Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 47
  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    أرواح

    هو الطين الذي منه خرجنا ، وبه التصقنا وصنعنا منه كل مفردات حياتنا ، وها نحن نستمر في الحديث عنه
    استمرار .....

    البسطامي

    أظن أن هناك نوع من التاريخ يمكن تسميته التاريخ الموازي ... هو الذي تراه وتقرأه الآن .

    wroood

    شكراً لتشريفك
    ولا زال الكثير من تلك الأمور يحدث إلى الآن لشديد الأسف

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المكان
    في مدينة الفارابي
    الردود
    255
    لازال اليتبع قائماً!! أين ذهبت؟
    لعلك بخير

    كن بسعادة
    لــيــس ثـمـة مـوتـى غير أولئك الذين نواريهم في مقبرة الذاكرة...

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة زهرة الأدب عرض المشاركة
    لازال اليتبع قائماً!! أين ذهبت؟
    لعلك بخير

    كن بسعادة
    لا زال اليتبع قائماً
    وها هو حالاً
    وشكراً على متابعتك التي تزيدني سعادة على سعادة
    أنا بخير الحمد لله يا زهرة الأدب
    وهذه لك

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    المُولد


    في تلك البقعة من العالم ، وحيث تنقلب الكثير من الأوضاع والصور ، بحكم الخضوع للعادة والتقليد ، يمكن للمرء أن يقسم بالله ، وهو كاذب ، وأن يحلف على كتاب الله ، ولا يلزمه الوفاء .
    أمّا إذا حلف بسيدي الشيخ ( أبو الفلاح ) ، فلا بد أن يكون صادقاً في قسمه ، وإلا خرج من الملّة ، واعتبر في عِداد الكافرين ، وصار مثواه جهنم ، وبئس المصير .
    وحين كنا صغاراً ، نتعرف على الأشياء والأسماء ، للمرة الأولى ، تردد على أسماعنا اسمُ الشيخ ( أبو الفلاح ) ، محاطاً بهالة من التقديس والغموض ، تركت في نفوسنا الصغيرة أثراً عميقاً ، يصعب محوه من الذاكرة .
    وتتساءل عقولنا عن صاحب هذا الاسم .. من هذا الرجل الأسطوري ؟ الذي يأتي اسمه دائماً ، من دون كلّ الأسماء ، مسبوقاً بكلمة سيدنا ، ومتبوعاً بفترة صمت ، يملأها الحاضرون ، بقراءة الفاتحة على روحه ، وروح جميع أولياء الله الصالحين .
    وتتلاحق في رؤوسنا صور افتراضية ، لهذا الكيان الهائل المقدس ، الذي له في كل قرية خليفة ، وتلاميذ ونقباء ومريدون ، في نظام محكم ، أشبه ما يكون بالتسلسل الوظيفي ، وتقام له في كل عام ليلة ، أو مُولد ، تهتز له القرية ، و كلّ القرى المجاورة .
    وكبرنا ، وتخطينا الطفولة إلى الصّبا ، فاتسعت مداركنا شيئاً فشيئاً ، وصارت معرفتنا بالأسماء والأشخاص ، أكثر شمولاً واقتراباً من الواقع ، وصرنا ننتظر ليلة مولد سيدنا الشيخ ( أبو الفلاح ) ، كلّ عام ، مع المنتظرين .
    من العسير على تلك العقول الصغيرة ، والقلوب الخالية ، أن تنسى هذا اليوم ، الذي تبدأ فيه القرية عن بكرة أبيها ، في الاستعداد لمولد الشيخ ( أبو الفلاح ) ، و كل فردٍ يؤدّي دوره المَنوط به ، في حماس وإخلاص ، نفتقدهما في الكثير من مواقع الإنتاج .
    فالنساء يبدأن في طهي الكثير من الطعام ، كلّ منهن في بيتها ، استعداداً لاستقبال الضيوف القادمين مع الشيخ ، من بلدته البعيدة ، أو هؤلاء الغرباء القادمين من القرى المجاورة ، لحضور مجلس الذكر ، الذي سيقام في ساحة القرية أو ( الخلواية ) كما يسمونها .
    وأما الرجال ؛ فقد عادوا من حقولهم مبكرين ، فاغتسلوا ولبسوا أبهى ملابسهم ، استعداداً للسير ، في الزفة .
    أما النقباء ، ونواب الشيخ ، وتلاميذه في القرية ، فقد توجهوا مع الظهيرة ، إلى دار الشيخ إبراهيم ؛ خليفة مولانا ( أبو الفلاح ) في المنطقة ، يرتدي كل منهم جلبابه الأبيض النظيف ، ويضع على صدره وكتفيه وشاحاً عريضاً ، من قماش أخضر ، وقد نقشت عليه بقماش أبيض كلمات ( الله – محمد ) مع اسم مولانا ( أبو الفلاح ) ، واسم الطريقة الصوفية ، التي ينتمي إليها النقيب ، وكل منهم ينظر إلى وشاحه ، في فخر واعتزاز ، بين الحين والآخر .
    بعد حين يطلّ عليهم الشيخ إبراهيم - الخليفة – من داخل الدار ، ويلقي عليهم التحية فيردوا بأحسن منها ، ثم يدعوهم للدخول ، فيدخلوا ثم يخرجوا سريعاً ، وقد حمل كل منهم ما يخصه من العِدّة ، أو أدوات الزفة وحلقة الذِكر ، فيتناثرون حول الدار ، وهم في شغل شاغل ، وجهدٍ جهيد .
    إنهم يقومون بإصلاح ما فسد من تلك الأدوات ، بعد أن أتلفها طول فترة التخزين ، في غرفة العِدّة ، بمنزل الخليفة إبراهيم ، منذ زفة العام الماضي .
    فهذا النقيب قد أشعل ناراً صغيرة ، حيث يقوم بتدفئة الطبلة الكبيرة والمزاهر والدفوف ، حتى يشتدّ جلدُها الرّخو ، فيصبح صوتها عند الدق عليه رناناً قوياً .
    وهذا يقوم بإعداد الأعلام والرايات والبيارق ، وترقيع ما تآكل منها ، ووصل ما انقطع من الحروف المنقوشة عليها ، وكلها شارات وعلامات ، تحمل اسم مولانا ( أبو الفلاح ) ، والطريقة الصوفية ، التي ينتمي إليها الجميع .
    وهذا آخر يقوم في حرص بالغ ، بإصلاح سرج الحصان ، الذي سيركبه الشيخ في الزفة ، ورتق ما انفتق منه .
    بينما يطل الخليفة إبراهيم عليهم من داخل الدار ، بين الحين والآخر ، يشدّ العزائم ، ويقوي الهمم ، ويطمئن على سير العمل ، حتى إذا أتمّ التلاميذ والنقباء عملهم ، واقترب العصر ، خرجوا لاستقبال مولانا ( أبو الفلاح ) ، هناك عند مدخل القرية .
    حيث يخرجون ، ومن خلفهم القرية عن بكرة أبيها ، في موكب ضخم ، يتقدمهم الخليفة إبراهيم ، ومن حوله كبار رجال القرية ، ومن خلفهم النقباء وتلاميذ الشيخ ومريدوه ، وهم يحملون البيارق والأعلام والدفوف والمزاهر ، يتوسطهم أطولهم قامة ، وهو يشد على كتفيه حبلاً ، تتدلى منه طبلة ضخمة ، وتستقر على بطنه ، وهو يدق عليها ، بعصاً خشبيةٍ غليظة ، فيخرج لها صوت رهيب ، يصمّ الآذان ، والجميع ينشدون في حماس قائلين ( لا إله إلاّ الله ، وأبو الفلاح حبيب الله ) ... والكل ينطقها ، يرفع بها صوته ، في مبالغةٍ وحرص شديد ، على أن يراه الآخرون ، فيظهر لهم ما خفي من إيمانه .
    بينما الصبية والأطفال يتدافعون وسط الصفوف ، ويتخللون الأقدام والأرجل ، ويضرب بعضهم بعضاً ، في رفق وشقاوة ، بينما تتدافع الصور والخيالات في عقولهم البريئة ، حول هذا الشيخ القادم من رحم الغيب ، مثل ملاك أسطوريّ ، يتجلى وراء الحجب ، في ليل الحواديت .
    أخيراً وصل الموكب المذهل إلى مدخل القرية ، حيث توقف الجميع ، في صمت رهيب ، ومنهم من افترش بعض أعواد القش ، وجلس على الأرض ، والكل في انتظار مولانا ( أبو الفلاح ) .
    مضى من الوقت ساعة أو يزيد ، وأخيراً لاحت - على البعدِ - سيارة فارهة ، على الطريق المؤدي إلى قريتنا العامرة ، وقال الذين يعرفونها ، إنها سيارة الشيخ ، وهو والحمد لله بداخلها .
    وعلى الفور انتفض القاعدون ، وارتفعت الأعلام والبيارق ، وتعالت دقات الطبول والدفوف والمزاهر ، بينما تصاعد إلى عنان السماء نشيد القوم ، وهم يرددون في حماس ( لا إله إلاّ الله وأبو الفلاح حبيب الله ) .
    حتى إذا توقفت السيارة ، وانفتح بابها ، هبط منها مولانا ( أبو الفلاح ) ، وقبل أن تلامس قدماه الأرض ، امتدت عشرات الأذرع الفتية ، ترفعه عالياً ، وتجلسه في احترام وتقديس ، على ظهر حصان مُطهم ، أعِد خصيصاً لتلك المناسبة الشريفة ، بينما تولى آخرون أمر السيارة الفارهة .
    وما إن استوى مولانا على سرجه ، حتى تسابقت مئات الأيدي والأفواه ، تحاول الوصول إلى يده الممدودة ، فتصافحها في شوق ، وتقبلها في إجلال ، ثم تضعها على الجبهة إمعاناً في البركة ، بينما الشيخ يبتسم في تواضع .
    حتى إذا هدأت العاصفة ، وبدأ الموكب المقدس في التحرك ، عائداً إلى القرية ، أسرع أحد تلامذة الشيخ ، فأمسك بلجام الحصان ، يسحبه وهو يحمد الله في سره ، على ما أولاه من نعمةٍ وشرف .
    ها هو الموكب يعود أدراجه إلى القرية ، يتقدمه مولانا ( أبو الفلاح ) على حصانه ، ومن حوله الشيخ إبراهيم الخليفة ، ورجال القرية ، وكوكبة من الرجال ، جاءت مع الشيخ في سيارته .
    يتبعهم حملة الأعلام والبيارق والدفوف والمزاهر ، بينما اصطفت النساء على جانبي الطريق ، وأمام الدُّور ، وعلى المصاطب ، وهن حريصات على رؤية راكب الحصان ، وبين حين وآخر تطلق إحداهن زغرودة طويلة ، تحتسب أجرها عند الله .
    حتى إذا وصل الركب الميمون إلى ساحة القرية أو ( الخلواية ) ، توقف الجميع في صمتٍ مهيب ، وامتدت عشرات الأذرع ، تساعد مولانا ( أبو الفلاح ) في النزول ، من على صهوة حصانه ، والكل يدعوه إلى تشريف داره بالدخول ، لكنه أعفى نفسه ، وأعفى مريديه من الحرج ، فاختار دار الخليفة إبراهيم ، فدخلها هو ومن معه ، حيث صلوا المغرب ، وتناولوا عشاءهم المكون من اللحم والظفر والثريد ( الفتة ) .
    بينما يقوم النقباء ، والتلاميذ المستجدون في الطريقة ، بإعداد الساحة ( الخلواية ) لمجلس الذكر ، حيث نصبوا على الفور خيمة واسعة مستديرة ، وفرشوا أرضيتها بالقش النظيف ، وكلما انتهوا من فرشها وتنظيمها ، هاجمها الأطفال والصبية ، فبعثروا أعواد القش ، فيطاردهم الرجال في حماس ، حتى ينجحوا في إجلائهم عن الخيمة ، ويعاودوا فرشها من جديد ، ليعاود الأطفال هجومهم على غرة ، في معركة من الكرّ والفرّ ، لا تنتهي إلاّ بخروج الشيخ ( أبو الفلاح ) ، من الدار ، ومعه الخليفة إبراهيم ، وبقية الصحبة ، بعد صلاة العشاء .
    حيث يدخل إلى الخيمة ، فيتوسط الحلقة ، ويحيط به القوم في دوائر ، أقربها إليه أعلاها درجة ، ثم الأبعد عنه فالأبعد ، حسب نظام دقيق للأقدمية في الطريقة ، والمكانة في القرية ، ثم تتسع الدوائر ، وتتباعد شيئاً فشيئاً ، حتى تتلاشى ، متحولة إلى خليط غير منظم ، من الأطفال وصغار الرجال ، في مشهد يذكر بالدوائر المتماوجة المتلاحقة ، تتكون على صفحة الماء ، حين يلقى فيه بالحجر ، والجميع في انتظار إشارة مولانا ( أبو الفلاح ) ؛ لتبدأ حلقة الذكر .
    وأعطى الشيخ الإشارة ، بتصفيق خافت على يديه ، وهزاتٍ هادئةٍ رتيبة من رأسه ، مع صوت هامس يردد اسم الجلالة ( الله ) ، وتلقف الجمع الإشارة ، وسرعان ما بدأت حلقات الرجال في التمايل ، على ضربات الدفوف والمزاهر ، بينما يتردد لفظ الجلالة في نغم رتيب .
    شيئاً فشيئاً بدأ الإيقاع يتسارع ، وضربات الكفوف تشتدّ ، ويعلو صوتها ، بينما اسم الجلالة يخرج من صدور الرجال ، وهم يزومون في شجن مكتوم ، بصوت كصوت الماء يغلي في القدور ، وبدأ بعضهم في التساقط أرضاً ، في نوبات من الوجد ، فإذا سقط أحدهم ؛ أسرع إليه المحيطون به ، يرددون في أذنه كلمات الأذان ، ويذكرونه بالله ، ويؤكدون له ، أنه مؤمن ومُوحِّد ، ولا خوف عليه إن شاء الله ، ولا يزالون به حتى يفيق ، ويأخذ مكانه في الحلبة من جديد .
    وكلما شعر مولانا ( أبو الفلاح ) ، أن القوم تعبوا ، هدّأ من إيقاع الذكر ، حتى يسكت تماماً ، فيستريح الجميع ، استعداداً لشوطٍ جديد ، فيتأخر ويأخذ مكانه في أصغر الحلقات ، ليفسح المجال لأحد التلاميذ النجباء في الطريقة ، فيقود الرجال إلى الذكر ، وكلما انتهى شوط وبدأ آخر ، تم استبدال التلميذ النجيب بغيره ، ليتوسط الحلقة ويقود الرجال ، حتى قارب الليل على الانتصاف ، وتسلل الأطفال وصغار القوم ، عائدين إلى بيوتهم ، ولم يبق إلاّ الشيخ ومريدوه ، وكبار المخلصين له وللطريقة ، تم استدعاء الرسم .
    والرسم عبارة عن طابور طويل من الخبز الشهي المخبوز حالاً ، ومعه إناء مملوء بالملح ، فيقوم الشيخ ( أبو الفلاح ) بوضع يده على الخبز ، وهو يتمتم بآيات وكلمات ، أغلبها غير مفهوم ، ثم يقرأ الفاتحة لأسلافه وأجداده ، من شيوخ الطريقة ، وللخليفة والتلاميذ والمريدين ، ثم لأهل القرية جميعاً ، وهو يدعو والكل يؤمّن أن يرد الله الغائب ويشفي المريض ، ويغْنِي الفقير .... الخ .
    ثم يعاود قراءة الفاتحة ، من جديد ، بنية خراب بيت الظالم والخائن وابن الحرام ، بعدها يقوم بتكسير الخبز ، ووضع الملح ، كلّ حبة ملح في كسرة ، ثم يناولها لأقرب الجالسين منه ، ثم الأبعد فالأبعد ، حتى يأخذ كل رجل نصيبه ، فيبدأون في الأكل معاً بشهية وتلذذ .
    ويبيت الشيخ ليلته ، في دار خليفته إبراهيم ، وينصرف في الصباح الباكر ، قبل أن تستيقظ القرية ، فلا يكون في وداعه إلاّ الخليفة ، وكبار المريدين ، حيث يدخل إلى سيارته الفارهة ، فينطلق بها السائق ، عائداً بالشيخ إلى مسقط رأسه ، ليبقى ما حدث في ليلة المُولِد ، ذكرى تهفو إليها قلوب أهل الناحية ، حتى العام القادم .

    يتبع
    .
    .

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    الناس في عزبة الهانم

    هناك عقد غير مكتوب - وإن كان موثقاً - بين الفقر ، وبين الناس في عزبة الهانم ، رغم ذلك فالكسل هو السِّمة الغالبة ، وانعدام الرغبة في تغيير الأوضاع ، هو الحالة المسيطرة ، حتى اسم العزبة لم يفكروا في تغييره ، كما فعلت الكثير من العزب حولهم .
    فرغم رحيل الهانم بنت الباشا ، التي ورثت العزبة عن والدها ، ورغم قوانين الإصلاح الزراعي ، التي وزعت عليهم قراريط الأرض ، بالعدل والقسطاس المستقيم ، لا زالت العزبة تحتفظ باسمها القديم – عزبة الهانم – رغم ذهاب الهانم وأيام الهانم ، أو كما يقولون هم أنفسهم ( الهانم راحت وراحت أيامها ) .
    وحتى عندما دخلت الكهرباء كل القرى والنجوع المحيطة بالعزبة ، تأخر وصولها إليهم بضع سنين .
    وعندما أصبح لكل قريةٍ مدرستها الابتدائية الخاصة بها ، كان على أطفال العزبة التعيسة ، التوجه كل صباح إلى مدرسة القرية المجاورة ، في برودة الشتاء ، ووحل الطريق ، الذي بات ليلته تحت المطر .
    وتحت ضغط الفقر ومشقة الانتقال على الأجساد الصغيرة الضعيفة ، تبدأ رحلة التسرّب من التعليم مبكراً ، فلا يكاد يكمل الواحد منهم دراسته إلى الصف الثالث أو الرابع الابتدائي ، حتى ينقطع عن المدرسة ويذهب إلى الحقل ، وما هي إلاّ أشهر قلائل ، حتى ينسى ما تعلمه من الأبجدية ، ومبادئ القراءة والكتابة ، ويلحق بقطار الأميّة الطويل .
    وبناء على ما تقدم ، فقد تقرر أن يبقى ظلام الليل ، وظلمة الجهل ، في عزبة الهانم حتى إشعار آخر .
    وفي ظلمة الجهل وظلام الليل ، ومع انعدام وسائل الترفيه ، وانقطاع الصلة بالعالم الواسع المحيط ، وحين تغلق الأبواب المتهالكة ، على الأجساد التي أنهكها العمل الشاق بالحقول طوال النهار ، تبيت ممارسة الإنجاب هي التسلية الوحيدة لرجال العزبة ونسائها .
    وتزدحم البيوت - الضيقة أصلا - بالإنتاج الجديد ، من الأطفال الصغار ، الذين يعاودون الذهاب إلى مدرسة القرية المجاورة ، ثم التسرب منها إلى الحقل ، أو اللعب في الطين والتراب ، والعودة إلى المنازل مع حلول الظلام .
    وكلما أقبل ليلٌ جديد ، تراصّت الأجساد الصغيرة ، وتلاصقت فوق الفراش القليل ، وتحت أضواء مصابيح الغاز الواهنة ، والظلال الباهتة ، والمرايا المتكسرة على الحوائط المهترئة ، تتراءى الخيالات وتتوالد الحكايات ، داخل العقول الفارغة والقلوب الخوالي ، تغذيها حَكايا الأمهات والجدات ، بكل خبراتهن الطويلة الموروثة ، من حواديت أمنا الغولة ، والشاطر حسن وست الحُسن والجمال ، ومغامرات ( النُصْ نصِيصْ ) ، والعفاريت والمَردة من الجن والشياطين ، الذين يأكلون الأطفال ، إذا رفضوا أوامر أهاليهم بالنوم مبكرين .
    بل إن هناك من العفاريت والجن من تخصص - على يد العجائز بالطبع - في عقاب الأطفال ، على ارتكاب مخالفات بعينها ، فإذا خرج الطفل للعب في حرّ الظهيرة ، أخذته عفاريت القيّالة ( القيلولة ) ، وإذا سبح في مياه الترعة ، سحبته الجنية من قدمه ، وهوتْ به إلى القاع ، حيث تأكله هناك على مهَل ، أمّا من يتأخر عن العودة إلى الدار في المساء ، فهناك أبو رجل مسلوخة ، أو أبو شوال الذي سيضعه في الشوال ، ويحمله إلى حيث لا يعلم أحد ، وأمّا من رفض أن يغسل فمه قبل النوم ، بعد أكلة سمك نادرة ، فهو عُرضة لزيارة الجنية الشمّامة ، التي تطوف على النائمين ليلاً ، تشمّ أفواههم ، والويل لمن وجدت فمه غير مغسول .
    وفي هذا الجوّ المفعم بالحواديت والحكايات ، ووسط هذا العالم غير المرئي ، من الجن والعفاريت والمردة والغيلان ، وغيرها من أبطال الأساطير ، يجري إعداد العقول ، وتهيئة النفوس التي سيقع على كاهلها ، عبئ صناعة المستقبل ، في عزبة الهانم .
    لذلك تتكاثر الحكايات في تلك المنطقة ، من أرض الله الواسعة ، كما يتكاثر البشر ، ويتناثر التراب ، ويصبح لكلّ شارع قصة ، ولكل زقاق حكاية ، ولكل بيتٍ أسطورة ، ولكلّ غرفة داخل البيت الواحد ميزة وحدّوتة ، تفردتْ بها عن بقية الغرف ، والكلّ يتوارث الحكايات ، يرويها كابراً عن كابر ، في إيمان عميق ، ويقين لا يقبل الشك ، فلا أحدَ يسأل عن مدى صحتها ، أو مطابقتها للعقل ، وموافقتها للمنطق ، فقد انقطعت العلاقة بن أهالي العزبة ، وبين العقل والمنطق ، منذ زمن بعيد ، لم يعُد يتذكره أحد .
    فالمرحومة أم عبده ، تلك المرأة المسكينة ، التي كانت تقيم وحدها ، في بيتٍ صغير مظلم ، خرجت لتشتري الغاز للمصباح نمرة خمسة ، بعدما نفذ منه الغاز وانطفأ ضوءه ، واشترت الغاز ، وفي طريق عودتها ، وفي نور القمر الجميل ، رأت عشراتِ الأرانب تتقافز ، ويطارد بعضها بعضاً ، في منظر رائع مثير ، اندهشت أول الأمر ، وسرعان ما عادت إلى رُشدها ، وجمعت أطراف ثوبها ، وبدأت تمسك الأرانب ، وتضعها في حجرها ، واحداً وراء الآخر .
    وظلت أم عبده على تلك الحال ، حتى مضى أغلب الليل ، تمسك الأرانب وتلقي بها في حجرها ، فلا الأرانب نفذت ، ولا حجرها امتلأ ، حتى تعبت أم عبده ، وقررت الاكتفاء بحملها ، فحملته مع زجاجة الغاز ، وعادت إلى بيتها ، حيث توجهت على الفور إلى فناء الدار ، وفتحت أطراف الثوب ، لتطلق الأرانب ، فإذا بكل ما جمعته منها ، قد تحول إلى طوب وحجارة ، عند ذلك عرفت أم عبده أن العفاريت ، هي التي كانت تعابثها وتشاغلها طوال ليلتها ، في صورة أرانب ، فتفلت أم عبده في عبّها ( صدرها ) ، واستعاذت بالله من الشياطين ، وقرأت كلَّ ما تحفظه من الرُّقى والتعاويذ ، وحمدت الله على السلامة .
    وغالبية النساء في عزبة الهانم يتأخر حملهن ، فلا تحمل المرأة منهن قبل مرور عام ، أو بعض عام على زواجها ، وهي خلال تلك الفترة تجرّب كل شيء ، وأي شيء إلاّ الطبيب ، وتخضع لكل وصفة بدوية ، ونصيحة مجرّبة ، وهي تردد دائماً القول المأثور ( اسأل مجرّب ، ولا تسأل طبيب ) .
    ومن أشهر الوصفات الشائعة بين نساء عزبة الهانم ، في هذا المجال ، الاستحمام على كفن ميت ، أو ما يسمونه ( السُّترة ) ، فتذهب المرأة أو إحدى قريباتها ، إلى دار أحدث أهل العزبة وفاة ، تلتمس منهم كفنه ، وبالطبع يُجاب طلبها على الفور ، فالأمر أخطر من أن يرفض ، أو حتى يؤجل ، ثم إن الكفن لم تعُد له فائدة أخرى ، وتعود المرأة به إلى الدار ، حتى إذا انقضت أيام طهرها ، وضعته على رأسها ، أو تحت قدميها ، ووقفت في طشت الغسيل ، وصبّت الماء على كلّ جسدها ، وتهيأت لزوجها ، وانتظرت الفرج .
    قد يتأخر الفرج ؛ فتجرب كفناً آخر وثالثاً ، حتى يتم المراد وتحمل ، فإذا حملت طارت شهرة الكفن في العزبة ، باعتباره صاحب الفضل في الحمل المبارك ، وهناك من الأكفان ما يصيب الهدف من أول مرة أو ( غسلة ) ، ومنها ما يتأخر تأثيره إلى عدّة غسلات ، ومنها ما يعانده الحظ فلا يحقق الرجاء ، مهما تعددت مرات الاغتسال .
    فإذا حدث وأصاب الكفن هدفه من أول مرة ، وحملت المرأة ، عندها يصبح الكفن مشهوراً يُطلب بالاسم ، ويتم حجزه ، أو التنبيه عليه قبل الموعد بعدة أيام ، لذلك فقد تجد بعض الأسماء التي نالت الشهرة بعد وفاتها ، بعد أن قضت حياتها مجهولة مغمورة ، بفضل كفنها وتأثيره العجيب ، فتسمع مثلاً أن كفن أبو فلان (ما ينزلش الأرض) أي أنه سريع المفعول مضمون النتيجة ، أما كفن أبو فلان ( إيدك منه والأرض ) أي أنه قليل القيمة عديم الأثر .
    ومن الوسائل العجيبة التي تلجأ إليها النسوة في هذا المجال ، اغتسال المرأة على عُقدٍ من حجر الكارم ، أو غيره من الأحجار النفيسة ، واعتقادهن في ذلك جازم ، وإيمانهن به عميق ، وكلّ امرأةٍ تأخر حملها ، تسرع في طلب العُقد ، الذي لم تعُد صاحبته الأصلية معروفة ، فإنه وبعد أن اغتسلت به إحداهن ، وثبتت فاعليته ، لم يعد ملكاً خاصاً لأحد ، بل صار قطاعاً عاماً ، مثل المدرسة الابتدائية بالقرية المجاورة ، ومُجمّع الإصلاح الزراعي .
    فينتقل العُقد من بيت إلى بيت ، حسب الطلب ، المهم أن تسأل المرأة عنه ، فتخبرها النسوة أنه في بيت فلانة ، أو أنه كان عند فلانة آخر مرة ، حيث يتم إحضاره على الفور ، ورغم أن العُقد يصيب حيناً ويخطئ أحياناً ، إلاّ أنه ينافس الكفن في شهرته ومجده ، وسط تجمعات النساء وأشباه النساء من سكان العزبة ، حتى من نالت منهن قسطاً من التعليم ، أو حصّلت قدراً من الثقافة ، أو جاءت من قرية أخرى بعيدة ، وأبدتْ نوعاً من المقاومة للمعتقد الغريب ، تكاثرت عليها البقية الغالبة ، وأرغمنها على الخضوع لحكم العادات والتقاليد .
    وإلى جانب الكفن والعقد ، هناك العديد من الوسائل الثانوية الأخرى ، أقل أهمية وإن كانت شائعة معروفة ، بين نساء العزبة العامرة ، مثل اغتسال المرأة على الحبل السري لطفل حديث الولادة .
    وتخويف المرأة أو خضّها ، من الوسائل التي تؤمن النسوة بفاعليتها وتأثيرها في إحداثِ الحمل ، حيث تختبئ إحداهن للمرأة المراد لها أن تحمل ، في ظلام دامس ، أو خلف أحد الأبواب ، فإذا مرت بها ، خرجت عليها فجأة ، وهي تصدر صرخة قوية ، أو صوتاً مرعباً ، مبالغة في التخويف ، وكلما كانت الخضّة شديدة ، كلما كان الأثر قوياً ، والنتيجة مضمونة .
    حتى الشوارع الضيقة المظلمة ، والبيوت المتهالكة ، والغرف المهترئة ، لها من حكايات وأساطير القوم ، في عزبة الهانم ، أوفى نصيب ، فهذا الشارع على أطراف العزبة مسكون ، أي أن به عفريتاً شقياً ، يخرج للمارة ليلاً يتقافز أمامهم ليخيفهم ، فيصيح في وجوههم مقلداً صوت حمار ينهق ، أو قطةٍ تموء .
    أما هذا الشارع في وسط العزبة ، فيسكنه مارد ، يظهر للسائرين ويختفي ، ويطول حتى يبلغ السماء ، ويقصر حتى يلتصق بالأرض ، أو يتضخم فيسدّ الشارع ، أو يتضاءل فيصير بحجم طفل صغير .
    وإذا مررتَ بشارع ، فوقف شعرُ رأسك ، واقشعر بدنك ، وتسارعت نبضات قلبك ، فإن هذا الشارع مسكون لا محالة ، يقيم فيه عفريت شرير ، أو مارد جبار ، هذا بالطبع ما يراه ذوي الخبرة في هذا المجال ، من أهالي عزبة الهانم .
    وللبيوت أيضا حكايات ، فهذا البيت مبروك يجلب الخير والنعمة لساكنيه ، وتقترب من القوم فلا ترى أثراً للنعمة ، ولا علامة على الخير ، إنما الفقر هو الشيء الوحيد الظاهر ! .
    وأمّا هذا البيت فهو قليل البركة ، يطرد أصحابه ، ويجلب على أهله الفقر والخراب ، رغم أن حال سكانه ليس أسوأ بكثير ، من حال بقية السكان .
    وهناك بيت يسكنه العفاريت والمردة من الجن ، وهم يلعبون فيه ويلهون ، طوال الليل ، فتسمع فيه صراخ الأطفال ، وتسبيح الشيوخ ، وعويل النسوة ، كلّ هذا بلا سببٍ ظاهر ، فالبيت مهجور من زمن بعيد ، لا يقيم فيه أحد ، إنها إذن أصوات عزيف الجن ، في البيت الخراب ، ومن وجد في نفسه الشجاعة ، وذهب إلى هناك ليتأكد بنفسه ، لم يسمع شيئاً ، ومع ذلك تبقى الإشاعة حول البيت المظلوم قائمة ، والحكاية رائجة ، فلا يجرؤ أحد على الإقامة فيه ، أو شرائه من أصحابه ، أو حتى الرضا بالسكن فيه ، ولو بغير أجرة .
    بل إن بعض الغرف يتميز على بعضها ، داخل البيت الواحد ، فهذه غرفة يصفها أهل البيت أنها وَلاّدة ، لذلك يتخذونها حظيرة ( زريبة ) ، أو سكناً للماشية ، ومبيتاً لحيوانات الدار ، حيث تتكاثر الإناث سريعاً ، وينمو صغارها قبل الأوان .
    أما تلك فغرفة مبروكة ، كثيرة الخير ، لذلك فهي غرفة المَعاش ، حيث تستعمل لتخزين الطعام والمحصول ، ويوضع بها العجين ليختمر ، وهي مكان الخبز والأرز والدقيق ، والسمن والزيت وخلافه ، حيث تزيد بركة تلك الأشياء ، فلا تنقص أو تنفذ سريعاً ، مهما كان المأخوذ منها .
    وقد يسعدك الحظ وأنت تسير في شوارع العزبة نهاراً ، فتصادف اثنين من أهلها يحملان بينهما ( قُفّة ) ، يرقد في قعرها طفل صغير ، لم يتجاوز عمره بضعة عشر شهراً ، وهم يقفون به وبها أمام كلّ باب ، يطلبان صدقة ، فإن كنت من أهل العزبة ، فلن يلفت هذا المنظر انتباهك ، بعد أن اعتدت عليه ، أما إذا كنت ضيفاً ، فلا تعجب ، واعلم أن الأمر لا علاقة له بالتسوّل ، إنما هو علاج ، فهذا الطفل الراقد في قعر القفة ، قد تأخر وقوفه على قدميه ، ولم يقدر على المشي حتى الآن ، بينما بقية جيله ، تمتلئ بهم جنباتُ البيوتِ لهواً ولعباً .
    لذلك فهما يساعدانه على المشي بتلك الطريقة ، يضعانه في القفة ، ويدوران به على البيوت ، وهم يقولون ( حسنة للمُكَسّح يِمشي ) ينطقون بها في شبه ترتيل ، فيخرج لهم أهل الدار ، ببعض كسراتٍ من الخبز ، أو رغيفٍ صحيح ، يضعونه إلى جوار الصغير في قفته ، وشيئاً فشيئاً تعلو كومة الخبز الجاف ، وترتفع حول الصغير ، حتى تضيق عليه المكان ، فيعودان به من رحلة العلاج تلك ، إلى بيت أهله ، في انتظار الفرج ، وأن يستطيع الطفل العاجز الوقوف على قدميه ، والسير بهما في شوارع العزبة ، وملئ أرضها لعباً ولهواً ، مع بقية أقرانه ، وسط الطين والتراب .

    يتبع

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المكان
    في زقاق مصاصين الدماء امج الدم بروية
    الردود
    95

    Talking

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الحمدلله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين

    بجانب موضوعك كتب مهم في بادئ الأمر لم استوعب مدى تفخيم نصك ولكني الآن اكثر فهماً
    وتقديراً لك يا صاحب المحبرة النازفة

    لله درك ما ابرعك وما احلى روايتك حديث عسل مصفى




    المقدمة التي مهدت لي بها بأن الكون مترامي الأرجاء واسع العرص مختلف التكوين ولكن الخلائق تتشابه بالفكر والخرفنة
    يتحكم بغالبية العوالم القوانين البشرية السابقة
    والأستاذ والكهل الفلاح ، وتشبيهك الحلو للحكايا والنبات النامي

    آآه منك ومن فصاحتك انت قاتلي يارجل

    اهل القرى وسجاياهم الطيبة حكيت لي عن أناس يتسمون بالبساطة يذعنون للخرافات ويمشون وراء البدع كالأعمى الدين قانون حياتهم الظاهري ماخفى اعظم ، القاص الذي هو انت ـ برع في بدايته فهل لي بترك حكايته
    لو رأيت كتابك في اي مكان لبتعته دون تردد
    ماشاء الله تبارك الرحمن
    لاحول ولاقوة إلا بالله

    لك


    ***


    دائما في ليال الشتاء القارص يستدفئ البعض بصوت المذياع فالحرارة المنبعثة من الجسد لسماع مايهز البدن كافية للأستدفاء ، هنالك نشرات اخبارية كافية لسلق بدنك

    الفراش الصلد الذي يقتات راحة الجسد بصمت يتواطئ معه الكهرباء ليترك الأرق ينهش في راحة ساخراً على حال الوسن الهارب من جفنيه ، ولكن المطر يتيح له فرصة الهرب من المنزل

    هربت ايها المتململ للطرقات لقوة ذاكرتك التي رسمت خارطتك الخاصة لتشق حندس الليل بسهولة استرقت السمع لحديث امرأة كرست حياتها لإرضاء زوجها الذي ذهبت كل قوته في فلاحة ارض بأجر نزر ، طرقت الباب بخفة على دار صديقك فتحي دليل على تهذيبك ورقي خلقك ، ذهبت انت وهو لدار ابو الفتوح لتكمل عدد السامرين في داره التي تبوأت مجلس للثرثرة والترويح عن النفس ، ابو محمد شيخ بلغ من العمر عتيا توج على رؤوس الرجال رجلاً حكيماً يفتيهم في ما اختلف عليهم حكمه ، اعزهم صحبة هو ورفقته والدليل والحاحهم عليهم بأن يقتعدوا صدر المجلس ساندي ظهورهم إلي الحائط دلالة على غلاء منزلتهم في قلوب اهل القرية ، لا ينبغي أن يجالس المدخن الغير مدخن فعدوها كدبيب الصهباء في الجسد ، فتحي يهوى الحشيش ياللهول الرجل له مزاج رائق عالي الشحنة ، يحب سماع الحكواتي رجل ساذج ولكنه نقي القلب طاهر السريرة ، عمار نال لقب ( المعمر ) واصبح مرجع للأنساب والحوادث والقصص المنصرمة المضحك بأن اصطفى عائلته على كل انساب القرية ليكونوا هم الصفوة ومن المؤكد بأن رأيه هذا لن يتفق عليه احد ، الشيخ هلال والعفريت اسماعيل والإبرة التي غرسها في كفه ليروي حقول القرية مخيلة خصبة والأدهى والأمر بأنهم تعموا في اللأمر قائلين : لا يرجع لصورته إلا بعد نزع الإبرة .

    الجنية وبناتها السبع
    خلقتها عجيبة لها عين طولية ومشط حديد تمشط به بناتها واه واه ، هل بواحدة ارها مباشرة لعلي اصدق حديثهم كل كذبة تقوق التي قبلها قبحاً وعظماً .


    استشفيت صلاح الرجل من صحبته لشيخ محمد الكفيف فهو من سار به لمنزله دون تأفف وبتؤدة وتقاطر الناس عليه لتحية دليل على اكباره وعظمة شأنه ، لملم حاجياته طلباً للعم في القاهرة اخذ معه الرز والبقول والخبز اليابس والجبن ، لا يدرس طمعاً في الجهاد انما رضاء للوالدين يكره القاهرة لأنها تفتقر للأجواء المسلية يكتفى بحديقة الحيوان والسير في شوارعها والأحياء الشعبية ، عند عودته وضب حاجياته بفرح بالغ وسعادة مفرطة ليستقل القطار جذلان بعودته لقريته عندما عاد كان كل شيء كما تركه فقد عزز ذلك بأنها قرية والقرى تبقي كما هي لايغيرها شيء .

    قلت شهر ( أمشير ) بأي التقاويم تسير عليه تلك الحكاية ، البيوت المتحاذية دليل على قوة ترابط اسر القرية فهم يتفوق علي كل خرافة اسطورية ، الشيخ فهيم الرجل الغامض رواحه مجهول وغداته غير معلومة ، يحب الثرثرة عن المتصوفين والمعجزات التي جرت على ايديهم شيء يصعب قوله فالرسل لم يتمتعوا بها وأن شكك احدهم به تعالى عليهم والتهمهم بالجهل والعامية ، توفي والده فجمع الكتب التي خلفها يشتاق لقريته في كل ثانية المدينة لم تسرق لبه ، يشعر بالتفوق لأنه يعلم مالا يعلمه زملائه يتحمل ابائهم واحاديثهم السمجة فيسرق عقولهم لخلقه المهذب ولين جنبه ، مفاخرات اهل القرية بقوتهم الخارقة وحكاية السرقة اضحكتني لاشيء في جيبه وعندما قفز رهط من اللصوص عليه قتل احدهم ورفس آخرهم كذب من العيار الثقيل ، اعجبني سخريتك به بأن قلت حتى الطفل لايرغب بسرقته ، صاحبه وزواج جده من الجنية اكثر مايضحكني تلك القصص التي تناقض نفسها علانية يكفيك اكذوبة المفتاح الديكي والكنز المفقود انا ارى بأن المفتاح ليس سوي نذر اقسم على ان يحمله معه إلي القبر .

    الحشيش الذي انقلب لقطعة عجو ساحر مبين لا يذهب لزيارة اولياء ولا غيرهم يذهب للاصطياف مع مردة الجن والعفاريت ، ابو محمد سبحان الله اخذ الله منه بصره واعطاه عقل يكال بالذهب يحفظ القرآن والأحاديث هذا الرجل لو ادخل لقاعة امتحان لمنح الشهادة العلمية مع شهادة تقدير وتفوق احزنني موته كنت اريده حياً ليعطى الخلائق علمه وحكمته .

    ضحكت من اعماق قلبي على حال الرجل العقيم ووصفك البليغ لبطنه التي نمت بها الأعشاب لفرط ما اكل من الوصفات واقتناعه الشديد بأن القطة جنيه تراقبه مع انه يأكل السمك ، عقلاً السمك الأكل المفضل للقطط .

    الشيخ عبدالعظيم ورغبته بدمج السحر مع قراءة القرآن وهو لايستطيع نطق الكلمات بشكل صحيح ورئيس الشرطة الذي قضى معظم حياته يحارب الدجل والشعوذة يجيء له ليشفى ابنته اين الله في قائمتهم البشر هم الشافون ، واين تلارة القرآن والاستشفاء بالعسل ، المرأة الساذجة وزوجها اخبراه بموجز حياتهم وعندما اعاد على مسمعهم ماقاله تعجبا شر البلية مايضحك ، الرجل العريس ماظني إلا انه به شيء نفسي والحجاب خلصه من عقدته فعاد طبيعياً يقال بأن غالبية الأمراض نفسية .

    الشيخ الذي رفضته قريته ورمته على اعتاب قريته بكل قسوة لفوه في لحاف وقذفوه بجانب المسجد وصوته يعلى بالسباب واللغط والألفاظ البذيئة اكرموه اهل القرية اصبحت احدى النساء تعطيه من خبزها وتقسم بأن الأرغفة لم تنقص واحدة الله طرح البركة لإحسانها لهذا الكهل الجائع ، بلغ منزلة عظيمة حتى اصبحت النسوة تحلفن باسمه اعوذ بالله منهم ومن الفتنة ، الشجرة التي يتكأ عليها باتت مباركة ونضرة اكثر من الباقيات سهلة اصبح يسقيها دائما ، عندما غار الفتية الصالحين اعادوه لبؤرته التي خرج منها واحرقوا ماتبقى منه حتى لايتخذ مزاراً ، عتب بسيط لكاتب فصيح بليغ يمتلك من الموهبة ماشاء الله أن يكون لاتلعن وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة" ، كاتب في مثل رقيك وادبه الكل يقتدى بك .

    الجبانة
    في روايتك رسالة نبيلة شريفة سامية ، اعلم بأن جمع غفيراً من المصريين سيقفون ضدك لأنك مصلح ولأنك رجل نبيل لم تتحدث عما يتحدث فيه الكتاب العرب هذا اليوم ادمن ادباء العصر عن الحديث فيما يلتقى الفخذان انت شيء آخر خلاصة الأدباء وانقى الأبجديات كرست فنك وبديعك للكتابة الهادفة غالباً مايكون المصلحون من امثالك ضعيفين اللغة انت مختلف صاحب قلم فريد حتى في محاولتك لأيقاظ ضمائرهم مهذب بحق لاتستخدم السباب والألفاظ المستكرهه ، آآآه محظوظ انا بنصك الباذخ ما اسعد قلبي بك ليتني عثرتك عليك سابقاً لأكحل عيني بطهر حرفك وعفة قريحتك .

    استغرب من الخلق التوسل بالصالحين واحضار الطعام لهم لإصلاح شؤونهم الأولى دعوة الله دون وسيط الله هو القادر على كل شيء ، المرأة التي نذرت نذراً ولم توفيه فعاقبها الولى بأن اسقطها من اعلى السلم قصة مضحكة ربما الله عاقبها في دنياها للجوئها إلى غيره ، وروحه وكيفية دفنه لاتعقل ولاتصدق ماهذا الولي ، اين الأنبياء والرسل من اهتماماتهم ، إن كان القارئ على كم هائل من الجهل مابالي الوم تلك النسوة اليائسات يقرأ على القبور الم يعلم بأن زيارات النسوة للقبور محرمة ام ان البرتقال والبلح و500 قرش اسرت لبه ، المرأة التي لاتزور زوجها الراحل العام الماضي خائنة النساء ونميمتهم هل ستزوره بقية عمرها لديها مشاغل دعوها وشأنها هل ستقبر نفسها في دنياها .


    الأهطل وتدعيه بأن رجل به مس أو قلة عقل ، عجباً لقومه انه يطلب الدخان ويعطى الخبيث أين الضمائر
    اولاً : أن كان اهبل كما يدعى عليهم الخوف على جهازه التنفسي ورفض مطلبه .
    ثانياً : لأنه اهطل لايجب أن يعطى مايبغي يتغافل عن مطلبه فتذهب رغبته فيما كان يطلب .

    النساء واسئلتهم القائمة عن رجولته ، رجاحته عقله بينه انه ينتقى النساء اللعوبات ويختلى بهن في بيتهم ، يتغافلون عما يريدون والاعتباط سمتهم .

    مؤكد بأن جهلهم وغباءهم الامتناهي سيدفعه للتبرطع بحصانه الخيالي كيف له بإجابه الهبل من قومه برطع يارجل .


    نفسية اجمل العرائس
    مازال حبها للإنجاب يتعلج بين جنبيها ورغبتها الملحة ويأسها دفعها لتلعق بالأولياء والخرافات زوجها اعانها بالنقود اليسيرة وهي بدورها صدقت حكايا الرجال ، حتى بعد موت زوجها تذهب لأبو الرايات ؟؟؟
    هيء هيء
    جميل منك ذكر تلك المعلومة


    وصفك لطقوس القراءات وذكر الله مع ختم صراخم وويلاتهم با ابو فلاح كان وصفاً جلي ، عزبة الهانم احزنتي اولاً لأن الأطفال يتركون الجهاد في سبيل الله اي التعلم للفلاحة ، ثانياً الأكفان مضحكه بحق من التي ترضى بأن تستحم بماء الكفن وبعض الاكفان ذاع صيتها والعقد الذي اصبح ملكية جماعية

    هبل لا ينتهي
    انتظر الباقي فروايتك اقلقت مضجعي

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة سكين مشذب عرض المشاركة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الحمدلله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين

    .....................
    إلى آخر ردك النبيل

    ما كل هذا يا صديقي ؟!
    جاء مدحك أكبر من كل أمنياتي
    وإطراؤك السخي جاء أكبر مما كنت أتوقع

    لا أدري كيف أشكرك ... ربما لأن كل شكرٍ لا يقوم ندّاً لمثل هذا المدح ، وهذا الإطراء
    فتقبل مني اليتبع ولك الشكر أيضاً

    أما عن شهر أمشير فهو أحد أشهر التقويم القبطي ( أو التقويم المصري القديم ) وهو التقويم الأشهر بين الفلاحين في مصر ، لأنه الأنسب والأدق في تعاملهم مع الأرض والزراعة ، وهو أشد شهور السنة القبطية برودة بعد شهر طوبة ومن بعده يبدأ دفء الربيع الذي يولفق شهر بَرْمَهَاتْ الذي نحن فيه الآن .

    أكرر شكري وبانتظار حضورك
    وإليك اليتبع وهذه الـ

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    أحداث اليوم السابع


    حركة غير عادية تلك التي تشهدها دار جارنا العزيز ، المعلم حسن ، نساء يدخلن ويخرجن ، وأخريات يدخلن ثم لا يخرجن ، وأطفال يلعبون ، في صخب وسعادة ، تكاد أقدامهم تخرق الأرض ، وتصل أصواتهم إلى عنان السماء .
    اندهشت أول الأمر ثم زالت دهشتي سريعاً ، حين تذكرتُ أن زوجة جارنا قد وضعت مولودها الخامس ، في مثل هذا اليوم من الأسبوع الماضي ، أي أن اليوم هو يوم السابع أو السبوع للمولود السعيد .
    في قريتي يتم الاحتفال بتلك المناسبة (السبوع) في طقوس خاصة ، تعارف عليها القوم منذ القرون الأولى ، بدأها الفراعنة ، ثم أضاف إليها الناس في كل عصر ، فجاءت خليطاً عجيباً من الثقافات والحضارات والعادات والتقاليد ، التي تحولت مع الزمن إلى ديانات أو ما يشبه الديانات !! .
    مع الضحى جاءني جارنا الكريم ، طرق الباب المفتوح غالباً ، وقال بلا مقدمات ( عقبال عندك ، طبعا انت عارف ان النهارده سبوع ام ابراهيم ، وانت معزوم عَ العشا ... سلامو عليكو ) .
    ألقى جارنا بتلك الكلمات وانصرف قبل حتى أن يسمع موافقتي ، أو شكري له على الدعوة ، أو دعائي للمولود ، وحمد الله على سلامة أم ابراهيم ، فعليه أن يدور على بيوت الأقارب والأصدقاء والجيران ، يدعوهم لتلك الليلة المشهودة .
    لا زالت الدار العامرة في صخبها غير المعهود ، أصوات النساء والأطفال ، وهم يطاردون الدجاج البلدي والبط والإوز في حظيرة المنزل ، فيصدر عنها صياح وقرقرة ، تنبئ بأن العشاء هذه الليلة ، سوف يكون على مستوى الحدث .
    بينما يدخل آخرون من الخارج ، وقد حملوا بين أيديهم دجاجاً أبيض اللون ، لا صوت له ولا صراخ ، اشتروه من محل في آخر القرية ، إنه الضيف الجديد ، والصنف الغريب ، على موائد الفلاحين في قريتي الأصيلة ، وإمعاناً من أهالي القرية في التمييز العنصري بين هذا الدجاج الأبيض ، ودجاجهم البلدي العريق ، سموه ( فراخ الوزارة ) .
    مع حلول المساء أخذت الدار زخرفها وازّينتْ ، وامتدت الحبال والخيوط بين الجدران وعلى الحوائط ، وقد تدلّت منها البالونات كعناقيد العنب ، بينما النسيم الخفيف يداعب ورق الزينة الملون ، فيتراقص مرفرفاً في سعادة ، مثل طيور خرافية الحُسن ، والأطفال يتصايحون في إصرار لم يفلح في التغطية على أصوات الملاعق والمغارف والأطباق والحِلل ، وهي تستقر في حرص على الصواني المعدنية ، في انتظار إشارة البدء بتناول العشاء الموعود .
    توجهتُ إلى الدار ، وقفت بالباب المفتوح على مصراعيه ، ثم دخلت دون تردد ، وجلست حيث انتهى بي المجلس وسط المدعوين ، لكن ربَّ الدار وبعض الحضور حملوني قسراً إلى مكان رأوا هم أنه يليق بي ! ، فجلست صامتاً لحظاتٍ ، ثم بدأت في تصفح الوجوه من حولي .
    الأشكال متطابقة ، والكل يفترشون الحصير ، ويسندون ظهورهم إلى مساند متواضعة ، تراصت بنظام في جوانب الغرفة ، ويتبادلون حديثاً مكروراً ، حول الغيط والمحصول وكفاءة فلان من الفلاحين ، وهيافة الآخر أو سوء حظه ، بينما تصل إلى الأسماع زغاريد النسوة وغنائهن ، ودعواتهن للمولود بالعمر الطويل والرزق الوفير ، من الغرفة المجاورة .
    كان أول من وقعت عليه عيناي ، وأنا أتصفح الوجوه ، وجه الشيخ عبد الهادي ، ثم الشيخ عبد الفتاح ، ثم الشيخ ياسين ، وكوكبة من المشايخ الذين يحفظون القرآن الكريم ، أو بعض سوره ، مع بعض الأناشيد الصوفية ، والقصائد القديمة ، التي أهلتهم أن يكونوا ضيوفاً دائمين على الموائد في كل المناسبات ، فهم يقرءونها في حفلات الموالد والسبوع والختان ، وفي المآتم وليلة الخميس الأول والثاني بعد كل مأتم ، وليلة الأربعين أيضاً !! .
    وهم يتحدثون بينهم لغة خاصة ، يحاولون تطعيمها ببعض ألفاظ الفصحى ، ورموز التصوف الغامضة ، إظهاراً لتميزهم عن بقية الحضور ، حتى إنهم وبسبب تلك الطبيعة والهيئة الخاصة ، يطلق أهل القرية على كل منهم لقب ( الشيخ فلان الفقي ) ، وهو لقب يكفي لتمييزه عن بقية الخلائق ، فتصل إليه إذا سألت عنه ، ولو كنتَ من خارج الديار المصرية ! .
    أخيراً صدرت إشارة البدء بالعشاء ، أصدرها رب الدار بتصفيقة من يده ، فحمل أبناؤه ومعاونوهم الصواني المحملة بالأطباق والملاعق وشتى صنوف الطعام ، ليضعوها في حرص أمام الحضور الكرام ، في حجرتنا وبقية الحجرات .
    وامتدت الأيدي والأذرع تنهل من رزق الله الوفير ؛ الفلاحون بأيديهم السمراء المعروقة ، وأصابعهم النحيلة ، والمشايخ الفقهاء بأيديهم البضّة السمينة ، من طول ما اعتادت الراحة ، والطعام الفاخر ، في كل المناسبات ، السعيدة منها والحزينة .
    الكل يأكل في سعادة ، ويتحدث في صفاء ، ويبتسم في إخلاص ، حتى انتهوا من العَشاء ، وغسلوا أيديهم ، ثم بدأوا في التسلل إلى خارج الدار ، حيث لم يبقَ إلاّ الأقارب ، والأصدقاء المقربون ، وبعض الجيران وأنا .
    عددُ مَن في غرفتنا جميعاً لا يتجاوز الخمسة عشر رجلاً ، أما الصالة فيجلس بها الأطفال يتناولون ما بقي على الصواني من العشاء ، ومعهم من جاء متأخراً من المدعوين ، بينما تمتلئ غرفة الأم ووليدها بالنساء ، وهن يزغردن وقد أحطن بها وبطفلها .
    وبدأت أحداث الليلة السعيدة ....
    بدأها الشيخ عبد الرءوف بتلاوة قصيرة من آي الذكر الحكيم ، بصوت أجش ، زاد العشاء السمين من خشونته ، وضاقت أنفاسه بعد أن ملأ أثلاث المعدة الثلاثة بالطعام ، وترك الشراب والنفَس لرحمة الأقدار ، ثم أنهى التلاوة سريعاً ، فبدأ الحضور يتفسحون في المجلس ، ويوسع كل منهم لجاره ، ومدّ العجائز سيقانهم المتعبة .
    بدأ الشيخ ياسين في أداء أنشودة أو قصيدة يرويها الصوفية عن شيخ لهم ، عاش في القرن السابع الهجري ، اسمه أبو محمد المناوي ، واسم القصيدة السيرة النبوية المعجزة .
    يقول مطلع القصيدة " الحمد لله الذي أنار الوجود بطلعة خير البرية ، قمر الهداية وكوكب العناية الربانية ، مصباح باب الرحمة المرسلة وشمس دين الإسلام ، من تولاه مولاه بالحفظ ، والعناية السرمدية ، وأعلا مقامه فوق كل مقام ، وفضله على سائر الأنبياء ذوي المراتب العلية ، فكان للأولين مبداً وللآخرين ختام ، فما أعذب هذا الكلام ! " .
    وسكت الشيخ برهة لترد عليه جوقة تشكلت على الفور من بقية المشايخ ، وبعض الحضور ممن له سابق دراية بمثل تلك الليالي ، قائلين في صوت واحد " اللهم عطر قبره بالتعظيم والتحية ، وأعلِ مقامَه فوق كل مقام " .
    وجاءت زغرودة طويلة من غرفة النساء ، وتعالت الدعوات للمولود ، والشيخ ياسين بطول العمر .
    لا زال الشيخ ينشد وقد انجلى صوته ، واتسع صدره وارتاحت أنفاسه ، وهو يقول " أما بعد يقول العبد الفقير الراجي من الله الألطاف الخفية ، الطالب منه تعالى محو الخطايا والآثام ، عبد الله أبو محمد المناوي ، المنسوب إلى الحضرة الأحمدية الشاذلية ، أقام الله دولتها وأدام !! ، قال رأيت رسول الله في المنام رؤية حقيقية ، كما روت عنه الأفاضل الأعلام ، رأيته مزملاً في ثيابٍ سندسية ، مربوع القامة ، جميل الصورة ، فصيح الكلام ، كاملاً في ذاته ، مكملا في صفاته الخلقية ، قمريَّ الجبين ، حواجبه نونية ، كحيل الطرف ، أهدب العينين ، ظريف القوام ... الخ" .
    وهنا استخف الطرب بالقوم ، فصدرت عنهم الآهات وصيحات الاستحسان ، وأخذت الحماسة الشيخ عبد الفتاح ، أحد أعضاء هيئة المشايخ بالقرية ، فتناول صينية الشاي المعدنية ، وصنع منها رِقّاً رائعاً ، راح يضرب عليه في مهارة ، بينما يصطدم خاتمه النحاسي بقعر الصينية ، فيصدر عنها صوت معدني جميل ، يتلاءم مع الجو الروحاني الذي بدأ يسيطر على المكان .
    وزاد صوت الشيخ حلاوة وأنفاسه اتساعاً ، واستجاب للتشجيع ، فتسلطن وتمايل في إيقاع رتيب ، ذات اليمين وذات الشمال ، وهو يقول مكملاً " فانتبهت مسروراً من رؤية ذاته المحمدية ، مشروح الصدر زائد الهيام ، فشرعتُ في بعض كُليْمةٍ ، تتعلق بولادته السنيّة ، فأقول وأنا السائل المتوكل المستعين بحول ربه وقوته القوية ، تقول آمنة لما حملت بمحمد ، حملت في في رجب ، وربيع ولدته فيه .... الخ " .
    وتعالى صوت الكورال من جديد " اللهم عطر قبره بالتعظيم والتحية ، وأعلِ مقامه فوق كل مقام " .
    بدخول الليل نام أطفال الدار ، وتسلل بقية الأطفال إلى منازلهم ، وهدأت الأجواء ، وخشعت الأصوات فلا تسمع إلاّ صوت أصابع الشيخ عبد الفتاح ، تداعب صينية الشاي ، في إيقاع راقص ، مصحوباً بصوت الشيخ ياسين ، وهو لا يزال ينشد في إخلاص " تجلّت ليلة الاثنين فحملت بالنبي الزين ، محمد صاحب الكونين ، لقد شرف أراضيها ، تجلت ليلة الثلاثاء ، فحملت سيد الشفعاء ، محمد سيد السادات لقد شرف أراضيها ، تجلت ليلة الأربع فحملت بالنبي الأشفع محمد خير من يشفع ... الخ " .
    وهنا دخلت إحداهن تحمل طبقاً كبيراً ، مملوءاً بخليط غريب من حبوب البرسيم والقمح والأرز والذرة والفول والملح الأبيض والخبز الجاف المتفتت ، وهي خلطة من سبعة أصناف يسمونها ملح المولود ، والمرأة تغرف بيدها من الطبق ، وترش في أركان الغرفة وكل الغرف ، وأمام المنزل ، وكل مكان يحتمل أن يخطو فيه الصغير – مستقبلاً - خطواته الأولى ، فلا يصيبه مكروه من إنس ولا جان !! .
    بينما وقفت إحداهن تهدهد الطفل وقد وضعته في غِربال صغير ، وهي تراقصه على وقع غناء الشيخ ، وإيقاع الصينية .
    كان الطرب قد أخذ من الشيخ ياسين كلَّ مأخذ ، فجلجل صوته وانجلت حنجرته ، وأنشد في خشوع " وأقبل الأمين جبريل في كبكبة ، وبيده ثلاثة أعلام ، ودقتْ طبول الأفراح في السموات والأرض ، وعلقت روائح الطيب في العوالم الجبروتية ، وتلألأت الكائنات بطوالعه السعدية ، وافتخرت بقدومه العرب والأعجام وتمت المعجزة ".
    فعاد الكورال يختم " اللهم عطر قبره بالسلام والتحية ، وأعل مقامه فوق كلِّ مقام " وهنا بدأ الشيخ ورفاقه يدعون للمولود والوالد والوالدة وأهل الدار وأصحاب الليلة السعيدة بأخلص الدعوات ، أن يديم عليهم الأفراح والسعد والانشراح ، وأن يمدَّ في أعمارهم ويوسع أرزاقهم ، ووقف الجميع استعداداً للانصراف ، فدخل والد الطفل مسرعاً ، ودسّ في يد الشيخ ياسين ، وكل واحد من رفاقه ، ورقة نقدية ، حسب مكانته ، وما بذل من الجهد في تلك الليلة ، سواءً بالإنشاد أو بالإيقاع .
    بينما تسلل بقية الأقارب والأصدقاء ، إلى غرفة المولود ، حيث ألقى كل منهم في مهد الطفل ، بضع أوراق نقدية ، على سبيل النقوط ، الذي سيرد في مناسبة قريبة ، وما أكثر المناسبات في قريتي ! .
    ثم انصرف الجميع تاركين جاري العزيز ، لمولوده الخامس يدبر أمره ، والله يدبر الأمر كله ...

    يتبع

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المكان
    في زقاق مصاصين الدماء امج الدم بروية
    الردود
    95
    شكراً جزيلاً لإيضاح نقطة تسائولي عن التقويم
    عجباً لم اسمع بهذا التقويم من قبل
    حمدلله اتاحت لي روايتك اكتشاف احد اسارار المصريين الأقباط

    ‫***‬


    جاره حسن وزوجته انجبت مولوده الخامس الذي جلب نسوة القرية وجلبت معهم الضخب والنصب ، تقليد السبوع اشبعت فضولي من خلال روايتك سردت ادنى تفاصيله في اي يوم وماتتخلله الاحتفال وكل شيء ، ماشاء الله قلم لاينضب ابداعه ، الأطفال يلاحقون الدجاج والمدعوين يحضرون فراخ ابيض اللون يتقد صدور بعضهم منه حسداً وغيرة ويلقبونه بفراخ الوزارة المفضل البلدي ، حسن دعاه بسرعة فائقة وتجه لدعوة البقية فالقرية مكتظة بالسكان ، الهدايا المقدمة غريبة دجاج مجرد تخيلي للمشهد يصيبني الضحك ، الموائد الفارهة انبأتني بأن حسن رجل غني وكريم ، الشيوخ ووصفك بأنهم مكتنزوا اللحم لكثرة ارتيادهم الحفلات اضحتني من القلب اعجبني وصفك لأيادي الفلاحين النحيلة وعروقهم النافرة وايادي الشيوخ البضة السمينة كان مشهداٍ فائق الجمال ، النقوط التي سيردها قريباً لكثرة لحفلات جميل جداً الكرم متبادل ، الذرة والبرسيم واصناف طعام خلطت لنثرها هنا وهناك واناشيد وخرافات وبدع عجيبة اختلقوها لاهي تنفع ولا هي تضر ، المشكلة بأن المشايخ يؤيدون هذا الأمر
    الجميل في الشعب المصري بزنهم يغتنمون الفرص لأقامة الحفلات ، شعب يجد السعادة في كل شيء ماشاء الله الفرح لايفارقهم اغبطهم بشدة

    انتظر يتبع يا نقي

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة سكين مشذب عرض المشاركة
    شكراً جزيلاً لإيضاح نقطة تسائولي عن التقويم
    عجباً لم اسمع بهذا التقويم من قبل
    حمدلله اتاحت لي روايتك اكتشاف احد اسارار المصريين الأقباط

    ‫***‬


    جاره حسن وزوجته انجبت مولوده الخامس الذي جلب نسوة القرية وجلبت معهم الضخب والنصب ، تقليد السبوع اشبعت فضولي من خلال روايتك سردت ادنى تفاصيله في اي يوم وماتتخلله الاحتفال وكل شيء ، ماشاء الله قلم لاينضب ابداعه ، الأطفال يلاحقون الدجاج والمدعوين يحضرون فراخ ابيض اللون يتقد صدور بعضهم منه حسداً وغيرة ويلقبونه بفراخ الوزارة المفضل البلدي ، حسن دعاه بسرعة فائقة وتجه لدعوة البقية فالقرية مكتظة بالسكان ، الهدايا المقدمة غريبة دجاج مجرد تخيلي للمشهد يصيبني الضحك ، الموائد الفارهة انبأتني بأن حسن رجل غني وكريم ، الشيوخ ووصفك بأنهم مكتنزوا اللحم لكثرة ارتيادهم الحفلات اضحتني من القلب اعجبني وصفك لأيادي الفلاحين النحيلة وعروقهم النافرة وايادي الشيوخ البضة السمينة كان مشهداٍ فائق الجمال ، النقوط التي سيردها قريباً لكثرة لحفلات جميل جداً الكرم متبادل ، الذرة والبرسيم واصناف طعام خلطت لنثرها هنا وهناك واناشيد وخرافات وبدع عجيبة اختلقوها لاهي تنفع ولا هي تضر ، المشكلة بأن المشايخ يؤيدون هذا الأمر
    الجميل في الشعب المصري بزنهم يغتنمون الفرص لأقامة الحفلات ، شعب يجد السعادة في كل شيء ماشاء الله الفرح لايفارقهم اغبطهم بشدة

    انتظر يتبع يا نقي
    أهلا بك دائماً يا صديقي ... أغمدت سكينك المشذب في بطن الكلمات فاستخرجت منها أكثر مما كنت آمل أنا ... ما شاء الله عليك !

    لكل شعب أسراره والتقويم المصري القبطي هو أحد تلك الأسرار يكاد يكون خاصاً بالزراعة حيث يلقي الفلاح البذرة في يوم محدد أو يقوم بتلقيح النخل في نهار يوم معين لا يقدم ولا يؤخر ، حسب هذا التقويم .

    أما عن دجاج الوزارة فهو ليس هدايا للمناسبة وإنما يرسل أهل المولود في شرائه .
    وأما عن العادات الفاسدة تحت سمع وبصر المشايخ ... فكثيراً ما يتاجر الشيوخ بالدين ويحولون العادة إلى عبادة لخدمة غرض دنيوي مادي أو أدبي ، ويقفون لكل مصلح بالمرصاد ويناصبونه العداء ، بعد أن يلووا أعناقَ آيِ الذكر الحكيم ، ويحرفونها عن مواضعها .

    الشعب المصري ينتهز كل فرصة للفرح من كثرة ما أصابه من الألم والقهر ، ترك الدنيا لهؤلاء الظلمة الفاسدين ، وانكفأ على ذاته يحاول إسعادها ، فظن الطغاة أنه الجبن والخَوَر .. لكن هيهات !
    أراه اليوم يسترد عافيته ويقهر من قهره ، ادعُ الله لنا بإتمام فرحتنا يا صديقي.

    وهذا اليتبع - حالاً - لي ولك ولكل القراء الأفاضل .

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    دائماً تحت الأرض

    شيء ما يربط بين أهالي عزبة الخواجة ، وبين الأرض برباط مقدس خفيّ ، إنهم منذ جاء بهم صاحب العزبة ( الخواجة ) إلى تلك الناحية ، وهم يعملون في الأرض ، وينامون على الأرض ، ويأكلون من الأرض .
    وبعد أن رحل الخواجات ، وتم توزيع الأرض عليهم ، حسب قوانين الإصلاح الزراعي ، وصار كل منهم يمتلك بضعة عشر قيراطاً ، ينام ويصحو على حلم أن يتمها فداناً كاملاً ، وهو في سبيل تحقيق هذا الحلم ، على استعدادٍ تامّ ، لفعل أي شيء وكلّ شيء ، بدءاً من العمل ليلاً ونهاراً في الأرض ، وحتى نقل الحدود التي تفصل بين حقله وحقل جاره ، بعد حصة متأخرة من الليل .
    إن الأرض هي كلّ شيء ، في حياة أهالي عزبة الخواجة ، الذين إذا فكروا جاء تفكيرهم مرتبطاً دائماً بالأرض ، سواء فوق الأرض ، أو تحت الأرض ! .
    وتحت الأرض تدور الحكايات ، حكايات أسطورية أبطالها رجال ونساء ، من أهل العزبة ، وهم دائماً يحملون لقب المرحوم ، فلا أحد منهم على قيد الحياة .
    تقول إحدى تلك الحكايات ، إن الحاجة مبروكة الدّاية ، ذهبت إلى عزبةٍ مجاورة ، لتقوم بتوليد إحدى نسائها ، وفي رحلة العودة ، وهي تسير على جُرف البحر ، وقعت عيناها على ضفدعةٍ ، تعاني آلام الولادة ، وبحكم الصنعة أسرعت مبروكة الدّاية إلى الضفدعة ، لتساعدها على الوضع ، ووضعت الضفدعة بسلامة الله ، وهمّت مبروكة بالانصراف ، لكن الضفدعة لم يرضِها أن تنصرف الحاجة مبروكة هكذا ، دون أجر أو حتى كلمة شكر ! .
    ذلك أن تلك الضفدعة لم تكن ضفدعة عادية ، وإنما كانت واحدة من بنات الجن ، فحملت الحاجة مبروكة ، ونزلت بها تحت الأرض ، حيث مملكة الجن الواسعة ، وهناك عرّفتها بأهلها ، وأخبرتهم بما فعلته معها ، وكيف ساعدتها حتى ولدت بالسلامة ، فشكر الجميع الحاجة مبروكة ، واعترفوا لها بالفضل ، وأعطوها أجرها ، مَقطفيْن من قشر البصل الناشف ! .
    نظرت مبروكة إلى المقطفين في استهتار ، ثم حملتهما إرضاءً للجن ، وحملتها الضفدعة النفساء إلى وجه الأرض ، في نفس البقعة التي قابلتها فيها .
    أمّا مبروكة فبعد أن اطمأنت إلى أن أحداً من الجن لا يراها ، ألقت بقشر البصل على جُرف البحر ، وحملت المقطفين ، وعادت إلى بيتها ، حيث أخبرت الناس عما جرى لها تحت الأرض ، وأشارت إلى المقطفين ، كدليل على صدقها ، وبينما هي تهز أحدهما ، سقطت منه قشرة بصل واحدة ، كانت قد التصقت بقعره ، ولم تضِع ضِمن ما ضاع ، وما إن أمسكت مبروكة بقشرة البصل تعرضها عليهم ، حتى تحولت في يدها إلى قطعة من الذهب الخالص ، يخطف بريقها الأبصار .
    وذهِل الحاضرون ، وأسرعتْ الحاجة مبروكة الدّاية ، إلى المكان الذي ألقتْ فيه قشر البصل ، آملةً أن تجده متحولاً هناك إلى ذهب ، فما وجدت شيئاً ، وماتت بحسرة الذهب الذي ضاع ، وهي تظنه مجرد قشر بصل .
    أما الشيخ العوضي ( الأعور ) – رحمه الله - فيقولون أن سبب إصابته بالعَوَر ، هو حكاية جرت له تحت الأرض أيضاً ، ذلك أن العوضي ، أيامَ كان سليماً مثل معظم الناس ، جلس مع زوجته وأبنائه ، على الطبلية يأكلون الأرز ، وفي يد كلّ منهم نصيبه من السمك ، وجاءت قطة غريبة عن الدار ، تطوف حول الطبلية ، وتنظر في عيون أفراد الأسرة ، ولمّا لم يُلقِ لها أحدُهم شيئاً ، دفعها الجوع إلى السطو على يد أصغر الأبناء ، واختطاف سمكته .
    وكان العوضي بالمرصاد ، فقذف بالملعقة في وجه القطة ، ففقأ عينها في الحال ، فألقت القطة السمكة وفرّت هاربة ، وهي تعوي من فرط الأسى ، وشدّة الألم ، ومر الموقف ، ولم يلقِ أحد بالاً لما حدث ، فأكلوا حتى شبعوا ، وسهروا حتى غلبهم سلطان النوم ، فناموا مطمئنين .
    لكن العوضي كان له شأن آخر ، وذلك أن تلك القطة التي ضربها ، كانت هي الأخرى من الجن ، فما إن أسلم عينيه للنوم ، حتى جاءه قومها ، فحملوه من على فراشه ، ونزلوا به تحت الأرض ، حيث مملكة القطط من الجن ، وهناك عرضوا أمره على ملكهم ، الذي أمر بعقد محاكمة عادلة للعوضي ، كان من نتيجتها أن حكمت المحكمة تحت الأرضية ، بأن تُفقأ إحدى عينيْ العوضي ، كما فقأ عين ابنة جنسهم .
    وفقأوا عينه ، وحملوه إلى فوق الأرض ، ووضعوه على فراشه مثلما أخذوه ، وفي الصباح وجد العوضي إحدى عينيه قد ذهب نورها ، وأخبر أهل العزبة عما جرى له ، في ليلته تحت الأرض ، ومن يومها وهم يسمونه العوضي الأعور .
    وأسير في العزبة ، وكلما مر بي أحد أمثال العوضي رحمه الله - والذين تمتلئ بهم الطرقات ، أتساءل عما إذا كان هو الآخر ، قد فقأ عين إحدى القطط من الجنّ ، فجاء جزاؤه من جنس العمل ، أم أنه فقد عينه في أحداثٍ أخرى ؟! .

    وفي قريتي يختنق القمرأيضاً ... تخيل القمر يختنق
    كثيراً ما يحلو للأرض أن تقف على خط واحدٍ مع الشمس والقمر ، وبين الاثنين تماماً ، فتمنع ضياء الشمس من الوصول إلى عتمة القمر ، فيفقد المسكين مصدر نوره الوحيد ، ويشحب لونه ، وتتكاثر البقع السوداء والزرقاء على صفحته ، فيبدو في السماء وكأنه يختنق .
    ويتساءل السائرون ليلاً ، في شوارع كفر الباشا ، عمّا حدث للقمر ونوره في هذه الليلة ، وتأتي الإجابة الحاسمة الموروثة ( الظاهر إن القمر مخنوق يا وْلاد ) .
    والسبب في تلك الخنقة ، كما يرى أهل العلم بالكفر ، هن بنات الحُور من الجنيات ، اللائي فتنهن جمالُ القمر ، فأرادت كل منهن أن تأخذه لنفسها تلك الليلة ، من دون الأخريات ، وأسرعت كلّ منهن تجذبه إليها ، بينما تتشبث به أخرى ، والمسكين بينهن لا حول له ولا قوة ، حتى تعب واصفرّ لونه ، أو ازرقّ وكاد يختنق ، في زحمة الشد والجذب .
    ولأن إغاثة الملهوف ونجدة المضطر عادة أصيلة ، في نفوس أهالي كفر الباشا ، فقد وجب إسعافُ القمر ، وفكّ خنقته وإعادة نور الحياة إلى صفحته من جديد ، وعلى الفور أسرع أحدهم يجري ، في حواري الكفر وأزقته ، ليعلن للناس النبأ المشئوم ، وأن القمر مخنوق ، بينما أسرع الآخرون إلى بيوتهم ، لإحضار أدوات فكّ الخنقة .
    وسرى الخبر في الشوارع الضيقة ، وتسلل من النوافذ إلى الغرف والمخادع ، فخرج الناس من بيوتهم ، وتقاطروا على الشوارع ، وهم يحملون ما استطاعوا ، من العصيّ وصفائح السمن الفارغة ، يدقون عليها في حماس ، وهم ينظرون إلى السماء في خوفٍ ورجاء ، ويتطلعون إلى القمر في حزن ظاهر .
    ومن لم يجد صفيحة سمن فارغة ، فعليه أن يحمل ما يجده من أواني الطهي ، كالحِلل والمغارف وأغطية الأواني ، وغيرها من المواعين ، فالأمر جلل والمصيبة أخطر من التهاون بها ، ولابد من التضحية بكل مرتخص وغال .
    وبدأ حجم الموكب في التزايد شيئاً فشيئاً ؛ بما يصل إليه من إمدادات ، من بقية أطراف الكفر ، فكل من سمع أن القمر مخنوق لبى نداء الواجب ، وغادر فراشه ، وحمل أدواته ، وأسرع بها إلى الموكب الكبير .
    حتى إذا رضي الناس عن الموكب ، ورأوا أنه قد أمسى كافياً لفك الخنقة ، وإزاحة الغُمة ، ونجدة القمر المسكين ، تحرك الجميع خارجين ، إلى الطريق المؤدية إلى مدخل الكفر ، وهم يدقون بعصيّهم على الصفائح ، ويضربون الحِلل والأواني بعضها ببعض ، فيخرج لها صوت يصمّ الآذان .
    بينما يسير في الموكب بعض كبار السن من الرجال ، وهم يحملون نبابيتهم ، يشيرون بها إلى السماء فيما يشبه الوعيد ، والكل يهتف في إيمان عميق ( سيدة يا أمّ عمر ، فكّي خنقة القمر ) يخرجها من أعمق أعماق صدره ، ويرفع بها صوته ، وكأنه يؤدي واجباً دينياً مقدساً ، أو مهمة وطنية ، ويظل الموكب سائراً ، يدور حول الكفر طوال الليل ، وسط دقّ الصفائح والحِلل ، وأصوات الدعاء .
    وكما يدور الموكب حول الكفر ، تدور الأرض حول الشمس ، وحول نفسها أيضاً ، وتغادر موقعها الذي تسبب في الأزمة شيئاً فشيئاً ، ومع كلّ حركة لها ، تتسع مساحة الضوء على سطح القمر ، فيستبشر أهالي كفر الباشا خيراً ، ويحمدون الله أن جهدهم لم يضِع هباءً ، وأن القمر في سبيله إلى الخلاص ، فيعاودون الدقّ على الأوعية ، ورفع الصوت بالنداء إلى السيدة أم عمر ، أن تفكّ خنقة القمر .
    ويعود النور إلى وجه القمر ، وتدبّ الحياة على صفحته من جديد ، مع اقتراب السّحَر ، عند ذلك يعلن أهالي الكَفر انتصارهم ، ويبدأون في التسلل عائدين إلى فراشهم ، وكل منهم يباهي صاحبه بما فعل في ليلته ، وكيف أبلى أحسن البلاء .
    وأعود مع العائدين ، أسائل نفسي ، ترى كم تبلغ المسافة بين العلم وبين كفر الباشا ؟ وهل هي نفس المسافة بين الأرض والقمر ؟ أم أنها تزيد ؟! .


    الدّاية : القابلة أو من تقوم بتوليد النسوة في القرية قبل اختراع طبيب النساء والتوليد
    يتبع

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    يا صنايعي

    في تلك القرى النائمة خارج مملكة التاريخ والجغرافيا،لا يخلو الأمر من حكمة،أو تجربة فلسفية ثرية.
    الزمان ضُحى يوم من أيام صيفِ الصِّبا.
    المكان شرفة بالمنزل القديم.
    ذلك الذي كان وقتها بيت العائلة، يقربني أبي منه بعد صلاة الضحى، ويتكئ على جانبه الأيمن.
    يسألني...هل الأسطى أحمد في البيت الآن؟
    وأجيب - لا أدري يا أبي...ربّما !
    إذن خذ جهاز الراديو،واذهب إليه ليصلحه، ويرى ما به
    حاضر يا أبي...وذهبتُ إلى الأسطى أحمد،أحمل جهاز الراديو – التليمصر- العتيق،ودخلتُ عليه في منزله،حيث يمارس عمله.
    كلُّ علامات الرضا تغمرُ وجهه ، وهو يؤدي عمله بكل إتقان وإخلاص،وسعادةٍ أيضاً،يُدنْدِن بأغنية لعبد الوهاب ، في انسجام،يحسده عليه عبد الوهاب نفسه.
    أعلمْته بما يريد أبي،فتقبّله بابتسامة حقيقيّة،وطلب منّي أن أتركَ الراديو،وأعود في الغد لآخذَه،وحمّلني السلامَ أمانة لأبي،وعدْتُ لأوصّلَ السلام،وأخبرَ أبي بما كان،وما عليه الرجل من سعادة.
    أسأله في فضول - لماذا يغنّي الرجل،ويبتسم مع أنه يجلس وحده،ولا أحدَ يضاحكُه،أو يسامره؟!
    هل لأنه يحب عمله؟ وهل يحب الإنسانُ عمله إلى هذا الحدّ؟
    اعتدل أبي رحمه الله وقال – لا – بل الأمر كله مجرد روَقَان بال،وخُلُوّ قلب.
    وادّعيْتُ الفهمَ وسكتّ!.
    في اليوم التالي ذهبتُ حسَب الميعاد لإحضار الراديو،وجدْت بالدكان رجلاً غير الذي كان بالأمس،قد ارْبدّ وجهه ، وتغيرتْ ملامحُه،وتكدّرتْ سحنته،تعلو جبهته سحابة من دخان سيجارته،التي أوشكت على الانتهاء ، وهو لا يدري، تحجب وجهه عني فلا أكاد أراه.
    سرح بصره ، وتاهتْ نظراته في لا شيء،ناديتُ فلم يردّ،وأعدْتُ النداء،فجاء ردّه سيلاً من سبابٍ طويل لليوم ، الذي صارت له عدة ألوان أخفها الأسود،مع قاموس من كلماتٍ أخرى كثيرة،من بينها الزفت والقطران،ولم يحرم من السباب جهاز الراديو،ثم الساعة التي رآني فيها أصلاً.
    تعجبتُ وانصرفتُ أعدو،أخبِرُ أبي بالذي كان،وأطلب منه أن يأخذ لي بثأري من الرجل،وابتسم أبي وكان - رحمه الله – حكيماً،ثم قال – ألم أقل لك إن الأمر لا يعدو أن يكون رَوَقان بال،وخُلُوّ قلب ، وليس حبّاً في الصنعة ، ولا إتقاناً لها.
    قلتُ كيف ؟ قال أبي - وهو يهز رأسه - ربما تعلمك الأيام ما لم تتعلمه في مدرسة ... وانتظرت.
    حتى كان يومٌ،وقع في يدي كتابٌ،للراحل العظيم يوسف إدريس،قرأتُ فيه قصة مُفادها؛أن رجلاً مرّ على نجّار،يعمل في الدور الأخير بإحدى العمارات ، وهو يرَكّب الشبابيك والواجهات ، ويغني بصوتٍ مرتفع.
    هذا الصوت هو الذي استوقف الرجل ، وجعله يتأمل الصنايعي المُندمج في عمله إلى حدّ الغناء !
    وانتهز الرجل فرصة توقفِ الصنايعي عن الغناء لحظة ، وسأله - هيّ شغلة ولا خُلُوّ بال؟!
    فقال الصنايعي من عليائه – لأ طبعاً شُغلة أنا راجل صنايعي قدّ الدنيا.
    تركه الرجل وذهب إلى السوق،واشترى ( سَبَتَاً ) وملأه بالخضر والفواكه والحلوى واللحم،وأعطاه لصبيّ يلعب في الشارع،وأوصاه أن يوصله إلى بيتِ النجار ، وأعطاه بضعة قروش ، وطلب منه أن يقول للزوجة إن زوجها النجّار أرسل لها هذا السَبَت ، وفرحتْ الزوجة.
    وعاد النجار في المساء،قابلتْه رائحة الطعام الشهيّ،والحلوى الزكية، تملأ المنزل،وكمّاً ضخماً من الفاكهة،يسيل له لعاب الشبعان.
    اندهش النجّار وسأل الزوجة – أنّى لك هذا؟!
    قالت وهي تبتسم في دلال،ألستَ أنت الذي أرسلتّه مع الصبيّ الصغير؟!
    بُهِت النجار،وصرخ قائلاً : أنا لم أرسل شيئاً،ولم أبعث أحداً .
    وكانت ليلة ليْلاء،انقضت بين استجوابٍ دقيق من النجار،وإنكار تامّ من الزوجة،وشجار لم ينتهِ إلاّ مع الصّباح.
    في اليوم التالي عاد النجار إلى عمارة الأمس ، وجاء الرجل الذي مرّ عليه بالأمس ، يرى ما يحدث اليوم - فماذا وجد ؟!
    رأى النجارَ وإذا به كلما أمسك بإطار نافذةٍ،سقط من يده وانكسر،وكلما أراد أن يدقّ مسماراً دقّ إصبعه وصرخ.
    فلا غِناء ولا صوت شجيّ !!
    السلام عليكم يا أسطى قالها الرجل المارّ بالأمس ، فنظر إليه النجار من عليائه ، ولم يردّ بل قال : هوّ انتَ - ابعدْ عنّي بوجهك الشؤم،فقال الرجل لا أبعد عنك حتى تخبرني … أهي صنعة ولّلا رَوَقَان بال ؟!
    فسبّه النجار،وأمره بالذهاب ، فقال الرجل أنا الذي أرسلتُ الصبيّ إلى بيتك ، لأثبتَ لك أن الأمر كله – مجرد رَوَقان،وخُلُوّ بال،وليس حباً في الصنعة.
    وهنا – وهنا فقط - وبعد أن تأكّد النجار أن الرجل هو الفاعل،وأن زوجته بريئة،عاد إليه انتظام عمله ، وشيئاً فشيئاً بدأ يتقنه، ثم في النهاية – بدأ يدندن بمطلع موال .
    رحمك الله يا أبي ، ورحمك الله يا عمّنا الأسطى أحمد،ورحم الله الأديب العظيم يوسف إدريس…

    يتبع

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المكان
    في زقاق مصاصين الدماء امج الدم بروية
    الردود
    95

    Talking

    عندما اجد مايستحق التعقيب لا اتوانى ، محبرتك النازفة تجبرني على الرد بشكل مطول ، يارجل أنك تهبنا روايتك بلا مقابل ودون منة اقل مايمكنني شكرك به رد يثلج صدرك
    كما أن روايتك اعجبتني
    اولاً : لأنها مختلفة عن البقية ، بها شيء جديد مللت الأفكار التقليدية .
    ثانيا: الرواية بالنسبة لي كالتاريخ يجب على معرفة الأقباط وعاداتهم من باب التسلية والتوسع المعرفي .

    اهالي العزبة ربت اجسادهم من ارض الخواجة بينهم صلة عميقة لا عجب من رغبتهم بالإنتماء الامتناهي لها ، قرار الإصلاح الزراعي راق لي كثيراً اعطاهم ماحرثتهم ايديهم ، طموحاتهم لاتنتهي يردون فدان اريد أن اسميه طموح لا طمع وجشع ولكن رغبتهم بتخطى حقول جيرانهم هذا مالا يستساغ ، اضحكتني من القلب في ربطك لعقولهم بالأرض خارجياً وباطنياً ، عندما قرأت العنوان تعجبت فإذا بالمحتوى يفهمني ويضحكني ، يدمنون القصص الخرافية والأبطال والوهميين ومن شروط تلك القصص الخارجة عن المألوف موت البطل

    اقهقه من صميم قلبي لقصة الداية المبروكة إذا الضفدعة تلد وقامت بمساعدتها بالوضع وابت أن تنصرف قبل أن تكرمها يارب ارحمني ، صحبتها لبواطن الأرض واخبرت الجن بأنها ساعدتها بالوضع وكافئتها بقشر بصل !!! ونعم المكافأة
    فجأة بقدرت قادر تحول القشر لذهب ، ارحموا عقولنا يابشر

    الشيخ الأعور هو ايضاً ذهب لبواطن الأرض ، القرية تقع على مملكة الجن ، ترأفت بالقطة لايجوز له فقأ عينها كانت جائعة مابالهم شحيحين عليها بلقمة تشبعها ارحموا من في الأرض يرحمكم من بالسماء ، المحاكمة القطية ذكرتني اجواء القصة برواية ثمانون عام بحثاً عن مخرج ، مجرد تخيلي للقط وهو يرتدى بدلة القاضي انفجر ضحكاً ، اعتقد بأن العوضى كان يسرق فأمسكه صاحب المنزل وفقأ عينه فاضطر لاختلاق هذه القصة .

    بنات الحور من الجنيات يتقاتلن على القمر حتى يكاد أن يختنق منهن ، اتمنى زيارة هذه القرية حتى يتسع صدري ضحكاً والشمس لايوجد من يخنقها .

    الموكب النبيل الذي خرج بالعصى والصحاف والآجران والدلو لفك خنقته هل هم جادون ، هكذا ينذرون القرية وكلن يجرى ، هل هذا الأمر يجرى في وقتنا الحاضر ؟؟؟
    ام انك تحكى شيء قد ولى !!!
    كل ينسب شرف فك الخنقة لنفسه ، الجهل ظلام بحق ، حمدلله الذي عفاني مما ابتلاهم وفضلني علي كثير من خلقه ، اشفقت عليهم بحق وتحولت ضحكاتي لعبوس ، حالتهم مزرية يحتاجون لمدرسة تفتح ابوابها لنشر العلم لمحو الجهل المستعصى


    صلاة الفجر مقرونة بالاستماع لنشرة الاخبار الصباحية تعطله يؤدى لزيارة الأسطى احمد ، روقان الأسطي وحكاية النجار اعجبتني كثيراً ، الرجل ارتاب بزوجه ولكن برائتها اعلنت للملأ ولكنه خبيث لاينبغى اخافت زوجه هكذا ليؤكد نظريته فقط

    رحمهم الله جميعاً ، اجمل مابي روايتك الاحداث المضحكة والحكمة المبطن في حرفك
    مع ان بي شيئاً من وخز الضمير لضحكي على جهلهم ولكنهم قوم طيبون ضحك عليهم الكذابون من بنى الإنسان

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المكان
    في مدينة الفارابي
    الردود
    255
    رحمك الله يا أبي ، ورحمك الله يا عمّنا الأسطى أحمد،ورحم الله الأديب العظيم يوسف إدريس…
    آمين..
    محبرتك يا أخي هي الأخرى حكاية فهي تجبر سكين على الإطناب كما أشار,,,
    أما أنا فتلزمني الصمت الذي يكلله هالة من الإكبار والإعجاب لها, ولأفكارك, ولأسلوب سردك..
    فيض تحايا
    لــيــس ثـمـة مـوتـى غير أولئك الذين نواريهم في مقبرة الذاكرة...

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    الفاضل / سكين مشذب

    كيف أهب روايتي بلا مقابل ؟
    إن كلمة شكر واحدة من قارئ واعٍ ، لهي عندي أغلى من كنوز الدنيا ، ولو شئتُ لاتخذت عليه أجراً لكن متعتي في الكتابة وأجري في قلوب القراء ....

    ما أرويه يا صديقي أحداث رأيتها بعيني وشاركت فيها بنفسي - لا عن إيمان بالطبع - بل حباً في المعرفة واستكناه بواطن الأمور عن قرب أو أقرب من القرب ذاته ، حتى اصدر حكماً لا نقض فيه ولا إبرام !
    زرت الشيوخ وادّعيت المرض وشكوت من الحبيب حتى يصنع لي أحدهم حجاباً أو يرش وجهي بماء يكون فيه القبول لدى من أهوى ، وما هويت في حياتي غير القراءة والكتابة والطلب العلم والمعرفة .
    بعض تلك الأحداث اندثر وبعضها يحتضر ، والبقية لازالت في عنفوانها يقف الجهل حارساً على بابها ، يحميها من كل علم ونور ، ولسان حال أصحابها يقول : هذا ما وجدنا عليه آباءنا ! أوَ لو كان آباؤهم في ضلال مبين ؟!


    الكريمة / زهرة الأدب

    حتى ولو لم تتكلمي ، عطر حضورك الفواح يكفي لأشعر بأهمية ما أكتب
    تحياتي لقلبك وقلمك


    واليتبع في الطريق فابقيا بالجوار أيها الكريمان ، أنتما وكل الأحبة في مملكة الساخر العامرة أقام الله دولتها وأدام

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    حديث المراغة

    ذات صباح،هبطت السيدة (أمُّ جمال) أرض قرية (أبو ليلة) المجاورة لقريتي السعيدة
    والسيدة (أمُّ جمال) تهبط أرض القرية،وكلَّ القرى المجاورة،بصورةٍ شبه منتظمة،فهي متسولة أو (على باب الله) كما يقول عنها الأهالي.
    تلبس جلبابها المُرقع،الذي فقد لونه الأصلي،بفعل عوامل التعرية،أو لزوم الصنعة،تحمل فوق رأسها قُفَّة أو عديلة،تضع فيها ما يجود به الأهالي الكرام،من خبز وقمح وأرز وذرة وأشياء أخرى،رغم أن فيهم من يفوقها فقراً وحاجة.
    بمرور الوقت أصبحت (أمُّ جمال) واحدة من مظاهر الطبيعة في الناحية كلها،فلقد دخلت البيوت،وجالست النساء،وشاركت الجميع همومهم ومشكلاتهم،وعرفت عن القوم كلَّ كبيرة وصغيرة.
    تحدثت مع المرضى بأمراض مزمنة،وعرفت المُقعَدين ومن أصابهم الشلل منذ الطفولة،كما عرفت المتخلفين عقلياً والبُلهاء وذوي العاهات،في كلِّ بيتٍ،ثم بدأت تشارك الجميع رحلة البحث عن علاج.
    ومن خلال جلساتها المتكررة على المصاطب،أو على الأرض أمام المنازل المتواضعة،عرفت أدقَّ أسرار الحياة الأسرية والزوجية،بل والمشاكل بين الأزواج،فهي تعرف أن فلانة كارهة لزوجها،أما فلانة فهي تشكو من صدوده عنها،وانشغاله بامرأة أخرى،كما عرفت ببساطة أن فلاناً قد فقد الرغبة في النساء،وعدِم الذكورة منذ زمن!.
    كلُّ هذا وأكثر،عرفته (أمُّ جمال)من خلال جولاتها اليوميّة،في شوارع القرى،وحواريها الضيقة،وهي تجمع الصدقات،وتجمع معها الحكايات،وتعود بها آخر النهار إلى بيتها،الكائن في حيّ مستقل،على أطراف قريةٍ كبيرة مجاورة،يسميه الأهالي (حيّ الغجر).
    مع الوقت لم تعُد (أمُّ جمال) تكتفي بالاستماع،بل أدْلت بدلوها في الحديث،وبدأت تشارك في وضع حلول لتلك المشكلات،وعلاج لتلك الأمراض المزمنة.
    أرشدت النساء والرجال إلى الضريح الفلاني،ومقام الشيخ الفلاني،كما دلتهم على الشيخ فلان،الذي يفتح الكتاب والمندل،أو يعالج بالأعشاب،ويعمل الأعمال السفلية (يِجيب الحِيط عَ الحِيط ) كما يقولون، فهو صديقٌ حميم للجن والعفاريت،ولم تكْتفِ ( أمُّ جمال ) بدور المرشد، بل ذهبت مع البعض بالفعل، إلى تلك الأماكن،وتوسّطت لهم عند أصحابها،بما لها من سابق معرفة عندهم!.
    لقد أصبحت ( أمُّ جمال ) مرجعاً دقيقاً في دخائل البيوت،ومستودعاً لأسرارها،تنتظرها النسوة كلَّ يوم أو كلّ أسبوع،فيعرضْن عليها مشكلاتهن الصحية والأسرية،ويأخذن منها الرأي والمشورة، وهن يعطينها مما أعطاهن الله،وهي تستمع باهتمام،وتشير بإخلاص.
    حتى كان هذا الصباح الذي جاءت فيه (أمُّ جمال) إلى القرية، والدنيا لا تتسع لفرحتها، وقدماها قد تحولتا إلى جناحيْن، فهي تكاد تطير، بينما القفة تتراقص،فوق رأسها المستطيل.
    جاءت تزف إلى النسوة نبأ كشفٍ طبيّ جديد،أخبرتهن أنها سمعت بمحض الصُّدفة السعيدة،عن مكانٍ مبروكٍ،في قريةٍ بعيدة،وذكرت لهنَ أن من نام على الأرض، وتمرّغ بنيّة الشفاء في تراب هذا المكان المبروك، شفاه الله من كل مرض في الحال، وانحلت مشكلته على الفور.
    وحكت لهن ما سمعته،وما رأت بعينيْ رأسها، من معجزاتٍ جرت على أرض الساحة المباركة،وطار الخبرُ العجيب في الأوساط الغافلة، وسرى في الكثير من العقول الفارغةِ الجاهلة، سريان النار في الهشيم،وتوالدت المعجزة الواحدة،فصارت معجزاتٍ عديدة، ومن سمع مجرّد السماع، ادّعى أنه رأى رأيَ العين،وعلم علم اليقين!.
    وأطلق الناس على الساحة المباركة اسم (المَرَاغَة) حيث العلاج فيها بالتمرّغ في التراب فقط .
    مع الوقت كبرت الحكاية، وتناقل الناس أخباراً عن فلانة الخرساء،التي نطقت بمجرد أن لامس جسدُها أرض المراغة المقدسة،وعن فلانة التي ذهبت إلى هناك محمُولة على مقعد،فعادت وهي تسير على قدميها،بعد أن ألزمها الشللُ اللعين فراشها منذ الطفولة.
    كما حكُوا عن فلان الذي (داخ من الجرْي على الدكاترة) ليُشفى من الصرع ، فما نجّاه إلاّ المراغة، وذكروا أن فلانة التي لم تنجب،رغم سنوات زواجها العشر، قد أنجبت توأماً جميلاً،بعد أن تمرغت هناك مرة أو مرتين.
    ثم اتخذ الحديث مَنحىً آخر،حين تحدث الناس عن فلان، الذي فقد القدرة على النساء فهو عاجز عَنين،وكيف صار مضرب المثل في الفحولة،ومن أول تمريغة، حتى أن زوجته صارت تشكو للنساء عدم قدرتها على تلبية رغباته المجنونة، وهو يهددها بالزواج من أخرى، أقدر منها على ذلك.
    ويتبادل الرجال نظرات حائرة، بينما تتضاحك النسوة في خبث، وتصدر عن البعض منهن ردودُ أفعال أخرى مختلفة.
    وانتشرت الدعاية المحمومة في أرجاء المنطقة كلها، وتسابقت سيارات النقل الصغيرة، تحمل العجزة والمرضى وذوي العاهات ، من كلّ لون وجنس،وتفرغهم هناك عند الساحة المباركة، حيث أرض المراغة الطاهرة،وحيث يسارعون بالقفز من السيارة ، وما إن تلامس أقدامهم أرض المكان، حتى يُلقُوا بأجسادهم في ضراعة،ويتمرغون في إخلاص عجيب،ومنهم من يعفر رأسه وملابسه بالتراب، في توسل ذليل.
    واستمر الحال على هذا المنوال عاماً كاملاً،حيث السيارات تحمل الناس إلى المراغة في الصباح، وتعود بهم مع المساء،ومع كل مرة تتوالد الحكايات، التي يرويها العائدون عن المعجزات، التي وقعت هناك في الساحة المباركة.
    وأسيرُ في طرقات القرية،بصحبة الأصدقاء القدامَى، وزملاء الدراسة والعمل، فلا أرى أثراً للمعجزة الباهرة، ولا الشفاء المزعوم.
    إن القرية كما هي،والناس كما هم، بأمراضهم ومشكلاتهم وعاهاتهم، فأنا أعرفهم جميعاً،أعرفهم جيداً!
    أعرفهم من قبل أن تأتيهم(أمُّ جمال) الغجرية المتسولة،بالنبأ العظيم، وحديث المراغة المباركة، وأعرفهم من بعد ما جاءتهم،فلا مريض شفاه التمرّغ، ولا مشلول وقف على قدميْه،ولا نطقت خرساء، ولا عاد العقل لمتخلفٍ ولا أبله، أما من أصابه البرص، أو أرهقته الصَّدَفيّة، فقد بقي لونُ جلده على حاله.
    حتى (جمالات) تلك الفتاة المسكينة الخرساء،التي زعموا أنها أصدرت زَغرُودة عالية،عند وصولها إلى هناك،اتضح أن زغاريدها المزعومة، كانت مجردَ صرخاتٍ هستيرية؛ تجاوباً مع المشهد الرهيب،وانفعالاً من هول الموقف،ولم تصدر عنها كلمة واحدة مفهومة،منذ ذلك الحين، وحتى الآن.
    ومع الوقت خفَّ أثرُ الدعاية، وقلَّ الحديث عن المراغة، حتى تلاشى تقريباً ، ولم يعُد أحد يذكرها.
    لكن (أمَّ جمال) المتسولة الغجرية،لا زالت تأتي إلى القرية،فتدخل البيوت، وتحدث النساء،وتسمع منهن،وتعرف كلَّ شيءٍ عن البلاد والعباد، ثم تعود آخر النهار إلى بيتها في حيّ الغجر، وقد ملأت قُفتَها من الصدقات، ورأسها من الحكايات!.


    يتبع

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المكان
    في زقاق مصاصين الدماء امج الدم بروية
    الردود
    95

    Talking

    ام جمال المتسولة العريقة تتردد للقرى بتوقيت معين يتكرر كل مدة زمنية لتذوق الذرة والخبر المتحجر ، عرفت بالشحاذة وادمنت ذاك النهج ، استجداء قوتها من ايدي الخلق ، تضع فوق رأسها قفة ليضع كل خير صدقته ، عندما ذكرت بأن هنالك من هو افقر منها ابتسمت بألم اذكر بأني شاهدت يوماً مشهداً كان محتواه التالي
    الشحاذة الأولى : إلى اين ذهبتي اليوم ؟
    الشحاذة الثانية : لمطعم فاره .
    الشحاذة الأولى : مغفلة لاتطلبي الصدقات من الأغنياء فلا يشعر بجوعك سوى الفقراء .
    وحدهم الجائعون والذين يبتون على طوى هم من يعرفون معنى الخواء المعوي وقرصات الجوع المستعر لهذا يجودون عليها ليخلصوها من هذه المشاعر لمعرفتهم مدى تواطئ الجوع وبأسه على الإنسان ، ام جمال باتت تعلم خبايا الأمور فهي تدخل في البيوت وتزور جميع الطبقات من المصطبات إلى عتبات البيوت ، تعلم جميع الأمراض ونفسيات اهل القرية، من يرغب بالنساء ومن تمقت زوجها ومن احاله الزمن للعطب ، اصبحت الطبيبة الشعبية وخارطة القبور ودليل المشعوذين ، لم تفكر يوما بأن تدعوهم لشرب الدواء أو قراءة القرآن وكأن الضريح به شفاء لجميع العلل والتشوهات ، وكونها توزع الدعوات للمشائخ وتذهب معهم ماظني إلا أن لها نسبة منْ من يحتال عليهم الشيخ بسرقة اموالهم ، التراب المبروك ، هزلت ، الوصفة تمرغ به حتى تشفى ، اي عقول ترضى بهذه الذلة والمهانة اكرمنا الله نحن بشر بنعمة العقل انفعل كما تفعل الخنازير ، صدقت حين قلت سرى في العقول الجاهلة الفارغة لسان ينقط درراً ، عجبي لمقدرتهم بنسج قصص اسطورية ، امرأة عقيم انجبت توأمين بعد مرغيتين جديدين في الحساب على عدد المرغات حملت المرأة ، ايضاً الخرساء التي انطلق لسانها والعنين الذي بات فحلاً يضايق زوجته ويهددها ، ياللهول سيارة محملة بالعقول الفارغة اثقلت المركبة بخوائهم يقفزون جماعات جماعات ويتمرغون بإخلاص معفرين الوجوه ومستجدين الرحمة من تراب نحن خلقنا من تراب ومردنا التراب مابالكم ياقوم ، تتزايد القصص ولكن الفطين واللماح اللبيب لم يغب عن ذهنه بأن الخرساء مازلات خرساء والمشلول مقعد ، احزنتي جمالات فقد اتهمت بالزغاريد عندما كانت في حالة تشبه الخوار للوثة التي اصابت عقلها ، مازالت ام جمالات تأخذ خيراتهم وتلقى عليهم خزعبلاتها لاتسحق صدقة واحدة لسان كذوب و قائدة الشعوذة والدجل.


    لك
    انتظر البقية

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    عودةٌ إليكَ ... يا أنا !!

    وفي قريتي البعيدة،حين يغيب الأصدقاء،ويكثر الجلوس وجهاً لوجهٍ مع النفس.
    وحين يصبح الاتحاد بالطبيعة الخلابة أمراً لا مفرّ منه!.
    لا يخلو الأمر من بعض الحيرة،والكثير من التساؤلات.
    كيف أنت؟ وما هو مداك؟ وهل ستبقى هكذا تبتسم للسماء والهواء؟
    أسئلة ما برحت تطوف برأسي ، تراودني عن نفسي ، كلما خلوتُ بها أو خلتْ بي .. تعاندني ذات أرَق ؛ فتحملني من علياء فراشي ، وتلقي بي على سطح داري ، حيث أعانق السماء والهواء ، فلا يحول بيني وبينهما حائل .
    أمام عينيّ تلمع النجوم ، وتتراءى الكواكب ، كما تراءت ليوسف عليه السلام ذات حلم ، لكني لا أرى من بينها أخاً واحداً ، فأنظر إلى السماء ، وأتساءل من جديد .. يا هذا ، كيف أنت ؟ وما هو مداك ؟ وهل ستبقى هكذا ؟
    يخطف الفضاء قلبي ، وتعبث السماء بروحي ، ويداعب الهواء نفسي فينعشها ، فأسرّح الطرف في السماء وأقول : -
    هنا نظر شاعر الخضراء أبو القاسم الشابي فأنشد صارخاً في أمل كأنه اليأس ..

    سأعيش رغم الداء والأعـــداء ... كالنسر فوق القمة الشمــــّاء
    أرنو إلى الشمس البعيدة هازئاً ... بالسحب والأمطار والأنواء

    أودّ لو سألته ، وأودّ لو ملك الجواب ؛ كم من الأعوام عشتَ بعدها يا شابّي ؟
    ومن منكما سخر من الآخر أو هزئ به .. أنت ؟ أم السحب والأنواء ؟
    وأنكفئ على ذاتي أسائلها ؛ إلى هذا الحد يبلغ بنا الضعف مداه ؛ فنـُفـْرط في ادّعاء القوة ، لدرجة تثير السخرية والشفقة ، في آن معاً ؟!
    وإلى ذات السماء نظر فرعون موسى ، فأصابه جنون العظمة ، وعانق الهواءَ ، فطار عقله مع الريح ، وأعلنها صريحة مدوية ؛ أليس لي ملك مصر ، وهذه الأنهار تجري من تحتي ؟ ، وسكت القوم ، ولم يردّوا ، فاعتبر سكوتهم رضاً وموافقة ، فتمادى قائلاً ، أنا ربكم الأعلى .
    ما أسرع هذا التصريح وأقواه !
    لكن هذا الإله الأسطوري المُدّعي ، لم يلبث أن تراجع عن دعواه ، حين انطبق عليه البحر ، وسحب تصريحه مثل طفل صغير تعاقبه أمه ، ثم أعلن من جديد ... آمنت أنه لا لإله إلاّ الذي آمنت به بنو إسرائيل .
    وأعود إلى ذاتي أسائلها .. إلى هذا الحد يبلغ بنا الضعف مداه ، فنبالغ في ادّعاء العظمة ، حتى نصل إلى قمة المنحنى ، فيقذف بنا الادّعاء إلى هاويةٍ ، تفضح ضعفنا ، وتجعل منا أضحوكة بين الخلائق ، وبقية الكائنات ؟!
    وهنا نظر قيس بني عُذرة ، وتمنى لو أن ليلاه تنظر إلى ذات البقعة من السماء ، فتكتمل سعادته ، فلمّا ظفر بليلاه وتزوجها ، عاد فطلقها ، كما تخبرنا إحدى روايات الغرام ، وأتساءل مع تلك النفس القلقة المتمردة من جديد .. إلى هذا الحدّ يبلغ بنا الحُمق مداه ، فنظل نجري خلف حُلم نضيع في سبيله سنواتِ العمر ، حتى إذا ظفرنا به ، تركناه يتسرب من بين أيدينا ، في سهولةٍ ، ثم عشنا بعده نبكي عليه ؟! .
    وأمْعِن النظر إلى تلك السماء ، وأتنفس بعمق من هذا الهواء ، تصفو روحي ، وتهدأ نفسي ، فتتراءى لمخيلتي صورة شيخ الأنبياء – إبراهيم عليه السلام – وقد جلس ذات حيرةٍ ، جلسةً كجلستي تلك ، يعانق السماء في رحلة البحث عن إله يطمئن به قلبه ، وترضى به روحه الحائرة ، ومن بين مشاهد السماء رأى النجوم والقمر والشمس ، أعجبه ما لها من حضور ، ورابَه ما يعتريها من غياب ، فما رضي بأحدِها إلهاً ، وأسلم أمره لصاحب الأمر ، وأعلن في بساطة .. لئن لم يهدني ربي لأكونّن من الضالين ، وهداه ربه واجتباه وجعله أباً للأنبياء .
    وأعود إلى ذاتي أسائلها من جديد .. إلى هذا الحدّ يبلغ بنا العجز مداه ، فتعلن عقولنا ، التي طالما ادّعت الذكاء ، عجزها عن الفهم والحكمة ، فيصير في هذا العجز مُنتهى علمها ، ويصبح العجز عن درك الإدراك إدراك ، ويصير البحث في ذات الله إشراك ؟! .
    هنا فقط يتوقف بي قطار البحث والتساؤل ، وينقطع سيل الصور التي تتراءى أمام مخيلتي ، تحمل لها أطياف من نظروا إلى السماء ، ذات مساءٍ كمسائي هذا .
    وأقوم من مجلسي هذا ، فقد أذن مؤذن في المدينة بصلاة صبح جديد .. الله أكبر ، الله أكبر .

    يتبع

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    إهداء كنت نسيته في غمرة التدوين !!

    الإهداء

    إلى سعاد ووفاء ويوسف ....

    تلك الأنوار الرائعة البريئة ، التي سطعت ؛ فأضاءتْ سماء حياتي ، بعد طول ظلام

    داعياً المولي – عز وجل – أن يكون القادمُ من أيامهم أحلى

    وأن يكون جيلهم أكثر منا علماً ، وأقلَّ جهلاً

    وأن يكونوا دائماً من العلم النافع ، والدين السليم ، بسبب متين


    حسين يوسف

    .
    .

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    على سبيل الخاتمة


    ما كانت قريتي ، وما حولها من التوابع ، بِدْعاً بين القرى ، وإنما هو حال كلّ تلك البلاد ، التي غابت عنها شمسُ العلم ، وتوارى نور الدين القويم ، والفطرة السليمة ، خلف ستار كثيف ، من الجهل والغفلة .

    فانفتح الطريق أمام كلّ غريبٍ من القول ، أو عجيبٍ من الفعل ، وتعلقتْ القلوب والعقول ، بالأساطير والخرافات ، والشاذ من الحكايات .

    فتجد أشهر الرجال فيها ، وأحبهم إلى الناس مجلساً ، هو من يجيد حكاية أسطورة ، أو حبْك خرافة .

    وتجد أشهر الوُعّاظ فيها ، وأقربهم إلى النفوس ، هو من يجيد رواية القصص المثيرة ، يرفع بها صوته على المنابر ، فتتوارى أحكام الآيات السامية ، وبطولات الصدر الأول من الصحابة ، خلف رواياتٍ من نوع ؛ عوج بن عناق ، ذلك الطويل العملاق ، الذي كان يأتي بالسمك من قاع البحر ، ويشويه في عين الشمس .
    وترتفع صيحات - الله أكبر - من الحناجر التعيسة ، وتتصاعد آهاتُ الاستحسان لعلم الشيخ ، والإعجاب ببراعته ، وهم يظنون أن هذا هو الدين ، والدين منه براء .

    وحكايات الرهبان ، الذين ينقطع بهم الطريق ، في الصحراء ، ويشتد بهم الجوع والعطش ، ثم تنزل عليهم الموائد من السماء ، عليها ما لذ وطاب ، من الطعام والشراب والحلوى ، دون سعي منهم أو عمل .

    بل إن أشهر كتب التفسير لم تبرأ من هذا الداء الوبيل ، ولعل أوضح دليل على ذلك ، هو كتاب تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير ، بكل ما يحويه من خرافات بني إسرائيل ، وأساطير اليهود ، التي لا يصدقها عقل ، ولا يؤيدها نقل .

    إن هذه القصص والخرافات ، وإن كان البعض يأخذها على محمل التسلية ، أو يقابلها بالسخرية ، فإن غالبية القوم من الغافلين ، يأخذونها على أنها ضمن أصول العقيدة ، فتغزو القلوب ، وتستقر في الوجدان ، وتصبح المحرك الأول لعجلة الحياة ، عند أغلب الناس .

    وهذه الأساطير والخرافات ، أخطر على المجتمع ، من أشد أعدائه خطورة ، فهي السبب الرئيس في انحطاط الهمم ، والتواكل والقعود عن العمل وطلب الرزق ، في انتظار معجزة ، والجري خلف كلّ دعيّ ، والانخداع بحيلة كل محتال ، والانهزام أمام كل عدوّ ، في انتظار ظهور بطل أسطوري ، مؤيدٍ بمعجزة ، بعد أن فقدوا القدرة على التصرف من تلقاء أنفسهم ، في مواجهة الأزمات .

    والآن .. هل من عودةٍ إلى العلم ، ينير ظلام العقول ؟ وهل من عودةٍ إلى الدين ، يزيح أستار الخرافات والأساطير ؟!

    أم أننا لا زلنا في حاجة إلى عمر مديد ، وفتح جديد ؟!

    حسين يوسف ؛
    قرية بني منصور
    محافظة الشرقية
    مصر العربية الإسلامية
    في التاسع والعشرين من أبريل 2009

 

 
الصفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •