Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 15 من 15
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533

    لا تقتل عصفوراً ساخراً



    لو أننا كنا سنتبع مشاعرنا طوال الوقت، لكنا كالقطط التي تطارد ذيولها


    منذ زمن بعيد لم أقرأ شيئا شفافا وجميلا ومضحكا ومؤلما إلى هذا الحد.. وبصراحة أكثر.. منذ زمن بعيد لم أقرأ شيئاً على الإطلاق.. التقيت به كبقية كتبي ، أي بمحض الصدفة، وجدته على أحد أرصفة الكتب المشردة والمنبوذة التي تخلى أصحابها عنها.. لفتني العنوان فقط إذ لم أكن قد سمعت بهذه الرواية ولا بكاتبتها من قبل أبداً، وكعادة قديمة فأي كتاب ألمح في عنوانه كلمة "ساخر" فلا بد أن أقتنيه لأسباب لا علاقة لها بالأدب ولا بالثقافة وإنما بالتعصب والانتماء القومي..

    الكتاب ضخم يتألف من 600 صفحة بطبعة قديمة ولا يشجع مظهره كثيراً على القراءة وبين صفحاته وجدت بيتي شعر ، رقم هاتف، اسم مدينة ما، ولا شيء آخر إطلاقاً يدل أن صاحبه أحب هذا الكتاب أو قرأه أو أنه أدهشه أو أشعره بالملل.. ولكنه كتب على صفحته الأولى تاريخ 16.11.1987 وهي عادة أفعلها عندما أنهي قراءة كتاب ما فلربما عدت لقراءته يوماً ما..

    لهذا افترضت أن شخصاً ما قد أنهى قراءته في ذلك التاريخ وربما كان حينها يبتسم أو يفكر أو يشعر بالحزن بينما كنت في نفس ذلك التاريخ أشعر بالخزي والمعلمة في رياض الأطفال تهددني بأن تشك عشر دبابيس في أذني لأني نلت درجة الصفر في الإملاء، لا أذكر بالضبط كيف انتهى ذلك اليوم المرعب والمخزي فبينما أخي على بعد صفين مني ينال التكريم والتصفيق وتدليل المعلمة كنت أتخيل وخز الدبابيس العشرة أو غرفة الفئران التي يرسل إليها الطلاب المشاغبين والكسالى ليقرض الفئران آذانهم..

    ورغم أنه لا علاقة لهذا الكلام بالحديث الأساسي عن الرواية إلا أن الرواية بحد ذاتها تنقلك لذلك الزمن بالفعل، أي الفترة التي كنت فيها بين عمر السادسة والعاشرة، تلك الفترة من المشاغبات والألعاب المخترعة والتمثيل والتنكر بملابس الكبار وتأليف الحكايات وتكوين الصداقات واليوم الأول من المدرسة:

    "تنازل جم ووافق على اصطحابي إلى المدرسة في اليوم الأول، وهو عمل يقوم به عادة والدا التلميذ، ولكن أتيكوس قال أنه سيسر جم أن يريني غرفة صفي. وأعتقد أن بعض النقود قد تم تبادلها في هذه الصفقة، فبينما كنا نهرول من حول الزاوية عبر منزل آل رادلي، سمعت رنيناً غير مألوف آت من جيوب جم. وحين أبطأنا لنمشي على حافة المدرسة لم ينس جم أن يشرح لي أن علي ألا أزعجه خلال ساعات المدرسة، وألا أقترب منه طالبة منه أن نمثل فصلاً عن "طرزان ورجال النمل"، أو أن أحرجه بتلميحات إلى حياته الخاصة، أو أن أتبعه كظله في الفرصة وعند الظهر. كان علي أن ألزم حدود الصف الأول وهو سيلزم حدود الصف الخامس. أي باختصار، كان علي أن أتركه وشأنه.

    سألته: أتعني أننا لن نستطيع أن نلعب بعد الآن؟
    قال: في البيت سيكون الأمر على ما هو عليه، ولكنك سترين أن المدرسة شيء مختلف."

    وهذا ما جعلني أذكر ذلك اليوم الذي اصطحبت فيه أخي الأصغر للمدرسة وبمجرد دخولنا ورؤية صديقاتي نسيت أن لي أخاً أو أماً أو جدة ستستقبلني بعد عودتي بالتوبيخ والتقريع لإهمالي والتخلي عن أخي الصغير الذي عاد باكياً في يومه الأول..

    ولكن الرواية لم ترجعني للذكريات المأساوية والمخزية فحسب بل أشعرتني براحة كبيرة عندما اكتشفت السبب الذي كان يدعوني دائماً لتفضيل عالم الرجال على عالم النساء، وقد كنت أعتقد أنها مجرد قلة أدب أن أفضل ألعاب الصبيان وأحاديث الصبيان وأكره كل اجتماع نسائي وكل مناسبة نسوية وكل الفساتين التي تحتوي على خيوط شائكة..

    "كانت العمة ألكسندرا متعصبة فيما يتعلق بموضوع الملابس التي أرتديها. فما كان هناك أمل لي بالتحول إلى سيدة محترمة إذا ارتديت بنطالاً: وحين قلت أن الثوب لا يترك لي حرية القيام بأي شيء ، قالت أن لم يكن من المفترض أن أفعل أشياء تتطلب ارتداء بنطال. كانت رؤيا العمة الكسندرا بالنسبة لسلوكي تتضمن اللعب بمدافئ صغيرة وأطقم الشاي الصغيرة وارتداء قلادة من اللؤلؤ كانت قد أهدتني إياها حين ولدت. وزيادة عليه، كان علي أن أكون الشمس المنيرة في حياة والدي المترعة بظلمة الوحدة. وقد اقترحت عليها بأنه بإمكاني أن أكون شمساً مضيئة في بنطال أيضاً. ولكن عمتي قالت أن على المرء أن يتصرف بما يتناسب مع ذلك اللقب، وأني ولدت طيبة ولكني أتراجع نحو الأسوأ كل عام. كانت تجرح مشاعري وتجعلني أشد على أسناني غيظاً وبشكل مستمر، ولكني حين سألت أتيكوس عن الموضوع قال أن في العائلة شموساً كافية وأنه يمكنني الاستمرار في التصرف كما كنت حيث أنه غير متضايق من شيء.

    سرعان ما سوف أدخل هذا العالم، الذي تتأرجح على سطحه السيدات المعطرات ببطء، وهن يروحن بالمراوح برقة ويشربن الماء البارد ولكني كنت أكثر شعوراً بالراحة في عالم والدي، فأشخاص كالسيد هك تيت لا يوقعونك في الفخ بأسئلة بريئة ليضحكوا عليك، وحتى جم ما كان ينزع كثيراً إلى الانتقاد إلا إذا قلت أمامه شيئاً سخيفاً. بدت السيدات لي وكأنهن يعشن في رعب ثقيل الوطأة من الرجال، وبدا كذلك أنهن لا يستحسن الرجال من كل قلوبهن ولكني كنت أحب الرجال. كان هناك شيء ما فيهم مهما مارسوا الشتم والشرب والقمار ومضغوا التبغ، مهما كانوا كريهين، فقد كان هناك شيء ما فيهم كنت أحبه غريزياً.. فهم ليسوا... منافقون.. منافقون بالفطرة..."

    سكاوت، راوية الرواية، طفلة عمرها ست سنوات تعيش مع أخيها جيم الذي يكبرها ببضعة أعوام وقد توفيت والدتهما وهي بعمر السنتين ويعيشان مع ووالدهما المحامي أتيكوس في مقاطعة في أميركا وتمتد أحداث الرواية خلال ثلاث سنوات من فترة الكساد الاقتصادي:

    "في تلك الأيام اعتاد الناس على السير ببطء. كانوا يسيرون الهوينى عبر الساحة، ويدلفون داخلين وخارجين من المخازن التي حولها. متمهلين في كل ما يفعلونه. اليوم كان أربعاً وعشرين ساعة أيضاً، ولكنه كان يبدو أطول. لم تكن هناك حاجة إلى العجلة، فلا مكان يذهب الناس إليه، ولا شيء يبتاعونه ولا مال يبتاعون به، ولا شيء يرى خارج حدود مديرية مايكوم. ولكن ذلك العهد كان عهد تفاؤل غامض بالنسبة لبعض الناس: فقد قيل لمديرية مايكوم مؤخراً إنه ليس على سكانها أن يخافوا أي شيء عدا الخوف نفسه."

    بعد الانتهاء من قراءة الرواية بحثت عن معلومات حولها لأعرف إن كنت الوحيدة التي اكتشفت هذه العبقرية الكبيرة لكاتبتها وإن كان هناك من قرأها قبلي.. فوجدت أنني الجاهلة الوحيدة طبعاً.. وربما لهذا بت أخشى البحث عن أي معلومة لئلا أكتشف كم الأشياء الهائلة التي لا أعرفها والتي سينتهي عمري بلا شك قبل أن أعرفها..

    إلا أني سعدت بهذا الاكتشاف وبأنها رواية فازت بجائزة بولتزر بعد أن نشرت سنة 1960م ولاقت نجاحاً هائلاً وتحولت لفيلم سينمائي وهي الرواية الوحيدة لكاتبتها "هاربر لي" التي ولدت عام 1926م في ولاية ألاباما وقد استمدت أحداث روايتها هذه من حياتها الشخصية مع عائلتها وجيرانها عندما كان طفلة في العاشرة من عمرها..

    تعالج الرواية موضوع التمييز العنصري في جنوب أميركا ورغم أن رواية كوخ العم توم ل هارييت بيتشر ستو، التي نشرت سنة 1952م وعالجت قضية الرق وقيل أن روايتها هذه قد أشعلت الحرب الأهلية في أميركا إلا أن من يقرأها مرة لا يفكر بإعادة قراءتها مطلقاً بسبب الجو المأساوي الذي تضعك فيه..

    بينما رواية "لا تقتل عصفوراً ساخراً" فرغم معالجتها لنفس القضية الجادة ، التمييز العنصري والاغتصاب والمحاكمة، إلا أنها تتناول الموضوع بأسلوب ساخر يجعلك تضحك رغم جدية الموضوع ومأساويته مما يجعلك ترغب بإعادة قراءتها فور انتهاءك منها كما فعلت..

    عنوان الرواية الأصلي هو To Kill a Mocking Bird

    وهو الطائر المحاكي الذي يتميز بقدرته البارعة على محاكاة أصوات الطيور الأخرى فهم يغنون أكثر من 200 أغنية بما فيها أصوات الطيور والحشرات والبرمائيات وهو طائر محظور قتله في أميركا وهو الرمز الوطني لفلوريدا وتكساس وتينسي والميسيسبي..

    اختيار هذا الطير وهذا العنوان للرواية تشرحه الرواية نفسها في إحدى حواراتها عندما يحضر والد الطفلة سكاوت بندقية لها ولجم ليتعلما الصيد:

    "حين أهدانا أتيكوس بنادق ضغط الهواء رفض تعليمنا التصويب. لقد علمنا العم جاك المبادئ. قال أن أتيكوس لم يكن مهتماً بالبنادق وقال أتيكوس لجم في أحد الأيام: "أفضل أن تصوب إلى علب التنك في الفناء الخلفي، ولكني أعرف أنك ستطارد الطيور. حسناً، بإمكانك اصطياد الطيور التي تريد من نوع أبي زريق، هذا إذا استطعت اصابتها، ولكن تذكر أن قتل العصفور الساخر خطيئة".
    كانت تلك هي المرة الوحيدة التي سمعت بها أتيكوس يتحدث عن الخطيئة إذا ما فعل المرء شيئاً ما، وقد سألت الآنسة مودي عن الموضوع فقالت:

    والدك على حق، فالعصافير الساخرة لا تفعل شيئاً سوى أنها تعزف لنا الموسيقى لنستمتع بها. إنها لا تأكل حدائق الناس، ولا تعشعش في اهراءات الذرة، ولا تفعل شيئاً سوى أنها تغني حتى تفني قلوبها من أجلنا. لذا فإن قتل العصفور الساخر خطيئة."

    وقد ارتكب مجتمع مايكوم من الرجال البيض هذه الخطيئة عندما قتلوا الرجل الأسود توم روبنسون بتهمة وجهت إليه زوراً من رجل أبيض سكير لا يتمتع بأي قيم أخلاقية يعيش عند مقلب النفايات وهم يعلمون ذلك جيداً ورغم ذلك يدينون الرجل الأسود فقط لأنه أسود تجرأ على امرأة بيضاء فكان قتله أشبه بقتل عصفور ساخر..

    "الفرضية الشريرة التي تفيد أن "كل" الزنوج يكذبون، وأن "كل" الزنوج أشخاص لا أخلاقيون أساساً، وأن "كل" الذكور الزنوج لا يمكن الوثوق بهم فيما يخص نسائنا، وهو افتراض يربطه المرء بدرجة قدراتهم العقلية.

    "وهذه أيها السادة كذبة سوداء بحد ذاتها بقدر ما هي بشرة توم روبنسون سوداء، كذبة لست مضطراً إلى أن ألفت انتباهكم إليها. فأنتم تعرفون الحقيقة، والحقيقة هي: بعض الزنوج يكذبون، وبعض الزنوج لا أخلاقيون، وبعض الزنوج الذكور لا يمكن الوثوق بهم فيما يخص النساء.. أكن سوداوات أو بيضاوات، ولكن هذه حقيقة تنطبق على الجنس البشري كله وليس على عنصر بعينه منه. ليس في هذه المحكمة شخص لم يتفوه بكذبة في حياته، أو لم يرتكب عملاً لا أخلاقياً."

    كان هذا والد الطفلين المحامي أتيكوس الذي يتولى الدفاع عن هذا الرجل الأسود وهو يمثل الضمير الأخلاقي في الرواية الذي يحاول أن يربي أبناءه وفقاً لمبادئه وقيمه رغم اعتراض مجتمعه على وقوفه بصف رجل أسود والدفاع عنه مما يعرض أبناءه لكثير من السخرية والانتقاد..

    "أردتك أن ترى ما هي الشجاعة الحقيقية، بدلاً عن أن تفكر في أن الشجاعة هي رجل في يده بندقية. إن الشجاعة تكون حين تعرف أنك خاسر حتى قبل أن تبدأ، ولكنك تبدأ على أية حال وتحاول أن تصل بقضيتك الخاسرة إلى آخرها مهما يكن من أمر. قد تكسب نادراً ، ولكنك تكسب على كل حال."

    "أحياناً أعتقد أني فاشل تماماً كأب، ولكنني كل ما يملكه ولداي. وقبل أن ينظر جم إلى أي شخص آخر فإنه ينظر إلي. وقد حاولت أن أعيش بحيث أستطيع أن أرد نظراته دون مواربة وأن أنظر في عينيه.. وإذا ما حاولت شيئاً كالذي تطلبه، فإني بصراحة لن أكون قادراً على النظر في عينيه، وفي ذلك اليوم الذي لا أستطيع فيه أن أفعل ذلك سأعرف أني خسرته. لا أريد أن أخسره هو أو سكاوت. لأنهما كل ما أملك... وإذا كانا لا يستطيعان الوثوق بي فلن يثقا بأحد آخر. جم وسكاوت يعرفان ما حدث. وإذا سمعاني أقول في البلدة أن شيئاً آخر قد حدث.. فلن يكونا طفلي بعدها أبداً.
    لا أستطيع أن أعيش في البلدة بأسلوب وفي البيت بأسلوب آخر."

    جمال الرواية يكمن في قدرتها على معالجة قضايا كبيرة من منظور طفلة صغيرة قادرة على طرح أسئلة محرجة والإشارة إلى أفعال يقوم بها الكبار دون أن يدركوا مدى تناقضها:

    - أريد أن أسألك سؤالاً ياجم.
    - هيا.
    - الآنسة غيتس سيدة لطيفة، أليس كذلك؟
    - بالتأكيد. لقد أحببتها حين كنت في صفها.
    - إنها تكره هتلر كثيراً.
    - وما الخطأ في ذلك؟
    - حسنأ، لقد حكت اليوم عن مدى السوء في معاملته لليهود تلك المعاملة. يا جم، ليس عدلاً أن نضطهد أحداً، أليس كذلك؟ أعني أن تكون لدينا أفكار خسيسة حول أي شخص حتى، أليس كذلك؟
    - لا يا سكاوت. ولكن ما الذي يقلقك؟
    - حسنا، لدى خروجنا من دار المحكمة في تلك الليلة، كانت الآنسة غيتس تنزل الدرج أمامنا، لا بد أن لم ترها: كانت تتحدث إلى الآنسة ستيفاني كروفورد. لقد سمعتها تقول أن الوقت قد حان وأصبح ضرورياً أن يلقنهم أحد درساً (المقصود هم السود)، فهم أصبحوا يحاولون تخطي حدودهم، وان الخطوة التالية التي سيفكرون فيها ستكون الزواج منا. ياجم، كيف يمكنك أن تكره هتلر إلى ذلك الحد ثم تلتفت لتمارس بشاعاتك على أشخاص موجودين في موطنك بالذات...؟

    رابط الرواية
    هنــا
    عُدّل الرد بواسطة Ophelia : 10-01-2011 في 12:53 AM
    To be or not to be
    That is the question


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    280
    مرحباً أوفيليا ..

    أنا لم اقرأ الرواية لكنني شاهدت الفيلم, كان من بين أفضل خمسين فيلماً على مر التاريخ حسب موقع http://www.imdb.com/chart/top " ستشاهدين الأن انه تراجع على حساب أفلام أحدث"
    الفيلم رائع جداً , ولم أكن أعلم ان قصته هي أصلاً رواية
    ان شاء الله سأحاول قراءتها , فالفيلم يشجع وكذلك ما اقتبستيه هنا من الرواية..
    الجميل انني عندما شاهدت الفيلم تذكرت شيئاً قديماً من الطفولة خاصة فيما يتعلق بجارهم بوو
    انا لم أقرأ الرواية لذا لا أدري اذا كانت احداث الفيلم مطابقة تماماً لأحداثها
    بالنسبة لبوو ذكرني بمنزل كنا نخافه كثيراً نحن الأطفال , لأن الأطفال الأكبر سناً حذرونا منه بأن به امرأة شريرة جداً قد تحبسك و لن تستطيع بعدها ان تفلت منها
    انا كنت اتخيل ان تلك المرأة تشبه الساحرات في مسلسلات الكرتون , قد يكون لونها أزرقاً أو بنفسجياً وعندها عصا سحرية, صدقاً لم أكن اعتقد انها تشبه الناس , للعلم فقط انا لم أراها اطلاقاً
    الأن انا أظن انها سئمت الناس و مشاكلهم لهذا قد تكون اعتزلتهم , رغم انها اعتزلتهم لازالوا يؤذونها بوو ذكرني بما فات , حتى جيم وسكاريت عندما كانوا يظهرون شجاعتهم امام صديقهم الجديد بقدرتهم على الإقتراب من منزل بوو , كأنني اشاهد الماضي .
    هذا اقتباس حوار قصير من الفيلم احببته كثيراً :
    سكاويت: هل بإمكاني رؤية ساعتك؟ اتيكاس , جيم يقول أن الساعة ستصبح ملكه يوماً ما.
    اتيكاس: هذا صحيح.
    سكاويت: لماذا؟
    اتيكاس:حسناً, من المألوف أن يحصل الولد على ساعة والده.
    سكاويت:ماذا ستعطيني؟
    اتيكاس:لا أعرف شيئاً لدي له قيمة لأعطيك اياه, لكن هناك عقد من اللؤلؤ , و خاتم يخص والدتك إحتفظت بهم و سيكونوا ملكك.

    بما يخص توم كأن ما فعله بوو وكذلك موقف شريف بلدة "مايكومب" عزاء بسيط لأهله
    هذا ما قاله لـ اتيكاس في نهاية الفيلم " سيد فينش هل تعتقد أن جيم قتل بوب اويل؟ هل ذلك ماتعتقده؟
    ابنك لم يطعنه أبداً.
    بوب اويل سقط على سكينه, قتل نفسه . هناك رجل أسود ميت دون سبب, والأن الرجل المسؤول عن موته مات, دع الميت يدفن الميت هذه المرة سيد فينتش.لم أسمع من قبل انه ضد القانون لأي مواطن أن يبذل أقصى جهده لمنع الجريمة من الحدوث.. لكن ربما تخبرني أن من واجبي اخبار البلدة بكل ذلك وعدم اخفاء الحقيقة, ربما لا أكون مثلك سيد فينش ولكنني مازلت شريف بلدة مايكومب , وبوب يوول سقط على سكينه..
    ليلة سعيدة يا سيدي."

    كأنه أراد ان ينتقم لـ توم , رغم ان قتل بوب يوول لم يكن مقصوداً وكان لسبب شرعي..
    اقتباس من نهاية الرواية يشبه الكلام السابق للشريف كذلك " سيد فينتش, هناك نوع من البشر عليك أن تقتلهم قبل أن تقول لهم مرحباً. وحتى آنذاك لا يستأهلون حتى تلك الرصاصة التي يجب قتلهم بها. وكان يوويل واحداً من أولئك."

    كيف يمكنك أن تكره هتلر إلى ذلك الحد ثم تلتفت لتمارس بشاعاتك على أشخاص موجودين في موطنك بالذات...؟
    شكراً لك
    الصور المرفقة الصور المرفقة
    عُدّل الرد بواسطة سوسن : 20-12-2010 في 12:49 PM
    .


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    أهلاً سوسن
    بالنسبة لبوو ومنزله والرعب منه وتأليف الحكايات حوله والمراهنة على من يتمكن من الاقتراب منه
    والرسالة التي حاولوا ارسالها له من الشباك والأشياء التي كان يضعها لهم في الشجرة وإنقاذه لهم
    كلها موجودة في الرواية لكني لم أقف عندها لكي لا يطول الحديث أكثر
    إضافة لمواقف أخرى وشخصيات كثيرة في الرواية لم آت على ذكرها
    كأحاديث سكاوت مع والدها والاتفاقية بينهما ويومها الأول في المدرسة وحديثها مع المعلمة والطالب الجربان وابن يوويل الذي أبكى المعلمة طبعا عجبني جدا
    وديل صديقهما الصيفي وفرانسيس حفيد عمتها الذي كان الحديث معه يمنحها "الإحساس بالغرق ببطء إلى أسفل المحيط" نظراً لثقل دمه طبعاً
    باختصار الرواية ممتعة جداً ويبدو أني سأعيد قراءتها
    شكراً لك يا سوسن
    To be or not to be
    That is the question


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المكان
    وطن بائس,
    الردود
    862
    والله يا أوفيليا هذا جهد تُشكرين عليه.. بكل ما أوتينا من قوّة

    حتى تلميحاتك الساخرة بين السطور أعجبتني... بحثت عن هذه الرواية قليلاً في النت ولم أجدها.. ربما تحصل معي أنا الأخرى صدفة عظيمة.. وأجدها بسعر بخس بجوار كتب مرميّة على جدران الأرصفة!
    وإن كانت ستحدث معي مثل هذه الصدف.. فلم لا يكون مسجّل عليها رقم إنسان ما مهمّ جداً يقودني إلى الثراء بطريقة الخيال العلمي الهوليودي مع شرط توافر الإثارة والتشويق


    الحمد لله أنك تكرّمتي وشرحتِ لنا بشمولية جميلة مضمون القصّة ونهجها.. ولعلّ وعسى تخرجي من اكتشاف لاكتشاف آخر يا أوليفيا
    شكراً.. ساعدتني على معرفة شيء جديد

    (على فكرة.. إما أنها صدفة, أو أن الكثير من قصص الفتيات اللواتي لا يحببن مجالس النساء, ويمِلن إلى حبّ نمط عيشة الرجال.. في التراجم والأدب العربي والأجنبي على حدّ سواء.. تقع بين يديّ؟! هل هنالك موضة لم يخبرني أحد بها بهذا الشأن!؟)

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة شغف المعاندة! عرض المشاركة
    (على فكرة.. إما أنها صدفة, أو أن الكثير من قصص الفتيات اللواتي لا يحببن مجالس النساء, ويمِلن إلى حبّ نمط عيشة الرجال.. في التراجم والأدب العربي والأجنبي على حدّ سواء.. تقع بين يديّ؟! هل هنالك موضة لم يخبرني أحد بها بهذا الشأن!؟)
    رغم أني لم أفهم ما هي الموضة التي لم تفهمي سبب انتشارها..
    إلا أني أحب أن أعلق على نقطة حديثي عن عالم الرجال وعالم النساء رغم أن الكلام واضح من المقطع الموجود في الرواية عندما قالت بأن الرجال ليسوا منافقين بالفطرة..
    وبالتالي ما أحبه في عالم الرجال هو أخلاق الرجال لكن هذا لا يعني أن كل الرجال لديها أخلاق رجال.. وأحياناً هناك رجال لديها "أخلاق نسوان" وهناك نساء لديهن أخلاق رجال.. فالمسألة ليس لها علاقة بنوعية الأعضاء وإنما بنوعية الأخلاق..
    عُدّل الرد بواسطة Ophelia : 10-01-2011 في 12:28 AM
    To be or not to be
    That is the question


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المكان
    اسكن بالوطن قلبا و قالبا
    الردود
    11
    اختي الفاضلة اوفيليا
    جزيل الشكر و كل التقدير لهذه الرواية الرائعة
    و اتساءل هل يتوفر منها النسخة الاصلية باللغة الانجليزية فقط؟؟ ام ان لها ترجمة بالعربية
    ارجو الافادة
    و اكرر شكر لكي اختي

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة حكاية روح عرض المشاركة
    اختي الفاضلة اوفيليا
    جزيل الشكر و كل التقدير لهذه الرواية الرائعة
    و اتساءل هل يتوفر منها النسخة الاصلية باللغة الانجليزية فقط؟؟ ام ان لها ترجمة بالعربية
    ارجو الافادة
    و اكرر شكر لكي اختي
    أهلاً حكاية
    الرواية قرأتها مترجمة لتوفيق الأسدي
    وقد وجدت نفس النسخة والترجمة التي قرأتها مرفوعة على الفورشيرد
    فشكراً لمن قام بهذا الجهد..
    هذا رابط الرواية:
    http://www.4shared.com/document/UrDic8R9/______.html

    أتمنى لك قراءة ممتعة..
    To be or not to be
    That is the question


  8. #8
    أوفيليا

    ده أنتِ دبّستينا حتة تدبيسة !!
    الرواية كبيرة جداً .. ربنا يعطينا العمر ونخلصها

    بس جميلة ، تسلمي

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المكان
    وطن بائس,
    الردود
    862
    السلام عليكم..

    أنا أنهيتها اليوم -الحمد لله!-.. وأعتقد أن هذه الرواية مجلّد يا أوفيليا !

    بالفعل, الرواية جميلة للغاية, وأشكرك جداً على هذا الانتقاء.. والحدس!
    ومع إني أشعر أن الترجمة لا تضاهي يوماً قراءة الرواية بلغتها الأصليّة, تظلّ الترجمة مثل السباحة في ماء عالي الضغط, هنالك دائماً مقاومة في الانتقال من الجملة إلى الجملة التالية..

    لكن أسلوب هذه الكاتبة ساحر, ولا ريب أن أي مُخرِج في العالِم يقرأ مثل هذه الرواية ستتحول تلقائياً إلى فلم بمخيّلته, لشدة دقّة أوصاف الكاتبة, وجمال أقوال شخصيّاتها, من مثل هذه:
    "نهض الصبي وكأن أوسخ مخلوق بشري سبق لي أن رأيته في حياتي"
    "قال لي أتيكوس أن علي إلغاء النعوت وعندها سأحصل على الحقائق"
    "لا أعرف يداً أخرى يسرني تضميدها أكثر من يدك هذه !"

    لولا أنه للأسف.. لم يعدم اليهود ذكرهم حتى في هذه الرواية الرقيقة جداً, وأتساءل إن كان هنالك شيء في العالم لا يتحدّث عن المجزرة العظيمة التي حصلت في حقّ اليهود... علماً أن هتلر حين أجرم, تكرّم ووزّع إجرامه بالتساوي على كل الأحبّة الأشقّاء ممن حوله.. عقاب جماعي يعني

    جزيل الشكر لكِ يا أوفيليا, بصدق.. الله يجزيك الخير , يعلم الله كم مرة حمدتُ الله على وجودك في حديث المطابع,
    في النهاية.. القراءة المُنتقاة أفضل بكثير وأجدى من القراءة العشوائية..

  10. #10
    كل عام وأنتم بخير وعيدك مبارك على الجميع ..


    هنالك خلط في ترجمة عنوان الرواية بالعربية. هناك من ترجمها بـ أن تقتل طائراً بريئاً – وهي الصحيحة, وهناك من ترجمها بـ أن تقتل طائراً ساخر, وهذه الترجمة خاطئة. ومكمن الخطأ هنا هو فصل الاسم المركب إلى كلمتين, أولاهما طائر ويليها ساخر, لتكون صفة للطائر, بينما تشير الكلمة الإنجليزية المركبة إلى نوع من الطيور المعروفة بالطيور المحاكية. والطائر المحكي هنا هو طائر مطلق البراءة غاية حياته التنقل بين الأغصان والغناء قرب المنازل وفي البرية. يظهر هذا الطائر في حوارات أتيكوس مع أطفاله قبل حدوث أي جريمة إذ يشير إلى أن قتل الطائر المحكي خطيئة لا تغتفر, لأن قتل هذا الطائر هو قتل للطفولة والبراءة والعدالة الإنسانية. والمترجمة داليا الشيال التي ترجمة الرواية – إصدار دار الشروق – ذهبت إلى المعنى الذي يكمن وراء الرمز – الطائر البريء. وهي ترجمة مميزة وتستحق التقدير.


    ـــــ


    قبل أن يتجه مارتن لوثر إلى نصب لنكولن التذكاري ليلقي أحد أروع الخطب في القرن العشرين أمام أكثر من ربع مليون من مناصري حركة الحقوق المدنية, كان هناك محامي صنعته الروائية الأمريكية هاربر لي يدعى أتيكوس فينش. ألقى خطابا أمام المكان الوحيد الذي من الممكن أن تتوفر فيه الحقوق وتصون فيه كرامة الإنسان أياً كان جنس وعرق هذا الإنسان. ظهر أتيكوس إلى العالم عام 1960, أي قبل خطبة I Have A Dream بثلاث سنوات على الأقل. وأنا أقرأ رواية تتناول قضايا السود في الولايات المتحدة في فترة الستينات, كان من المهم عليّ أن أعرف متى نشرت هذه الرواية. هل كانت قبل خطاب مارتن لوثر أم بعده. وحين ظهر لي الأمر على حقيقته لا يسعني إلا التأكيد بأن أتيكوس فينش و رواية هاربر لي هذه كانت ذا تأثير مدوي في المشهد السياسي الأمريكي وأضفت زخماً استفادت منه حركة الحقوق المدنية أيما استفادة. فهذه مؤلفة أمريكية من البيض, تكتبت عن العدالة وحق الإنسان في الحياة بكرامة دون أن يكون عملها هذا رومانسياً ومشحوناً بالعواطف. بل واقعياً ومستمد من الواقع المعاصر بكل إيجابياته وسلبياته. حين أقول لم يكن هناك جانب رومانسي في العمل لا أقصد علاقة حب أو شيء من هذا القبيل. وإنما أشير إلى سيرة العمل ككل حيث يضفي المؤلف تأثيره المشحون بالعاطفة والنهاية التي تسحر العقول وتجعل من العمل لا يختلف عن بعض أعمال القرن التاسع عشر في انجلترا. فالمؤلفة كتبت روايتها من واقع الحياة, واستمدت تفاصيلها من البيئة المحيطة. وكل ما كان يدور في هذه البيئة في ذلك الزمن لا يمكن أن ينتهي نهاية رومانسية, بل يكون مؤلما وصادماً لأنها هذه هي الحياة التي ننكر بعض تفاصيلها, ولا نستطيع أن نكتشف بعض الحماقات إلا إذا ظهرت لنا بصورتها البشعة أمامنا دون حذر.

    في بداية قراءتي للرواية وبعد أن تجاوزت المائة وخمسين صفحة, كنت عازماً على قذف الرواية في أبعد مكان من الممكن أصل إليه. بسبب هذه التفاصيل المحكية من واقع الحياة الإجتماعية وعن الأطفال تحديداً. فالسرد يبدأ وينتهي على لسان بطلة الرواية سكاوت ( جين فينش ) وهي كبيرة في العمر, لكنها تسرد التفاصيل كما لو كانت في السادسة من العمر, فيقتحم القارئ معها سيرة حياتها وأخيها جيم ومحاولتهم المستميتة لإخراج أحد أبناء الجيران الذي ظل لسنوات طويلة لا يغادر منزله بأمر من والده. نقرأ مع سكاوت الشغب الطفولي بأصفى تجلياته وكيف كانوا يفكرون ونظرة الأطفال للعالم وللناس. التخلص من الرواية سيكون خطأ جسيماً لأني لم أهيئ نفسي لهذا النوع من السرد, بمعنى, سيرة حياة صادرة من عقل طفل. فحين تكتب المؤلفة على لسان طفلة صغيرة, يتم تحييد معظم القوانين السارية في الحياة الإجتماعية, لأن الطفل لا يستطيع أن يميز بين قانون عام يثير الجدل بين مجموعة من المحامين, أو مجموعة من كبار السن. ولا يستطيع أن يتقبل فكرة أن هناك كان بشري يحصل على ميزات أفضل من آخر بناءً على العرق أو اللون. والأمر الآخر هو البراءة. حين تطفو قضية ما على السطح من المهم أن يكون هناك رد فعل. رد الفعل هذا حين يصدر من محامي من المتوقع أن نقرأ خطاب منه أو تصريح أو رفع دعوى, أو حين يصدر من سياسي سيكون له تصريح أو موقف, ولكن حين يصدر من طفل: تتم إزاحة الإختلافات السياسية والمذهبية بين مجموعة إجتماعية محددة مثلاً وتظهر القيم الأخلاقية التي بشر بها الأنبياء والمصلحين في التاريخ بأروع تجلياته. لأنهم أطفال. لا يفكرون إلا بالألعاب والسعادة وقضاء أوقات سعيدة. هناك نوع واحد من الناس كما يقول جيم الطفل: إنهم الناس أنفسهم. ولكن إذا كان هناك نوع واحد لما لا يتفاهمون مع بعضهم البعض؟ لما ينحرفون عن المسار ليحتقر الواحد منهم الآخر؟ .. وهكذا تنطلق الرواية.

    هناك مسار واحد للرواية كما قلت, ترويه سكاوت للقراء. هذا المسار الغارق في خضم الحياة الإجتماعية في ولاية ألاباما تتفرع منه القضية التي تغطي الرواية وتسكن روحها: العدالة وحق الإنسان الأسود. إن كان هناك مكان كما يقول المحامي أتيكوس تتحقق فيه العدالة للجميع ويصبح الأفراد فيه متساويين وخاضعين لسلطلة عادلة وعاقلة, لن يكون هذا المكان إلا في قاعة المحكمة العليا, أو في محكمة الإستئناف, أو في المحكمة المحلية. وبفقدان هذا المكان لسلطته الحقيقية في مساواة جميع أفراد المجتمع, يصبح كل شيء مباحاً كما يقول دوستويفسكي – ربما تكون وجهة النظر هذه متطرفة لكنها واقعية وحقيقية-. حين يفقد المرء المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الدفاع عن نفسه, لن يكون بيده سوى أن يقتل. لا من أجل القتل بحد ذاته. بل من أجل أن يعيش بكرامة دون أن يتسلط عليه أحد. هذه الرمزية في المحاكمة كونية وعالمية وتتفق مع مختلف الشرائع الإنسانية. ليست المشكلة في القانون, وإنما في المنفذين لهذا القانون. هل نظرة المنفذين للقانون لجميع البشر سواسية أم أن هناك فرد يحظى بإمتيازات تختلف عن الآخر لأسباب شتى : اللون أو المنصب أو النفوذ. إذا اختل الميزان لصالح أصحاب الجاه والنفوذ سيكون هناك عنصرية حتى لو كانت تختبئ تحت شعارات إنسانية عالمية. وهذا ما حدث في رواية أن تقتل طائراً محكياً للروائية الأمريكية هاربر لي.

    المحكمة المحلية تكلف المحامي أتيكوس فينش مهمة تمثيل المتهم الزنجي الأسود توم روبنسون في قضية رفعها مجموعة من البيض بتهمة اغتصاب امرأة بيضاء. أتيكوس الذي وجد نفسه بعد وفاة زوجته يرعى طفلين لم يتجاوزا العاشرة, كان يهدف في عمله هذا الذي كلف به أن يعطي مثالاً لأبناءه. مثال للإلتزام والشجاعة. فهو بالتزامه في الدفاع عن هذا الأسود يستطيع أن يرفع رأسه أمام أبناءه دون أي شعور بالذنب. رغم أن أهالي البلدة كان يعيرونه بأنه محب الزنوج – مهاجمين له – كان لا يسير على نهج هذه الغالبية لسبب جد ذكي. فهو ليس بمثالي أو وجه مشرق, وإنما انحاز لما هو أكبر من رأي الأغلبية, وهو الضمير. حين يتصالح مع ضميره سيكون بإمكانه أن يذهب إلى مكان العبادة ويصلي لله. وإن لم يفعل ذلك سيصبح كائناً ممسوخاً من الداخل, لا يسيره الضمير بقدر ما يسيره رأي الأغلبية. وأما التزامه بالشجاعة فهو سيقف أمام مجموعة هائلة من البيض العنصريين أمام المحكمة. هل هذه الشجاعة التي يبحث عنها ويريد أن يقدمها لأبناءه؟ بالتأكيد لا. ليست هذه هي الشجاعة ولا حمله للبندقية. ولكن الشجاعة الحقيقية هي التي يرسمها ضميره, هي معرفة أنك خاسر حتى قبل أن تبدأ, ولكنك تبدأ على أية حال, وتحاول أن تصل بقضيتك الخاسرة إلى آخرها مهما كلف الأمر. قد لا تكسب إلا نادراً, ولكنك ستكب على أية حال.

    أصل الآن إلى الجزء الثاني الذي يدور في المحكمة, وأستطيع من خلاله الربط بين أتيكوس فينش ومارتن لوثر. وتحديداً في مرافعة المحامي أتيكوس الأخيرة أمام القضاء. هذه المرافعة من أروع الخطب البلاغية في الأدب. في النص الأخير من المحاكمة كان يهدف أتيكوس إلى أن ينقل مجمل الصفات السيئة إلى المجتمع البشري بأكمله, وغير محددة بجنس محدد. ففي حين أن هناك كذابون ومجرمون من السود, ينطبق ذات الشيء على البيض والبشرية بأكملها. كان صوت المحامي في المرافعة مفعماً بالحماسة وشديد التأثر, وهاهو يستغل فقرة من إعلان الإستقلال هي الغاية من كتابة الرواية: كل الناس ولدوا متساويين. وهاهو مارتن لوثر كن الإبن في مسيرة الحقوق المدنية يستغل هذه الفقرة بالتحديد, وبأسلوب لا يقل براعة عن أتيكوس فينش حين يقول: لديّ حلم أنه في يوم من الأيام ستنهض هذه الأمّة لتعيش معنًى عقيدتها الحقيقيّ : نؤمن بهذه الحقيقة: أنّ كلّ الرّجال خُلِقُوا متساوين.. لديّ حلم أنه في يوم من الأيام وعلى تلال جورجيا الحمراء سيكون أبناء العبيد و أبناء ملاك العبيد السابقين قادرين على الجلوس معا على مائدة إخاء.. لدي حلم أنه في يوم من الأيام أنه حتّى ميسيسبي التي تتصبّب عرقًا من حرارة الظلم والاضطهاد ستتُحَوَّل إلى واحة حرّيّة وعدالة.. لديّ حلم أنّ أطفالي الأربعة سوف يعيشون في يوم من الأيام في دولة لن تعاملهم بلون جلدهم لكنّ بمحتويات شخصيّتهم.. لديّ اليوم حلم.

    مارتن لوثر ليس نسخة ثانية من المحامي أتيكوس فينش. بل هو أتيكوس نفسه! بعقلانيته وطموحه وأخلاقه والقيم النبيلة التي يحارب من أجلها. ولكن هذه المرة ليس في قاعة المحكمة التي لم يجد فيها أتيكوس العدالة, بل أمام مركز التغيير الحقيقي, أمام نصب أبراهام لينكولن التذكاري.

    عند مشاهدتي للفيلم المقتبس من الرواية To Kill a Mockingbird 1962 كنت متهيئاً لخطبة أتيكوس, وظهر لي في نهاية الفيلم أن الفيلم بحد ذاته تحفية فنية. فهو أحد الأفلام التي تم تجسيدها في السينما بمهارة ودقة, حتى أن المؤلفة نفسها أُعجبت بالفيلم واعتبرته أيقونة فنية مساوية للرواية. ولا أظن أن هذه البراعة الفنية ما كانت لها أن تظهر لولا مقدرة بطل الفيلم جريجوري بيك الذي جسد دور أتيكوس بعبقرية فذة. فهو جسد حركاته في النص, وطريقة نظراته وكيف يتعامل مع أبناءه, والأهم: الصوت. صوت جريجوري بيك مميز في الحقيقة ويستطيع أن ينقل إلى المشاهد مجمل الإنفعالات البشرية كما في في فيلم موبي ديك حين جسد دور القبطان الغاضب إيهاب, وهنا في هذا الفيلم بدور المحامي أتيكوس.

    وما هي النهاية إذا؟ لا أقصد نهاية القصة / الرواية. ما أتحدث عنه هنا هو العدالة والحقوق؟ لا أظن أني سأفصل ذلك, فبعد أربعين سنة من محاكمة الطائر المحاكي البريء توماس روبنسون, يظهر سياسي يحمل الصفات الجسدية والخلقية لروبنسون ليصبح رئيساً للولايات المتحدة. لا أرى غاية عظمى للأدب أكبر من هذه. أن تستمد الفصول من الحياة, وأن تسرد من الواقع المعاش, وتنتهي كما تدور في واقع الحياة المعاصرة بكل بشاعتها. وأن تساهم في رفع حركة الوعي. وأن تكون من أجل الإنسان لأجل الإنسان ذاته, لا لشيء آخر.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المكان
    الشارع
    الردود
    1,800
    شجعتوني احمل الرواية

    أقرأ وأحكم

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المكان
    بلاد الواق واق
    الردود
    2,533
    أهلاً بك يا يوسف
    لو علمت أنك ستقرأ الرواية وتكتب عنها لوضعت موضوعي كرد على موضوعك وليس العكس..
    لكن لي تعليق بسيط فيما يتعلق بترجمة العنوان
    لا أعتقد أن الترجمة "لا تقتل عصفوراً ساخراً" خاطئة بل أظنها أنسب من الطائر البريء لأنها بهذه الحالة ستنطبق على جميع أنواع الطيور..
    لو نظرت للترجمة الحرفية لكلمة mocking
    لوجدت أنها تعنى السخرية والتهكم من خلال محاكاة الآخرين وتقليدهم
    والترجمة الحرفية ل mockingbird (وهي كلمة مستقلة وكاملة وليست مجزأة)
    هي الطائر المحاكي: طائر غريد متميز بقدرته البارعة على محاكاة أصوات الطيور الأخرى

    شاهدت مرة فيلم، طبعاً لا علاقة له بالرواية أبدا، لكن فيه مشهد ذكرني بالرواية
    وهو وجود عصفور من هذا النوع يقف على شباك ويستمر بالغناء لدرجة تغيظ الممثلة فتحاول اصطياده
    ما يعني أن طريقته بالغناء ومحاكاة الأصوات هي سخرية بحد ذاتها ولا يتميز بها بقية الطيور
    وفي هذه الرواية تحديداً ترجمته بعصفور ساخر أظن أنها الأقرب للمعنى لأنه لم يفعل شيء سوى السخرية من حماقات البشر وهو مع ذلك بريء بطبيعة الحال
    والترجمة من الطبيعي أن لا تكون حرفية وإنما ترجمة لروح المعنى وحتى إن أردتها ترجمة حرفية فيجب أن تكون الطائر المحاكي وليس البريء
    وعلى أي حال لن نختلف على العنوان
    شكراً جزيلاً على هذه القراءة والتحليل والمقارنات المهمة فعلاً
    شكراً لك
    To be or not to be
    That is the question


  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Dec 2002
    الردود
    80
    قرأت هذه النوافذ قبل أيام. وكان لزاماً علي أن أقدم لكم الشكر على هذا المجهودالرائع والطرح المتميز.
    OPHELIA, سوسن, شغف المعانده, حكاية روح, كاميليا بهاء الدين, يوسف الجميعة, حبيبة عراقي.
    شكرا جزيلاً. ودمتم بخير.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    جزيرة الورد
    الردود
    950
    هو العِشرة من فيس بوك تجعلني ميالا لأقرأ وأبحث عن خيار "لايك" أو حتى أنصرف من غير أن أخبر أحدا أني قرأت وأعجبني ما هنا .. دون أن يكون لدي ما أضيفه ..

    على أيٍّ .. هي عودة المغترب وحنينه ..

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المكان
    غرفتي غالبًا!
    الردود
    2,092
    ^ أرى أناسًا هناك!
    أوفيليا، سلام عليكم، كيف الحال؟ :P

    أما عشرتي للفيسبوك -بالإضافة لأعلاه^- تخليني أوعد بالقراءة لاحقًا إن شاء الله، لفتني العنوان واسم الكاتب وصاحب آخر رد
    اشتقت لكم، لحديث المطابع، للساخر، للوطن المحتل دا!

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •