Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: قُرب النافِذة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المكان
    حيث تراني
    الردود
    44

    قُرب النافِذة


    .
    ماضٍ، يا ماض..

    .
    .



    .
    يُباغتني الظلام، يخطف أشرعتي، يـُعربد فيَّ ولا يتقازم..
    أُزيحُ عن كاهلي رزم الإعياء..
    وأُلقي بالجسدِ الهزيل المعقوفِ ظهره على الكرسي المحاذي للنافذةِ المأخوذةِ بنقرِ المطر هي الأُخرى..
    أهزِم شحوب وجهي بنظرة مجهدة نحو النافذة.. كسيرة هرِمة.. كتجاعيده..
    قطراتُ المطر تتكاثف على الزجاجة، أنصتُ لإيقاعاتها.. تُثيرني وأنا أرى إحداهن تجيء على الأخرى فتفتك بها ويتدحرجان، يتدحرجانِ شيئًا فشيئًا إلى الأسفل، فأتلقفهما..
    أفتح النافذة، وأمد يدي إلى الخارج.. كمحاولة مني لمصافحة المطر..
    يخفق قلبي المنهك مِن ثقلِ الأرزاءِ، يتذكر أيامَ كنتُ طفلاً يجري بقدميه النحيلتين تحت المطر، يُحاول أن يبتلّ بِه، أن يغرق..
    كنتُ أقف تحته دون حائلٍ، دون حذاء..
    كنتُ أبدو الطفل الشقي، المفتون بالمطرِ في آنٍ، ولم يكن حولي من الصغار من يُشبهني، تفردتُ من بينهم حتى جعلوا يلقون عليّ اسمًا آخر، يُنادونني: صغير المطر..
    الآن أسترجع قصاصة عمري الغابر، كم كنتُ مولعًا بعبثِ الطفولة، باللعبِ، بالشغبِ، ومع أبناء الجيران..
    إحدى الجاراتِ كانت تُلقي عليّ التعويذة كلما رأتني.. لم تكن لتستفزني يومًا، فقط قليلاً من التحديق بعينيها، ثم ابتسامة طويلة وعميقة، كانت كفيلة بأن تجعلها تزفر من أقصى الحلقِ وتمضي وكفيها إلى السماء: اهدهِ يا ألله!
    مع هذا كنتُ أسقي نباتات حديقتها، وهي لا تعلم.. كنتُ أحسن إليها في الخفاء دون أن أدرِ لم أفعل هذا، ومعها هي تحديدًا، رغم كثرة تذمرها مني؛ عند أمي، أمام أطفال الحارةِ، أمامي..
    مرةً أمسكت بي وأنا مُبتلٌ من رأسي إلى أخمصِ قدميّ، وجاءت بي إلى حيث العلّية كأنني العصفور في قبضةِ صيادٍ..
    أرجفُ، ما عساها يا ربّ تفعل بجسد الصغير؟، أين ستضع اللطمة، هُنا على اليمين، أم اليسار؟، ماذا لو حاولتُ الإفلات من بين يدها الآن.. هل أستطيع؟ أُجرب أن أفلت، فتشدني إليها أكثر..
    حتى استسلمتُ أخيرًا، مُستعدًا لأي ثُقلٍ يسقط على رأسي.. لكنها أجلستني في حجرها أمام المدفأةِ وهي تقرأ المعوذات، وتنفث.. أشك أنها كانت تحسبني مُختلاً، أو بي جِنة..
    لم تدرِ يومًا أن الصغير رهين قبضةِ المطر..

    الآن..
    لم أعد أشعر بوقع حضورهِ على أنفاسي المُتهدجة، أنفاس مدينتي الهرِمة.. لم يعد تجذبني إليه رائحته كما كان، ولا صوته ولا لعب الصغار تحته، ورقصهم ونشيدهم..
    إلا أن يزورني الحنين إلى عبث الطفولة وقلّما يفعل، قلّما يجيء.. قلّما يدنو مني..
    هذه المرة الثالثة على الأرجحِ منذ أكثر من خمسين عامًا ربما.. أبدو فظيعًا وأنا أقف تحت غيمتهِ، بعكازي المحدودب الرأس.. أبدو لوحةً مثيرة للتهكم في أعين المارةِ أصحاب العقولِ الصدئة، مثيرًا للبكاء والشفقة.. قد يُلصقونني بالجنونِ، وقد يجيء أحدهم ويقرأ عليّ المعوذات!!
    من يدري؟!.. قد ألتقي بتلك الجارةِ مُجددًا.. إنه الكرب العظيم بالنسبةِ لي.. شيءٌ يُدعى الاختناق!
    ولهذا لا أقترف عبث الطفولة مهما راودتني الفكرة، لهذا لا أناجي المطر
    إلا هُنا..
    من على الكرسي قُرب النافذة!


    رَيْب


    .

  2. #2
    تحياتي
    أسلوب جميل وسلس
    يتأرجح النص بين الخاطرة بالتداعي الحر للذكريات والفكرة التي تريد أن تشكل طقسا خاصا بها كقصة وبينهما يقنع السرد بسلاسته وعذوبته ،
    لكن لو ركز الكاتب على صغير المطر ونفح فيه شيئا إضافيا لكان أجمل ( رأيي الخاص )
    أكرر( الصورة ) في النص الفني ليست لازمة لكي يتفاعل القارىء معه بل بالعكس القدرة تكمن بقدرة الكاتب في جعل القارىء يشحذ خياله ليبتكر ، أنت تحدده هنا ..
    دمت بحب

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المكان
    أمامك الان الا تراني؟
    الردود
    663
    جميله فيها من الحنية ما فيها ... لا اعلم ما السبب الذي جعلني اعشق كلماتها ربما طهارتها التي انسابت مع قطرات المطر


    مشكور جدا وجدا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المكان
    البيضة
    الردود
    665
    نص وصفي من الطراز الجميل والمتمكّن..
    أسلوبك في التقوقع حول الفكرة بزيادة جُمَل الحكيِ مع الذات "المونولوغ الداخلي" جعلت النص أكثر جذباً
    أذهب إلى ما ذهب إليه الأستاذ أحمد ابراهيم في كونها ليست قصّة لذات الأسباب.
    جميل.
    قلبي م الحامظ لاوي





    ميم دال حالياً

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المكان
    خارج المجره
    الردود
    1,534
    تأسرني أحاديث المطر
    ولك أسلوب جميل في جذب القارئ
    وقد أعجبتني تفاصيل الطفولة هنا

    شكرا ريب

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    بين الحقيقة والخيال
    الردود
    954
    ماضٍ يا ماض ..
    ومطر ..
    .
    وصفٌ بديعٌ .. للغاية
    .
    شكراً ريب
    (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفْ).

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المكان
    بعيد جداً
    الردود
    4,712
    أيا ريب
    ما من ريب ان حرفك بهي وجدير بالمتابعة
    شكرا
    بــــــــح

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    بين جدران أربع بباب وشباك صغير لا يطل الا على الجدار الخامس
    الردود
    174
    كم أتمنى حتى لو أستطيع ان أمتلك كرسيا قرب نافذة يلاعبها المطر بقطراته
    ما قرأت هنا جميل كحلم صغير يمربي أحيانا
    تقبل مروري
    ابق ساكناً قلبي ولا تُثر غبارك
    دع العالم يجد سبيله إليك
    طاغور

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المكان
    حيث تراني
    الردود
    44


    - أحمد إبراهيم الفليو:
    تعمدتُ جعلها سلسلة قصيرة حتى لا أُفسِد على المعنيين -المطر والطفولة- جمالهما بطول الحديثِ وغموضِه.
    وصدقت فيما قلت عن الصورة. أسعد كثيرًا بالردود التي تُشبه ردك. ممتنة.


    - مشتاق لبحر يافا:
    وربما لأنك تحِنُّ إلى المطر أكثر من أي وقتٍ سابق.


    - ماجد الصالح:
    أتمنى أنه كان كذلك، كن قريبًا دومًا لأستفيد من نقدك.


    - بلا ذاكرة + حالمة غبية:
    والشكر لكما أيضًا.


    - رحل قانع:
    آمين، وفي عونِ الجميع يا ألله.


    - قس بن ساعدة:
    كما لا ريب أني سعيدة بمتابعتك، شُكرًا لك.


    - لودميلا
    إن لم تمتلكيه واقعًا؛ فاجعليه حلمًا في قلبكِ وتعاهديهِ بالريّ.
    رعى الله أحلامنا الصغيرة.




 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •