Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: الرجل الطاووس

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الردود
    26

    الرجل الطاووس

    الرجل الطاووس

    ـ توقّف ... توقّف .. ابتعدوا من فضلكم .. تفضّل ، تفضّل يا سيدي .
    وتقدم الرجل الطاووس بين الأجساد بين الأجساد المتلاصقة يمشي متثاقلاً وكأنه في موكب رسميّ يستعرض حرس الشرف ، حتى دخل المصعد الكهربائي العجوز .
    وجدت نفسي أوعود بضع خطوات إلى الوراء ، حيث قذفتني قدمي في اللحظة الحاسمة ، ورأيت من الأكثر حضارة أن أتأخر عن العمل .. وأنال أي نتيجة منتظرة ، على أن أحضر ذلك المشهد السينمائي الهزليّ الصامت ، الذي قفز فجأة بالأبيض والأسود من الزمن القديم ، وبحركاته المتسارعة وصمته المطبق
    لكن سبب الصمت كان مختلفاً هنا ، فهو لايعود إلى التقنية المتأخرة كما في السينما القديمة ، بل إلى العبثية الغريبة والاضطهاد الذي كانت تتم ممارسته ببساطة شديدة ومألوفة .
    ـ عفواً ... لكن ياسيدي ...
    تقدم عامل المصعد محاولاً إنقاذ الموقف ، لكنّ محاولته الهشّة باءت بالفشل ، وأقلع المصعد الكهربائي بصعوبة بالغة حاملاً إعداداً تفوق طاقته ، ولم تراعِ شيخوخته وكبر سنه ، سريعة مرّت تلك اللحظات التي كانت تحمل نهايته ، ليتوقف بعدها ذلك الإختراع العظيم معلناً إفلاسه ولم يتمكن الرجل الطاووس من الوصول إلى عمله في الوقت المناسب ليعتلي عرشه .
    أما تلك التشريفات التي رفعت من شأنه ، ووضعت على صدره أوسمة المجدي ، فقد ذهبت في مهب الريح ... واستبقاه ذلك السجن الضيق رهن الاعتقال نصف ساعة من الزمن ، بين مجموعة من الأجساد البشرية في ذلك الجو الصيفي الخانق .
    وكان كل جسدي سجيناً داخل نفسه بين أضلع متقاربة متلاصقة منحنية ، وسجيناً بين سبعة أجساد تحيط به .. تطبق على نَفَسِهِ وعمره وتشاركه الزمان والمكان والفراغ ..
    حبّات العرق التي كان يطرحها ذلك الجلد الدّبق راحت تبحث عن مكان توجه إليه مسيراتها وتدفقها ، كمية الأوكسجين الموجودة في الجو راحت تعقد إجتماعاً فيما بينها .... هل تتوزع بالتساوي أم حسب عمر وحاجة وطاقة كل جسدٍ على الإحتمال ، فلم تكن فتحة التهوية الموجودة في أعلى المصعد تفي بالغرض في الجو تمّوزي لاهب أما غاز ثاني أوكسيد الكربون فكان سعيداً بحركاته الشيطانية علّه يتكاثر أكثر فأكثر .. فيأتي على قلبٍ تعبٍ هنا . أو صدرٍ مرهقٍ هناك ..
    كان الرجل الطاووس يقف بين تلك الأجساد البشرية مثل قنبلة موقوتة ... يتطاير الشرر من عينيه الجاحظتين مستنكراً وجوده في ذلك المكان مع بؤساء الأرض بهذا الشكل .
    حاول أن يتفقد ربطة عنقه .. التي ربما تكون قد ابتعدت عن مكانها قليلاً لكنه لم يستطع أن يرفع يديه إلى رأسه وعنقه لتلاصقه بالأجساد المحيطة به ، تأفّف .. تذمر ثم سخط على الأنظمة والقوانين التي لم تخصّه وأمثاله بمصعدٍ آخر خاص بهم ... مصعدٍ واسع ومحاط بالمرايا ... ابتسم للكلمة الأخيرة ... وأتسعت دوائر أخيلته النرجسية أكثر فأكثر .. مرايا في كل مكان 00 وهو في كل الأوضاع والحالات .. يرى نفسه عند كل التفافة في المرآة 0 دنيا من المرايا تعكس صورته في كل مكان ..
    ها هي صورته تنتقل عبر شاشات كبيرة تصل دول العالم .
    تكاثرت الأخيلة وأخذت تتالى في تداعيات مستمرة تزيد من إشعاعه وشهرته تصل به إلة مصاف الآلهة ، لكن سعال الصبي الممسك بأمّه سرقه من قصوره الخرافية ... فهبط إلى الأرض .. فإلى المصعد ... نظر حوله شاعراً بالألم والاشمئزاز من تلك الوجوه الباهتة التي كانت تتصبب عرقاً وبؤساً . حاول عدة مرات أن يرفع يده إلى ربطة عنقه ليتأكد من مكانها .. لكنه لم يتمكن من ذلك ، وازداد سخطه على هؤلاء الغجر ، لاشك أن هندامه المتألق ذا الأزرار الفضية قد فقد الكثير من ألقه ، بل ربما اتسخ ... وابتلّ بعرقهم وأخذ شكلاً آخر ، عندما تخيل ذلك ضغط زوايا وجهه حتى تلاصق الحاجبان ببعضهما واعتصر عينيه بشدة ( بدا وكأنه على وشك الدوران أو الغثيان ) .
    شعر بالأسف على نفسه وازداد سخطه عليهم ، بينما لم يواجه أية نظرات استنكار من قبلهم ، فلم تكن هناك عيون ناظرة .. بل مجرد أحداق مفتوحة .. وأفواه فارغة .
    كانوا يمارسون تسليمهم المعتاد بأمور الحياة وخيرها وشرها .. لعنتها وجنونها .
    الكهلان التوأمان المتقاربان في العمر المشابهان في اللون واللحن والكفاح اليومي المتواصل ، وأربعة ركاب من نساء ورجال يشكلون مجموعة هامشية تحمل الملامح نفسها وكذا الطعم والرائحة ... تبحر في همومها اليومية بالطريقة نفسها والتوقيت المحلي للمدينة الغافية في كسلها المتوارث .
    إنها مجموعة تكاد تشكل السواد الأعظم من سكان تلك المدينة ، حيث تضيق بهم وسائل نقلها المهترئة ووظائفها الصغيرة ، وتطحنهم رحى رواتبها الضحله في دورة أبدية ليصبحوا مع الزمن جزءاً منها ورقماً في أقساطها الشهرية .
    وحدها تلك الفتاة العشرينية المقبلة على الحياة وكأنها آتية من عالم آخر ، وحدها كانت ترسل نظرات ساخطة إلى الرجل الطاووس ... لكنه قرأها على طريقته ... وعدّة نظراتها أمراً عادياً ومتكرراً وليس لديه وقتاً للتفكير فيه.
    مرت نصف ساعة ملوثة من عمري الزمن إلى أن استرد بعضاً من أنفاسه ذلك المصعد العجوز وتحرك ببطء متابعاً الجزء الأخير من رحلته الخرفية ليلقي بأخر حمولة لديه .... ويتقاعد بعدها من الحياة .
    وهكذا تحركت الأجساد المتلاصقة وتفككت عن بعضها خارجة بصمتها ... وهدأ ضغط الدم المضطرب في بعضها صعوداً وهبوطاً ... وتوقفت دموع طفلٍ كان ممسكاً بثياب أمه ليرافقها إلى العيادة الصدرية المجاورة .
    تسابق مجموعة الموظفين في الأرض على باب المصعد فرحين بما أتاهم الله ...وانطلق كلّ إلى عمله في الحياة ... يجرُّ جسداً خاوياً ...وروحاً تائهة في غياهب زمن أجوف .
    أما الرجل الطاووس الذي تساوى مع البؤساء للحظة حين داعبت ريشه أصابع الموت ...
    عاد ، وانتفخ أكثر فأكثر بمجرد خروجه من المصعد ونظرا شزراً إلى تلك الحيوانات المتسخة التي كانت معه ثم عاد ينظر الى نفسه ... لامس ربطة عنقه .. أزراره الفضية .. قماشه الناعم . مسح شاربيه بطرف إصبعه رفع كتفيه ، وشيئاً فشيئاً فرد ريشه مستمتعاً بتكاثره وامتداده . وانطلق يمشي ملكاً رأسه إلى الأعلى .شامخاً شموخ الفاتحين بانتظار العربة الملكية التي ستقلّه إلى بوابات المجد والخلود .




    الكاتبة رنا صائب الأتاسي


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2002
    المكان
    معي
    الردود
    624
    مشاهد متتابعة
    ورصد جميل لها

    شكرا على الامتاع هنا

  3. #3
    ..
    مرحباً رنا .
    من خلالِ نصّ سابق لكِ لاحظتُ بأنّ سردكِ جميلٌ ومُتقَنٌ; يناسبُ تماماً مقاسات القصّة .
    غيرَ أنّني أشعرُ بأنّ ثمّة حلقة مفقودَة في هذا النصّ. ولستُ قادرةً على تحديدِها.

    شيءٌ مثلَ : أين القصّة تماماً ؟.

    ربّما تتلخّصُ في هذه :
    أما الرجل الطاووس الذي تساوى مع البؤساء للحظة حين داعبت ريشه أصابع الموت ...
    عاد ، وانتفخ أكثر فأكثر بمجرد خروجه من المصعد
    في حالِ كُنتُ محقّة .. فأعتقدُ بأنّ تمرير الفكرَة في النهايةِ كان يحتاجُ تدقيقاً أكثرَ لتخرَج أكثر وضوحاً وإدهاشاً.

    شكراً كثيراً لكِ يا رنا. أنتِ سارِدَة مُمتازة. : )

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الردود
    26
    هي تماما هنا القصه يااختي عائده كان حزينا على ربطة عتقة كما لاحظت بينما هم : اب بوساء العرض ثمة من تعب وتسارعت ضربات قلبه ونبضه وهنا ايضا اشارة الى الانسان المسحوق الذي : التحم بفقره الى درجه ::::::::
    الخنوع والصمت ثم الصمت والرضى بما اراد الله " طبعا ونعم بالله سبحانه" لكن الرجل الطاووس كان سبب
    توقف المصعد لانه أصر على الصعود بالغم من انه زائد عن العدد المطلوب ......وهم ,البؤساء لم يعترضو على صعوده الذي سبب هذه المشكله
    كل الشكر لك ولمرورك الكريم ,,,,,,, برعاية الله

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المكان
    في زقاق مصاصين الدماء امج الدم بروية
    الردود
    95

    Talking

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين


    اقترح امر مضاد لقتراح الرجل الطاووس
    على المستشفى إنشاء مصعد للعامة حتى تتسع رقعة الأكسجين
    الرجل الطاووس ينفش ريشة فيأخذ حيزاً اكبر مما يستحق في المساحة الهوائية
    ايضاً هؤلاء الخلائق دائما ماتتسم روائحهم بالنفاذية الخارقة فعطورهم الباهظة لو جمعتي ثمنها على مدار حياتهم لجتمع لكِ ثمن مصعد
    كما أني اخاف على احد المرضى أن يقع مغشياً لضيق شعبه الهوائية من عطره النفاذ
    على المستشفي فصل الكائنات الطاوسية عن العامية
    خوفاً على العامة من الشر الطواويس


    وكأن فخامته يسأم من تواجدهم معه ، هل هم يقتعدون على قلبه
    المصعد واسع والدليل تخيله الجامح بمصعد محوط بالمرايا
    ماباله هذا الرجل ايعاني مشكلة في رجولته يريد مرايا في كل حدب وصوب
    هذا الشيء تدمن عليه النساء فقط ، يريد مجالسة مرآة !!!

    لغتك جميلة وسردك مفصل ودقيق
    ولكن ينقصك التشويق
    كم احببت أن يتقئ الطفل على ملابس الرجل الطاووس الفارهة فجأة
    فلعل نار صدري تنطفأ منه
    اخرجتنا من القصة دون صدر متسع بل انتهت بخروجه كم تمنيت إلا يخرج من باب المصعد حياً

  6. #6
    الاخت رنا تحية طيبة
    انا هنا لاسجل مروري بما اننا ننتمي الى مدينة واحدة
    دمت بخير

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الردود
    26

    رد على موضوع الرجل الطاووس

    Quote المشاركة الأصلية بواسطة سكين مشذب عرض المشاركة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين


    اقترح امر مضاد لقتراح الرجل الطاووس
    على المستشفى إنشاء مصعد للعامة حتى تتسع رقعة الأكسجين
    الرجل الطاووس ينفش ريشة فيأخذ حيزاً اكبر مما يستحق في المساحة الهوائية
    ايضاً هؤلاء الخلائق دائما ماتتسم روائحهم بالنفاذية الخارقة فعطورهم الباهظة لو جمعتي ثمنها على مدار حياتهم لجتمع لكِ ثمن مصعد
    كما أني اخاف على احد المرضى أن يقع مغشياً لضيق شعبه الهوائية من عطره النفاذ
    على المستشفي فصل الكائنات الطاوسية عن العامية
    خوفاً على العامة من الشر الطواويس


    وكأن فخامته يسأم من تواجدهم معه ، هل هم يقتعدون على قلبه
    المصعد واسع والدليل تخيله الجامح بمصعد محوط بالمرايا
    ماباله هذا الرجل ايعاني مشكلة في رجولته يريد مرايا في كل حدب وصوب
    هذا الشيء تدمن عليه النساء فقط ، يريد مجالسة مرآة !!!

    لغتك جميلة وسردك مفصل ودقيق
    ولكن ينقصك التشويق
    كم احببت أن يتقئ الطفل على ملابس الرجل الطاووس الفارهة فجأة
    فلعل نار صدري تنطفأ منه
    اخرجتنا من القصة دون صدر متسع بل انتهت بخروجه كم تمنيت إلا يخرج من باب المصعد حياً
    شكرا لمرورك الكريم : ايها الاخ سكين اما عن خيال الرجل الطاووس وامنيته ب: مرايا في كل اتجاه فلانه طاووس اي: نرجسي وعاشق لنفسه وهو حزين لتواجده مع هؤلاء المعذبين في الارض بشكل مزدحم لدرجة الاختناق فحاول الهروب من رائحتهم الى خياله الذي لايناسب الا رجل مثله " برايه طبعا وقد خرج أخيرا ليتابع حياته """""""" كطاووس""" وكنرجسي عاشق لنفسه
    لك مودتي وتقديري :::::::برعاية الله

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •