Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 4 123 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 65

الموضوع: مدن .. و نساء ..

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323

    مدن .. و نساء ..

    لا أدري لماذا أشعر أن المدن هي بالفعل كائناتٌ حيّة ..؟؟؟

    شيءٌ غريب و مدهشٌ حقّاً كيف تتعلّق أنفاس البشر بكل هذا الركام الهائل من الحجر و الطين و الإسمنت فتلتصق روائح أجسادهم و تملّقات أحداقهم و جثث موتاهم و بصمات أصواتهم خلف كلّ الزوايا المنسية و الأبواب الموصدة و لافتات الإعلانات الرخيصة و تحت أعمدة النور المغبرّ في زحام السيارات العابرة سريعاً في أزمنة عابرة ...

    كلّما دخلت مدينة للمرّة الأولى اشعر أنّي أمام امرأةٍ جديدة .. و أنّه عليّ أن أكون حذراً في التعامل معها تماماً كالحذر الذي يتملّكني حين أصافح للمرّة الأولى - بتردّد - امرأة غريبة ...

    منذ اللحظة الأولى التي أخرج فيها من مطارٍ ما .. أو أدخل بها أسوارَ مدينةٍ ما .. أشعر أن المدن تتنفّس بشكل ما .. فتدفعني أن أدسّ أنفي في ثناياها العميقة لأتشمّم رائحة المكان جيّداً بحريّة عاشق شبِق تسلّلت في الهواء نفحة عطرٍ من جسد محبوبته فتجوّل على تضاريسها كما يشاء ..

    هي ليست مجرّد حيّزاتٍ فراغيّة ما تأخذ موقعاً جغرافياً في خارطة هذه الأرض الهائلة .. هي ليست مجرّد شوارع و أرصفة و بيوتٍ و مقاهي و مواخير و أمكنة للعبادة تحاول أن تتشبّث ببقايا السماء في عالم الطين الذي يحيط بها من كلّ جانب ..

    لا .. المدن بالنسبة لي نساءٌ حقيقيّات عليّ أن أتقن فنّ الهروب من تقلّباتهنّ و الضحك مع ابتساماتهنّ و تهدئة جنونهن و التغزل بجمالهنّ حتى لو كان ذلك مجرّد مجاملة باهتة ...

    و لكلّ مدينةٍ أنوثتها الخاصّة .. و نكهةِ جنونها الشخصيّ جداً .. و صراخها الهستيريّ .. و جسدها المرمريّ الفتّان الذي يستلقي على الأرض بإغراءٍ و دلال عارضاً سحره لكلّ من يريد أن يلقي نظرةً مختلسةً سريعة ..

    و لكلّ مدينةٍ أيضاً أسرارها الدفينة .. و أبوابها الخلفيّة .. و قبحها الذي تواريه وراء ألف لونٍ و ألف كحلٍ و ألف صبغة .. و عيوبها التي تجلس طويلاً في غرفة الانتظار لترميم ما يمكن ترميمه منها .. و ثرثرتها التي تبدأ كلّ ليلةٍ على الأرصفة المعتمة .. و فقرها الذي تدفعه بعيداً عن الأنظار الفضوليّة ..

    لكنّ المدينة الوحيدة التي تعيش دون أسرار على الإطلاق ..

    كانت بيروت ..

    رأيتها أول مرّة حين أتيتها من طريقها الساحليّ .. و صعِقت حين أشار لي جاري الذي يجلس في المقعد المجاور ليقول لي مشيراً إلى كتلة هائلة من الأبنية المتراصّة التي تنتأ بلسانها في البحر تشقّه بجسارة :
    - انظر .. هذه بيروت ..
    لم أصدّق عيني لحظتها .. كانت بيروت تتمدّد أمام البحر عارضة جسدها كلّه دون حياء ..

    كلّ ( أعضائها ) كانت أمامي مكشوفة تماماً .. من جبلها الذي يتسلّق السماء إلى سرّتها في الأشرفية إلى قدميها الصغيرتين اللتين ( تنقعهما ) في الماء منذ الأزل في روشتها الجرداء ..

    أتيتها ثانية من طريقها الجبليّ .. و حين وصلت إلى قمّة ما .. ألقيت نظرة على بيروت التي كانت تحتي مشغولةً جداً بتزويق جسدها المكشوف تماماً من شعرها الذي صبغته بالأخضر وسط بضع شعيرات بيضاء من ثلجٍ جبليّ لا يذوب حتى ساقيها اللتين فردتهما بكل حرية من جونية إلى ضاحيتها الجنوبية الصغيرة ..

    ثمّ أتيتها ثالثةً من مطارها العجيب الذي خلت أن الطائرة قرّرت حين تهبط أن ترسو على الموج الأزرق ليفاجئني مدرج الطائرة الذي لا يبعد عن البحر إلا أمتاراً قليلة كأنّها توشوني بعبثٍ صاخب أنّها أولى المفاجآت التي تخبّئها لي .. ثمّ تقرصني بمرح قبل أن ترحل دون وداعٍ إلى حضن عاشق آخر ..

    لا أدري .. لكني شعرت من هذه اللحظة أني أمام امرأة لا تخجل ..

    بيروت .. امرأة لعوب .. أتقنَتها الحياة تماماً فمارست الحياة بكلّ خليّة من خلايا بترونها و حمرائها و أشرفيّتها و مقاهيها و باراتها و آلاف آلاف الفنادق التي لا يعرف أحد عددها بالضبط ...

    بيروت .. امرأة للحب .. تعيش أنوثتها بكلّ جنون و عبثيّة و فوضى .. ترقص في الشارع دون حياء .. تلبس الكعب العالي و تضع على عينيها نظّاراتٍ سوداء و تذهب إلى المقبرة لتأدية واجب العزاء في الراحلين .. تتشمّس على الشاطئ و هي تقرأ باهتمام كتاباً عن ( أزمة الثقافة العربية ) .. تضع ساقاً على ساق و تراقب عشّاقها و هم يتساقطون أمامها عشقاً و ولهاً و جثثاً محترقة .. و حين تصلح مكياجها بسرعةٍ قبل أن تذهب إلى حفلتها الليلية تنسى أن تخفي ( الهوليداي إن ) الذي أبقَته شاهداً على ( خطّ التماس ) الأسود بين الخدّ و الشفّة ..

    في بيروت ..تصاب بالحيرة في الأشياء التي يمكن لك أن تفعلها في لحظةٍ واحدة .. تستطيع أن تقرأ كلّ كتب الفلسفة .. و جميع مدوّنات المفكّرين .. و فيما أنت تنصت لخطيب الجمعة الذي يصرخ بحماس عن الأقصى و المسلمين و السلف الصالح تقاطع أذنيكَ دقّاتٍ مثيرةٍ لكعبٍ نسائيّ أكثر علوّاً ممّا يمكن لخيالك أن يتصوّره ..

    في بيروت .. تجلس في مقهى و تنصت بمتعةٍ غريبة لفيروز و هي تغنّي أمام البحر عن ( اسوارة العروس ) و شادي الذي تاه يوماً بين الثلوج .. فيما أنت تحتسي قهوتك التركية الثقيلة و تدخّن تبغاً فاخراً لا تدري بالضبط اسمه و لا مصدره تنصت باهتمامٍ إلى الصديقين اللذين يتشاجران قربك إن كانت بيروت عربية أم فينيقيّة أم لا جنس لها على الإطلاق .. و جوارهما عاشقان يدخّنان الأرجيلة و يقبّلان بعضهما دون أيّ وجل ..

    في بيروت .. كلّما دخلتَ زقاقاً صغيراً تنصت لوديعها الصافي ينادي ( طلّوا حبابنا طلّوا .. نسّم يا هوا بلادي ) فتتملّك رغبة شديدة أن تعانق أوّل مارٍ تراه ِأمامك لتخبره أنّك سعيدٌ جداً هنا , لكنّك تصاب ببعض الإحباط حينما تدرك أن بيروت تغنّي للجميع ذات الأغنية .. و توحي لكلّ واحد منهم أنّه عاشقها السريّ جداً ..

    في بيروت .. تكتشف أنّك لا تستطيع إقامة علاقةٍ سريّة مع امرأة لعوب ...

    بيروت كانت حينما كان التاريخ طفلاً يلعب مع أمواج البحر الذي احتضن في رأسها الشهير مجموعة صغيرةً من الفينيقيين الأوائل الذين دفعتهم صحراء العرب إلى تلك الجبال الخضراء يكتبوا على صخورها أبجديّتهم الأولى و يرسموا على أشجار أرزها حلماً ما تزال بيروت تحاول أن تحقّقه حتى هذه اللحظة ..

    و رغم أنّها تحاول أن تكون امرأة ( كوزموبوليتيّة ) عالميّة .. إلاّ أنّها تدرك في قرارة نفسها أنّها لن تنجح في ذلك تماماً .. فالبحر من أمامها .. و من ورائها خمسة آلاف سنة من التاريخ و الأبجديّة و اللغة و الحبّ و الغناء ..

    من ( بورها ) الذهبيّ أتتها أوّل مطبعةٍ إلى الشرق كلّه لتطبع نسخةً أنيقةً من الانجيل و تتفتتح معه أوّل فصول النهضة العربية الحديثة .. و من بورها أيضاً ارتحلت مي زيادة إلى مصر لتثبت هويّة هذه المدينة العجيبة و ليقع في عشقها كلّ أدباء مصر و شعرائها و مفكريها .. و منه أيضاً تستورد بيروت خامات الحداثة الأولية لتمزجها مع نكهة الشرق و تقدّمه لنا نموذجاً - قد لايعجب البعض - عن مدينة تجرّب كلّ شيء بلا استثناء ..

    و في بيروت وحدها تستطيع أن تقرأ كتاباً باللغة الفرنسية الراقية يثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ أن بيروت عربية مائة بالمائة ..!!

    و من نافذة الفندق الخلفيّة كنت أراقب الزقاق الصغير الذي تختبئ به سيّارةً تحضن عاشقين يتبادلان فيها القبلَ ( و أشياء أخرى ) بهدوء و سكينة .. و أمامي ينتصب مبنى قديماً جرحَته منذ ثلاثين عاماً آلاف الخناجر و الطلقات و قذائف الأربي جي , فبقي ينزف وحيداً دون أن تهتمّ بيروت بأن تضع له ضمادةً صغيرة .. و على الرصيف المجاور رجلٌ بلحيةٍ طويلة و جلاّبية بيضاء يهرول إلى المسجد القريب ليلحق صلاة العصر جماعة ..

    حينها أيقنت أنّها محتشدةٌ بكلّ الألوان التي يفضّلها الجميع .. انتقِ ( على ذوقك ) .. لكن بيروت ترتدي ما تشاء ..

    و حين جنّت بيروت .. كانت تدفن جثث عشّاقها الذين يموتون طوال النهار في حروب الأخوة .. و تتزيّن بسرعة لتهرول إلى أقرب ( نايت كلوب ) تثمل و ترقص و تغني و تتمايل محاولةً أن تغري الجميع ليتقاتلوا عليها صباح غد ..

    بيروت تتكلّم كلّ اللغات .. و تأخذ كلّ العملات .. و تشتري كلّ البضائع .. و تتجاوز كلّ الحدود .. و تتطرّف في كلّ اتّجاه .. تنتمي لكلّ أحزاب الأرض يمينها و يسارها و وسطيها و متطرّفها .. و تعتنق كلّ أديان العالم و مذاهبه و عقائده .. و هي المدينة العربية الوحيدة التي يمكن فيها أن تنصت بذهولٍ لشحاذٍ عجوز يتسوّل منك باللغة الفرنسية .. و إذا لم تفهم فبالإنجليزية .. و إن كنتَ جاهلاً فبالإيطالية .. و إن أعيته الحيل فبالعربية و أمره إلى الله ...

    حين لمستُ أرض بيروت للمرّة الأولى و طالعتُ وجهاً بيروتياً عتيقاً أسرعتُ إليه مستفهماً عن مكانٍ ما .. و ألقيت عليه ما اعتدت به أن أحيي جميع العرب في كلّ مكان : السلام عليكم ..
    نظر لي نظرة باردة .. و لم يحر جواباً ... أسرعت بالسؤال تفادياً للإحراج الذي شعرت به .. فوجدتني أصبح فجأةً ( مسيو ) و هو يجيبني بشيء من التحفّظ عمّا أردت أن أعرفه ..
    و حين عرف صديقي الذي ينتظرني بما فعلته .. قهقه حتى استلقى على قفاه و هو يخبرني أني هبطت بالسلامة في ( الأشرفية ) التي تصبح فيها عبارة ( السلام عليكم ) مرادفةً بالضبط لعبارة ( اللعنة عليك ) ...

    يومها أدركت أني ينبغي أن أتعامل مع بيروت بطريقة مختلفة تماماً عمّا اعتدت أن أتعامل مع كل ( النساء ) ..

    أدركت أن بيروت لها طريقتها الخاصّة في التخاطب و أني إن أردتها أن تحبّني عليّ أن أتقن لغة جسدها الشخصيّة للغاية ..
    لكنّي لم أستطع أن أتقنها رغم كل ما حاولت ...

    كنت على الدوام أشعر أنّها تبعدني بشكلٍ ما .. و أنّها حتّى لو كانت تتصرّف معي بشكلٍ دبلوماسيّ راقٍ .. و تهزّ رأسها مع ابتسامة جميلة .. فهي في قرارة نفسها توقن أني لا أصلح أن أكون عاشقاً حقيقياً ..

    كانت تدرك تماماً أني كشفتُ أسرارها و عيوب جسدها و تشنّجها الذي لمحته في شتائم السائقين .. و نزق البائعين .. و تحفّظ العابرين .. و عمّال الفنادق الذين ينظرون إليكَ ببرودة و وقاحة و هم يمدّون أيديهم نحو ( بقشيشك السخيّ ) ..

    أدركَت بيروت أني تبيّنتُ لعبتها المكشوفة و أني أبحث عن مدينة أحبّها و ليس عن مدينة أتفرّج على جسدها الذي يتمايل أمامي بإغراء و دلال في ليلة خمر .. ثمّ تنساني صباحاً حينما تصحو من سكرتها لتبحث عن عاشق آخر ...

    رفضَتني بيروت بتهذيبٍ شديد .. و قبلت اعتذارها ضمنياً .. و بتهذيب شديدٍ أيضاً ..

    و حين ودّعتها للمرّة الأخيرة .. همستُ لها :
    - يا بيروت .. يابنة العمّ الآبقة .. لو كنتُ أدرك أنّك يمكن أن تحبيني يوماً ..
    لهجرت كلّ نساء الأرض من أجل عينيك ..





    يتبع ..
    مدينة / امرأة أخرى ..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المكان
    خارج المجره
    الردود
    1,534
    جميل كالعادة
    ونحجز مقعدا للمتابعة

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    280
    بيروت لا يليق بها سوى فيروز ..


    شكراً لك

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    بين جدران أربع بباب وشباك صغير لا يطل الا على الجدار الخامس
    الردود
    174
    بيروت تفاحة
    والقلب لا يتعب ..........
    قرأت حروفك حرفا حرفا كما يحتسي القهوة اللذيذة على شاطئ بحر جميل
    شكرا بحجم ما في كلماتك من جمال
    ابق ساكناً قلبي ولا تُثر غبارك
    دع العالم يجد سبيله إليك
    طاغور

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    كلّ مدائن الأرض تولَد ولادة طبيعيّة ..على ضفّة نهرٍ صغير تأمن معه عطشها و جوعها الذي لا يرحم .. وسط سهل معشوشب خصيب تختبر فيه البشريّة بإعجاب تلك الإمكانات المذهلة للحياة و التي تختبئ بمكرٍ في عجين طينه الأحمر ... على طريقٍ تجاريّ قديم تصطخب فيه حركة الناس بضجيج محبّب فتكبر المدينة كلّما قرع بابها وجهٌ جديد أو صوت غريب أو قافلة تريد أن تبيت في غرفةِ نومها الفسيحة ...

    و في أحيانٍ قليلة قد يجرؤ التاريخ و يفتح بكلّ جسارة رحم الجغرافيا فيستخرج منه مدينة ما بعمليّة قيصريّة يتجنّب فيها ولادة متعسّرة قاسية قد لا تسير على ما يرام ..
    هكذا ولدت بغداد عاصمة الأرض ذات يوم .. و قاهرة المعزّ أعظم مدينةٍ في شرقنا الحديث ..

    لكنّ جميع مدن الأرض تولَد طفلة ..

    تحبو في البداية ببطء .. تتلمّس التراب تحت أقدامها الواهنة .. تتعلّم شيئاً فشيئاً كيف ترضع لبن الأرض و كيف تتصرّف المدن الراشدة .. تتقن تدريجياً كيف تنظّف نفسها من أوساخها و فضلات الطبيعة .. و كيف تتأنّق و تتزيّن ككلّ النساء البالغات .. كيف تبتسم حين تفرح .. و ترقص حين تطرب .. و تتجلّد حين تبرق في السماء بروق الخطر .. و تغلق بابها جيّداً و بإحكام حين ترى بين الوجوه المتطلّعة الفضوليّة وجهاً ينظر فيها نظرةً مريبة ... و تحافظ على سمعتها بإصرار و شراسة مثل كلّ النساء المحترمات ...

    لكنّ المدينة الوحيدة التي ولِدَت راشدة كانت دبي ..

    لم تمرّ دبي بأي مرحلة حضانة .. لم ترتدِ حلّة الطفلة الساذجة و لم تركب يوماً أرجوحة .. لم تلتقم حلمة الأرض النديّة و لم تذق يوماً طعم الحليب الدافئ .. لم تهدهدها أمها قبل أن تنام و ترى أحلاماً سعيدة و لم تنهض كالعصفور تزقزق صباحاً لتذهب إلى المدرسة ..

    ولِدَت دبي صبيّة ..

    فعلوا كلّ شيء يمكن أن نتخيّله ليصبح لدبي الصغيرة جسد امرأة ..

    حقنوا أعضاءها بالهرمونات .. أجروا آلاف العمليات التجميليّة .. فطموها بسرعةٍ قبل أن تتعلّم كيف تأكل بمفردها .. لم يبالوا بلسانها الصغير حين كانت تُتَأتئ و تلثغ بالحروف مرتبكة .. ألقوا أمامها مجموعة من القواميس كيفما اتّفق و طالبوها أن تتحدّث كالنساء .. ألبسوها لباس الكبار و طالبوها أن تتعامل معهم كالكبار ..

    و تغيّرت دبي .. كبرت بين ليلةٍ و ضحاها و أصبحت سيّدة .. و غيّرت اسمها من ( دْبي ) إلى ( دوباي ) لكي يصبح أكثر نعومةً و موسيقيّة ..

    في اللحظة التي خرجت من مطارها المذهل الذي يصلح أن يكون قصراً من قصور ألف ليلة و ليلة , صدمني جدارٌ عملاق من الهواء الساخن المشبع بالرطوبة القاسية أطبق على رئتيّ بعنفٍ يحاول أن يعصرهما ليستخرج منّي ما تبقّى من أنفاس .. هرولت كالمجنون أرمي نفسي في أقرب سيّارة .. و أخبر السائق لاهثاً أن ينقلني إلى مكانٍ ما أحتمي فيه من هذه العصا الغليظة التي قابلتني بها دبي ..

    و بالطبع .. كما كنتُ متوقّعاً .. كان السائق هندياً .. و كانت وسيلة التخاطب الوحيدة هي الانجليزية ..
    في الطريق رجوته أن أتوقّف قليلاً لأشتري علبة سجائر .. كان البائع هندياً .. و اللغة انجليزية ..

    في الطريق إلى فندقي صرت أتأمّل الوجوه العابرة لأستطلع ( روح ) المكان .. و شخصيّة دبي .. و وجه دبي الذي تحمله وجوه سكّانها ..
    لم أرَ أحداً .. كانت دبي في قيلولتها مختبئة من الشمس التي ستشوي وجهها الأسمر لو فكّرت في الخروجِ إلى العراء دقيقة واحدة ..

    في الفندق .. كانت كلّ عروق الأرض تلتقي في بهوٍ واحد .. و مساءاً في الشوارع التي بدأت تتنفّس قليلاً بعد أن احترقت بشمس دبي الملتهبة رأيت كلّ ما يمكن أن أتخيّله من أجناس البشر و اللغة الوحيدة هي الانجليزية ..

    شعرتُ بشيء من القلق .. و بدأت أتساءل بيني و بين نفسي عمّا دهى صغيرتي التي كبرت فجأة دون أن تذق حنان الأرض كما ينبغي لكلّ مدينة كانت ذات يوماً طفلةً لم تبلغ الحلم بعد ..

    دبي هي المدينة العربية الوحيدة التي لا تستطيع فيها أن تسير متراً واحداً إن كنتَ لا تتقن إلاّ العربية ...!!
    و دبي هي المدينة العربية الوحيدة التي تشتاق فيها أن ترى وجهاً عربيّاً واحداً من بين عشرة وجوهٍ تصافحهم في أمسياتها المزدحمة بالوجوه ..

    و عندما جلَسَت دبي إلى طاولتي لتشرب معي فنجان القهوة الصباحيّة بدأتُ أتأمّل ملامحها جيّداً .. و بينما كانت تتحدّث بلغتها الانجليزيّة الطليقة و ترفع بين الحين و الآخر شعرها الطويل عن جبهتها بأناقةٍ مفرطة أدركتُ أنّي أمام امرأةٍ تحاول أن تتصنّع الأنوثة بكلّ جهدها لكنّها لم تتغلّب بعد على آثار الطفولة ..

    ما زالت طفلةً من الداخل .. و ما زالت تحمل بعض عبث الطفولة و شغبها و تسرّعها ..

    و حين تمّشينا سويّاً أمام البحر حفاةً نحمل أحذيتنا و هي تتأبّط ذراعي و تتحدّث عن مغامراتها المشوّقة .. ارتحل خيالي إلى ما وراء ذلك البحر الذي لا وراء له .. إلى حيث المدن العظيمة التي عاشت طفولتها كما ينبغي و ذاقت طعم الفقر و الجوع و الموت الذي ينزرع أمام أسوارها كلّما اجتاحتها سيول الحقد و الشرّ و الطاعون الأسود .. و أيقنتُ - دون أن أخبرها - أن ملاحم التاريخ الكبرى هي من تصنع لكلّ مدينةٍ ملامحها و خبراتها و شخصيّتها ..

    و أن النساء اللاتي لم تعشنَ طفولةً مشاغبة .. يكبرنَ دون قلوب ..

    أرَتني كلّ شيء .. برجها الذي يحمل ألف نجمةٍ و نجمة و الذي لا يسمح للأسماء المجهولة أن تقترب منه .. شوارعها المزدانة بالأضواء الملوّنة .. بحرها الذي رصّعته جزراً صغيرة خضراء .. ( مولاتها ) التي تشبه مدناً صغيرة داخل مدينة .. أبنيتها الشامخة المكسوّة بالمرايا و الذهب و الألماس .. قصورها الناعمة التي تجري من تحتها الأنهار .. فنادقها التي لا تدرك بالضبط من أيّ باب تدخلها كرجلٍ عاديّ و ليس كمحفظةٍ متخمة متنقّلة .. معارضها التي ترسم فيها لوحاتها و غناءها و موسيقاها حين تطرب كلّ ليلة و تبدأ بالرقص ..

    و في كل لحظة .. كان شيء ما منّي ينكسر ..
    شيءٌ ما غريبٌ في دبي ...
    كلّ ما فيها جميل و يبهر البصر .. لكنّك لا تستطيع أن تلمسه على الإطلاق ..
    في دبيّ .. أيقنت أن الجمادات هي جماداتٌ حقّاً .. و أن الفولاذ البارد يفتقد حنان الخشب ... و أن المرمر ليس له ذكريات الحجر ...

    تصنّعتُ الدهشة .. حاولت أن أفغر فمي مشدوهاً أمام كلّ المعجزات التي تصنعها دبي .. جاملتُها بكلّ ما أملك من لباقة أمام امرأة غريبة ألتقيها للمرة الأولى .. لكنّي في النهاية لم أستطع أن أحتمل أكثر ..
    مِلت إلى رأسها الجميل .. و وشوشتها :
    - و أين هم الفقراء يا دبي ..؟؟؟ أين دبيب خطواتهم العرجاء على جسدك الفسيح ..؟؟ أين تحترق أنفسهم اللاهثة في شمسك اللاهبة ..؟؟ أين تسافر أعمارهم وراء الأحلام المستحيلة في أرجاء قلبك العامر .. أين هي الحيطان التي تحمل رسومهم و روائحهم و أشواقهم التي لا تنتهي ..؟؟

    فاجأها السؤال .. نظرَت إليّ باستغراب .. أطرقَت قليلاً .. ثمّ رفعت رأسها و أجابتني بسرعةٍ و تحفّظ كأنّها تريد أن تبتر الحديث قطعاً :
    - ليس عندي فقراء يا سيّدي ..
    نهضت من أمامي متعجّلة .. نظرت إليّ نظرةً سريعة و صافحَتني مستأذنة .. و رحلَت من أمامي دون أن تنظر وراءها نظرةً واحدة ...

    تأمّلتُها مغادرة .. رأيت كعبها العالي الذي لا يناسب قدميها الصغيرتين .. أيقنت أن دبي نسَت كلّ شيء .. نسَت حينما كانت جنيناً في رحم الأرض كيف عبث ( البرتغاليون ) برماحهم السوداء على رمالها الصفراء ليزرعوا الصحراء ملحاً و شرّاً و ساديّة و طمعاً لا يشبع .. نسَت كيف عربد الإنجليز ذات يومٍ في بحرها و هتكت سفنهم المتوحّشة عذريّة أفقها الأزرق .. نسَت كيف تمدّدت شرايين الرجال المتعبين على أشرعة السفائن التائهة لتلقي نظرة وداعها الأخيرة على الشاطئ البعيد الذي كان ينتظر أصدافاً تنفتح عن لآلئ بيضاء بلون الثلج المالح ..

    دبي لم تحتفل بي .. كنتُ وجهاً معتاداً و روتينيّاً للغاية من بين ملايين الوجوه الهنديّة و الأوروبية و القوقازية و الآسيوية التي احتلّت مساحة الرؤية .. تجاهلَتني تماماً .. و تجاهلَت أيضاً أني أحبّها جداً ...

    تجاهلَت دمي الذي كان يحترق غيظاً و أنا أبحث عن عينين عربيّتين أتغزّل فيهما كما يجب .. و تجاهلَت لساني الذي عوجتُه و جعلته يرطن بكلّ ألسنة الأرض كي أستطيع فقط أن أحكي معها كما تريد .. و تجاهلَت جسدي الذي كان يشتاق إلى أن يسبح في بحر العرب دون أن يشاهد أسماكاً غريبة تطوف من حوله ...

    أيتها المدينة المرمريّة ..
    ظلمناكِ كثيراً .. جعلناك امرأةً بسرعة .. و جلسنا نتغزّل فيكِ دون أن ننتبه لطفولتكِ المسفوحة على مذبح أحلامنا المجنونة ..
    لم نعلّمك الكلام .. فنسيتِ اللغة ..
    لم نعلّمكِ المشيَ .. فهرولتِ متأرجحة ..

    لم أوّدعها .. مشيت بسرعة بعد أن أدركتُ أنّها لا تبالي حتّى بإرسال رسالة وداعٍ صغيرة .. و من الطائرة .. ألقيت نظرةً أخيرة على جسدها الذي ينمو في كلّ اتّجاه .. غصصتُ بحرقتي ..
    و أغلقتُ النافذة ..




    مدينة / امرأة أخرى ..

    يتبع ..
    عُدّل الرد بواسطة ربيـع : 28-12-2010 في 05:23 AM

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    بلا ذاكرة ..
    و كالعادة أيضاً .. حضورك يسعدني دوماً ..
    زيديني سعادة .. بالله عليك ..


    **********************
    سوسن ..
    بيروت تغنّي بكلّ الأصوات .. و فيروز تغنّي في كلّ المدائن ..
    لكن - صدقتِ - يُجبَل صوتها مع طين المباني و إسفلت الشوارع و بلاط الأرصفة المبللة بمطرٍ شتويّ لا يجف ..
    هي فيروز .. و تلك بيروت ..
    آهٍ يا فيروز .. أين ذهبتِ ..!!!

    سوسن .. شكراً لمجيئك هنا ..


    ****************************

    لودميلا ..
    بيروت تفاحة .. لكنّها غير صالحة للأكل ..
    ربّما نحن لا نتقن فنّ تذوّق التفاح

    سيّدتي .. مع كل رشفةِ قهوة ..
    شكراً .. شكراً .. شكراً ..

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    لكلّ المدنِ على وجه الأرض تاريخٌ ما .. شهادة ميلاد يكتبها لها التاريخ - ذلك الشيخ الكبير الذي يعطي كلّ بنيّاته وثائق ممهورةٌ بتوقيعه الأصيل - تثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّها كانت هنا يوماً .. و أنّها شاركت بشكلٍ ما في صنع تفصيلٍ صغير أو كبير من لوحة العالَم الهائلة ...

    لكلّ مدينةٍ سنة ولادة .. نقطةٌ معيّنة على خطّ الزمن المستمرّ منذ أن وعت البشريّة ذاتها .. تأريخاً معيناً بدأت فيه تحكي بلغتها و تنشد بصوتها و ترقص يإيقاعها و تشارك مع كلّ أخواتها من مدن الأرض في صنع هذه الملحمة الإنسانيّة التي لم تتوقّف يوماً عن إذهالنا و إمتاعنا و تشكيل أفكارنا مع كلّ مغامرة مدهشة من مغامرات المدن التي لا تستسلم للموت بسهولة ..

    لكن حلب لم تولَد في زمنٍ ما .. بل هي وحدها من كانت شاهد عيان على ولادة التاريخ نفسه .. و وحدها من راقبَته فيما بعد حينما كبر و هو يستولد المدن العظيمة في دورة الحياة و الموت الأزلية ..

    حلب دوماً كانت هناك ..

    لا توجَد ملحمة هائلة من تاريخ العالَم القديم لم تعرفها حلب .. و لا توجَد شخصيّة عظيمةٌ من شخصيات الأرض لم تتعمّد بماء حلب .. لم ينسَ ابراهيم الخليل أن يمرّ بها و يرتاح على أعتاب صخورها البيضاء يوم ارتحل من أور في العراق إلى فلسطين .. و لم يستطع الاسكندر المقدونيّ أن يتجاهل قامتها المديدة حين كان في طريقه للهند فأقام في قلعتها المذهلة قليلاً ليأخذ قيلولةَ صغيرة قبل أن يغزو مشرق الشمس كما كان يحلم .. أمّا تحوتمس الثالث فلم يدرك أنّه أحرز نصره المبين في سوريا إلاّ حين رفع خوذته الذهبية على أسوار حلب ..

    في حلب .. أنتَ في حضرة أمّ حقيقيّة ... و ككلّ الأمهات أنتَ لا تستطيع إلاّ أن تحترمها ..

    تجلس أمامها مرتبكاً .. تضطر أن تطفئ سيجارتك حفاظاً على مشاعرها .. لا تجرؤ أن تضع ساقاً على ساق و لا أن تسترخي قليلاً في جلستك .. تتلعثم قليلاً بالكلام .. لكنّها ككلّ سيّدة مهذّبة خبيرة تشعر بارتباككَ الطبيعيّ فتبادرك هي بالحديث مبتسمةً باحتشام و تستطيع بلباقة مفرطة أن تخرجكَ من مقام حيرتك و تردّدك لتدير معكَ حديثاً رائقاً تنسى نفسك في بحر معرفتها و لطفها و رقّتها فتبدأ شيئاً فشيئاً بالتحرّر من تحفّظك و تسترخي في مقعدك لتتركها تقودك بمعرفتها بأسرار النساء ...

    و في اللحظة التي تجتاز فيها بوّاباتها القديمة تركع في محراب السحر الذي قادكَ إلى هذه المغامرة المدهشة و تشعر توّاً أنّك انفصلت عن زمنك المعتاد و أصبح لكَ زمن آخر لا تستطيع أن تعيشه بحذافيره إلاّ في حلب ..

    تستند إلى حائطٍ ما فيخبروك أنّ هذا الحائط استند عليه منذ ألف عامٍ رجلٌ متعَبٌ في انتظار قافلته التي تأخّرت قليلاً في طريق عودتها من الهند .. و تهبط سوقاً ما فتشمّ فيه رائحة ستة قرونٍ من الحرير و الذهب و التوابل و ألف قرنٍ من الخبرة و الشجاعة و المغامرة .. تطلع تلّة صغيرة و تنبش الأرض تحتك فترى على بعد سنتيمترات قلائل رأس تمثالٍ كان ذات يومٍ يزيّن معبداً رومانياً صغيراً .. تمشي على سور قلعتها الهائلة و تسأل حلب مذهولاً متى بنت هذه القلعة فتجيبك ببساطة أنّها هنا قبل أن يتعلّم العالَم الكتابة ..

    و ككلّ الأمّهات دافعت حلب عن أولادها بشراسة .. ذاقت طعم المرّ و الحرمان و الجوع حين غزاها جيش الصليبيين و وقف على أسوارها الحجريّة العتيقة ليحاصرها ستة أشهرٍ كاملة أكلت خلالها حلب لحوم الحمير و الكلاب و القطط و دافعت عن شرفها بشجاعة قبل أن يوقن الغزاة أنّهم أمام امرأة مختلفة لن يستطيعوا أخذها سبيّة كما اعتادوا في حروبهم البربرية .. فلملموا حقدهم و شرّهم و ذئبيّتهم التهمة و رحلوا ككلّ لصوص الأرض عن قلعتها الشريفة في جنح الظلام ..
    و يقول توينبي : لو سقطت حلب .. لكان الشرق كلّه اليوم مسيحياً ...!!

    و في حلب .. تستطيع أن تشاهد في شارعٍ واحد جامعاً بمآذن أربعة و كنيسةً بأجراسٍ ذهبيّة و قبّة هائلة و كنيساً يهودياً صغيراً هجره اليهود بعد أن ارتحلوا عن هذه الأم التي ربّتهم و أطعمتهم أكثر من ألف عام ..

    و حلب دخلت موسوعة غينيس مرّتين .. مرّة بسبب قلعتها التي تعدّ أقدم قلعةٍ على وجه الأرض .. و أسواقها القديمة المسقوفة التي هي أطول أسواقٍ قديمةٍ في العالَم .. و حينما تدخل مشارف حلب يخبرونك ببساطة أنّه عليكَ أن تنتبه .. فهي المدينة الوحيدة التي تعدّ كلّها بأحيائها و مساكنها و أسواقها و معابدها جزءاً من التراث الإنسانيّ العالميّ الذي يخضع لإشراف ( اليونسكو ) فوراً ..

    تدخل إلى سوقٍ ما .. فيخبرونكَ أنّه خان ( البنادقة ) حيث كان سفراء البندقيّة يجلسون هنا يتجادلون مع الحلبيين حقوق التجارة و أسعار البضائع القادمة من الهند و الصين بأحمالٍ هائلة .. و على بعد خطوات ترى مبنى آخر فتسأل عنه لتعلَم أنّه كان مقرّ السفارة الفرنسية التي اختارت أن تكون حلب هي أوّل مكان تبعث فيها سفاراتها للشرق المسلم كلّه ..!!

    كلّ من كان يرحل شرقاً يمرّ ليتوضّأ و يصلّي و يلقي السلام على حلب و يلوّح لها مبتعداً .. و كلّ من كان يريد أن يتغرّب يمرّ ليقبّل يديها و يرتاح في حضنها قليلاً قبل أن يواصل المسير , و كانت البضائع التي تنزل في خانات حلب في يومٍ واحد تفوق ما ينزل في خانات القاهرة في شهرٍ كامل ..

    و في حلب .. لا يوجَد بيتٌ ليس فيه غناء ..

    تدخل مطعماً لتتناول فيه طعام العشاء فترى أحدهم يدندن بالعود لحناً تشمّ فيه رائحة الشرق حين يطرَب و يتزنّم بألحان الحياة .. تدخل سوقاً لتشاهدَ رجلاً بطربوشٍ أحمر يغنّي أمامك شعراً فصيحاً بألحانٍ لا تملك إلا أن ترقص معها بروحك و جسدك فتدرك أنّك أمام موشّح حلبيّ أصيل ينتشلك من كلّ الضجيج حولك و يراقصك بكلّ سعادة و حبور .. تخرج إلى العراء لتشمّ هواء حلب الليليّ فتفاجئكَ ألحانٌ تطير إليكَ من الجوار حيث يتجمّع شبابٌ و يغنّون قدّاً حلبياً يرقص له الهواء بنعومة كما النسيم الذي يداعب وجنتيك بلطافة ..

    و إلى حلب حجّ سيّد درويش ليتعلّم من مشايخها أصول اللحن .. و محمّد عبد الوهاب الذي خضع لحفلةٍ اختباريّة يمتحن بها الخبراء صوتَه قبل أن يقدّموه للعامة كي لا يفسدون مسامعهم بأصواتٍ هزيلة .. و فيها لا يزال صباح فخري يعلّم أجيالها كيف يكون الغناء الحقيقيّ بعد أن دخل هو بدوره موسوعة غينيس بأطول فقرة موسيقيّة أحياها مطربٌ بمفرده لفترةٍ تجاوزت ستة عشر ساعة متواصلة ..

    و في حلب تدرك كيف تستطيع امرأة أن تتزيّن بالحجر ..

    حين أتيتُها كانت تجلس جانبي سائحة ألمانية .. فغرت فمها بدهشة و هي تتطلّع إلى مبانيها الأنيقة المبنيّة من الحجر السوري القاسي .. و إلى هذه الغابة المذهلة من الفسيفساء الحجرية التي تجعل من كلّ مبنى تحفةً فنيّة كاملة .. و أخبرتني و هي تنظر عبر النافذة أنّها في حياتها كلّها لم تكن تتخيّل هذا الكمّ من الجمال الذي يمكن أن يطلع من الحجر ليصبح في النهاية مجرّد منزل أو متجر عاديّ ..

    و ككلّ أمّهات الأرض .. حلبٌ امرأة مشغولةٌ دوماً ..

    تذهب إلى المطبخِ لتحضّر لكَ أشهى ما يمكن أن تذوقه يوماً من أصناف الطعام الذي لا تأكله إلا في حلب .. و حتّى لو كنتَ ناقداً صعب الإرضاء فلا يمكنك إلاّ أن تغمض عينيك مستسلماً للذّة الطعم الذي يذوب في فمك مشبعاً بآلاف أنواع التوابل و الخلطات و الفطنة و الحب الذي تتقنه تماماً ككلّ الأمّهات الخبيرات ..

    لكن حلب ليست منبسطةً مع الغرباء كثيراً .. و ككلّ أمّ تعلّمت من خبرتها و تجاربها أن الغرباء قد لا يكونون طيّبين دوماً فهي تعاملك بتحفّظ في البداية .. تخفي عن أنظارك فتياتها الحسناوات .. و تقدّم لكَ فنجان القهوة بوقار لكنّها لا تجلس على الإطلاق على مسافةٍ قريبةٍ منك .. تبتسم لك بتهذيب لكنّك تشعر أنّها ابتسامات مجاملةٍ ليس أكثر ..

    لكن .. إن عرفَتكَ جيّداً .. و أيقَنت أنّك ولدٌ من أولادها الطيّبين الذين عاشت عمرها تدافع عنهم و تحميهم و تشقّ صدر الأرض لتخرج منه لبناً و عسلاً و رماحاً و صخوراً بيضاء ترسم عليها تاريخهم كلّه ..
    حينها فقط .. ستفتح لك ذراعيها و تحضنك بحنان أمّ حقيقيّة ..

    حلب ..
    حاولت أن أرحل عنك أمّاه ..
    لكنّ رائحة الطفولة لم ترحل عنّي ..
    و كلّما ابتعدت أكثر ..
    أحببتكِ أكثر ..




    مدينة / امرأة أخرى ..

    يتبع ..

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    بين جدران أربع بباب وشباك صغير لا يطل الا على الجدار الخامس
    الردود
    174
    ايهاالربيع كأنك اسما على مسمى تجعل كل المدن مزدانة بزهور جميلة بسماء صافيه
    لا أعرف عن دبي لأني لم أزرها لكن حلب فعلا كما قلت شعرت بها تطردني عندما خطوت على اسفلت شارعها ..ولكنك شجعتني لأزورها ثانية الآن
    شكرا مرة ثانية لمحطات جميلة توقفنا بها هاهنا
    ابق ساكناً قلبي ولا تُثر غبارك
    دع العالم يجد سبيله إليك
    طاغور

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المكان
    حيثما نودي الله أكبر
    الردود
    384
    التدوينات
    2
    ومتى يحين دور دمشق بالله عليك
    فقلبي يتحرق شوقا على ذكرها
    شكرا على مجهودك اللطيف

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المكان
    وطن بائس,
    الردود
    862
    أها... أها.. اممممم.. أهااا.. امم

    كلام جميل يا ربيع, يا صاحب الاسم الجميل, ولكنك تستخدم النساء مرة أخرى! النساء من جديد يا هذا..... وقد تعمّقت كثيراً ووصفت.. وخصوصاً دبيّ التي يمتدّ جسمها..

    معك الحق في كل ما قلت.. ولكن نصوصك هذه مجنونة.. ولن تدري أبداً الطريقة التي ستصل فيها إلى عقل القارئ.. خيالي العلميّ شخصياً قد اهتاج من كلامك وتحفّز!

    المدينة التي نسكن فيها نحن.. أمّنا.. تعتمد نظرتنا إليها إلى المكان الذي تحضننا منه, وكم هو قريب من قلبها؟ وكيف عاملتنا... أما المدن الغريبة.. النساء الأخريات.. حينها تكون الأحكام والانطباعات المتنوّعة مثل ما قد أمتعتني هنا يا ربيع..

    أعجبني تنكّر دبي لطفولتها, أحببت الكثير من الأفكار, أرعبتني من حلب, شهّيتني بيروت.. وشهّيتني أكثر أن تكون النساء المغاربيّات لهنّ مكان في حديثك.. أتمنى أن تكون قد تعرفت عليهنّ.. سافرت إلى تلك البلاد الحنونة.. أتمنى فقط..


    الله يسامحك يا ربيع, كلامك طويل وجميل ويضرب على ألف وتر.. شعرت للحظة إني محتاجة أن أثرثر لسنة تجاوباً مع كلماتك...

    وداع مؤقت مع كلماتك أيها الكاتب ,
    أختك شغف...

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    سيّدة في منتصف عمرها .. قصّت شعرها الأسود قليلاً ليناسب بعض تلك التجاعيد الصغيرة التي تحاول أن تخفيها حول عينيها .. تضع كحلها العميق حول عيونها التي ما تزال جميلة جداً .. ترتدي فستاناً فاخراً من الحرير الطبيعي الذي تتقصّد أن يتموّج كلّما خطت خطوة ليكشف و لو على استحياء بعض تفاصيل جسدها الذي ما يزال فتيّاً .. و تنهي زينتها بالعادة بأن تصبغ أظافرها باللون الأحمر و ترتدي في قدميها كعباً عالياً رزيناً ينبّه السامعين أنّ ثمّة أنثى بالجوار ..

    لكنّها رغم كلّ ذلك تحترم نفسها تماماً ككلّ سيّدة راقية و لا تسمح لجسدها أن ينكشف تماماً كما تفعل بيروت الشقيّة و ليست متحفّظة كما هي حلب .. علّمتها الأيّام أن تهدأ قليلاً و تخفّف صخب الشباب الأوّل رغم أنّها تحتفظ في أعماقها برغبة شديدةٍ في أن تبقى أنثى مكتملة ..

    هكذا كانت دمشق حينما رأيتها أوّل مرّة ..

    سيّدةٌ جميلة تصافحني مستقبلةً بكلّ لطفٍ و احترام و لباقة .. توازن بذكائها الفطري بين البسمة الباردة و القهقهة المنفلتة فتجعلني منجذباً إليها دون وعي .. لكنّي أشعر على الفور أني يجب أن أتعامل معها بلباقة و أناقة متشبّثاً بهذا الفيض من الجمال الذي أتعلّق به من أنفاسي منذ اللحظة الأولى التي وقعت عينيّ عليها ..

    دمشق امرأة تحبّها منذ النظرة الأولى .. فإن لم تفعل .. ارحل عنها بسرعة .. فأنتَ لن تحبّ أي مدينة أخرى على وجه الأرض ..

    إياكَ أن ترتكب تلك الحماقة و تتركهم يقودونك إلى فنادقها الفاخرة و صالاتها الأنيقة و مطاعمها الباهرة و آثارها النادرة .. لا .. أنتَ حينها سترى ملابس السيّدة فقط .. أما السيّدة نفسها فعليكَ أن تتجوّل قليلاً لتبحث عنها ..

    تراها هناك في شاغورها و ميدانها .. حيث بقي الرجال رجالاً .. و نساء دمشق ما زلنَ نساءا ..

    هناك .. في أرصفتها المتربة حيث يخطو الناس مرهَقين آخر اليوم عائدين إلى بيوتهم يحملون في أيديهم فاكهةً حلوة و يتبادلون بعض النكاتِ مبتسمين قبل أن تنغلق أبوابهم على الأحلام التي لا تتحقّق ..

    هناك .. على جذوع أشجارها العتيقة حيث حفر العشّاق بعيدانهم الساذجة قلوباً و أحرفاً أولى من الأسماء التي ربّما قد تكون ماتت منذ دهور لكنّها بقيت هنا .. على جذع شجرة عتيقة تحكي قصّة حبّ تافهةٍ جداً انتهت كما تنتهي كلّ قصص الحب عندما تموت العصافير ..

    هناك .. حيث تصحو دمشق في غوطتها لتأخذ نفَساً عميقاً من الهواء المبلل برائحة الورد الدمشقي قبل أن تتناول كأساً من الشاي و بعض الجبن المخلوط بحبّة بركةٍ سوداء صغيرة تمضغها على عجل لتبدأ نهارها كما تفعل كلّ النساء النشيطات ..

    هناك .. حيث تمشي خطوةٍ صغيرة نحو عيونها الخضراء و تجلس في مقهى ( أبو شفيق ) الذي ما تزال صورته العتيقة تتصدّر مجلسكَ لتخبركَ عيونه الطيّبة بكلّ لطفٍ أن دمشق كلّها تجلس إلى طاولتك و تذيقك من طعامها و ابتساماتها و رقّتها ما يجعل من النهر المجاور لك نهراً من عسلٍ و فرح ..

    تسأل دمشق و هي تسير بجانبك و تمسك برقّةٍ راحتك :
    - أيا دمشق.. يا سرّة الأرض .. عذراً .. لكن .. لمَ لم تموتي و قد ماتت من قبلك مدائن أعظم و أكبر .. لماذا بقيت أنتِ وحدك يا ستّ النساء ؟؟؟
    تضحك دمشق من قلبها .. تنظر إليكَ بدلال و حب .. تهمس لك :
    - لا أدري .. ربّما لأنّ بعض الأمكنة لا يمكن إلاّ أن تكون مدينة .. ما رأيك ..؟؟
    ألست ذكيّة كفاية لأن أنتقي هذا المكان ..؟؟
    تتطلّع إليها بإعجاب و تتذكّر على الفور أن غوطتها الخضراء كانت ذات يوم إحدى أجمل ثلاث بقاع على وجه الأرض ...

    و حين تمشي في دمشق تفهم تماماً لماذا أصبح نزار قبّاني أعظم شاعر و سيّد عشّاق الأرض .. فمن يعرف جمال و طهارة هذه الحسناء لا يمكن إلاّ أن يصبح شاعراً حين يكبر ...

    كانت ( شام شريف ) ذات يوم حين كانت المدينة الوحيدة في العالَم تقريباً التي لا يوجد فيها دار دعارةٍ واحدة ..

    و كانت أيضاً ( شام شريف ) حين أبى يوسف العظمة أن يسلّم دمشق هكذا للفرنسيين دون أن يهمس لها بحزنٍ قبل أن يموت وحيداً في ثنايا ميسلون : سيأخذونكِ يا دمشق .. لكنّك ستبقين شريفة رغم أنوفهم ...

    و كانت ( شام شريف ) أيضاً حين دخل غورو على قبر صلاح الدين شامتاً ليقول له بكلّ عنجهيّة : هاقد عدنا يا صلاح الدين .. فيجيبه العملاق االمتمدّد المكبّل بسلاسل الموتِ الثقيلة دون تردّد : و أنا عائدٌ أيضاً , لا تفرد قدميكَ كثيراً .. لتصبح دمشق المرأة الأولى التي طردت الأغراب سريعاً و جلسَت مع صويحباتها تغنّي في ربوتها الخضراء : يا مال الشام .. و الله يا مالي .. طال المطال .. يا حلوة تعالي ..

    و كانت ( شام شريف ) حين بنت جامعها الكبير - و هو ثالث أقدم جامع في العالَم - في تلك البقعة المدهشةِ من أرضها التي كانت من عهد النبي هود مكاناً لا ينقطع فيه السجود و لا تتوقّف ترانيم المسبّحين بمجد الله و عظمته و محبّته ..

    هدّمت دمشق ألف مرّة .. هدمها المغول و الصليبيين و الفرنسيين و كلّ من مرّ من هذه المدينة العجيبة . لكنّها كانت كلّ مرة تنهض من جمر احتراقها كالعنقاء لتنفض الرماد عن جسدها الفتّان و تستعيد حيويتها المذهلة و تركض نحو ( قاسيون ) تروي له الحكاية من البداية و تخبره و هي تشرق بدموع حزنها و غيظها أنّها ستدفن أولادها اليوم ..
    و غداً ستلد أولاداً جدد ...

    دمشق ليست امرأة عاديّة على الإطلاق ..

    الياسمين يعشق دمشق .. ( يتعربش ) على واجهات المنازل بحب .. يفترش الطرقات .. يتسلّل بين عروق المشربيات الخشبية .. يتسلّق أعمدة النور .. و يهبط من الأسطحة المتشبّعة بالنور و الندى و الهواء المنكّه بضحكات الصبايا و غناء الأطفال الصاخبين ..
    و حين تعلّق دمشق على رقبتك - و هي تضحك - طوقاً من ياسمينها الأبيض .. حينها فقط .. تدرك لذّة الحبّ الطاهر حين كان ما يزال ياسمينة بريّة ..

    كلّ ورود الأرض تكبر في دمشق .. تشرب ماء ( بردى ) الذي نزف حتّى آخر قطرة كرمى عيونها السوداء الجميلة .. و تستنشق هواءها المضمّخ بالحب و الجمال و أحلام العذارى الراقدات في سرير دمشق الدافئ ..

    لكن دمشق تغيّرت منذ أن عشقها نزار .. لبست أثواباً جديدة .. استوردت عطوراً جديدة من خلف قاسيون .. لم تعد تبالي كثيراً إن انكشفت ساقيها أكثر من الحدّ اللائق الذي اعتادت عليه .. بدأت تصخب قليلاً و تلوّن عينيها بظلالٍ قرمزيّة .. لكنّها .. رغم كلّ ذلك .. ما تزال تملك روح دمشق و عطرها الأصيل و شجرها الأخضر و ياسمينها المختبئ في الخزانة القديمة ينتظر أن تزوره بين الحين و الآخر لتستنشق منه رائحة زمانها الأوّل ..

    هدّها التعب و وجع السنين العجاف .. بدأت تناوش عينيها الجميلتين بعضُ التجاعيد الصغيرة التي تحاول أن تخفيها بكلّ ذكائها الفطريّ .. بدأت آلام الروماتيزم تؤرّق ركبتيها فتحرمها أن تنام بهدوءٍ كالملاك كما كانت تفعل منذ ألف عام .. حاصرتها أحزمة الفقر و القبح و أحياء الغبار فبدأت تقلق قليلاً و هي تفكّر - مبتسمةً - بهذه المشكلة الطارئة مدركةً أنّها بخبرتها النسائيّة المذهلة تستطيع بلا ريب أن تجد حلاً يرضي الجميع ..

    كانت تثلج حين زرتها يوماً .. لم أستطع أن أغالب فضولي و ركضت من فوري إلى قاسيون لأرى دمشق كلّها من بين الهواء المغبّش بالندف المتطايرة و لأدرك تماماً عبقريّة هذا المكان الفريد الذي انتقته من بين كلّ أمكنة الأرض الفسيحة ليكون بيتها الذي بنته قبل أن يتعلّم العالَم ماذا تعني بالضبط كلمة ( مدينة ) ..

    زرتها ثانيةً في صيفها القائظ .. جلستُ في مقهى دمشقيّ عتيق .. و على الطاولة و أنا أرتشف كأس العصير المثلّج قرب ( البحرةِ ) الزرقاء .. علمت كيف يمكن للعشّاق أن ينحروا أعمارهم في عشق هذه المرأة الجميلة حين كان شاعرٌ بملابس رثّةٍ يرتجف فقراً و كبراً و هو يتغزّل بدمشق التي لم يغادرها في حياته أكثر من يومٍ واحد ..

    لا أدري بالضبط ما هو سرّ هذه المدينة ..؟؟
    ربّما نحن لا نحتاج إلى مبرّرات حين نعشق النساء ..
    ربّما ينبغي علينا أن نعشقهنّ فقط ..
    دون أن نفكّر بأي مبرّرات ..

    غادرتها دون كلمة وداع ..
    لأني أدرك تماماً أنّها لن تتركني أودّعها ..
    دون أن تجبرني على البكاء ..






    مدينة / امرأة أخرى ..

    يتبع ..

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة لودميلا عرض المشاركة
    لا أعرف عن دبي لأني لم أزرها لكن حلب فعلا كما قلت شعرت بها تطردني عندما خطوت على اسفلت شارعها ..ولكنك شجعتني لأزورها ثانية الآن
    لودميلا .. صاحبة الإسم الجميل ( الذي لا أعرف معناه ) ..

    نعم .. ربّما كنتِ محقّة في إحساسك هذا .. لكن صدّقيني ... أنا أعرف حلب جيّداً و أدرك أنّها في اللحظة التي تقدّمين لها نفسك بمحبّة و لطف و تصافحينها بودّ ابنةٍ مشتاقة .. ستحضنكِ بكلّ ما في أمّهات الأرض من حنان ..
    فقط .. هي تريد منكِ أن تعرفيها جيّداً ..

    يبدو أنّ بعض السيّدات لهنّ مزاجٌ خاص ..

    مررتِ أهلاً يا لودميلا ..
    شرّفتِني و الله ..

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة شاعر الورد و النار عرض المشاركة
    ومتى يحين دور دمشق بالله عليك
    فقلبي يتحرق شوقا على ذكرها
    شكرا على مجهودك اللطيف
    هاهي دمشق يا شاعرنا ...
    أتمنّى فقط ألاّ أكون قد خيّبتَ ظنّك ..
    فــ ( دمشق ) لم تخيّب ظنّي يوماً ..

    كن هنا دوماً ..

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    مو شغلك ..
    الردود
    323
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة شغف المعاندة! عرض المشاركة
    أها... أها.. اممممم.. أهااا.. امم

    كلام جميل يا ربيع, يا صاحب الاسم الجميل, ولكنك تستخدم النساء مرة أخرى! النساء من جديد يا هذا..... وقد تعمّقت كثيراً ووصفت.. وخصوصاً دبيّ التي يمتدّ جسمها..

    معك الحق في كل ما قلت.. ولكن نصوصك هذه مجنونة.. ولن تدري أبداً الطريقة التي ستصل فيها إلى عقل القارئ.. خيالي العلميّ شخصياً قد اهتاج من كلامك وتحفّز!

    المدينة التي نسكن فيها نحن.. أمّنا.. تعتمد نظرتنا إليها إلى المكان الذي تحضننا منه, وكم هو قريب من قلبها؟ وكيف عاملتنا... أما المدن الغريبة.. النساء الأخريات.. حينها تكون الأحكام والانطباعات المتنوّعة مثل ما قد أمتعتني هنا يا ربيع..

    أعجبني تنكّر دبي لطفولتها, أحببت الكثير من الأفكار, أرعبتني من حلب, شهّيتني بيروت.. وشهّيتني أكثر أن تكون النساء المغاربيّات لهنّ مكان في حديثك.. أتمنى أن تكون قد تعرفت عليهنّ.. سافرت إلى تلك البلاد الحنونة.. أتمنى فقط..


    الله يسامحك يا ربيع, كلامك طويل وجميل ويضرب على ألف وتر.. شعرت للحظة إني محتاجة أن أثرثر لسنة تجاوباً مع كلماتك...

    وداع مؤقت مع كلماتك أيها الكاتب ,
    أختك شغف...
    طيب يا أختي يا شغف .. ماذا أفعل ..!!!
    المدينة في اللغة العربية كلمة مؤنّثة و لم أستطع أن أتمرّد على ( تأنيثها ) هذا فأتّهم أنّي خارجٌ عن القانون ..
    تعرفي ..؟؟
    في اللغة الألمانية تصنّف الأسماء إلى مؤنّث و مذكّر و جنسٍ آخر هو المحايد الذي لا جنس له ..
    لكن .. مع ذلك .. فالمدينة عندهم مؤنّثةٌ أيضاً ..

    أرأيتِ .. هناك إجماع فيما يبدو أن المدن يجب أن تكون نساءاً ..

    سأخبرك شيئاً يا شغف ..
    حين أدسّ أنفي في تفاصيل مدينةٍ ما فأنا أبحث عن ثقافة المكان .. عن تلك الروح الأصيلة الكامنة في الأشياء و التي تصنع لكلّ مدينة ( شخصيتها ) المتفرّدة ..
    أتقصّد دوماً أن أهرب من الطقوس المألوفة المعتادة التي يعلّموننا أن نتعامل بها مع المدن / النساء .. لا أبالي على الإطلاق بقواعد الأتيكيت و لا بالانحناءات المجاملة و لا أهتمّ كثيراً أن أتأمل الوجه الأوّل لأي مدينة ..
    على الدوام هناك وجهٌ آخر .. و هو وحده ما أهتمّ أن أراه ..

    لا تهمّني أناقة الأرصفة .. يهمّني أكثر تاريخ من مشوا عليها ..
    لا تهمّني هندسة المباني .. يهمّني أكثر أصوات من يسكنوها .. أحلامهم .. غناءهم .. ضحكاتهم التي امتزجت بإسمنت البناء و إسفلت الشوارع و جذوع الأشجار المهجورة .. فأرى المدينة كلّها كما أرى أيّ امرأة حقيقيّة ..
    حينها فقط أستطيع أن أصفها كما أصِف أيّ امرأة ...

    بالنسبة للنساء المغاربيات .. فعليّ أن أعتذر منكِ و منهنّ .. فلم أتشرّف بلقاء إحداهنّ بعد ..

    ثرثري يا شغف كما يحلو لكِ ..
    و هل نملك إلاّ ثرثراتنا هنا ..؟؟؟

    فرحتُ جداً أنّكِ هنا ..
    تسلمين .. تسلمين ..

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المكان
    حيثما نودي الله أكبر
    الردود
    384
    التدوينات
    2
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة ربيـع عرض المشاركة
    هاهي دمشق يا شاعرنا ...
    أتمنّى فقط ألاّ أكون قد خيّبتَ ظنّك ..
    فــ ( دمشق ) لم تخيّب ظنّي يوماً ..

    كن هنا دوماً ..
    لا ورب السماء لم تخيب ظني بكلمة
    لقد نبض قلبي بسرعة قلب العاشق المجنون
    وانا من دمشق أقسم بأننا سنحافظ على(شام شريف)
    مهما كانت القوى التي سنواجهها ومهما كان الثمن
    وإن امتلكنا شيئا أغلى من أرواحنا فسندفع دون ندم يلحق بنا
    ودمشق الفتية ستبقى فتية عبر دمائنا المتجددة
    ألف ألف شكر لك ولقلبك النابض بالإبداع

    واقبل مني بعض ما قال سيد العشاق عن عشقه الأول:
    هذي دمشق وهذي الكأس والراح
    إني احب وبعض الحب ذباح
    أنا الدمشقي لو شرحتموا جسدي
    لسال منه عناقيد وتفاح
    ولو فتحتم شراييني بمدرككم
    سمعتم في دمي أصوات من راحوااااااااااااااا
    بارك الله بك ياربيع الطيب

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    بين جدران أربع بباب وشباك صغير لا يطل الا على الجدار الخامس
    الردود
    174
    وها أنا أعود لأشاهد دمشق تسير بخطى الواثقة إنها تستحق الأفضل والأجمل والأرقى
    تستحق اعجابك وتستحق بكاءك حين فارقتها
    دمشق لا سر فيها بل هي السر
    في هوائها آهات ألم وصدى فرح معتق
    وفي سمائها رغبة لتزل إليها وتحضنها لأنها مدينة تعلن نفسها بكبرياء لا يحتاج إلى أن ترفع رأسها للسماء
    قاسيونها يعانق السماء ويهمس لها هاهي من تنافس سموك وتغارين من أضواء بيوتها التي تلتم ككرنفال صامت
    يعلن الأمل وأن على هذي الأرض ما يستحق الحياة
    ما عاد الشكر يكفيك يا ربيع
    فماذا سأقول لك غير أني أنتظر كلماتك كمن ينتظر شمس الصباح بعد ليل طويييييل
    أنا أيضا سأتبعك حينا حللت في مدنك فتحملني
    "اسمي معناه الشخص اللي نجمو محبوب "
    دمت بخير
    ابق ساكناً قلبي ولا تُثر غبارك
    دع العالم يجد سبيله إليك
    طاغور

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    هنا وهناك
    الردود
    72

    الحمد لله على السلامة !

    عودة حميدة يا صديقي،
    أكاد أقسم أنك أحد اثنين إما شامي أتيع (عتيق بلغة الشوام القدماء) وإما مشبع بنزار حتى العظم فاختر أقربهما إليك
    دعني أضيف إلى معلوماتك عن مدينتي، أمراً صغيراً، هي شام شريف أيضاً لأنَّ فيها قرية اسمها الصالحية (أصبحت أحد أحياء المدينة اليوم وهي غير السوق التجاري وإنما في منطقة العفيف) سميت بهذا الاسم من كثرة قبور الأولياء والصالحين فيها إلى درجة أن الأقدمين كانوا يخلعون أحذيتهم عندما يدخلونها خشية أن يدوسوا، بغير علم، رفات أحدهم ومازالت المساجد وأبنية المدارس العلمية التي تحتضن رفات بعضهم قائمة إلى اليوم.
    شكراً على كلماتك الرقيقة والأنيقة بحقِّ مدينتي.
    أهلاً بعودتك.

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    بين الحقيقة والخيال
    الردود
    954
    ربيع ..
    وصفك تحليلي عبقري للمدن و بكلمات شاعريّة أخاذة ..
    .

    بيروت ..أولّ مرّةً رأيتها فيها منذ فترة بعيدة كان صوت فيروز يسبقني ليرسل لبيروت سلامٌ.. وقبلٌ للبحر والبيوت
    و رأيتها كما أنت , امرأة متحررة جدّاً يداهمها الغرور كثيراً فتكثر من لكناتها الغربية , وتستعرض ثقافاتها العديدة
    إلّا أني فيها افتقدت الرّوح , وحاصرتني الغربة رغم قربها من حيث أعيش .
    .
    يقولون أن هناك بعض الأماكن حين تراها أول مرة تفقد فيها ذاكرتك.. هكذا كانت دمشق بالنسبة لي .
    بأبوابها الشرقية وبمزيجها السكاني المتعدد الوجوه والأشكال وبرائحة تاريخها المزخرف ببطولات عتيقة وبكلام المجد في الكتب .
    .
    حلب .. مدينة ذات نسيج خاص تختلف كثيراً كثيراً عن غيرها .. تجبرك على الالتفات إلى كلّ تفصيلةٍ فيها وإلى كلّ تحفةٍ حجرية لتعرف نفسك أين أنت .!
    رغم انغلاقها وتقوقعها على نفسها إلّا أنّ ثقتها الشديدة بنفسها تجبرك على عشقها ومعاودة زيارتها تكرارا .
    .
    دبي .. رغم أنّي لم أرها .. لكن ليس صعباً أن تتعرف عليها في صورها التي تملأ الأمكنة
    مدينة معلّبة فارهة تستورد كل تقنيات القرن الواحد والعشرين لتصدّره جمالاً .. حداثياً .
    .
    ممتع جدّا
    بانتظار التتمّة .
    (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفْ).

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المكان
    وطن بائس,
    الردود
    862
    أعتقد يا أخي أنك ستكسب الكثير من الأشخاص بحديثك عن دمشق.. الدمشقيون عندهم شغف بالقراءة عن مدينتهم.. أعتقد أنهم يعتبروه نوع من الغزل

    اممم..
    لا أدري بم أصنّفك.. خبير محنّك بطبيعة النساء.. أم خبير متعمّق بالمدن !
    عموماً, لو قرأ لك بعض النقّاد مثل عبد الله الغذامي لقال أن الأمر ها هو يتكرّر.. الأنثى مجرّد ملهمة في الأدب العربي.. والرجل هو من يقرّر ويصف وينتقي على كيفه.. (يعني مش أنا اللي عم بقول, عم بحكيلك آراء النقّاد فقط)


    بعيداً عن كل شيء, واللهِ أجدت جداً بالحديث عن دمشق, حتى أن نسبة مشاعر الانزعاج ستكون 30% في داخلي إن لم تخبرني مدى علاقتك بدمشق؟!
    2 زيارة فقط!؟ هل يعقل هذا؟!

    بالفعل, دمشق تخطو خطوة للأمام خطوة للوراء في تردّد.. تعامل التطوّر بحذر.. تأخذ الأمور ببطء, تتمهّل جداً كامرأة أربعيّنية.. اكتسبت حكمة الشيوخ لكنها ما تزال في جسد أنثى يتغنّج..
    بالفعل.. بالفعل.. بالفعل.. (ردّدت هذه الكلمة بعد كل كلمة قلتها عن دمشق).. أعتقد أنني سأتوقّف عن الثرثرة الآن.. ليس مقاماً مناسباً

    بانتظار المدينة التالية.. بعيداً عن الفنادق والقشور التي تزعم أنها تحكي الحكاية كلها..
    ربيع, شكراً

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المكان
    هنا وهناك
    الردود
    72
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة شغف المعاندة! عرض المشاركة
    أعتقد يا أخي أنك ستكسب الكثير من الأشخاص بحديثك عن دمشق.. الدمشقيون عندهم شغف بالقراءة عن مدينتهم.. أعتقد أنهم يعتبروه نوع من الغزل


    2 زيارة فقط!؟ هل يعقل هذا؟!
    يجب أن تجربي العيش في دمشق لتعرفي لم تشغفنا حبّاً، إنها مدينة تسكنكِ قبل أن تسكنيها...

    ونعم، يعقل أن يقع المرء في غرام دمشق (المدينة) من زيارة لا اثنتين وقديماً قالوا من يشرب من ماء دمشق لا بد عائد إليها...

    اللهم بارك لنا في شامنا.

    تحية دمشقية.

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •