الباب . صراخ أمه وهي تناديه للغداء ، أصابع جدته المتيبسة وهي تفرد العجين . ابتسامة والده العريضة حين يعود من السفر . جسد جده الممد على السرير قبل وفاته . شخير أخاه الذي يزداد بعد منتصف الليل . غرور الطفل الذي كان يضربه في المدرسة . المرة الأولى التي يرى فيها زوجته . الموسيقى المرحة التي تحب أن تقفز عليها طفلته . الكلمات المحفزة التي كان يتحمس حين يسمعها من رئيسه . الشارع المظلم كثيف الأشجار الذي يسير فيه إلى المسجد . انتصارات الفريق الذي كان يشجعه بحماس. تجربة الجنس الأولى . السرير الضخم الذي يقبع في غرفة نومه .. جلسات الصخب التي قضاها مع زملائه . رائحة النقود الجديدة عندما يتقاضى أجره الشهري . التصفيق الهائل في حفل التخرج من الجامعة . لحظات التسوق لتأثيث منزله. اجتماع الأسرة على الشاي بعد وجبة دسمة . صباح العيد المليء بالفرح . مساء العيد المليء بالإرهاق والغم . شاشة التلفزيون الضخمة في الصالون . الأخبار المزعجة كل يوم . أوجه زعماء الدول المتنفخة البليدة ، الحديقة المليئة بالنساء السمينات داخل الحي . زحام السيارات الشديد أثناء عودته من العمل . الأصيل الذي كان يحب رؤيته عند كل مساء . الليالي الباردة في الشتاء . كأس القهوة الذي يحب رائحته حين يبدأ العمل . الهم الذي يجثو على صدره عند نهاية الإجازة الصيفية ، الرحلات الجميلة التي تبقى ذكرياتها للأبد ... كل هذا وأكثر تفجر في داخله بشكل سريع ومباغت . وتدفقت المشاعر متعاقبة متتابعة كموجات بحر عصفت به ريح عاتية . انهمرت عينيه بالدموع . اكتظت نفسه برغبة الحياة . وجد أنه سينهي كل هذا التاريخ الشخصي لمسيرة حياته في لحظه . هذا الزمن المتعاقب . والأحداث المهولة التي مر بها . السعادة والشقاء . النعيم والجحيم . الحب والكراهية . الثنائيات التي لا تنتهي في حياة أي إنسان . هل يمكن أن تنتهي بهذه البساطة وفي لحظة عابرة غير محسوبة ؟ فكر كيف يناضل الناس ليبقوا أحياء . إنهم ببقائهم أحياء ً يبقون ملفات ضخمة من الذكريات والعلاقات والأحداث على سطح الزمن . وكل هذا ليزول . وتتناثر جميع الذكريات ولحظات العمر . وتضيع في ساحة الكون الفسيحة . بمجرد أن يغمض الإنسان غمضته الأخيرة . وكأن شيء لم يكن ! هكذا ينتهي كل شيء دون أن يفهم كيف ومتى ؟

حرر الباب من الإغلاق . دفعه بقدمه بقوه . نزل وهو يجهش ببكاء مر . حمل نفسه راكضا عن السيارة . بعد ثواني معدودة دوى صوت انفجار سريع . واختفت السيارة وسط عاصفة من النيران .

كانت الدماء ترسم على ثوبه الأبيض لوحة سريالية ملهمة . بدا لونه باهتا شاحبا يميل إلى الصفرة . كان لا يزال يبكي كبكاء الأطفال حين يتيهون عن أهاليهم في الأماكن العامة . مزق قطعة من ثوبه ولفها بشكل سريع على جرحه . جثا على ركبيته . توقف عن البكاء . تأمل السماء الصافية . السحب البيضاء الصغيرة . وهي تتجمع متجهة في سير وئيد عبر الفضاء الفسيح إلى وجهتها المحددة . حلق في الأفق طائر متوحش يشق العنان بجناحيه الطويلين . تبعه ببصره حتى اختفى عن حدود نظره . استنشق الهواء بقوة . عادت لنفسه الحياة . فزع من مكانه محاولا إطفاء النار التي تلتهم السيارة دون رأفة . بعد مرور أقل من ساعة كانت السيارة قد تفحمت تماما . وتبددت كل آماله في إنقاذها . كان يشعر بعطش شديد . وبأن قواه لم تعد قادرة على تحمل أي جهد إضافي . وفوق هذا العطش كان الجوع يلوي أمعائه .
اقترب من السيارة المتفحمة . فكر لو أن أي آثارا للمياه التي تدور في المحرك يمكن أن تكتب له النجاة . لكنه أحس بالغباء الشديد لمرور هذه الفكرة برأسه . وبمجرد محاولته الاقتراب من السيارة شعر بوهج الحرارة الفظيع المنبثق من هيكلها . قال محدثا نفسه " لعل أحدا رأى الأدخنة أو سمع صوت الانفجار في طريقه إلي الآن " .. هام على وجه . تحسس طريق العودة . لكنه وجد نفسه بعد أن أظلم عليه الليل تائها وحيدا لا يستطيع أن يحدد موقعه من الطريق الرئيسية . شعر بالأسى وبحسرة عارمة . جلس في مكانه القرفصاء . وانتفض كمن أصيب بحمى شديدة . هاله منظر الصحراء المهيب . وأيقن بأن الليل فيها يكون طويلا غائرا في العتمة في مثل هذا الوقت من السنة . ألح عليه الشعور بالتبول . لكنه قاوم الفكرة . وتكور في مكانه وشرع يردد أدعيه وابتهالات وأذكارا يدعو فيها ربه ..

بعد مرور أربعة أيام . تواجدت فرق البحث و الدفاع المدني والإسعاف في مكان الحدث . حيث وجدوا سيارة متفحمة . وجثة تبعد عنها بمسافة ثلاثة كيلو مترات . تحلق فوقها الغربان والطيور المتوحشة . بدا عليها الإنهاك التام . وقد تمزق جزء كبير منها جراء نهش السباع والهوام . وانتشرت رائحتها الكريهة في أرجاء المكان . كانت تلك جثة الإنسان الذي أراد أن يموت وأن يحيا في الوقت نفسه !
[/justify]