Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    ذيل غيمة
    الردود
    573

    نسرين .. السفر بين مؤاب ودمشق ... \د. خالد الكركي \

    أثار أصابع أستاذي ... كم مارست الركض خلفها بين كل الأوراق المنشورة
    وكم بحثت بين أروقه الأرواح عن روح لا تشبهها روح
    منهل من عذوبة اللغة حين تكون في أنقى حالاتها
    تعلمت منك كيف تكون صادقا حرفا ... صادقا فعلا ... بلون كنقاء الثلج


    أستاذي دكتور خالد... كم من الحروف قد تفيك حقك كم من الكلمات ستقول لك شكرا
    كم منا مر ولم يشعرك بقيمتك في حياته ... لكنني هنا أقول لك ... كم تعلمت منك .. فأي الشكر يفيك ..!
    ......




    نسرين .. السفر بين مؤاب - ودمشق



    بقلم : د. خالد الكركي


    " لو كان ثمة ما يقالُ

    أرق مما قاله العشاق من قبلي
    لخلصت العبارة من تلعثمها
    وذبت من الحنينِ
    كما يذوبُ الناي في القصب العبيد "


    شوقي بزيع ¯ سراب المثني




    المشهد الأول: دمشق
    تلك هي, شالها المؤابي المرخي على شعرها الحرير, بين النعاس والحنين تقف, وقد أضناها المسير من مؤاب الى دمشق, وما كنت ادري, وانا بين يدي صلاح الدين الايوبي, وفي غمرة ضوء ضريحه ان اراها هناك, فعهدي بها انها منذ وصولها الى الكرك بعد غيابها الاسطوري الطويل تسعي كي تعيد تدفق الماء في عين الست , وجريان الموج في السيل, وطرد الملوحة من البحر..!
    تلك هي, مطر يهطل في الحميدية, التي يصعد السوسن من شرفاتها كي يراها, وهي تتكئ على باقة ورد مؤابي خبأته الكرك منذ زمن الفتح العظيم اكليل شكر ومودة لضريح يوسف بن ايوب..

    اقترب من موكبها, احاذر ضجيج القلب الذي يغالبه الشوق كي يلثم موطئ قدميها, ارده على وعد ان ارافقه الى ضريح ابن عربي في قاسيون, لكنه يريد ان يمد عروقه وطاء لها, لأنها العذبة الروح, التي اعطت جرود مؤاب سنوات عمرها الجديد, بعد ان صار عمرها الأول رمادا مرا مثل شجر الدفلى الذي يزين سيلنا الحزين.

    تلك هي, لازورد البحر, وغمام نيسان, ونبيذ دير صلى به الرهبان والعشاق.. وغزال شارد في اللامتناهي وخائف من المجهول,..
    تلك هي: ورد دمشقي على شرفة اندلسية في قرطبة, وقنديل من الميدان يضيء ليل مؤاب.


    قلت: ليتني اعانقها وأبكي.. فأنا اخشى على مؤاب ان غابت, انها السيدة الوردة, والسيدة المحراب, والسيدة الممتدة في عروق دالية تقطّر الغناء لعشاق مؤاب منذ الف سنة وتزيد.. فكيف لي ان اجمع عطرها ونبيذها وبنفسجها وكفيها وايقاعها وكحلها في نص صحراوي حيث لا ماء ولا خيال ولا مآذن ولا حبر ولا كلام!!

    ناديت عليها فخذلني صوتي, استعرت ربابة عازف في الحميدية فخانتني اصابعي.. كانت بهاءاتها تغمر المكان كله والناس يظنون انها قادمة للتو من دنيا بعيدة مثل موال دمشقي حزين عن الذين مسهم جنون العشق وقلق الرحيل..., كان الهجر شديدا, وكم تمنيت لو ان ابن عباد يطلع من اشبيلية, ليأمر بيوم من ايام الطين لعل اميرة مؤاب تغوص في غبار الطيب, وماء الورد, وحرير الاندلس, وحنين عبد الرحمن الداخل الى دمشق.. الآن قد تحضر الرميكية من اندلس الغياب.. يحضرها كهان الرؤى.. فالسيدة التي تتقدم من ضريح صلاح الدين وتقرأ من مصحفها في حضرته قد صارت وطنا ولم تعد بعد امرأة..
    انها التي طيرت في سمائنا يمام العشق مذ عادت, وعلمتنا, حين هبت على الروح بخورا مقدسا, كيف تصير الجنازات اعراسا, والغباري ندى, والعبارات اجنحة, والرايات علامات على اوطان لم يغتصب عدو بكارتها..
    وعلى بلاد طهرتها النار والريح والانبياء ونجيع الشهداء.


    ها أنت في دمشق, ودمشق اندلس الحضور,
    اذن, يهطل الثلج على الصحراء
    ويعود بردي الى فتوته وعنفوانه,
    ويترجل يوسف العظمة للسلام على صلاح الدين,
    ويبحثان معا في وجع فلسطين...
    ويعود عبد الرحمن الداخل الى مدينته عبر اوروبا فاتحا وعاشقا وامويا عظيما.


    انت في دمشق.
    هنا يشتد الهمس الشامي:
    اميرة من مؤاب, في ضريح يوسف بن ايوب.
    ويطلع غناء جديد على شرفات الصالحية:
    زينوا المرجة والمرجة لينا
    شامنا فرجة وهي مزينا
    وتجتاح المكان لوعة مئذنة في مدينة داهمها الاعداء,
    وتصمت اجراس كنيسة في مؤاب حزنا على غيابها الف عام


    ^ ^ ^
    اقترب من الضريح,
    الناس في ضجيج مثل زمن ايوبي بعد انتصار حطين,
    والسيدة تقرأ في مصحفها, وتهز نخيل حزنها الكربلائي الزينبي في ساحة
    المسجد الاموي,
    والمكان مرايا من زمان عتيق,
    وقد اشتجر الكلام,


    الاشياء بأضدادها:
    التذكر والنسيان,
    والنصر والهزيمة,
    والحرية والاستبداد,
    والعشق والموت,


    ^ ^ ^
    انها هناك متوحدة بصلاتها,
    كفاها وصايا مكتوبة بارجوان العشق والعذاب,
    وروحها صهيل عامر بالحرية بين دمشق والكرك,
    وفي خاطرها أن اميرا ايوبيا صعد الى حتفه امام اسوار القدس خير من رجال زمانها الجديد!!


    انها هناك,
    ومؤاب ما تزال بانتظارها,
    القرى, والمضارب, والعشاق, والفرسان والغناء العتيق: لا تفكروا البعد نساني طريق أهلي .

    وبين المكانين روح بني ايوب العاصفة بالحرب والتحرير..

    ^ ^ ^
    اشتد الضجيج وصعد الى شرفات المدينة, الزائرة تغادر الضريح, قلت: هواي مع الركب اليمانين مصعد ..
    وانطلقت مثل سهم اتعبته الكهولة الى حيث يعلو جواد يوسف العظمة, وقلت لنفسي: ان مرت من هنا سأمتطي السور القريب, وأرش على موكبها من ياسمين دمشق ونرجسها ووردها الجوري, ثم أنشد في حضرتها شعرا في يوسف العظمة..
    وكأن التمني قد صدق, وتلك هي: ألق, وضحى, وعبير, وقهوة مؤابية معتقة من زمانها الأول,
    تلك هي تطل على الساحة وأنا قاعد على السور ألم الورد والياسمين والنرجس, انادي عليها, انا المؤابي الذي منحته حريته وكلامه. وانشد من شعر علي محمود طه في الشهيد العظمة:


    هب الكمي على النفير الصائح
    مهلا فديتك ما الصباح بواضح
    أومأت الى حراسها.. تقدموا مني واقتادوني, لم ارفع عيني نحوها, فقد صارت موكبا من النور, نهضت من ارتباكي..., رفعت رأسي نحو هودجها, داهمني حلم بأنني معلق في حلم تائه في الريح بين زيزياء وبصري, لكنني احسست بالجميل والبهي ثم تراجعت مثل ذئب اسير, وانا كقابض على الماء خانته فروج الاصابع .


    المشهد الثاني: الكرك

    صوت الغناء لا ينقطع: يا قلب لو كنت اطولك لاقطعك وارميك ,
    وقد حيرني هذا القلب الذي يحفظ شعر المتنبي ويتبع خطاها منذ الف عام من اعوام عمر الخيام!!
    وها هو القلب أسير في موكبك الطالع من حوران في رحلة عودته الى الكرك, لا احد يغفر لي هذا الشغف, او يداري حزن دهر علي الراحلين الذين عبروا, وانا بينهم وما كنت ادري قبل المؤابية ما البكا, و لا موجعات القلب حتى تولت .
    ظل حراسها يصدون قامتي المتعبة كلما لاحت لهم من بعيد, تراجعت حتى اطلت على الوادي من شرفات الزمن العتيق, تذكرت نداءات جميل بن معمر:
    فليت رجالا فيك قد نذروا دمي
    وهموا بقتلي يا بثين لقوني
    ولكنني هنا قعيد لا سيف لي ولا ذراع, و مشارف لا تصنع سيوفا, وصلاح الدين لا يطل على الكرك حتى تحتفي به محررا وفاتحا, ولو عاد لخرج الفلاحون والبدو الذين قاتلوا معه من اضرحتهم, واستعادوا مواقعهم على اسوار المدينة, يدافعون عنها, ويرقبون موكب اميرتهم العائدة من دمشق بعد سلامها, باسمهم, على يوسف بن ايوب.. ولحدثتنا عن موته, يوم ترجل في قلب دمشق, آنذاك كتب بهاء الدين بن شداد في سيرته:
    ثم اشتغل بتغسيله وتكفينه فما مكنا ان ندخل في تجهيزه ما قيمته حبة واحدة الا بالقرض, حتى في ثمن التبن الذي بلت به الطين .


    خطر لي ان ابعث بها برسالة اناشدها فيه ان تبني مدرسة او مدينة باسم صلاح الدين, وان تسكب عليها من صبرها وعطرها حتى يصل شذاها الى العالم القريب والبعيد, الممتد بين القدس وغرناطة وسحر بغداد العظيم.

    ^ ^ ^
    نسرين, نعم أنا مشتاق , وغريب انا, ولكن:
    ولا تحسبي ان الغريب الذي نأى
    ولكن من تنأين عنه غريب
    وها انا لا القاك الا في نهايات الغروب بين الكرك ودمشق!!
    انت التي ان حضرت اخضر شجر العشق على السيل وسقيته من رؤاك الجارحات!!
    هل انت انت التي في الحلم المؤابي, سنابل ممتدة بين القصر و المزار !!
    ام انت اسطورة ننام على حكاياتها ونستفيق!!


    يقولون: القت رداء الحزن عنها وعادت الى مؤاب!!
    ويقولون: فتشت عن اضرحة الكبار كي تقرأ الفاتحة لارواحهم, واطالت الوقوف عند اضرحة نمر العدوان, وعودة ابو تايه, ومصطفى وهبي التل, وفراس العجلوني, ومنصور كريشان.
    ويقولون انها ان رأت غصنا لوزيا اجهشت عشقا, وان شاهدتها شقائق النعمان وهي تخطر في الربيع استبشرت بالشهداء, وان جاءها النعاس ايقظت وردها كي يسهر معها حتى طلوع الشمس على جبال مؤاب..


    نعم انا مشتاق ,
    وبيننا حواجز الزمان والمكان والتاريخ, وبيننا قامات من الحزن, وحراس النساء الجميلات حتى لا يذهبن الى مواعيد ويغلقن الابواب!!
    اخاف غيابك, واخاف ان يأخذك الليل بعيدا عن الوطن, واخشى ان لا يظل لنا ضحى بعد رحيلك.. آنذاك سيهطل غيث كثير على قبر في مؤاب غريب!!


    ^ ^ ^
    نسرين,
    أناشدك الله ان لا يكون لك رحيل,
    وغدا سأنقش بيت المتنبي على مدخل المدينة الشرقي:
    وما انسدت الدنيا عليَّ لضيقها
    ولكن طرفاً لا اراك به اعمي


    فاخرجي الى الساحات, وسأنشد من اعلى برج في المدينة ما يستحق سمعك بصوت ابي الطيب نفسه:
    بأبي الشموس الجانحات غواربا
    اللابسات من الحرير جلاببا
    المنهبات قلوبنا وعقولنا
    وجناتهن الناهبات الناهبا
    الناعمات القاتلات المحييا
    ت المبديات من الدلال غرائبا


    الم من سهوب مؤاب ما ظل من ريحان وحكايات وصبا جنوبي, واتبع الضغائن التي تطوي الدروب بك, وأنت تعلنين الوداع لأن زمن الصعود الى القلعة قد اقترب.. واعجب لمن يحضر هذه الساعة المرة كيف لا يحضر في خاطره كلام عتيق:
    عجبت وقد ودعتها كيف لم أمت
    وكيف انثنت بعد الوداع يدي معي


    غدا, قيل لنا, تعود الى اسطورتها, وتدخل الى غياهب القلعة, فقد تدفق الموج واشتعلت الحياة, وعادت مؤاب الى غضبها بعد صبرها الطويل, وغدا ستجلس سيدة من امهاتنا تروي لأجيال جديدة حكاية اميرة مؤاب التي عادت من دمشق اسطورة ونجمة, ويغلبها الحزن وهي تصغي الى نواح بعيد: يا من درى يا حبيب الروح نتلاقى !

    سيخرج فتى جديد حاملا اسم المدينة في روحه, ويقرأ حكايات عن المؤابية التي عادت الى مدينتها, وعن ليلى العائدة الى قيس, وعفراء التي اشتاقت الى زمن عروة, وينادي عليها من شقوق البيوت القديمة وهي تصعد في شارع الخضر: سلم بعينك وخلي ايدك بحناها , فيستجيب للدعاء صوت آخر حزين سبل عيونه ...


    ختام:


    ها أنا عند حدود الشغف المجنون اهذي بالكلام,
    حاملا كأسين من دمع وخمر لهواي المستهام,
    اكتب الخط على الريح التي تمحوه ان جن الظلام
    لا مؤاب الحلم أبهى منك
    اذ يصعد في مؤتة
    نور وسيوف وخيام
    وأنا, قبل الرحيل المر مذبوح على محراب عينيك مؤابا وشآم,
    فاسكبي في روحي العطشي غماما,
    واكتبي في مشهد الفجر على باب مؤاب:
    ايها العشاق: قد طاب هواها فادخلوها بسلام





    .................


    يتبع ...



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    ذيل غيمة
    الردود
    573
    ميرة مؤاب

    صوت:
    وإني لأبكي اليوم من حذري غدا
    فراقك والحيانِ مجتمعان
    (قيس بن الملوح)

    أول الفجر على شرفات مؤاب ،، وأول الياسمين على نوافذ الحارة العليا في الكرك ،، وأول خطوات المؤابية العائدة بعد زمان طويل .

    وتلك هي صباحات أمي التي رحلت بعد أن طال الحنين وخذلنا الانتظار
    المؤابية التي نبذت لها وسادي ثم وسدتها يدي ذات حلم بهيج......، تعود
    وذاك هو كرْم أبي، وشجرة اللوز التي ما تأخر موسم زهرها عن موعده سنة بعد سنة ،، والحكاية ما تبدلت ،،
    المؤابية آتية لا ريب في ذلك،،
    هذا ما قالته مآذن مؤاب وأجراس كنائسها

    ستطلع ذات حزن من فضة الدوالي، وغناء الصبايا ذات فرح في الصيف قريب.. تأتي أميرة وسيدة مثل الغد الموعود بظهر الغيب.... آنذاك :
    الزمان ترق حواشيه،
    والأقحوان المنثور يشرع للنهارات رونقه،

    والبنفسج، يتمُ قبل الصبح وضوءه وصلاته
    ^^^

    يقولون: ما تزال في الشام... فأقول
    (عالبالْ بعدكْ يا جبل حوران)...
    تلك هي دروب بيتها المخبأ في غار العشق منذ ألف عام ،،وتلك هي خطواتها الملكية منذ زمن ميشع ، الملك المؤابي ، ما تزال حاضرة في تذكر الأماكن ولوعة الغياب .. يتذكرها الكتاب والشعراء: سيدة مؤاب ، ضحى
    وعقيقا ومرجانا وشقائق نعمان،...

    ومفتاح السر معتق في جناح طائر قالوا إنه يعود بعد سبع سنين من سني مؤاب، وسنة مؤاب إثنا عشر شهرا .. نصفها للعشق ونصفها للحصاد

    تقتربين
    أسكبُ صبابتي في كأس انتظارك
    يتسرب الكرى إلى ليل المدينة التي نلتصق بجلدها حتى
    لو تراق زجاجة من الخمر
    فيما بيننا لم تسرب..... .. أقول:
    لأن بي من العشق أو من الجن نظرة، وأنا:
    (رميت ببين ٍفيك إن كنت كاذبا
    وإن كنت في الدنيا بغيركِ أفرح)
    فمن سيدفع هذا العشق عني!
    وما من حبيب ألوذ به
    وما من جدار أستند إليه
    والزنبق الغامض المستطاب عابق بالأسى والنكران!!

    تُطلين من مفترق الدروب عند الجسر ...
    إن اتجهتِ يمينا فثم مدينتك التي هدها الشوق .. وما باحت بعشقها لأحد
    وإن اتجهت شمالا فثم صباي الذي تناثر .. وما ظل منه أودعته تراب مؤتة كتابا عن جعفر الشهيد .....
    وظل في الذاكرة يوم رحلت

    دخان قراها يقتفي دمنا ..
    كان النهار موجعا بالحنين إلى المطر
    وكنا علي شرفات الرحيل نبكي وننهار
    ونذرع دروب أحزاننا
    (من بلد إلي بلد)
    تطلين:
    أذكري لي الصبا وأيام أُنْسي ...
    لكن هودجك النشوان بغناء مؤاب لا يتوقف لأحد
    فما حيلتي غير أن أنشج في الطرقات وأكبُ على جدران بيتك: أقبل ذا الجدار وذا الجدارا !!

    في الطريق إلى بيتك سلم عالٍ من لازوردٍ وحنينْ
    وفي أعلاه أسراب حمامْ....
    هرول الناس خلف خطاكِ ...
    أقول : ليتني كنت حادي العيس بين الشمال والجنوب
    كنت أعرج علي قبر نمر العدوان
    أقرأ الفاتحة لروحه وروح وضحا
    وأرش ضريحه بالطيب
    ثم أعفر وجهي بقصائده، وأقول له:
    أنظر أيها العاشق الكبير وبارك هودجها .. ذاك هو موكب شجرة الدر،
    تخرج من الكرك أميرة وتصير في مصر ملكة
    وذاك هو هودج المؤابية العائدة يرفرف فوق النهار .. تحف به أسراب النجوم والحمام
    فيا أبت إنها أميرة مؤاب
    وردها شامي وحزنها جعفري
    كم انتظرت حضورها
    وها قد أطلت...
    لكنني أمشي نحوها فتنأى
    ينكسر الحلم بين يدي
    يغمرني غبار الانتظار، وغواية العشق المؤابي
    بينما تواصل هي صعودها

    ضوءا من الشفق والرضا والرضاب
    (تبارك الحب الذي صاغها من شغف وحنين ونسرين)

    نسرين، أسميك كما أحب ،وإن شئت ليلى وعائشة وخولة
    لم يزدني العشق إلا عطشا
    هذا هو غناء الحلاج ... وتلك هي وصيته:
    (ركعتان في العشق لا يصح وضوءهما إلا بالدم)
    وهما عنده للحبيب الذي (لو يشأيمشي علي خدي مشى)
    ^^^
    ها أقبلت ..
    يتنادي المؤابيون عند حصنهم الأشم
    ها أقبلت حلما من الورد
    ووطنا من نبيذ وغمام
    ألقت السلام على الوادي
    من هنا خرج موكب الصليبيين مهزوما
    فلنقرأ الفاتحة لروح صلاح الدين
    ومن هنا دخل موكب المؤابية
    على وقع غناء بنات مؤاب:
    (صاحبي لوضربني بشبريته
    لامسحْ الدمْ وأمشي ورا خطوته)

    يضج النهار .. تجتاح المدينة زلزلة الحب .. أراني ملقي على قارعة الطريق نشوان بالغناء .. ستمر بي بعد قليل
    (ياللي الحرير يجرحكْ وشْ حالْ ملبوسكْ)
    الضحى ذهبي الوجد .. والليل الذي سجى يصحو على فجر حضورها
    وواحد من مجانين العشاق في الكرك يصعد غناؤه:
    (سلمْ بعينيك وخلي إيدك بحناها)
    ^^^
    أعد الليالي ..
    وأقرأ في صمتها ما الذي خبأته مؤابْ
    ألم شظايا الفتى الـ كنْته قبل خمسين عاما
    وما في يدي غير رجع العتاب
    كأني على شرفات انتظارك
    من ألف عام
    تدثرتُ بالحزن
    قلت تجيئين
    فرحة طفل، ملاكا يضيء السماء
    هديرا تشظى على
    شرفات بيوت الحمام
    فيا وجع القلب
    ها شجر العشق أورق فانهض
    وقل للمليكة: أهلا وألف سلام
    ^^^

    يقترب الموكب من جدار القلعة الغربي
    قالوا إنكِ وقفتِ كي تقرأي الفاتحة لأرواح شهداء ثورة الكرك العظيمة
    وقد حضر القراءة المتصوفة ،والعشاق والشعراء والشهداء ... وقالوا حين سألتهم كيف هي:
    إقرأ ما قاله الأعشي:
    (ما روضة من رياض الحزن معشبة ٌ
    خضراء جاد عليها مُسْبلٌ هطل
    يضحك الشمس منها كوكبٌ شرقٌ
    مؤزرٌ بعميم النبت مكتهل
    يوما بأطيب منها نشْر رائحةٍ
    ولا بأحسن منها إذْ دنا الأُصُلُ)

    الله ....
    وقالوا (فلو جن إنسانٌ من الحسن جُنت)
    ماذا بعد ؟
    سأدخل طقس الجنون لعلي أحبك أكثر
    وحين تموتين ستكون لمدينتي قديستها
    وسنجعل ضريحك في مقام سيدنا الخضر
    في الشارع الشرقي الذي كان أجدادك أهله
    ذات زمان سحيق
    في ممالك الغساسنة والمؤابيين
    ^^^

    فنامي بين يدي الكرك ...زمان وصل جديد
    وافرحي بغنائها للورد والأطفال والنجوم والنعاس
    وبالظبية التي ريقها من عسل
    وعلمي عشاقها كيف يكون العشق اشتعالا ورذاذا
    ووطنا من نجيع وأقحوان
    وقولي لهم إن عاتبوك علي الغياب
    لا تفكروا البعْد نساني طريق أهلي
    وقولي لهم إنك حملت مؤاب في الروح
    وطنا من حرية وفرسان وحنين
    قولي لهم : أنا صاعدة إلى برجكم العالي
    إيذانا بصعود الروح إلى حماستها من جديد ،
    وسيعلو صوتها يا سامي باشا ما نطيع ..
    ^^^
    أولئك هم حاضرون حينما تطلين
    كلهم عطاشى إلى وجهك الجميل
    ظامئون لصوتك
    ومشتاقون أن تكوني لهم وشاحا من الغيم والأرجوان
    وأن تظلي في صباحاتهم عصفورة الزرع
    ونهارات العشق ،وطفلتهم الموعودة
    بعرش من الكبرياء خالد بين الماء والسماء
    كوني وردتهم
    فأنت أميرتهم الطالعة من أساطير الماء والزرع
    وزمان الكرك البعيد
    ^^^

    سيدتي
    إن حبك قاتلي
    وآه لو كان لي أن أمثل بين يديك
    كان حزني ترجل
    وكنت ألتمس الرضا من سيدتي التي
    تعلمت أسباب الرضا خوف هجرها
    وأغني لغيابك وحضورك
    وأكتب علي باب الدير:

    ومن عجب أني أحن إليهم
    وأسأل عنهم من لقيت وهم معي
    وتطلبهم عيني وهم في سوادها
    ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي .

    أيتها المؤابية الحبيبة، سلام عليك من أول الورد إلى آخر الندى والحنين!


    يتبع ...

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    ذيل غيمة
    الردود
    573
    مقامات مؤابية ... غ2-2ف

    مقامات مؤابية
    د. خالد الكركي




    (8) مقام الشرفة

    مساء غارق في الفتنة،
    والمؤابية تسند روحها إلى شرفة تطلّ
    من الجهة الغربية على الإفرنج ووادي
    الكرك... وهي غارقة في صمتها تلمس الليل
    فينبت من جوانبه الورق النضر،
    الربيع في أول النوار والليل يعبر الطرقات إلى شرفتها الناعمة،
    صوت عتيق يتهدج:

    "سقي الله أيام الصّبا ما يسرّها.."!
    نادت علي الكركي الذي تسلل قلبه إلى شرفتها في غفلة منه والذي يرافق موكبها منذ عودتها إلى المدينة، وسألته:
    - من هذا!
    - أظنه المتنبي، المتعجرف والنرجسي
    - الذي يفكر في معاقرة المنايا والبطولة معا.
    - أكمل بيته:

    - ...( ويفعل فعل البابلي المعتق)
    إذا ما لبستَ الدّهر مستمتعاً به
    تخرّقتَ والملبوس لم يتخرّقِ..


    - ولماذا هو في مدينتنا!!
    إنه في الطريق إلى مصر، فقد أغضبته حلب؛ سيف دولتها ورجاله وخولة...
    ( حاولت أن توجه الدعوة له، لكنه تجاوز الطريق مسرعاً، وصوته يزداد غضباً:

    سيعلمُ الجمعُ ممّن ضَمّ مجلسُنا
    بأنني خيرُ من تسْعي بهِ قدمُ...)

    هدأ الضجيج قليلاً، تلت عليهم نبأ المتنبي الموغل في الغضب والرحيل، وسألت عن شيخ يفسّر لها الآية الكريمة:


    " فإذا انشقّت السماء فكانت وردة كالدهان"

    كان في هاجسها شيء عن السر العظيم في هذه الآية، وعن البحرين اللذين " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان..."...!
    لم يحضر الشيخ، تمادى القمر في صعوده فوق الشرفة أحست أنه يراقب مشهدها الجميل، لكنها ظلت مطمئنة لأن مدينتها هي المأوى، وأنها قريبة مما يظن الناس فيها بأنه"الوادي المقدس طوى"

    لكن حزناً تلظى في أعماقها على غير انتظار، كان مثل حمّى المتنبي شديدا حتى تلعثم منه الكلام، وشق صدر الليل سكون عجيب. اجتاح المكان غناء عتيق، مسّ الليل القرى النائمة حول المدينة، تناهى إلى سمعها أنين البنفسج الذي يحف بشرفتها،

    " ياحادي العيس عرج كي نودعهم.."

    إنه رحيل جديد ..( وآه لو تنعس يداها في يدي ذات مساء)

    جاءها صوت كثير عزة..

    وإنّي وإيّاها سحابة ممحل
    رجاها فلما جاوزته استهلّتِ
    وإني وتهيامي بعزة بعد ما
    تخليت عما بيننا وتخلّتِ
    لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلما
    تبوأ منها للمقيل اضمحلتِ


    نادت على الكركي أن يحضر ديوان كثير، وأن يقرأ لها القصيدة كاملة ففعل... " خليليّ هذا ركب عزّة"،
    حتى أسكنها في نعاس جميل
    وظلت أغصان قلبه ترتعش في مهب الرّيح
    وابتسامتها تملأ المكان بهجة والليل جنوناً
    حتى يشتعل العشق في المدينة بجمر الرّضا والهيام...
    تمر مواكبهم عند شرفتها،
    الفقراء، والشعراء، والمتصوفة والعشاق وأبناء السبيل؛
    تباركهم وتشير إلى حقول مؤاب، وكهوفها، وينابيعها،
    وأضرحة شهدائها، وتقول لهم :

    كمْ أداري القلب قلّت حيلتي
    كلما داويتُ جرحاً سالََ جرحُ

    استدارت نحو الليل كي تخفي دمعة عزيزة، كان الكركي قد حمل ديوان كثير، وغادر إلي قريته خائباً، فقد ضنت عليه حتى بالسلام. ولولا حرسها لرمى شرفتها بالحجارة ...

    وفرّ إلى الشام!!

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    ذيل غيمة
    الردود
    573
    مقامات مؤابية ..2

    (9)

    مقام أوفيد

    إنه الحب، "رهيف هشٌّ ساعة مولده"،
    هذا ما يقوله أوفيد في " فن الهوى"،
    إنه الجدول قبل أن يصير نهراً،
    والغصن قبل أن يكبر في صورة شجرة،
    والحزن الذي يدمي القلب إن رحل الحبيب،
    والرسائل الزرقاء التي نحشد لها أرقى فنون الكلام،
    حتى تسمع العاشقة فيها صوت العاشق البعيد،

    .. تلك هي يا أوفيد

    فرس ٌ جموحٌ عند سفح الأكروبولوس،
    وناي راعٍ يعطر مساءات معبد زيوس،
    وهودج محمّل بالطيب قادم من الأندلس،
    وشراع يشق الرّيح وسط سكون المتوسط،
    ونجم سيرى بين بُصرى وعمّان..

    تلك هي في شرفتها،

    تقرأ كتابك وتبتسم لوصاياك،
    فلو رأيتها لغيّرت كثيراً مما كتبت،
    ولما تعجّلت النبيذ كي يصيبك الهوى بالجنون..
    انظر إليها إن استطعت:

    البدر ألبسها رداءً أبيضاً
    من نوره فكأنّه إحرامُ

    أرأيت وجهها:" صفحة ماءٍ صافٍ تعكس بريق الشمس"..

    ( ألم يقل طرفة:

    ووجه كأن الشمسَ ألقت رداءها
    عليه، نقي اللون لم يتخدّد!)


    فاسأل ربّة الشعر أن لا تفسد عليها خلوتها،
    فقد أدمنت شعر قيس وعروة وجميل،
    وعندما لمحتها مرّة واحدة وهودجها يخترق
    شارع المدينة تصدّعت كبدي أسى،
    وكتبت على جدار منزل في الشارع
    الذي قد تمرّ به:

    بلى والذي حجّ الملبّون بيته
    ويشفي الهوى بالنيل وهو غليلُ

    وإنَّ بنا لو تعلمين لغُلَّةً
    إليكِ كما بالحائمات غليلُ


    تلك هي أيها السيد العاشق،

    والكرك في العشق قبل روما،
    وإن صارت رماداً أشهب في زمن العزلة والنسيان...

    سأعود غداً إلى المدينة، انتظرها
    عند المفارق لعلّ موكبها يتهادى قريباً مني،
    فأنادي بصوت أمين نخلة وحواشيه الرقيقة:

    أحبكِ في القنوط وفي التمني
    كأني صرتُ منكِ وصرتِ منّي

    أبوح إذن، فهل تدري الدوالي
    بأنك أنت أقداحي ودنّي

    أبوح إذن بكل هبوب ريحٍ
    حديث عنك في الدنيا وعني

    أتمتم باسم ثغرك فوق كأسي
    وأرشفها كأنّك أو كأنّي


    أوفيد، سأقول إن هذا الكلام موجه لسيدة غيرها،
    فأنا أعرف كيف يحتجزني الحراس
    في سراديب القلعة إن ناديت عليها أو اقتربت
    من موكبها،

    فقل لي يا صاحبي،
    بي منها شغف، وكبدي مقروحة
    ولكنني مطرود من رضاها وجنتها،

    وقد بعثت إلى قصرها كتابك "فن الهوى"
    دون أن أذكر اسمي..
    فهل لديكِ من سبيل قبل أن تخرج هي علينا،
    تقرأ فينا كلاماً جميلاً وتلقي علينا السؤال!!



    ... يتبع ...

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    ذيل غيمة
    الردود
    573
    مقام الهوى
    د. خالد الكركي



    ( مليحة لو رأتها الشمس ما طلعت
    من بعد رؤيتها يوماً على أحد)


    الجنون حدّه الأعلى ، والهوى " شيء به الرّوح تكلف"!!
    وزد على ذلك حسناً وسماحة وصبابة مما يجعل سؤال العاشق القديم أول الأسئلة:
    "فما عجبٌ موت المحبين في الهوى

    ولكن بقاء العاشقين عجيب"..

    كان هذا بعض هذيانه وهو يقطع المسافة من بين مؤتة والكرك؛ به من الوجد ما لو مسّ الجمر لاحترق من الجمر، وبه من الشوق ما لو كان بالحصا لفلق الحصا، ولو كان بالريح " لم يسمع لهنّ هبوبُ..."!!

    كان يدرك ذنبه.. لقد تطاول على مقام الأميرة ولو كان الأمر له لصبر، لكن صوتاً عتيقاً ظل يدفع خطاه حتى وصل إلى الجسر... خطّ على حجر:

    يموت الهوى مني إذا ما لقيتها
    ويحيا إذا فارقتها ويعودُ..

    صعد الطريق الصعب سيراً على قدميه، تعثّر وعلاه الغبار، برج الظاهر في الأعلى يطبق على صدره ، وواجهة القلعة الشرقية عزيزة المنال .. تذكر حين رآها أوّل مرّة يوم عودتها إلى المدينة، استعاد الصورة في بهاء ذلك اليوم، وجه بلون الورد، وشعر بلون الشمس، وحنّاء يخضب اليدين، حاول استعادة تفاصيل غير هذه، لكنه تذكّر أنه حتى حين رآها في ساحة يوسف العظم في الشام لم يستطع أمام بهائنا أن يرفع نظريه..
    يا للخيبة،!!


    لقد أضناه هذا الوجد فيما يُسِرّ وما يبدي، تناهى من أعلى القلعة صوت المنادي، اختبأ وراء حجر وأصغى لعلّه يدرك أسرار النداء، كان السّر أنها ستودّع الحجيج صباح اليوم في ساحة الجامع العمري، وأن مواكب الحجيج ستضم الأموي والعباسي والأيوبي والمملوكي وأهل زماننا الأردني الجديد.

    تنبه إلى ضيعة الوقت، وعليه الوصول إلى ساحة الجامع، وماذا لو رآه الحراس؟
    سيقول لهم إنه غير مذنب، وما من شيء عليه غير أنه يحبها، وأنه يحمل من ورد الكلام ما يليق بها، سيقوله ثم يرحل...صعد التلة الأخيرة، أنفاسه تتقطع، ثمّ انسل بين الشوارع الضيقة حتى أطلّ على الساحة، كانت المواكب باهرة، والسحب فى ألقها حتى تستقبل إطلالتها، والناس لظهورها منتظرون...


    أطّلت من شرفتها، غلالة من إيمان وبهاء تزيّن المشهد كله، حولها حرّاس غلاظ شداد؛ أحس بالحيرة إن ظل صامتاً أو صاح في الناس إنه يحبها، تقدم بين الجموع، ظنّوه بائساً يلتمس العون منها فأفسحوا له، حين صار من شرفتها قاب قوسين أو أدني لمحه أحد الحرّاس فاندفع نحوه ..حاول أن يطلق ساقيه للريح لكن الجموع سدّت طرق العودة عليه، علاه الحراس بالسيف، تذكّر أنه لا سيف له، وأن الكلام لا يواجه جهل هذا الحارس بالحبّ.. وتذكّر في مثل لمح البصر العشّاق الذين جُزّت رؤوسهم أو الذين اختفوا في صندوق مثل حال صاحبه وضّاح اليمن...!!
    هو الموت حباً..
    وقد مات قبلك عشاق كثيرون..
    نادي بصوت لم يصل إليها..
    سيدتي


    ... عليك سلام الله مني مضاعفاً
    إلى أن تغيب الشمس من حيث تطلعُ
    وتذكّر، والسيف أمام عينيه موقف عنترة.. فصاح:
    ولقد ذكرتكِ والرّماحُ نواهلٌ
    مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي


    فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنّها
    لمعت كبارق ثغركِ المتبسّم
    تخيل نفسه محمولاً على نعش، في طريقه إلى مقبرة النبي نوح، وتخيل أن المؤابية سترسل من يضع على قبره باقة من شقائق النعمان، وأن سيدة كركية قد تمر بقبره اليائس ذات مساء وتعيد عليه كلاماً كان يحبّه:
    (يا من درى والليالي وين ترمينا
    في ديرة الشام ولا عند أهالينا)


    فاجأ صوت المؤذن ضجيج الحجيج فصمت الجميع، تناهى إلى سمعه صوت جرس كنيسة بعيد، تناثر المساء على حجارة القلعة، واجتاحت روحه نشوة عشق قاتلة..
    ظل بانتظار السيف كي يحزّ عنقه، اشتد عطشه، طلب ماءً لكن لم يستجب له أحد ، فالناس عنه في شغلٍ فاكهون؛ الشفق جريح، والكلام الذي في روحه سيفيض على حجارة القبر ذات زمان،.. آهٍ لو كان له أن يختار لظلّ حارساً في مواكبها... فجأةً رنّ صوت المنادي:


    الأميرة تقول: خذوا هذا الولد إلى السجن، وسيكون لي فيه أمرٌ بعد حين..!!
    جرّوه بعيداً، تنهد، مالت شجرة نحو الغروب، وبكت يمامة آمنة في ساحة الجامع؛ تذكّر وجه أمّه؛ سيدة الصلاة والحزن، أدرك أن أميرة مؤاب سوف تتوضأ بدمه في صلاة عشقها الأخير، استكان للحراس، تذكّر قصيدة مالكِ ابن الرّيب..
    " خذاني فجرّاني ببردي إليكما"،


    فكّر في السجن الذي يدخله للمرة الأولى، حضر المتنبي على غير موعد:
    ( لياليَّ بعد الظاعنين شكولُ
    طوالٌ وليل العاشقين طويلُ)


    ..



 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •