Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
الصفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 47
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902

    نقوش على جدار القرية ... تحت الطبع

    تقديم

    في تلك القرى القابعة على أطراف الكون الفسيح ، الرابضة خارج حدود الزمان والمكان .
    حيث يسير العلم والخرافة ، جنباً إلى جنب ، في تناغم عجيب ، ومشهدٍ فذِّ للتناقض الأبدي .
    حيث تسيطر العاداتُ والتقاليد - وإنْ أخطأتْ – على أفعال الجميع وأقوالهم ، دون استثناء أو تمييز .
    يستوي في ذلك أستاذ الجامعة ، مع الفلاح العجوز البسيط .
    وحيث تتوالد الحكايات ، في سهرات الفلاحين ، كما تتوالد كائناتٌ أسطورية .
    وحيث تنبت الحواديت ، من باطن الأرض الخصبة ، كما تنبت الأعشاب البرية والمحاصيل .
    حيث كل هذا وأكثر ، بدأ مشوار الحياة ....
    حكاية من هنا ، وموقفٌ من هناك ، وجلسة حول نار ضعيفة ، تحاول أن تبعث الدفئ ، في ليل الشتاء البارد الطويل ، أو جماعة تحلقت حول راوٍ ساذج ، في احتفال بمولد أحد الأولياء ، أو سهرة في عُرس لأحد أبناء القرى المجاورة ، حيث الحضور لا يحتاج إلى دعوة ، فالأرض براح ، والكلّ أقرباء !! .

    وبدأت رحلة العقل
    وبدأ هذا العقل يعمل ؛ يرى ويسمع ويسجل ، يجمع ويميّز ، يقارن وينقد ، ويعرض الأقوال على الأفعال ، ثم يعرض الجميع ، على ميزان الدين ، ومعايير الفطرة السليمة ، ومقياس العلم .. ويتساءل !! .
    ثم ينقش كل هذا الخليط الفذّ ، على جدران الذاكرة الغضّة ، المتعطشة – يومئذٍ - لكلِّ جديد .
    واليوم .. يبعث العقل تلك النقوش من مرقدها ، ويخرجها على تلك الصفحات .
    هيا بنا نقرأها ، ثم نتساءل معاً من جديد ...
    هل أفلح العلم في أن يجد طريقه إلى القرية ، وسط كل تلك الخرافات ؟!
    وهل تمكن الدين الصحيح ، من شق طريقه إلى النفوس ، وسط هذا الكمّ الهائل ، من العادات والتقاليد ؟ وهذا البحر المائج المتلاطم ، من الموروثات ؟!

    أم أننا لا زلنا في حاجةٍ إلى دهر مديد ، وفتح جديد ؟!

    فلنقرأ ونرى .....

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    نقوش على جدار القرية

    كثيراً ما يطول ليلُ الشتاء البارد ، على تلك النفس القلقة الحائرة ، فيفرض عليها حصاراً محكماً ، لا تجد معه مفراً من الهروب إلى الفراش ، واحتضان المذياع العتيق ؛ حيث صوت مذيع البي بي سي ، يذيع أخباراً مستهلكة ، يظنها هو جديدة .
    ومع الملل يأتي الأرق ، ويكثر التقلب في الفراش غير الوثير ، ثم تنقطع الكهرباء ، فتخمد أنفاس المذيع والمذياع ، ويكتمل الحصار ، بينما لا يزال الليل في ثلثه الأول ، أو يكاد .
    مع الوقت يتحول الملل إلى ضيق ، يدفعني دفعاً إلى خارج الدار ، أطلّ برأسي من فتحة الباب الضيقة ، فتلفح وجهي أنسام أمشير الباردة ، وتنتعش النفس من جديد ، وأتسحّب إلى خارج الدار ، في خفة لصّ مُدرب ، حتى لا أوقظ بقية الراقدين .
    الليل يلفّ القرية الخامدة ، في ملاءة محكمة ، من الظلام الدامس ، حتى إذا أخرج المرء يده ، لم يكدْ يراها ، لكنني أعرف طريقي جيداً .
    أسير في شوارع القرية الضيقة ، السابحة في سكون الليل ، وصوت الصمت العميق ، ظلمة مفزعة ، وصمت مريع ، يقطعهما أحياناً ضوء لمبة الغاز ، وقد تسلل من شقوق الباب ، في أحد البيوت ، مع أصوات بعض الرجال ، الذين تحلّقوا حول أعواد الحطب المشتعلة ، وهم يتبادلون أنفاس الدخان الرخيص ، ويجترّون حديثاً ، دار في الحقل ، طوال النهار .
    وقد يسمع العابر صدفة ، من تحت إحدى النوافذ المنخفضة ، حواراً عابثاً لامرأة مكدودة ، وهي تحاول في استماتة إرضاء زوجها ، الذي هدّه العمل المضني ، في أراضي الآخرين ، بأجر زهيد ؛ ليصبح هذا الحوار الساذج مادة دسمة للفكاهة ، يتندّر بها الفلاحون في الحقول ، على مدار اليوم التالي .
    في هذا الطريق الطويل المظلم ، أمرّ على دار صديقي ؛ الأستاذ فتحي ؛ المعلم بمدرسة القرية ، طرقات خفيفة على بابه ، تكفي لإخراجه إلى الشارع ، ومن هناك نتوجه إلى دار أبي الفتوح ، حيث اعتدْنا أن يكون السمر .
    وما إن بدأنا مسيرتنا الليلية ، حتى بدأ المطر في الهطول ، رذاذاً خفيفاً في أول الأمر ، ثم تحول إلى قطرات ثقيلة ، ثم إلى خيوط من المياه ، أغرقت الأسطح المحملة بالحطب والقش ، وأعواد الذرة اليابسة ، من قديم الزمان ، ثم سالت على الجدران الطينية المهترئة ، فشكلت أنهاراً تصبّ في النهاية ،على أرضية الشارع العتيق .
    رغم المطر ؛ لم نعُد أدراجنا ، ولم يكن سيل العرم نفسه قادراً ، على أن يعيدنا إلى حيث الفراش المُمِلّ ، والوحدة البغيضة ، أخيراً وصلنا إلى هدفنا المنشود ، تلك الدار القابعة على أطراف القرية ، على الضفة الأخرى من البحر الصغير .
    هناك ينتظرنا أبو الفتوح ؛ صاحب الدار ، وصديقنا الوفيّ ، ومعه بقية الصحبة والأصدقاء ؛ سلامة وعمّار وعزت وبكير ، كلهم من الفلاحين كبار السنّ ، ثم الشيخ محمد ، العبقري الكفيف ، مفتي القرية ، وشيخ مسجدها الجامع ، وندخل أنا والأستاذ فتحي ، من الباب المتواضع ، مباشرة إلى الصالة ، ونجلس حيث انتهى بنا المجلس ، لكن الجميع يصرون على أن نكون في الصدارة ، وأن نسند ظهورنا إلى الحائط ، ومن خلفنا المسند الوحيد القديم .
    دقائق وتنبعث النار في الموقد ، بعد أن كانت خامدة ، ثم تدور أكواب الشاي المرّ الثقيل على الجالسين ، وبدأ بكير يمارس هوايته المفضلة ، في تكريس الحجارة ، واحداً وراء الآخر ، ومع كل حجر تمتد يدُ صديقي فتحي إلى جيبه ، ليخرج شيئاً بنيَّ اللون ، من ورقة سيلوفان لامعة ، فيضع منه جزءاً على الحجر ، الذي امتدت به يد بكير ، ويتعالى صوت قرقرة الجُوزة العريقة ، مثل ربابةٍ في يد منشدٍ شعبي ماهر .
    لم أكن من المدخنين ، لكن النشوة بدأت تنتقل إليّ ، بفعل عدْوي التأثير والتأثر .
    صديقي فتحي يهوي الحشيش ، وأنا أهوى سماع الحكايات الريفية الساذجة ، والناس فيما يعشقون مذاهب .
    ساعة واحدة ، وبدأت الحشيشة الرديئة ، تلعب بالرؤوس الخفيفة الفارغة ، لتبدأ معها الحكايات في التوالد ، يبدأها كالعادة عمّار ، أكبر الجالسين سنّاً ، فقد تجاوز الستين بقليل .
    عجيبٌ أمر هذا الرجل ؛ فلاحٌ عتيق ، لسْوعَتْ ظهره المَحْنيَّ كرابيجُ الخولي ، وسبحت البلهارسيا في دمه ، كما لم تسبح في مياه الترعة ، التي تشق القرية .
    يعتبره الكثيرون مرجعاً ، في أصول العائلات ، وأنساب الأُسَر ، فهو يعلم أنّ عائلة فلان غرابوة ، أما العائلة الفلانية فمن الصعيد ، وهؤلاء القوم جاؤوا من القناة ، أيام التهجير ، ثم لم يعودوا مع العائدين ، وتلك العائلة على أطراف الأرض الزراعية ، هم من البحاروة أو القادمين من المنزلة .
    وعمّار يروي تلك الأخبار ، في تلذذ غريب ، وعائلته دائماً هي الأعرق ، وهي الأصل والرأس ، وما عداها فروع وأذناب ، رغم أن رأيه هذا ، لا يشاركه فيه غيره .

    لديه من الحكايات نهرٌ ، لا ينضب ماؤه ، ويبدأ حديثه دائماً بقوله المأثور " الناس بيقولوا ........" ومهما حاولت لتعرف ، مَن مِن الناس يقول ؟ فلن تظفرَ بشيء ، وعليك التسليم بأن الناس بيقولوا ؛ كل الناس بيقولوا !! .

    يقسم عمّار أنه سمع الناس يقولون ؛ إن الشيخ هلالاً - رحمه الله – كان يسوق الساقية ، في ليلة صيفية مقمرة ، وخرج عليه عفريت اسماعيل عبّادي ، شابٌ من إحدى القرى المجاورة ، قتِل في معركة غير متكافئة ، مع شباب القرية ، بسبب مغامرة له ، مع إحدى الفتيات ، وظل العفريت يجري ، ويقفز ويتنطط ؛ ليخيف الشيخ هلال ، لكن هيهات ، لقد غافله هلال ، وغرس في كتفه مسلة ( إبرة ) الخياطة ، ثم علقه في الساقية ، مكان الماشية المنهكة ، وظل العفريت القويّ ، يدور في الساقية ، حتى روى نصف أراضي القرية ، ولم يطلق هلال سراح العفريت التعيس ، إلاّ صباح اليوم التالي ، حيث فرّ العفريت ، وهو لا يصدق بالنجاة .
    ثم يقول عمّار ، معقباً على الحكاية ، في ثقة العارفين ، إن العفريت إذا ظهر لك ، في أيّ صورة ، ووضعتَ في كتفه مسماراً أو حديدة ، فإنه لا يستطيع العودة إلى صورته الأصلية ، إلاّ إذا انتزعتَ المسمار من كتفه بيدك ، وتكون أنت المتحكم به ، طوال تلك الفترة .
    ويلتقط عزت من عمّار طرف الخيط ، ويروي حكاية أخرى ، يقول إنه سمع الناس يقولون ، إن العوضي الغفير – رحمه الله – كان يسير على جُرف البحر ، فرأى جنيّة تُمَشط شعرها ، وشعر بناتها السبع ، وسط أعواد البوص والغاب ، ولما وقف يرقب المنظر ، أحست الجنيّة بوجوده ، فتوارت واختفت في الحال ، بينما عاد العوضي إلى القرية ؛ ليخبر عن الجنيّة ، التي رآها ورأى بناتها السبع ، وأن مشطها من حديد ، ولها عين واحدة مشقوقة بالطول ، في منتصف جبهتها العريضة .
    ويتلقف الخيط من عزت راوية آخر ، وبعده ثالث ورابع ، حتى يمر الليل الطويل ، فلا نشعر إلاّ وأصوات الفلاحين في الشوارع ، وهم يركبون حميرهم ، ويسحبون مواشيَهم ، أو يحثونها على السير ، في طريقها الأزلي إلى الحقول .

    عند ذلك يستعد كل منا ، للعودة إلى داره وفراشه ، وعليّ أنا أن آخذ بيد الشيخ محمد ، حتى أوصله إلى داره ، أصحبه أو أسحبه عبر الشوارع ، التي تحولت ؛ بفعل الليلة المطيرة ، إلى مستنقعاتٍ ، يحتاج السير فيها إلى مهارة خاصة ، بينما تتعالى من حولنا ، أصوات البشر والدواب ؛ ثغاء الحملان ، وخوار الأبقار ، ونداءات الفلاحين تستدعي بعض الماشية ، التي ضلت الطريق ، أو خرجت عن الصف ، بينما يخرج بخار الماء المتكاثف ، من الأفواه المرتعشة ، بفعل البرودة ، ورائحة الأرض الخصبة ، التي باتت في أحضان المطر ، طوال ليلتها الماضية ، أعْطر رائحة يمكن أن تشمها أنف فلاح ، إنه الصبح إذا تنفس ، فبعث الحياة ، في القرى والنجوع ، التي باتت تغط في نوم عميق .
    الكل يلقي علينا تحية الصباح ، فنرد بأحسن منها ، والشيخ الكفيف يعرف الأصوات ، ويرد على أصحابها بأسمائهم ، حتى إذا وصلنا إلى داره ، أخرج مفتاحه من جيب الصديري ، وأداره في القفل العتيق ، بحكم خبرة السنين ، حتى إذا انفتح الباب ، ودّعته ومضيتُ ، إلى داري وفراشي .

    أستيقظ مع العصر ، أجهز حقيبتي الصغيرة ، استعداداً للسفر ، أضع فيها بعض الملابس ، وشيئاً من طعام ، أغلبه من الخبز اليابس ، والجبن والأرز وبعض البقول ، فأنا أنوي قضاء بضعة أسابيع بالقاهرة ، حيث الطلب في دار العلوم العريقة . أغادر القرية ، وأنا أجرّ قدميّ ، فلا رغبة لي في السفر ، وترك الصحبة الجميلة ، لكن طاعة الوالدين واجبة ، وقد أمرا بالسفر .. فلأسافر إذن .
    مرت الأيام ثقيلة بطيئة ، يقطعها الذهاب إلى الجامعة ، وحديقة الحيوان ، والتنقل بين الأحياء الشعبية ، والموالد والليالي الساهرة ، مع بنت المُعز التي لا تنام .
    وجاء يوم العودة إلى القرية ، أعددْتُ الحقيبة بحماس ظاهر ، وركبت القطار ، وهبطت القرية .
    لا جديد تحت سماء القرية ، التي تكره التغيير ، يكاد كل شيء يكون في مكانه ، من يوم أن غادرتها ، حتى الأشياء والأشخاص ، إن الثبات سمة غالبة ، على تلك البقعة من العالم ، بينما يموج العالم حولها ، برياح التغيير والتطوير .
    الوقت عصرُ أحدِ الأيام المتبقية من شهر أمشير ، البيوت متلاصقة متراصّة ، كأنها تقف متضامنة ، في مواجهة رياح موسمية ، تضرب الأسطح المنخفضة ، فتطير أعواد الذرة ، وحزم الحطب المتراكمة ، فوق البيوت المتواضعة ، من عشرات السنين ، وعوى كلبٌ مقرور يلتمس الدفئ ، في كومة القش ، وسط أحد الأجران .
    أمام ماكينة الطحين ، تجلس مجموعة من النسوة ، في انتظار الأسطى مدبولي ، ميكانيكي الطاحونة ، وهن يشغلن الوقت ، بالاستماع إلى حكايات الشيخ فهيم .

    أما الشيخ فهيم ؛ فهو أحد دراويش الناحية ، ومَعلم من معالمها البارزة ، يهبط القرية بين حين وآخر ، لا يعرف أحد من يأتي ، ولا إلى أين يذهب ، ولا يعرف عنه أحد شيئاً ، غير أنه الشيخ فهيم ، بطرطوره العجيب ، وجوال الخيش المهلهل ، الذي صنع منه جلباباً قصيراً ، بينما يحمل في يده عصاه الحديدية ، التي تتدلّى منها بعض الشخاشيخ ، فتصدر صوتاً كلما هزها ، مُهدّداً أو متوعداً ، أو حين يلقي إحدى خطبه ، أو مواعظه الصوفية ، في حماسة وإخلاص ، تلك المواعظ التي تدور دائماً ، حول أخبار الأكابر من المتصوفين ، ومعجزاتهم ، والخوارق التي جرت على أيديهم ، مما لا يجرؤ على ادّعائه أحد ، حتى الأنبياء وأولو العزم من الرسل ، وهو إذ يروي تلك الكرامات ، يستعمل لغة عجيبة ، ورموزاً غريبة ، وإشاراتٍ وألفاظاً أعجمية ؛ فإذا لمح في العيون إنكاراً ، أو أبدى البعضُ احتجاجاً صامتاً ، أو حتى مجرد استغراب ، قال فهيم في غضب وترفّع ( ده كلام ما يفهموش اللي هنا ) ، يعني أنه كلام لا يفهمه إلاّ المتعمقون ، من أبناء الطريقة ، وليس للعوام والبسطاء والجهلة ، من الحاضرين والسامعين .

    أخيراً أصل إلى المنزل ، يستقبلني أبي في برود عاقل ، يخفي وراءه شوقاً جارفاً ، وتستقبلني شهقاتُ أمي ، وحضنها الملهوف ، بينما يتعلق الصغار بالحقيبة الفارغة ، يفتحونها في أمل ، لا يلبث أن يخيب ، حين تقابلهم الملابس ، التي جاءت تلتمس الغسيل ، وبعد الفراغ من مراسم الاستقبال الدافئ الحنون ، آكل من الموجود ، وأتوجه إلى الفراش ، حيث مذيع البي بي سي ، لا زال يذيع أخباره المستهلكة ، التي يظنها جديدة ، ويبدأ الملل من الفراش ، فأدعو الله أن تنقطع الكهرباء ، و أن تمطر السماء ، فأغادر الفراش والدار ، لقضاء ليلةٍ رائعة ، من ليالي أمشير ، كتلك الليلة التي كانت .



    يتبع

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    عرفتُ هؤلاء

    لا يمكنك أن تعيش الطفولة والصّبا ، في قريتي ، والقرى المحيطة بها ؛ ولا تعشق ليلَ الشتاء البارد الطويل ، لم تكن الكهرباء وأخواتها ، من وسائل الترفيه ، كالتليفزيون والانترنت وخلافه ، قد دخلت تلك النواحي بعد ، وعندما يأتي المساء ، ويلف الليل القرية ، بثوبه الأسود المقدس .
    حيث لا بقعة ضوء ، ولو ضعيفة ، على امتداد هذا الثوب ، اللهم إلاّ نور القمر ، بعد حين من الليل ، أو مصباح الغاز الواهن ، يقاوم في شحوبٍ جلالَ الليل الأبدي ، حينئذٍ فالويل لك ، إن لم يكن لك سمير ، أو صديق .
    كنت في الثانية عشرة ، أتعرف إلى الأشياء والأشخاص ، لأقيم معها علاقاتٍ جديدة ، ومن بين كل مفرداتِ البيئة ، التي أحاطت بي ، عشقتُ ليل الشتاء ، واخترتُ صديقي - إنه الكتاب – أيّ كتاب ، وفي أي فنّ ، وأيّ علم ، من مكتبة والدي – رحمه الله - التي جمعها على مدار عمره ، وخزنها في صناديق وكراتين ، ثم استقر بها المطاف في غرفتي ، وبالتحديد تحت سريري ، وكلما جنّ الليلٌ ، أسرعتُ إلى الفراش ، أتفنّن في أن أجعله دافئاً ، ثمّ أمدُّ يدي ، وأسحب كتاباً من أحد الصناديق ، دون تمييز ، وأستلقي على ظهري ، فلا أعتدل إلاّ وقد قرأت الكتاب ، مهما كان حجمه ، ثم أسحب الغطاء ، وأخلد للنوم ، هانئ البال .

    اكتشفتُ مع الوقت أني أعرف ما لا يعرف الآخرون ، من زملائي ، أستطيع أن أقول شيئاً عن السنة والشيعة ، وأتحدث عن الأمويين والعباسيين ، وأملأ فمي بمصطلحاتٍ ضخمة ، من قبيل النازيّة والثورة البلشفية ، ومارتن لوثر كنج ، في الوقت الذي لا يزال فيه بعض زملائي ، يعاني المشاكل ، على طريق القراءة والكتابة ، وأمعنتُ في الهواية ، التي كانت سرّ التميز ، ولا زالت إلى اليوم كل حياتي .

    حتى إذا انتهت المرحلة الثانوية ، كانت ثقافتي قد تكونت وعرفت طريقي – دار العلوم بجامعة القاهرة – حيث اللغة في عنفوانها ، والتراث في أبهى حُلله ، ولم يتطلب مني الأمر كبير عناء ، فكل الكتب كانت جزءاً من قراءاتي ، في ليل الشتاء ، ذاك الذي كان ، وبقي لديّ من الوقت ما يكفي ؛ لأمرَّ على كل جزءٍ في القاهرة ، وأقلبُ كلَّ حجر ، ومسجدٍ وضريح ، بل وأزور بعض المسارح ، بصحبة ومساعدة أحد أصدقائي ، الذي كان يخطو خطواته الأولى ، على طريق الكتابة والتمثيل، اسمه فتحي الجندي ، وهو اليوم مؤلفٌ معروف ، وأقف عند كلّ تمثال نصبوه في ميدان ، وأحضر الليالي والموالد وأذكار الصوفية ، وأسمار المثقفين ، وبقايا الشيوعيين .
    وخرجتُ من الأمر بروح ساخرة ، وعقل لايقبل الأشياء بسهولة ، بل يشك في كل شيءٍ ، ويبحث خلف الكلمات ، ويستنطق النصوص ، ولا يرضى إلاّ بما يقنع ، فإذا غضب سخر ، وإذا فرح لم يتطرف ، وإذا حزن لم ييأس ولم يشتط ، حتى إذا انتهت سنوات الدراسة الأربع ، عدْتُ إلى قريتي خلْقاً جديداً .
    لكنني ... لازلتُ أعشق ليل الشتاء البارد الطويل ، الذي يتسع للهوايات والأحلام أيضاً !!.
    لم أصاحب في حياتي إلاّ من هم أكبر مني سنّاً ، ولو كانوا من الأميين ، أغلبهم آباء لزملائي ، أتواضع لهم فيرفعونني ، وأستمع باهتمام ، لأحاديثهم الساهرة الساذجة ، فيزيد حبهم لي .
    نجتمع كل مساء عند أحدهم ، وحين تشتد برودة الليل ، في شتاء قريتي المكشوف ، نذهب إلى هناك ، حيث الموقد الصغير ، والصحبة البريئة الدافئة ، تذيب الثلج ، وحين تتقارب الأجساد ، وتختلط الأنفاس ، تحلو الحكايات في عقل من كان مثلي ، يغوص في نفوس البشر ، ليعرف كيف يفكرون ؟!
    من خلال حكايات الأصحاب الجُدد ، عرفت أن هناك تاريخاً آخر ، غير الذي ضمته الكتب الرسمية ، إنه تاريخ الآباء والأجداد ، يرويه الأبناء والأحفاد ، في سذاجة واقتناع .
    إنّ كل الرجال في قريتي ، وفي كلِّ القرى المحيطة ، أبطال فوق العادة ، إنهم دائماً فرسان الحكايات ، وصناع المعجزات ، ورجال الخوارق .
    أحدهم يخبرك أنه تغلب على عصابة ، من خمسة أشخاص ، خرجتْ عليه ليلاً ، تبغي ما في جيبه ، فأطاح بهذا بضربة مباغتة ، وضرب هذا في مقتل ، أما هذا فكان نصيبه رفسة هائلة ، وفرّ الباقون ، وأهتم بما يقول ، رغم علمي أنه لم يحمل في جيبه يوماً ، ما يستحق خروج عصابة ، أو حتى خروج طفل صغير !!.
    وأما هذا فيخبرك أن جدّه تزوج من تحت الأرض ، جنيّة أبدع الخالق صنعها ، أحبته إذ رأته ، وهو يغتسل في الريّاح ، بعد يوم عمل شاقّ طويل ، واشترطتْ عليه الجنية المزعومة ؛ ألاّ يتزوج من بني البشر ، ونفّذ الشرط ، ونسي صاحبي في غمرة الحماس أن جدّه تزوج جدته ، التي أنجبت أباه ، الذي أنجبه هو ، ليرويَ لي الحكاية الأسطورة ، ولم أقاطعه ، فأنا أريد المزيد ، واستمرّ هو ، بينما أتعجب أنا من تلك البطولة الوهمية !!.
    أما هذا فيروي لي بلسان العالم ببواطن الأمور ، أن تحت قريتنا السعيدة نفقاً ، يربطها بقرية أخرى ، تبعد عنها بضعة كيلو مترات ، نحته الفراعنة في الصخر ، لإخفاء كنز ضخم ، ثم وضعوا عليه الطلاسم المسحورة ، لحمايته من اللصوص ، ومفتاح الكنز معلق ، في رقبة ديك أحمر جميل ، يظهر عند المقابر كلّ فجر ، والسعيد من أمسك الديك ، وأخذ المفتاح ، وفتح الكنز .
    وكم لهذا الكنز من شهداء ، كان آخرهم جدّه ، الذي أفلح في الإمساك بالديك ، ولما كان قاب قوسين أو أدنى من الكنز ، جاءته ضربة تحت أذنه ؛ أفقدته الوعي ، وألزمته الفراش ، حتى مات رحمه الله ، ولم يترك من الكنز الأسطوري ، غير حكاية يتوارثها الأبناء !!.

    في هذا المجلس الذي يضم أخلاطاً من البشر ، ونماذج ثرية من بني الإنسان ؛ إنما جاء ثراؤها من طول التجربة ، وضغط الحاجة ، وقسوة الظروف بكل أنواعها ، عرفت الكثير والكثير .

    فهذا الشيخ سلامة ، راوية لا تنفذ رواياته ، ولا ينضبُ معين حكاياته ، متصوف متطرف في تصوفه ، على استعداد دائم للسفر ، حيث الأضرحة ومقامات الأولياء ، يذهب إلى طنطا في مولد البدوي ، ومنها إلى القاهرة ، حيث مولد الحسين والليلة الكبيرة ، فإذا أخبرته عن ليلة لأحد الأولياء في أسوان ؛ ذهب إلى هناك دون تردد ، ويعود إلينا ، وقد امتلأ عقله وقلبه بالحكايات ، يفرغها على أسماعنا ، دون ترتيب ، وكيفما اتفق ، فإذا سألت فأنت ملحد ، وإذا اعترضت فأنت مطرود من رحمة الله لا محالة ، رغم أن كل حكاياته لا تُصدّق ، ولا تجوز على طفل صغير .
    يخبرك أن ابناً لأحد إخوانه في الطريقة - يعني الطريقة الصوفية - ذهب في بعثة إلى الصين ، وهناك ابتلعه محول ضخم للكهرباء ؛ فصرخ ، وأُغميَ عليه وأفاق ، ليجد نفسه محمولاً على يد شيخ الطريقة ، وهو يقول له ، لقد أنقذناك من أجل والدك .
    ويخبرك أن شيخاً له في الطريقة ، يظل يسبّح الله ، حتى ينصهر تماماً ، ثم يعود كما كان ، أخبرني مرة أنه يعرف أحد المريدين في الطريقة ، كان يدخن الحشيش ، ولما دخل عليهم رجال المباحث ، تحول الحشيش في يد الشيخ إلى قطعة عجوة ، وانصرف الضابط خاسئاً وهو حسير ، ولا تسأله عن حرمة الحشيش ، أو جوازه ، فهذا من الأسرار ، التي لا يطلع عليها إلاّ أهل الطريقة .
    وكان هذا تطبيقاً عملياً ، على ما درسته بالجامعة ، حول التصوف ، ونشأته وأسراره ، وطرائقه ، ومكانه من الفلسفة الإشراقية .
    أما الشيخ محمد فهو حكايةٌ وحده ، إنه مفتي القرية دون منازع ، توقف به قطار التعليم عند الإعدادية الأزهرية ، وأكمل هو تثقيف ذاته ، على طريقة العقاد ، مكفوف البصر ، ويحفظ من الشعر والحديث النبوي ، ما لم يحفظه ملايين المبصرين ، بالإضافة إلى القرآن الكريم كاملاً ، وألفية بن مالك وشرح بن عقيل .
    كان هذا الرجل تركيبة بديعة ، من زهد أبي العتاهية ، وفلسفة أبي العلاء ، وطموح طه حسين ، مع عزة نفس وغرور ساذج ، تلمحهما في شعر المتنبي ، عبقرية فذة بلا شك ، لكن الأرزاق لا تأتي على قدر العقول ، وإلاّ ماتت البهائم جوعاً ، يتعبني من كثرة ما أقرأ له ، وأتعبه من كثرة الأسئلة ، حول حياته الأولى ، و ظروفه الحالية ، وبدايات مقدمه إلى القرية ، مأخوذ بما أوتي من علم ، ينوء بحمله من هم أشد منه قوة ، وأكثر منه مالاً وولداً ، ولكن لله في خلقه شؤون !! .
    مات منذ مدة - رحمه الله - بعد ما ذاق مرارة الحرمان ، ونكران الجميل ، وعقوق الأبناء .
    ثم هذا الفتى العجيب ، عثمان أبو هلال ، الوجه الآخر للعملة ، والنغمة النشاز في تلك الوصلة البديعة ، بدونه لا تكتمل حلقات السلسلة ، شعاره في الحياة ( راس بلا كيف ، بدْها القطع بالسيف ) والكيف هو الحشيش والشيشة ، يرضع عثمان الدخان من الشيشة ؛ في نهم طفلٍ ، أضناه الجوع ، وأتعبه الحرمان ، فهو ينكب على صدر أمه ، ناسياً كل ما حوله ، وهو عندما يدخن ، يحبس الدخان داخل صدره ، في إحساس واضح بالبطولة ، وفخر ظاهر بأهمية ما يفعل ، حتى إذا هدّه المزاج الغريب ، وراح في نوبة سُطَل ، سمعت منه ما يضحك الثكلى ، ويذهب بالهمّ مهما كان ، حتى إذا زادت الجرعة ، وقسا عثمان على نفسه ؛ سقط وأصبح لزاماً على أحدنا تسليمه ، لأهل بيته على سركي ، كما يقول أمناء المخازن ، وأربابُ العُهََد .
    الطريف أن عثمان كان يحاول إقناعي بفوائد الحشيش ، ويقول في حسرة ( آه لو جربت الكيف ، يا خسارة دماغك النضيفة دي في قلة المزاج ! ) ووعدته خيراً ولم أقتنع يوماً ، وكيف أقتنع وأنا أرى حال عثمان ، وآلاف العثامين ، ممن هدّهم الكيف ، وذهب المزاج بصحتهم ، وبما لهم من كرامة ومروءة .
    وإن تعجبْ ، فعجب من هذا الرجل ؛ الشيخ الأحمدي ، الخرافة تمشي على الأرض ، البساطة في أتم صورها ، والسذاجة التي تصل إلى حدّ العَبَط ، لم ينجب حتى الآن ، والسبب في رأيه ، ورأي المحيطين به ، هي أخته من الجنّ ، التي تغار عليه ، يدور نهاره على المشايخ ، وأرباب الزار والدجالين ، يشكو الحال ، ويطلب المساعدة على الإنجاب ، ولو دفع اللي وراه واللّي قدّامه ، وأنا أعلم أنه - لا ورَاه ولا قدّامه !! .
    حياته وصلة واحدة من البسملة والحوقلة ، والاستعاذة بالله من الشياطين والجن – اسم الله علينا وحوالينا – يروي لي ، كيف كانت القطة في منزله ، تنظر إليه في إصرار ، وهو يأكل ، حتى خشي على نفسه ، ونظر في عينيها ، فرأى شيئاً غريباً ، وبريقاً مخيفاً عجيباً ، فأسأله في مكر ؛ ماذا كنت تأكل يا شيخ أحمدي ، فيجيب في بساطة – سمك .
    وتحاول أن تقنعه أن كلَّ القطط ، في كل زمان ومكان ، تعشق السمك ، وتنظر إلى من يأكله بحقد ، لكنْ هيهات ، إنه يتناول ما وصفه له العطارون ، في شراهة ، حتى نبتت الأعشاب في بطنه ، من كثرة ما وضع فيها ، ولم ينجب ، ومع ذلك لم يشك يوماً في عظمة الدجالين والعطارين .
    إلى هذا الحد تأخذ الخرافة بخناق الدين ، فلا تفرق بين الساذج العبيط والمتدين ، بل إن كلمة طيب ، صارت من مرادفات البلاهة ، في تلك القرى .
    كان هؤلاء بعضٌ ممن عرفتهم ، في تلك السن ، أعني سني الدراسة ، وما بعدها بقليل ، وحتى الانتهاء من الخدمة العسكرية ، فترة غنية بكل المقاييس ؛ لشخص يبحث عن العلاقة ، الأبدية بين أضلاع الثالوث ، غير المقدس ؛ الفقر والجهل والمرض ، وكيف ينبت من الشوك ، ما يخنق أزهار العلم النافع ، والدين الصحيح .


    يتبع

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    ملك الملوك إذا وهب

    لسانُ الفَتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُه … فلم يبْقَ إلاّ صورةُ اللحْم والدّم

    وقد وهب الله صاحبي لساناً ، أحلى من العسل ، وقلباً يتسع لكل سكان العالم ، بمشكلاتهم مهما كانت ، بل إنه يتبرع أحياناً ، ويضع لتلك المشكلاتِ حلولاً سحرية سريعة ، بصرف النظر ، عن إمكانية تطبيقها ، على أرض الواقع .
    إذا استمع إليك فبكلّ جسده ، وإذا تحدث إليك فبكل جسده ، وكلّ قلبه أيضاً ، ينظر إليك ؛ فتشعر أنك مركز الدائرة ، ومحور الكون الفسيح .
    ولعل هذا كان سر انجذابي إليه ، فى تلك السنّ المبكرة ، حين كنتُ أطرق أبواب العشرين ، على استحياءٍ ، بينما هو يودِّع الأربعين ، على مهل .
    أمّي جاهل ، يحفظ صورة اسمه ، ليضعها كتوقيع عاجز ، على ما فى حياته من أوراق قليلة ، لعل أكثرها خطورة ، شهادة الاختبار الشهري ، لأحد عياله الكثيرين ، بمدرسة القرية الابتدائية ، فقير مبذر ، يأتيه الرزق ، من ثقب إبرة ، فينفقه من فمّ قِرْبة ، وفى سفهٍ عجيب .
    وتخرّجت فى الجامعة وعملتُ ، وزاد عيالُه ، وزاد فقره ، ومعهما زاد حديثه حلاوةً ، ومنطقه عذوبة ، حتى صارت حجرته المتواضعة الضيقة ، مكاناً واسعاً يأتيه العاطلون ، من كلِّ فجّ عميق ، ليشهدوا مجالس لهم ، يتحدثُ فيضحكهم ؛ على كل شيء ، ومن كلِّ شيء .
    حبُّ الاستطلاع ، وتصفحُ الوجوه والعقول ، بعض الوقت ، تلك العادة المتأصِّلة فى نفسي ، وجدَتْ لها مرتعاُ خصيباً ، فى هذا الجوّ الغريب ، وأنا في تلك السنّ ، أنظر إلى الكون من شاهق ، وأرنو إلى الشمس البعيدة هازئاً ، كما يقول أبو القاسم الشابّي .
    وزاد حال صاحبي ضيقاً ، وقلّت الحيلة ، ولم يعُدْ من الشكوى مفرّ ، وإلى من يشكو ، إلاّ إليّ ، بعد الرزاق ذي القوة المتين .

    أخبرتُ أبي ؛ فقال لي في إيجاز ، لا يشفي النفس ، إنّ الله يرزق قليل الحيلة ، حتى يتعجبَ صاحبُ الحيلة ! .
    وتعجبتُ ، ثم قلتُ في نفسي ، سنرى ...
    ذهبت إلى صاحبي ، فى ليلة مطيرة ، يجلس إلى موقدِه الصغير ، الذي يبعث الدفء ، بالغرفة الضيقة ، قامَ كعادته ليجلسني ، فى المكان الأسْمَى ، من الغرفة المتواضعة حدَّ الحقارة ، عبارات ترحيبه تملأ المكان أنساً ، وراحة نفْس ، كان وحدَه ، ومعي صار ثاني اثنين ، وناولني كتاباً ، وقال اقرأ ، سألته ما هذا ؟! .
    فقال كتاب ، قلتُ أعلم أنه كتاب ، ولكن ماذا تريد مني بشأنه ؟ قال أخبرني عمّا فيه ، ونظرتُ إلى الكتاب ، لقد ضاع غلافه ، وبضعُ صفحات من المقدمة والنهاية ، بينما تآكلت أطرافه ، واصفرّ لونه ، فصار كالعليل يودّع الحياة ، أمّا رائحته فتوحي إليك بجوّ مخزنٍ قديم ، قلتُ أنتَ أعلمُ بما فيه ، وإلاّ ما أتيتَ به ، فقلْ لي ما شأنك ، وهذا الكتاب ؟ .
    قال إنّه كتابٌ فى الروحانيات ، وطرد الجن والعفاريت ، والعلاج بالقران ، سألته وما المطلوب ؟ .
    قال ضاق الحال ، ولا مجال للاختيار ، قلتُ وما العمل ؟ قال العمل .. أن أعمل أعمالاً سُفلية ، وأعالجُ بالقرآن .

    قلتُ لا يجتمعان ، قال لكل مَقام مَقال ، ولكلّ بضاعةٍ زبُون ، سكتُّ أقلّبُ الأمر ، ثم خرجْتُ معلناً رفضي للفكرة ، واحتجاجي على الوسيلة ، ولم أحدث أحداً بالذي جرَى .
    مرّ شهرٌ ، حاولَ خلاله الاستعانة بي ، فى فكّ رُموز الكتاب ، وطلاسمِه الشبيهة بالرسوم الفرعونية ، وعدْتُ بدافع استكشاف ما كان ، وما عساه أن يكون .
    نفس الحجرة والموقد والجلسة ، زادت عليها كومة من الأوراق ، لا يربطها رابط ، فكل ورقة على حِدَة ، تمثل جزءاً من ذلك الكتاب ، نقلها صاحبي ، بما فيها من طلاسم ؛ كما هي فى تصوير دقيق ، ومثابرة عجيبة ، على النقل والرسم ، دون أدنى دراية منه بالكتابة ، ولا بالقراءة .
    فتلك ورقة رسم عليها حروف أقرب إلى الهيروغليفية ، مع بعض كلمات غريبة مثل .. حبرطقوش مغلموش حرنفش عرنفش ، أجب يا أحمر وأحضر واجلب فلان بن فلانة ، إلى فلانة بنت فلانة ، بارك الله فيك وعليك .
    وتلك ورقة عليها نقش غريب ، وكلمات مثل سرمخ درمخ ، حنكور سمنكور ، حلّوا عقدة فلانة بنت فلانة ، وخلّوها تتجوز فلان بن فلانة ، وهكذا ..
    ثم يلفّها صاحبي ، في وريقات ، على شكل مثلثات أو مربعات ، بعناية فائقة ، ويخيط عليها فتصير حجاباً ، يضعه تحت سجّادة عتيقة ، يجلسُ عليها ، لم أرَها عنده من قبل .
    بينما بدأت زوجتُه تحدّث النساء فى القرية ، ويمتد حديثها إلى القرى المجاورة ، تخبرهم عن أشياءَ غريبة ، بدأت تحدث لزوجها في الفترة الأخيرة ، عن شروده الدائم ، وصوته الذي تتغير نبرته كل حين ، وعن سقف الدار الذي يُسبّح فى الليل ، والنار التي تخرج من المَوْقد ، دون أن يشعلها أحد ، والحديث الذي يدور بين زوجها ، ورجال وهميين من عالم الغيب .
    وسرى الخبر في الأوساط الغافلة ، سريان النار فى الهشيم ، وتلقفته العقول الساذجة ، التي تجيد مضغ الحكايات ، والاستماع إليها ، ومع كل مرة ، تضيف إليها شيئاً مثيراً جديداً .
    وجاء الزبون الأول ، شاب خجول ، لم يرَ في حياته كلِّها أنثى ، غير أمَّه ؛ ثم فُوجئ بتلك الدنيا الجديدة ، تنفتح أمامه ، ليلة عرسه ، ولم يتحمل المفاجأة ، فخارتْ قواه .
    ذهب به الأهل والأصدقاء ، إلى صاحبي ، على سبيل التجربة ، أو باكورة للإنتاج .
    تمْتم صاحبي فوق رأسه ببضْع كلمات ، لا تنتمي إلى لغة من اللغات الحية أو الميتة ، وحمّله حجاباً جاهزاً ، من تحت سجادته ، مع طمأنينةٍ تدفق بها حديثه ، الذي زادتْ الرغبة فى نجاح العمل من حلاوته .
    وأفلح الشاب فى فتح باب دنياه الجديدة ، لينفتحَ معه باب واسع ؛ لدنيا صاحبي الجديدة ، وقاطعتُه ، أو انقطعتُ عنه فترة طالتْ ، حتى ظننتُ أن الوصلَ لن يعود ، لكن أخباره تصلني كلَّ حين .
    إلى أن كان يوم ، رأيت فيه عجيبة جديدة ، من عجائب قريتي ، التي يبدو أن كل ما فيها عجيب ؛ إعلان على صفحة كاملة ، فى مجلة محلية محدودة الانتشار ( الشيخ عبد العظيم الطوّاف .. يطردُ العفاريت ويعالج بالقرآن ) .
    وضحكت في مرارة ، إنّ صاحبي لا يحفظ من القرآن ، إلاّ فاتحة الكتاب ، مع تصرّف يسير ، فهو يحوّل المستقيم إلى المستكين ، بينما تحولت الضالين على يديه إلى الضالّيم ، كيف يعالج بالقرآن إذن ؟! .
    ومما زاد الأمر غرابة ، والطين بلّة ، أن صاحبي ليس هو منْ دفعَ ثمن الإعلان ، إنّما هو هدية من عقيد سابق بالشرطة ، من قرية مجاورة ، جاء شفاءُ ابنته ، على يد الشيخ المعجزة ، وهو اليوم يردّ الجميل ؛ والأغربُ فى الأمر ؛ أن سيادة العقيد كان يعمل فى قسم مكافحة جرائم النصب والدّجل ، فترة طويلة ، من حياته العملية .

    بعد السنين الطوال ، أرسل إليّ صديقي ، يرجوني أن أزوره ، وذهبتُ إليه ، وجدتُ داراً غير تلك التي كانت ، فخمة ضخمة تعددتْ طوابقُها ، طرقتُ الباب ، وفتحت لي ابنتُه ، فى حفاوة بالغة بالطبع ، فلطالما حملتُها صغيرة ، وعلمتُها مبادئ القراءة والكتابة ، وأنا أتعلم مبادئَ التدريس .
    وأوصلتني إلى والدها الشيخ ، الآن صار شيخاً بالفعل ، ابيضّتْ لحيته ، وشاب قرناه ، إنه اليوم يغادر الستين ، وأنا أغادر الأربعين ، عشرون عاماً مضت ، على تلك الليلة ، التي أراني فيها هذا الكتاب ، انتفضَ واقفاً يعانقني في صدق ، لا أشكُّ فيه ، وأجلسني إلى جواره ، حدثني عن الرحلة الطويلة ، مع الحياة والناس ، والمغامرة الخطِرة ، التي امتطى ظهرَها ، عَقْديْن كامليْن من الزمان .
    وحدثتُه عن راتبي وترقياتي ، وابنتي وولدي المدلّل ، يلمح في عيني ضحكة ، من الأحوال العجيبة ، أقاوم إغراءَها ، وأحاول كتمانها ، فيضحك ويشجعني ، فتنطلق ضحكتي مدوّيةً عالية ، تتبعها ضحكاتٌ ، ذكرتني بالزمن الذي مضى ، دقائق وتطرق ابنته الباب ( فيه ناس عاوزينك يا بابا ) طلب إليها إدخالَهم فوراً ، بعدما أخبرها أنني ضيفهم على الغداء ، ثم عاد إليَّ وهو يقول ( زباين - وشّك خير - الخير على قدوم الواردين ) .

    ودخل الزبائن ونظر إلىّ هو بطرف عينه ، بما معناه ممنوع الاشتراك ، رجل وامرأة قد بلغا من العمر عتِيّا ، فهمتُ أنهما زوجان ، يتحدث الرجل عن زوج ابنته ، الذي هرب ، ولم يشرب من شهر العسل ، إلاّ خمسة عشر يوماً .
    حتى إذا تعب الرجل من الحديث أكملتْ المرأة ، وصاحبي يسمع فقط ولا يعلّق ؛ إلاّ مستفسراً عن غامض ، أو متعجباً لغريبٍ من القول ، والزوجان يحكيان فى مثابرة وإصرار ، عن كلّ صغيرة وكبيرة ؛ فى حياة العروسين ، منذ الميلاد ، وحتى ليلة الهروب الكبير ، للعريس التعيس ، وختما حديثهما بطلبٍ مشفوع بسابق المعرفة ، وكسْب الثواب من الله الكريم ، أن يتدخل الشيخ ، ويعيد المياه إلى المجارى .
    وجاء دور صاحبي ليأخذ بزمام الحديث ، ويخبر عن بعض التفاصيل ، فى سؤال كأنه الجواب ، أو خبر يبدو كالاستفهام ، والرجل يتعجب من معرفة الشيخ بتلك الأسرار ، بينما المرأة تتلاحق أنفاسها ، وهى تتابع حديثَ الشيخ ، بشغف واضح ، وتشهق متعجبة من قدرة صاحبي ، على علم الغيب ، وكشف الحُجُب ، وما وراء الطبيعة .
    بينما حقيقة الأمر ، أن صاحبي يعيد على سمعهما ، ما قالاه منذ دقائق ، وهما يتعجبان كيف عرف .. أرأيت هكذا سذاجة ؟! .
    هممتُ بالحديث فأعادني إلى السكوت بتلك النظرة ، ثم طلب منهما اسم العروس وأمها ، وكذلك العريس ، وأسماء أخرى قام بتحويلها إلى أرقام ، أ = 1،ب =2، ت =300، س=60 ... وهكذا ...
    ولمّا أراد الجمع والطرح والقسمة ، وإضافة عدد السنين والحساب ، لم يستطع وتأزّم الموقف ، فلجأ إليّ ، وسكتُّ نكاية فيه ، ثم أجبتُه ، وأنا أغالبُ ضحكة ، بينما أعلن هو عن الحلّ ، بعد الاتصال بالقوى الخفية ، والجهات العلوية والسفلية ، وصدرتْ عنه أصوات واختلاجات ، ثم نظر إلى السقف فاحمرّ وجهه ، وأعاد النظر إلى الموْقِد والبخور ، فاطمأن قلبه ، ثم أخرج هذا الحجابَ ، من تحت سجادته ، وناوله للرجل ، الذي ناوله للمرأة ، والتي دفنته بحنان فى صدرها ، حتى لا يفطن إليه أحد ، ودفعا الأجر المعلوم ، فى ضراعة أن يقبله الشيخ ، وقبله وانصرفا .

    وما كادا يغادران الباب حتى أفلتت ضحكتي ، وصرخ هو ضاحكاً ( حتفضحنا الله يخرب بيتك ) .
    وعدْنا نخوض ، فيما كان من الحديث ، وهو يتحدث بلسان من تحسّنتْ أحواله ، وأنا أذكر قول والدي رحمه الله .. إنّ الله يرزق قليل الحيلة ، حتى يتعجبَ صاحبُ الحيلة ، وأزيد عليه قول الشاعـر : -

    ملك الملوك إذا وهب ... لا تسألنّ عن السبب
    الله يعطى من يشـــاء ... فقفْ على حدّ الأدب

    وتغديت وصاحبي ، وانصرفتُ ، على وعدٍ بلقاءٍِ ، قد يتأجّلُ عشرين عاماً أخرى ، إن قدّرَ الله لنا الحياة .


    يتبع

  5. #5
    أكثر من رائع أستاذ حسين
    أعانك الله لتكمل مشوارك
    على وعد بعودات أخر

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة حبيب الرحمن عرض المشاركة
    أكثر من رائع أستاذ حسين
    أعانك الله لتكمل مشوارك
    على وعد بعودات أخر
    والشكر الجزيل لك يا حبيب الرحمن ، على الحضور ، و على المدح السخي والإطراء النبيل
    والبقية تأتي فابق بالجوار يا عزيزي

  7. #7
    رائع ما شاء الله عليك..

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    ليلة القبض على سيِّد

    الزمان .. ليلة مطيرة من ليالي الشتاء الطويلة
    المكان ... شرْفة واسعة في منزلي الريفي ، أجلس فيها والأسرة عندما يأتى المساء .
    عشرون متراً أو أقلّ ؛ تفصلني عن الطريق الرئيسي للقرية الهادئة ، مع مساحة من الأرض ، تناثرتْ فوق سطحِها بضع شجراتٍ عتيقة ، ونخْلات بلغت سنَّ اليأس ، تخبرك عن حديقةٍ كانت ، ثم زالت ، تحت ضغط العمران ، وفعل أيادي البشر الآثمة .
    الصمت يلف المكان ، اللهمّ إلاّ من بوق سيارة ، تعود بعد يوم عمل ، أو أمٍّ تدعو الله ، أن يأخذ ابنها إلى جواره ، بعد أن اضطرها للخروج بحثاً عنه ، إذْ تأخّر فى العودة إلى المنزل العامر .
    فجأة وعلى غير انتظار ، يقطع هذا الجمال الهادئ ، صوتُ فرامل عنيفة ، لسيارة توقفتْ ، وقفز منها مجموعة من الشباب ، فيما يشبه عملية إنزال عسكرية ، إنّ الشباب الآن يحاولون جذْبَ شيءٍ ما ، بينما ترتفع فى الأفق ، أصوات سِباب وشتائم تضمّ كل ما عرفتَ ، وما لم تعرف ، من مفردات قاموس البذاءة ، بدءاً بسبّ جميع الملل ، والأديان ، ومروراً بأعراض الأمهات والأخوات ، وحتى غباء سائق السيارة !! .
    أحياناً تمنعك المفاجأة من اتخاذ المبادرة ، بالحديث أو بالحركة ، وقد كان ، وبقيتُ صامتاً لفترة ، أخيراً نجح الشباب ، فى جذب هذا الشيء ، خارج السيارة ، إنّه بطانية ، تلتف حولَ شيءٍ ما ، حملوها بينهم ، ثم طوّحوا بها ، وأفلتوها من أيديهم ، فهوتْ إلى جوار حائط المسجد ، حيث استقرت في أمان الله ، لحظات وبدأت تختلج .
    بينما أسرع السائق ، يدور بسيارته ، فى استعراض واضح للمهارة ، ثم غادر الجميع المكان ، على نفس النمط العسكري المَهيب ، رغم ذلك ، لم ينقطع سيل السِّباب ، وزاد اختلاج البطانية المهترئة .
    ربّاه ... إن الصوت يخرج من تلك البطانية العجيبة ، قالها أحد المارّة ، فتوقف الرائح والغادي ؛ يرقب المشهد العجيب ، أنزلتني الغرابة من علياء شرفتي ، أستجلي أبعاد الموقف ، الذي طرأ فجأة .
    إنه رجل مريض قعيد ، لا يملك من علامات الحياة ، غير ذراعين ، يطوح بهما في تهديد شديدٍ ، إلى لا شيء ، ولسان امتلك من البذاءة ، ما يدل على طمعه الشديد في أنصبة الآخرين منها ، حاول أحدنا سؤال الرجل عن أبعاد الموقف ، وجاءت الإجابة واضحة ؛ على شكل سيل جديدٍ من الشتائم ، للواقفين والسائرين ، ولمن سار على نهجهم ، ومشى على طريقتهم ، وسكت الجميع احتراماً للموقف الجليل .
    دقائق وأسرع البعض ، بما تبقّى من شهامة أولاد البلد ، وتسامح أهل الريف ، مع كلّ وافدٍ غريب ، يصنعون للضيف مأوىً ، بعد أن رفض الذهاب مع أحدهم ، إلى حيث المأوى والطعام .
    وشيئاً فشيئاً يرتفع كوخٌ صغير ، صنعته الأيدي الطيبة ، من جريد النخل ، وأغصان الأشجار ، وجاء البعض من أقصى القرية يسعى ، حاملاً بطانية أو وسادة .
    لازال الرجل يسبّ ويلعن ، في ثباتٍ عجيبٍ على المبدأ ، ثمّ انصرف الناسُ ، تاركين الضيف العجيبَ ينام ، وصعدتُ أنا إلى شرفتي ، أناجي القمر ، وأستمع إلى نقيق الضفادع ، وأستكمل قصيدة الليلَ الريفيّ كالعادة ، واليوم زادَ على أبيات القصيدة ، صوت الزائر الجديد.
    مع الصباح تتضح الرؤية ، إن سيارة الأمس ، بمن عليها ، جاءت من قريةٍ مجاورة ، ضاق أهلها ببذاءة الرجل المريض ، ولم يتحمّل حياءُ نسائها ، ألفاظه العارية ، فأخرجوه منها ، غير مأسوفٍ عليه ، وكان من نصيب قريتنا السعيدة .
    اسمه عمّ سيّد ، لا أحد يعلم متى جاء ؟ ولا من أين جاء ؟
    إنه فقط عمّ سيّد ، ولا شيءَ آخر ، ولاشيءَ معه !!
    بمرور الوقت قلتْ مساحة البذاءة ، على رقعة يومِه الطويل العريض ، وهدأت تهديداتُ ذراعيه ، ومع هذا الهدوء أصبح اسمه – عمّ الشيخ سيّد – كرم أهل الريف ، ونخوة أولاد البلد ، مع حنان النساء الفطريّ ، كلها عوامل شكَّلت مظلة تأمين ، لقوت الضيف ، ومزاجه ، فهو أيضاً يدخن ، وبشراهة .
    بدأت بعض الحكايات تتناثر حول عمّ سيّد ، شأن كل غريب ، قال البعض إنّ الشجرة ، التي يستند إليها كوخُه السَّعيد ، قد نمَتْ وترعرعتْ ، بعد أن كانت على وشك الذبول والجفاف ، بل وزادت خضرتها ، عن بقية الأشجار ، من بنات جيلها .
    وامرأة فى طريق العودة من طابور الخبز ، أمام فرن القرية ، تلقي بضعة أرغفةٍ ، فى فضاءِ الكوخ ، على سبيل الصدقة ، ثم تقسم أن عددَ ما اشترته من الأرغفة ، لم ينقص رغيفاً واحداً ، وتتعالى صيحات التسبيح ، وكلمات .. الله أكبر ، تملأ الحواري والأزقة السابحة ، فى بحر الجهل الأبديّ .
    بعض العائدين من سهرات الكِيف ، أقسموا أنهم سمعوا أصواتَ تسبيحٍ ، تندفع إلى خارج الكوخ المقدّس ، وبدلاً من الدخول إلى بيت الله ، فى انتظار الفجر ، وأداء الصلاة ، ذهبوا للنوم ، حتى إذا استيقظوا ، مع عصر اليوم التالي ، خرجوا إلى الشارع ، يروون ما حدث عند الشجرة .
    لقد فاقت شجرة الشيخ سيّد ، شجرة الرضوان شهرةً وقداسة .
    ثم روايات من هنا وهناك ، تخبر أنّ البعوض والذباب ، لا يجرؤ على التحليق فى سماء الكوخ الحرام ، ومن جازفتْ منهن بالطيران فيه ، سقطت سقطة لا تنهض بعدها أبداً .
    أعود إلى منزلي ذات ظهيرة ، تسير اثنتان من النساء أمامي ، تحاول إحداهما إثبات خبرٍ ما ، وتنفيه الأخرى ، وترتفع الأصوات ، ولا تهدأ ، إلاّ بعد أن أقسمت لها محدّثتها بالغالى ( آه وحياة عمّ الشيخ سيّد ) ، بعدها يعود السكون إلى الشارع .
    مرّ عامان ، وخيوط الكذبة تكتمل ، وتنمو يوماً بيوم ، ثم استيقظتُ ذات صُبْح ، فلم أجد الكوخَ ولا الشيخ ، سألتُ ... وعلمت أن بعض الشباب قد غار لدينه ، أن تهدمه الأسطورة ، فحملوا ( سي السيّد ) إلى قريته التي أخرجته ، ثم نظفوا المكان ، ورشوه بالماء ، وتبرعت فاعلة خير ، ببناء سبيل ( كولدير للماء البارد ، يشرب منه المارّة ، في قيظ الصيف ) ونامت الفتنة ، والفتنة نائمة ، لعن الله من أيقظها ، أتراها تستيقظ ؟!
    تمرّ إحداهنّ على المسجد ، تطيل النظر إلى ما كان يوما ً ، كوخ الشيخ سيد ، وترسل نظرة ساهمةً ، في الفضاء الفسيح ، ثم تتبعها تنهيدة حرّى ، من قلبٍ كسير ، وأسف على تلك القرية ، التي فرطت فى بركة ، ساقها الله إليها ، بغير ما سَعيٍ منها ، يوم أخرجت الشيخ المبروك ..

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة الزهر الربيعي عرض المشاركة
    رائع ما شاء الله عليك..
    كل الشكر لهذا الزهر الربيعي
    الذي تضوَّع عبيرُه بالمتصفح ، فزاده جمالاً
    بانتظار عودتك وسلامي لقلبك وقلمك

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    شيخ الجبّانة

    كنتُ نهيتكم عن المقابر ، فالآن فزوروها ، فإنّها تذكركم بالموت .
    من أراد واعظاً فالموت يكفيه .
    صدقتَ يا سيدي ، يا رسول الله ، يا من هدى الله بك الحائر ، وقوّم بك المعوجّ ، ومنْ سِواك لنا ، وأيّ سنّة نتبع ، غير سنتك الشريفة ؛ نفرّ إليها ، ونستعين بها ، على تقويم ما اعوجّ من أمور حياتنا ، ونستهدي بها ، في ظلماتِ بحر الحياة اللجّي .
    كثيراً ما أفرّ إلى المقابر ، على أطراف قريتي ؛ ألوذ بصمت الراقدين تحت الثرى ، من وطأة العيش ، وصخب الأحياء ، كم أنتم رائعون أيها الموتى ، حيث لا ضرر ولا ضرار ، وحيث الشفاءُ التامّ ، من كل أمراض الحياة ، وحيث لا صوتَ ، إلاّ صوت الصمت ، يوحي بالسكينة والاطمئنان ، للنفوس التي أضناها القلق !! .
    واليوم أعاود الكَرّة ، أقطع الطريق إلى هناك سيراً على الأقدام ، فالمزار قريب .
    وللمقابر في قريتي حكايات وحكايات .....
    ففي القلب من تلك الجبانة العتيقة المتفرِّدة ، ووسط جلال الموت الأبدي ، يرقد شيخ الجبانة ، في ضريحه المتواضع ، الذي لا يعدو كونه بضع هياكل من الطين ، تراكمتْ فيها ، على مر السنين ، بقايا شموع ، أشعلتها أنامل البسطاء من النسوة ، ثم احترقت ، وصعد دخانها إلى السماء ، مشيّعاً بأصدق الدعوات ، أن يرحم الله الشيخ ، ومحاطاً بأخلص التوسلات إلى الشيخ ، أن يكون في عون المظلومين ، وأن يعين الأراملَ والمساكين ، وأن يفكّ حبس المحبوسين .
    بينما ترتكز وسط الضريح ، بضعُ راياتٍ وأعلام مُلونة صغيرة ، تقوم على أعوادٍ بسيطة ، تهتز كلما داعبَ النسيمُ قبر الشيخ الكريم .
    يرى البعضُ أن شيخ الجبانة ، هو أحد الأكابر ، من أولياء الله الصالحين ، وينسبون إليه من الكراماتِ ، ما لا يُحصَى ، ومن المعجزات ، ما يفوق معجزاتِ الأنبياء !! .
    فهنا قيّد الشيخ أحدَ الفلاحين ، بعد أن تجرّأ ، وصعد إحدى نخلاتِ الجبانة ، ليجني بضع ثمرات منها ، دون أن يستأذن الشيخ الراقد .
    وهنا جاءت فلانة – الغلبانة - تستغيث بعدالة الشيخ ، من ظلم زوجها وهجرانه ، ونذرت للشيخ نذراً ، إن هو استجاب لدعائها ، واستجاب الشيخ ، لكنها لم تفِ بنذرها ، فسقطت من على سلم دارها ، وهي إلى اليوم قعيدة البيت ، مريضة بالشلل .
    وهنا تجلى الشيخ لفلانة ، وطلب منها أن تأخذ كذا فطيرة ، وكذا شمعة وكذا و كذا ... ، وأن تذهب بالجميع ، إلى ضريح الشيخ فلان ، بالقرية المجاورة ، فإن أرواح الأولياء تتواصل ، حتى في عالم الغيب .
    بل إن وجود الشيخ ، في تلك البقعة من العالم ، هو أعجوبة الأعاجيب ، يقول المسنّون من أهل القرية ؛ إن الشيخ ليس من أهل المنطقة ، وإنما تجلّتْ روحُه لأحد الفلاحين ، ذات منام ، وأمرته أن يحفر قبراً في الجبانة ، وحدّدت له الزمان والمكان ، والكيفية التي سيكون عليها القبر ، وأخبرته أن هذا القبر ، سوف يكون ضريح الشيخ ومقامه ، وصدَع الفلاحُ بالأمر ، ونفذ المُهمة على أكمل وجه ، وجاء الشيخ أو جاءت روحُه أو جاءت رُفاتُه ، وسكنت الضريح ، ومن يومها ، والشيخ ملاذ لكلِّ مظلوم ، وملجأ لكل أصحاب الحاجات ، يأتون إليه ، يطلبون المَدد ؛ فيأتي بالعجائب .
    على الجانب الآخر هناك من أهل المنطقة من ينكر وجود الشيخ ، وكل الشيوخ ، من أصحاب الأضرحة والمقامات ، جملة وتفصيلاً ، وحجتهم في ذلك أنهم - رغم إنكارهم هذا - لم يُصابوا بأذىً أو مكروه .
    واليوم أذهب إلى الجبانة ، في نوبة هروبٍ جديدة ، أسرابُ النسوة تقطع الطريق إلى هناك ؛ فى جلابيبَ سودٍ ، يحملن من الأقفاص والسِلال ، المملوءة بالبلح والعجوة ، والكعك وقُرص الرحمة ، ما استطعن حمله .
    إحداهنّ وضعت فمها ، على أذن محدثتها ، تسكب فيها نميمة اليوم كلِّه ، وهما تغالبان ضحكة مكتومة ، رأتا أن خروجَها ، لا يتفق وجلال الرحلة المقدسة .
    وتلك المجموعة من النسوة ، يبكين في حرقة ويلطمن الخدود ، ويشققن الجيوب ، في دعوى واضحة ، من دعاوى الجاهلية الأولى ، يبدو أن الفقيد لا يزال حديث عهدٍ بالرحيل .
    أما هؤلاء فقد ارتفعت أصواتهن ، يتحدثن عن جارةٍ لهن ، رحل زوجُها القرنَ الماضي ، ولم تعُدْ تزوره كل خميس ، ويتحسّرن على ضياع الوفاء من الناس .
    حتى إذا وصلنا جميعاً ، وتفرق الجمْع السعيد الحزين النمّام ، انتحيتُ جانباً ، ألحظ وأراقب ، بينما توجهتْ كلّ منهن ، إلى حيث يرقد فقيدُها الغالي ، فتلك جلست أمام قبر زوجها ، الذي طالما سقته مُرّ الكأس حالَ حياته ، وهي الآن تناجيه بأحبّ الأسماء إليه ، وتلك تبكى أخاً مات ، في رحلة البحث المشؤومة عن الرزق ، في إحدى دويلات الخليج .
    رأيت هذه وتلك ، فما اهتز قلبي ، إلاّ لتلك الأمّ ، تبكى ولدَها الوحيد ، الذيً مات فى ريعان شبابه ، ذلك هو الفقد الحقّ .
    وسط هذا المزيج الهائل العجيب ، من السذاجة والوفاء والجهل ، ظهر الشيخ عبدُه ، قارئ القرآن الكريم بالأجر ، في الجبانة العتيقة ، وبيوت القرية ، والقرى المجاورة أيضاً ، كفيف البصر ، يحفظ القرآن جميعه ، أو هكذا يقول ، بعد أن انقلبت الأوضاع والأمور ، وأصبح حفظ القرآن صناعة العجَزة والمكفوفين ، في تلك البقاع .
    منذ وعيتُ على الدنيا والشيخ عبدُه كما هو ، لا يزيد ولا ينقص ولا يتغير ، يكاد يشكل بجلبابه الأزرق السماوي ، وطاقيته المهترئة البيضاء ، أحدَ معالم المنطقة ، يدخل إلى بيوت القرية كلّ صباح ، في ترتيب ثابت ، وحسَب جدول دقيق ، لم يُخلفه يوماً ، تسبقه عند الدخول إلى البيت ، أصوات نحنحة خفيفة ، ونداء .... يا ربّ يا ساتر ، ثم يجلس في أقرب ركن ، يقرأ ما تيسر من آي الذكر الحكيم ، ويدعو للميت ، ثم يتنحنح وينصرف ، تقوده ابنته الطفلة غالباً ، أو أحدُ المتطوعين أحياناً ، أما أجرُه ، فقد يكون قطعة نقدية ، أو ينتظر حتى خروج المحصول ، حيث يأتي إلى الأجران ، حاملاً جواله أو كيسه ، فيفتحه ليصبَّ صاحبُ الحقل في قعْره ، ما سمحت به الذمّة ، وهو قليل .

    أما يوم الخميس فهو للجبّانة ، يأتي الشيخ عبدُه ، مع أذان العصر ، فيجلس عند أقرب قبر ، يقرأ من قصار السور ، ثم يختم بالفاتحة ، ويدعو للميت الراقد ، حتى إذا انتهى ، وضعت إحداهن في يده ورقة نقدية ، غالباً من فئة الخمسين قرشاً ، ولمْ تتعدَّ الجنيه الواحدَ يوماً ، وقد تزيد على ذلك بضع كعكاتٍ ، وقليل من بلح ، أو برتقالة على أحسن الفروض ، وتأتي أخرى لتأخذ بيده ، إلى قبر آخر ، ثم ثالثة تقوده إلى حيث يرقد فقيدها العزيز ، وهكذا ...

    حتى إذا انتهى من تلبية طلباتهن جميعاً ، جمع حوائجه ، ورتب أوراقه ، واستعد لمغادرة الجبانة ، مع المغرب أو قبله بقليل .
    فقد أوشك الظلام أن يسدِل أستاره الأزلية ، على الجبّانة العتيدة ، حيث يكون المنظر كفيلاً بإلقاء الرعب ، في قلوب أشجع الرجال .

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    خليل الأهطل


    خليل الأهطل .. أسطورة أخرى ، من أساطير القرية الكثيرة ، يجوب شوارعها الضيقة ، على ظهر حمار ، صنعه لنفسه ، من جريد النخل اليابس ، بينما يسيل أنفه ، ويتصاعد صفيره الأبله إلى السماء ، وهو يحث حماره الخيالي ، على الجري ، أو تغيير الاتجاه .
    يظهر في شوارع القرية مراتٍ ، في اليوم الواحد ، أو أياماً متتالية ، ثم يختفي فجأة ، فلا يعلم عنه أحدٌ شيئاً ، ثم يعاود الظهور فجأة ، كما اختفى فجأة .
    يجلس على مصطبة إحدى الدور ، فإذا دُعيَ للدخول ، دخل متردداً على استحياء ، فيأكل من الموجود ، حتى إذا شبع طلب ناراً يشعل بها سيجارته الوحيدة ، في جيب جلبابه الرثّ القصير ، يدخنها في شراهة ، ثم يطلب سيجارة أخرى ، فيضعها في جيبه من جديد ، وينصرف على ظهر حماره .
    يشغل أذهان الكثيرين من كلِّ الأعمار والأوساط ، وتثار حوله عشرات الأسئلة ؛ هل خليل أهطل بالفعل ؟ أم يدَّعي الهطلَ والهبل ، ليرتكب أفعالاً يؤاخَذ عليها العقلاء ؟ وهل هو وليّ وبركة ، كما يردد العجائز من القوم ؟ أم أنه مجرد مُعاق ذهنياً ، كما يدعي أولئك المثقفون ؟
    ومع كثرة التساؤلات تأتي الردود ، في شكل حكاياتٍ لا تنتهي ، فالحاج عبد الهادي يقول ؛ إنه شاهد خليلاً في رحلة الحج ، وهو يطوف حول البيت العتيق ، ولما حاول الاقترابَ منه ، والتحدث إليه ، حال بينهما الزحام ، إن خليل إذن ولي من أولياء الله ، بل من أكابر الأولياء ، الذين تطوى لهم الأرض ، ويتواجدون في أي مكان من الكون ، وقتما شاءوا ، بل وفي أكثر من مكان في نفس الوقت ، إذا أرادوا .
    وتتعالى الأصوات في الحواري الضيقة ، والأزقة السابحة في ظلام الغفلة الأبدية ، تطلب المددَ من أولياء الله الصالحين ، وتردد مع الشاعر قوله : -
    قلوب العاشقين لها عيون ... ترى ما لا يُرى للناظرين
    وأجنحة تطير بغير ريش ... إلى ملكـوتِ رب العالمين

    فلا تندهش إذا رأيتَ أحد أعيان الناحية ، وهو يرفع يد خليل يقبلها في تواضع ، ثم يمسح بها جبينه ، ويسأله الدعاء في مذلة ، وخليل يناوله يده في بساطة ، ثم يدعو الله له قائلاً ( تصدّق بالله إن انت حتنجح ، فيطير الرجل بها فرحاً !! )
    ولا تعجب إذا رأيت امرأة ، تحمل طفلها حديث الولادة ، وتجري خلف خليل ، تطارده في شوارع القرية ، ترجوه أن يقبل ابنها ، ويدعو له بالسعادة في القادم من أيام حياته .
    وتثور ثائرة هؤلاء المثقفين من جديد ، فيحرضون بعض الصغار ، على الجري خلف خليل ، وهم يهتفون .. العبيط أهُه ، فلا يتركونه ، حتى ينبريَ أحد الفلاحين المتحمسين للدفاع عنه ، ويطرد الصغار ، وهو يقول في حسرة وأسف ... ( الله يلعن أبو المدارس اللي بتبوّظ المخ ! )
    وكبر خليل ، ومع حماره الخيالي ، وجلبابه الرث ، ظهرت علاماتٌ أخرى ، فقد نبت شاربه ، وصار له صوت خشن ، ولحية خفيفة ، ومع ظهور تلك العلامات ، ثارت أسئلة ، ووُلِدتْ حكاياتٌ من نوع جديد .
    ففي أوساط المراهقين ، تروج حكايات حول علاقات له ، مع بعض النسوة ، من أهل الناحية ، لسن فوق مستوى الشبهات ، مثل زهيرة الأرملة الطروب ، وزكية التي يطول غياب زوجها ، للعمل بالخارج .
    أما في أوساط النساء ، وجلساتهن الخاصة ، فيدور السؤال الملحّ .. هل يمتلك خليل الأهطل ، ما يمتلكه بقية الرجال ، من الرغبة في النساء ، والقدرة عليهن ؟ سؤال تطرحه إحداهن في شبه استحياء ، خافتا خفيضاً ، في إشارة لطيفة ، أول الأمر ، ثم يصير واضحاً صريحاً ، وتتعالى الأصوات ، والغمزات والضحكات ، حتى يقطع الحوارَ صوتُ امرأةٍ عاقلة ، وهي تقول في حسْم ( عيب يا بت انتي وهيّ ) .. فيصمت الجميع ، لكن السؤال يبقى قائماً .
    حتى جاء يومٌ ، ووقعت الواقعة ، التي زادت النار اشتعالاً ، في حطب الحكايات ، فقد راجت إشاعة قوية ، أن زاهية الأرملة ، التي ساءتْ سمعتها بعد وفاة زوجها ، ولم تكن حسنة بما يكفي قبل وفاته ، قد نادتْ على خليل ، وهو على ظهر حماره ، ودعتْه إلى داخل دارها ، فدخل وغلقت الأبواب ؛ أما ماحدث خلف الأبواب المغلقة ، فقد بقيَ سراً ، اختلفت في تأويله الآراء .
    فإذا مرّ بك خليل ، وسألته عما حدث في هذا اليوم ، باعتباره بطل الحكاية ، وشاهد الإثبات الوحيد فيها ، لم يردّ عليك ، فإذا ألحَحْتَ في السؤال ، نظر إليك في غباء ، ثم نظر إلى السماء في شرود ، وأصدر صفيره الأبله ، وركب حماره الخيالي ، وانطلق يبرطع به ، في شوارع القرية ، حتى يغيب عن ناظريك ، ثم يتحاشى اللقاء بك بعد ذلك ، فيكون هذا آخر لقاء بينكما ، لتبقى حائراً ، ويظل التساؤل حول ما دار خلف الأبواب المغلقة قائماً !! .


    يتبع

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    نفيسة ... أشهرُ عرائس الزار


    حين تغيب شمسُ العلم ، ويطلّ الجهل بوجهه الكريه
    حين يشتدّ الفقر ، ويغزو المرض العقول والنفوس
    وحين تسيطر الخرافة على كلّ شيءٍ ، وأيّ شيء
    تولد الحكايات العجيبة ، ومع الحكاياتِ العجيبة ، يولد المرض ؛ مرض قديم جديدٌ اسمه الوهم ! .
    الوهم الذي يستعصي على كلّ علاج ، وكما لا يفلّ الحديد إلاّ الحديد ، فكذلك لا يفلّ الوهم إلاّ الوهم ، فليكن علاج الوهم بالوهم .
    نفيسة .. امرأة فقيرة الحال والجمال ، تزوجت من قريبٍ لها ، ذات مساء ، مرّ بها شهر العسل ، وما تبعه من شهور وأعوام ، لكنها لم تحمل ، ولم تضع مولوداً ، كما تحمل النساء وتضع ، على مدار اليوم ، في القرية السعيدة .
    لم تسأل نفسها أو يسألها أحد ، إن كان العيب فيها ، أو في زوجها ، بل على الفور، توجهت إلى أقرب ضريح ، تلتمس من صاحبه الوسيلة ، لتستعين بها علي مُصابها ، الذي لم يخطر لها يوماً ببال ! .
    وأسلمها الضريح إلى ضريح آخر ، ثم ثالثٍ ورابع ، وكلما سمعت عن شيخ ، من ذوي السر الباتع ، أسرعت إليه تتمرغ في حضرته ، وتنذر له النذور ، ثم جاء دور الدجل والشعوذة ، وقراءة الكفّ والفنجان .
    أنفقت نفيسة كلَّ ما كانت تحصل عليه ، ويحصل عليه زوجها من قروش ، وجنيهاتٍ قليلة ، نظير العمل بالأجرة في الحقول ، ومع ذلك لم تحظ بالولد ، ولم تظفر بطائل .
    نصحها البعض بالذهاب إلى طبيب ، وذهبت ، لكن علاج الأطباء يطول ، وملّت نفيسة من العلاج ، واستبطأت الشفاء ، فعادت سريعاً إلى رحاب عالم الأرواح والأسياد ، حيث الوهم والأماني الحلوة ، أحلى بكثير من كلام الأطباء المعقد ، وتكشيرتهم الدائمة .
    تسربت أيام العمر من بين يديها ، إنها الآن تطرق أبواب الخمسين من عمرها ، لكن حلمها القديم ، في أن تضع مولوداً ، لم يمت ، وحرارة رغبتها في الإنجاب ، لم يطفئها مرُّ السنين .
    قالت لها صاحبتها ، وهي تحاورها ( إيه رأيك في زار سيدي أبو الرايات ، يا بتّ يا نفيسة ؟! )
    وترددت نفيسة قبل أن تجيب ، لقد جربت كل شيءٍ ، لكنها والحق يقال ، لم تجرب الزار ، فلم لا تجرب ؟! .
    ثم إن سمعة سيدي أبو الرايات ، وشهرته شهد بها القريب والبعيد ، كيف لم تلتفت إلى ذلك من قبل ، يا لها من مهملة غبية ، هكذا حدثت نفيسة نفسها .
    وفي المساء اجتمع بعض النسوة في دار نفيسة ، وانفتح الموضوع من جديد ، رثيْن لحالها ، ومصمصت كل منهن شفتيها ، في حزن ظاهر ، وأسفٍ بالغ ، على حظ نفيسة العاثر ، وبختها الأسود ، من دون النساء .
    ثم استقر الرأي على أن نفيسة .. منزارة ! .
    ومنزارة - في لغة القرية - تعني أن نفيسة قد زارها جنيّ ذكر ، رآها ذات منام ، فأعجبته وأحبها ، وصار يغار عليها ، حتى من زوجها ، فهو يحول بينها وبينه ، ساعة اللقاء ، ويمنع ماء الحياة الدافق من صُلبه ، من الاستقرار في رحمها ، فلا يكون حملٌ ولا ولادة .
    وجاءت الفتوى النهائية في الموضوع ، نطقت بها أكبر الحاضرات سناً ، وأوفرهن عقلاً وحكمة ؛ لا بد من عمل زار لنفيسة ، في حضرة سيدي ( أبو الرايات ) ، وساد الصمت فترة ؛ ثم بدأت الحكايات تتوالد ، وكلها تدور حول تعضيد فكرة الزار ، وتبرير كونه في حضرة سيدي ( أبو الرايات ) بالذات .
    إن الحكايات كلها تدور حول كراماتِ الشيخ ، وسرّه الباتع ، وتدخله المستمر ، لصالح البلاد والعباد .
    ذكرت النسوة كيف أن فلانة وعلاّنة ، من نساء القرية ، والقرى المجاورة ، قد حملن وولدْن ، بعد أن يئسن من الحمل والولادة ، والفضل يرجع إلى كرامات سيدي ( أبو الرايات ) ، ومعجزاته التي لا حدود لها .
    وأخيراً روَتْ إحداهن تلك الحكاية العجيبة ، لتحسم بها القضية ، وتضع لها النهاية الطبيعية ، وهي أنه لا بدّ لنفيسة من زار .. قالت المرأة : -
    تقول النسوة في قرية مجاورة ، إن رجلاً عاش مع زوجته في سعادةٍ غامرة ، فترة من الزمن ، حتى كان يومٌ ، واكتشفت الزوجة أنها عاقر لا تلد ، وحزنتْ لذلك حزناً شديداً ، وأراد الزوج الوفي أن يخفف عنها ، لكن مخاوفها من أن يتزوج عليها زوجُها بأخرى ، تنجب له الولد ، اشتدت وزادتْ ، وأراد الزوج أن يطمئن زوجته الغالية ، ويزيل مخاوفها ، فأقدم على خِصاء نفسه ، لتطمئنّ الزوجة الخائفة .
    ومرّت الأيام ، وشفيت الزوجة من العقم ، ولا تسأل كيف تم ذلك ؟ ولا تسأل كيف عرفت هي ذلك أصلاً ؟ المهم أنها شفيت من العقم .
    وأسقط في يد الزوج ، وأصيب بالذهول ، ودلّه أولادُ الحلال على سيدي ( أبو الرايات ) ، الذي صنع له عضوَ ذكورةٍ من الطين ، وقرأ عليه بعض الكلمات ، والآيات والطلاسم ، ثم وضعه في مكانه ، من جسد الرجل ، ومسح عليه بيده ، فاستعاد الزوج كامل لياقته ، وعاد إلى زوجته ، وأنجب منها ، وملأ الأرض والدنيا ذكوراً وإناثاً ، وعاشا في سعادة وهناء ، إلى نهاية حياتهما ، بفضل بركة سيدي ( أبو الرايات ) .
    هنا قطعت جهيزة قول كلّ خطيبٍ ، كما يقول المثلُ العربي ، ولم يعُدْ من الزار بدّ ، فأًصبحت نفيسة ضيفاً دائماً ، على حفلات الزار ، التي تقام في حضرة سيدي ( أبو الرايات ) ، يوم الثلاثاء من كل أسبوع ، وهي إلى الآن تتردد على الزار ، بعد أن صار إدماناً لا غنى عنه ، ووهماً لا بد منه ، وإلاّ فلماذا تذهب نفيسة إلى الحضرة ، حتى بعد أن مات زوجها ؟! .


    يتبع ..
    .
    .

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    .

    في حضرة سيدي ... أبو الرايات


    حين كانت صفحة الذاكرة بيضاء مستوية ، يخطّ فيها الزمن أحداثه للمرة الأولى ، بقلمه المسنون ، فيترك أثراً يصعب محوُه على مر السنين .
    رأينا وسمعنا ما يدور بالقاعة الواسعة ، بمقام سيدي ( أبو الرايات ) ، في يوم الثلاثاء من كل أسبوع ، وعندما يأتي المساء نجري إلى هناك ، نتعلق بحديد النافذة المنخفضة ، أو يرفع بعضنا بعضاً إليها ، لنطلّ منها على هذا العالم الأسطوري ، المليء بالأرواح والأشباح ، تبعدنا الرهبة ، وتقربنا الرغبة ، في استكشاف ذلك المجهول ، حيث رأينا وسمعنا الكثير والكثير ، مما علق بالذاكرة الطفلة ، وهو يراودها إلى الآن ، بين الحين والحين .
    إن غالبية الزوار هنا من النساء ، جئن يلتمسن العون ، من الشيخ الراقد في الضريح ، كي يساعدهن على الشفاء من العقم ، وهن يأتين للزيارة صباحاً ، أو عند الظهيرة ، ثم يلتحقن بإحدى حلقات الزار المقامة بالحضرة الروحانية ، أملاً في الشفاء التامّ .
    إنهن جميعاً مصابات بالمسّ ، حيث يختفي الخط الوهمي ، الفاصل بين عالميْ الجن والإنس ، وهذا المسّ كما تشخصه شيخة الزار ، له أسباب عديدة ، تتمثل في مجموعة من المخالفات ، التي ارتكبتها المريضة ، أو ارتكبتْ واحدة منها ، على الأقل ؛ منها إلقاء المياه على أعتاب البيوت ، الذي قد يصادف مرور أحد الجن ، فيتأذى من ذلك ، أو الصراخ فجأة في الحمّام ، أو الوقوف طويلاً أمام المرآة ، خصوصاً في الليل ، أو دخول الغرف المظلمة ، دون ذكر اسم الله ، أو لمس القرآن الكريم على جنابة ، أو المرور على مكان قتل فيه أحدهم ، دون التحمّل بآيات الحصن الحصين .
    فإذا عُرف السبب ، وتم تشخيص الحالة على أنها مسّ من الجن ، وهو ما يحدث غالباً ، وجبَ عمل الزار ، حيث يتم اختيار المكان ، وكنسه ورشّه ، ثم فرشه بالحُصر أو السجاد ، وتجهيزه بالوسائد والشلت ، ثم تقام وسط المكان مائدة ، عليها بعض الحمص والفول السوداني والبلح ، وأشياء أخرى كثيرة ، ويتم تغطية الكل ، بمفرش كبير نظيف .
    ثم تبدأ مراسم الاحتفال ، بعمل زفة للمريضة - إنها من الآن عروسة - حيث تدور حول المائدة ، في ملابس بيضاء ، ومن خلفها تسير شيخة الزار ، وهي تحمل مبخرة كبيرة ، بينما تقرأ فواتح الزار ، بادئة باسم الله ، توكلت على الله ، وكل شيء من عند الله ، يا سيادي خدوا بيدي ، بحق الهادي ؛ حيث يتم ذلك في إطار من الأداء المسرحي ، المفعم بالتأثر والانفعال ، من خلال تغيير الطبقات الصوتية .
    ثم تضع الشيخة يدها على رأس العروسة ، بينما يدها الأخرى تحمل المبخرة ، وهي تبخر يديها ورجليها ورأسها وظهرها ، بعدها تضع المبخرة على الأرض ، وتخطيها العروس ثلاث مرات ، ثم تعود للجلوس ، في وضع المصلي ، عند قراءة التشهد ، بينما الشيخة تقوم بتبخير زوج من الحمام ، وهي تدور به حول العروسة قائلة ؛ بسم الله العلي العظيم ، أهل السماح كانوا ملاح ... الخ .
    بعدها تأخذ العروسة زوج الحمام ، لترقص به على الدّقة - دقة الطبول والآلات الموسيقية - يجري هذا في جو من الموسيقا الصاخبة ، وترتيل النصوص الموروثة ، المليئة بأسماء الأولياء من قبيل ؛ سيدي عبد القادر الكيلاني ، القنديل النوراني ، والست فاطمة بنت بري ، والست سكرة صاحبة المشورة ، ورابعة العدوية ، وسيدي عقبة حلاّل العُقد ، وسيدي المتولي يشيل الحملة ويولّي ... والكثير الكثير من هذه التراتيل والترانيم .
    وتتعالى أصوات الآلات ، ودقات الطبول والمزاهر ، وتظل تتعالى ، في تسارع محسوب ، بينما العروسة ترقص ، أو تفقّر ، وهي تلفّ وتدور ، حول المائدة وحول نفسها ، في مشهدٍ أشبه ما يكون بخلفية موسيقية رائعة ، ومؤثرات صوتية مدهشة ، لأحد أفلام الرعب .
    حتى إذا وصلت العروسة إلى حالةٍ من الوجْد والاندماج ، والتفقير والتشنج ، المصحوب بأصوات المنشدات من النساء ، وحتى إذا صار كل من في الحضرة الروحانية ؛ في وضع استعدادٍ نفسي ، وتأهبٍ للحركة القادمة ، سقطت العروسة على الأرض ، في توقيتٍ فذّ ، فتكون آخر دقةٍ للطبول ، مع آخر حركةٍ للعروسة .
    عندها تقوم الشيخة بالضغط على رأسها ، من الأمام والخلف ، في حركة تسميها طقطقة ، مع قراءة بعض النصوص والكلمات الغريبة في أذنها ، ورشها بماء الورد ،على وجهها وتحت ملابسها ، فإذا أفاقت العروسة ، عادت إلى صفوف المنشدات أو المتفرجات ، لتتقدّم إلى الحلبة عروسة أخرى ، من عرائس الزار .

    يتبع.
    .

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المكان
    في مدينة الفارابي
    الردود
    255
    باذخ و ممتع..
    لي عودة إن شاء المدبر..
    لــيــس ثـمـة مـوتـى غير أولئك الذين نواريهم في مقبرة الذاكرة...

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المكان
    على درج الـ...ياسمين
    الردود
    260
    دائماً متميز بارك الله فيك
    ومبروك لمصرنا
    خبيء قصائدك القديمة كلها
    مزق دفاترك القديمة كلها
    واكتب لمصر اليوم شعراً مثلها


  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    زهرة الأدب :
    أهلاً بعودتك دائماً ويسعدني إطراؤك السخي وكرم ونبل أخلاقك
    وهذا اليتبع حالاً .......

    تسبيح
    التميز لا بد منه كي يليق بقراء مثلك
    شكراً كثيراً لك

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المكان
    مصر
    الردود
    902
    .
    .
    انتقل إلى رحمة الله تعالى


    لا شيء في تلك البقعة ، على أطراف العالم ، يمضي سريعاً ، إن كل شيء – هنا - يمر بطيئاً حدّ الملل ، الفلاحون يذهبون إلى حقولهم كل صباح ، راكبين دوابهم ، يجرّون مواشيهم ، ثم يعودن بها آخر النهار ، في رحلة أزلية .
    لم يتغير الكثير من المعالم في تلك القرى ، منذ أفلح مينا في توحيد القطرين ، حتى الأدوات التي يستخدمها القوم في الزراعة والري ، هي نفسها التي استخدمها أجدادهم في زراعة الوادي القديم ، وشقوا بها قناة سيزوستريس .
    هنا لا تتلاحق الأحداث سريعاً ، ولا شيء في حياة الناس يوصف بالخطورة ، لا شيء هنا أخطر من وفاة أحد الأعيان ، إنه العشق القديم لتقديس الأشخاص .
    أجلس في شرفة منزلي ، أتناول شاي الصباح ، تصل إلى سمعي من بعيد حشرجة مكتومة ، وأصوات غير واضحة ، من مكبّر صوتٍ ضخم ، يقوم على ظهر سيارة عتيقة ، وصوت مذيع متحمس ، يعلن عن وفاة أحد الأعيان ، وبدأت الكلمات تتضح شيئاً فشيئاً ... انتقل إلى رحمة الله تعالى المرحوم الحاج فلان ... عميد عائلات فلان .. ووالد كل من فلان وفلان ، وقريب كل من .. ونسيب كل من ...
    وعرفت المرحوم ، إنه ليس عميداً ، ولا حتى ملازم أول ، إنه فقط ملازم ، ملازم للفراش منذ سنة أو يزيد ، لم يزرْه خلالها أحدٌ ، إلاّ ابنته الوحيدة ، والتي لم يرد لها ذكر ، في قائمة الشرف الطويلة ، التي يسردها الناعي المتحمس .
    لا زال المذيع يقرأ بحماس بالغ ، والمرحوم ابن عم كل من ...وابن خال كل من ... وتشيع الجنازة اليوم ، عقب صلاة العصر ، من المسجد الكبير ، وتتقبل الأسرة العزاء ، بالسرادق المقام أمام منزل العائلة ، بقرية أبو الشواشي البحرية .
    قبيل العصر يتوجه القوم إلى المسجد ، ومنه إلى السير لتشييع الجنازة ، وفي الجنازة يمشي القوم أفراداً وجماعات ، يتحدثون في كل شيء ، وعن كل شيء ، إلا في طلب الرحمة للفقيد الغالي ، أو ذكر بعض مناقبه ، شهادة تشفع له عند ربه ، فإذا جاء ذكره في الحديث عرضاً ؛ سألوا .. هل حضر ابنه فلان ؟ وهل جاء فلان من ذوي المكانة والحيثية ؟ ولماذا لم يأتِ فلان ، من ذوي المنزلة الرفيعة من أقاربه ؟
    ومن الجنازة عدنا إلى السرادق ، أمام السرادق أقيمت شبكة ضخمة ؛ من الأنوار والمصابيح والنجف والأسلاك والزينات ، مع عبارات الترحيب ، التي كتبت بالنيون ، لم تُقم للمرحوم من قبل ، حتى في يوم عرسه .
    وعلى باب السرادق ، يصطف أهل المرحوم في طابور ؛ حرصوا على أن يكون طويلاً ، كعلامةٍ على مكانة العائلة ، وتشعب فروعها ، ومركزها الاجتماعي المرموق .
    وعليك أن تسلم عليهم جميعاً ، بدءاً بأبنائه ، ثم الأبعد فالأبعد ، وأنت تنظر في عينيه نظرة حزينة جاهزة لمثل تلك المناسبات ، ثم تقبله على اليمين ، وعلى الشمال ، وتهز يده بعنف ، علامة على التضامن ، والمشاركة الوجدانية .
    بعدها تدخل إلى السرادق ، حيث يتطوع أحدهم ، ويسحبك من يدك ، ليجلسك في المكان اللائق بك ، والكل ينظر إليك ، ما بين ساخر منك ، أو حاسدٍ لك ، على تلك الوجاهة المؤقتة ، رغم أنها مؤقتة ، فإذا جلستَ ؛ جاءك الناس من كل أركان السرادق ، هذا يسلّم وهذا يبوس ويحضن ، مع أنك لم تفارق الجميع ، إلاّ منذ ساعات قلائل .
    هذا بالطبع إذا كنتَ من ذوي الحيثية والجاه ، أما إذا كنت من العامة ؛ فعليك أن تجدَ مكانك بنفسك ، وأن تجلس وسط أمثالك من العوام ، وأنت أدرى بهم ، فلا داعي لإحراج نفسك ، وإحراج أهل الفقيد الغالي .
    كل هذا يتم في هرج ومرج شديديْن ، رغم آيات القرآن الكريم ، التي تتلى على رؤوس الجميع .
    فإذا جاء الوقت بين المغرب والعشاء ؛ رأيت العجب العُجاب ، مما لا يتفق وجلال الموت وهيبته ، أو روعة الذكر الحكيم ، ولا حتى أصول المروءة والحياء .
    لقد أصبح هذا الوقت ، في تلك المناسبات ، مرتعاً خصباً للنفاق السياسي ، والدعاية الانتخابية ، وإظهار الانتماءات الحزبية ، خصوصاً مع اقتراب موسم انتخابات مجلس الشعب ، حيث يأتي إلى السرادق كل القيادات السياسية ، وممثلو الأحزاب ، وأعضاء المجالس المحلية والبلدية ، والمرشحون لعضوية المجلس الموقر ، منهم من يعرف المرحوم العميد ، ومنهم من لم يرَه طوال حياته ، ومنهم من لا يعرف حتى اسمه ، إنما جاء ليبث دعايته الانتخابية ، ويعلن عن وجوده ، تحت أضواء السرادق الباهرة .
    وهم جميعاً يشمّرون عن سواعدهم ، ويقفون على باب السرادق ؛ يساعدون أبناء المرحوم في تلقي العزاء ، ويتلقفون كلَّ قادم ، وهم من شدة ما يبدو عليهم من الهم والغم ، تحسبهم أبناء الفقيد وأحباءه ، فما إن يدخل أحد المعزين ، حتى تمتد عشرات الأذرع إليه بالتسليم والأحضان ، مع الكثير من القبلات ، والكل يتسابق لمساعدته في الجلوس .
    وهو - أي المعزي المسكين - لا يدري لهذا الاهتمام سبباً ، ولا يعرف أحداً من هؤلاء المرحبين به ، المهتمين بحضوره ، وإنما يتنقل بين الأذرع ، من حضن إلى حضن ، حتى يستقر به المقام ، في أوسع الأحضان ، وأشدها اهتماماً ، وأكثرها حناناً ، ثم يجلس ويسأل .. من هذا ؟ ، فيجيبه القوم ، وهم في غاية التأثر ، إنه فلان باشا ، عضو مجلس الشعب عن الدائرة ، طوال الفترات البرلمانية الثلاث السابقة ، وهو يأتي إلى هنا ، في هذا الموعد من كل خمس سنوات ، ليشارك أبناء الدائرة أحزانهم .
    استراحة قليلة ، وبدأ القارئ يقرأ من جديد ، وما إن استعاذ واستفتح ، حتى تعالت صيحات الاستحسان والإعجاب ، وانشرح صدر الرجل وقرأ ، وهو والحق يقال عذب اللحن ، جميل الصوت ، مُتمكن التلاوة ، لكن .. مين يقرا ومين يسمع ؟! .
    إنه يقرأ في وادٍ ، والقومُ في وادٍ آخر ؛ من الابتسامات والإشارات والقبلات والأحضان ، فلا أحد يسمعه ، أو يعيره اهتماماً ، مع ذلك قد تسمع صوت أحد المعزين ، وهو يقول مشجعاً .. الله يا مولانا إيه الحلاوة دي ؟ أعِد والنبي يا شيخ ! .
    ويعيد الشيخ ويزيد ، بينما تتعالى الأصوات فوق صوته ؛ فتخفيه ، وتشتد الأضواء ، وتتحول المصافحات الصامتة من حوله ، إلى سؤال عن الأهل والصحة والأحوال ، وتتحول النظرات الحزينة ، إلى ابتسامات تتسع شيئاً فشيئاً ، في مظهر دنيوي فجّ ، لا يتفق وجلال الموت ، وبهاء آيات الذكر الحكيم ، التي تطالبنا إحداها صراحةً ، أن نستمع وننصت عند قراءته ، رغم ذلك ، فلا القارئ سكت ، ولا القوم استمعوا وأنصتوا ؛ لعلهم يرحمون .
    حتى إذا انتهت الليلة ، وانفض السامر ، واطمأن أهل المرحوم العميد ، إلى سلامة موقفهم الاجتماعي ، ومكانتهم المرموقة ، بين عائلات الناحية ، جاء دور الحساب ودفع التكاليف ؛ تكاليف هذا الحفل الساهر ، فأخذ القارئ بضعة آلافٍ من الجنيهات أجراً له ، ومثلها لصاحب الأنوار والفراشة ، وكذلك لصانعي القهوة والشاي وخلافه .
    بعد ذلك ؛ قد يتساءل بعض العقلاء من رجال القرية - في بطئ أيضاً - تساؤلات جاءت كالعادة متأخرة ...
    ألم يكن أقارب المرحوم الغالي ، وذوي رحمه ، ممن يعانون مرارة الفقر ، أولى بتلك الأموال ؟
    ألم يكن في الأرامل واليتامى والمساكين ، الذين تعجّ بهم القرية ، والقرى المجاورة ، مصرفٌ شرعيّ لهذا الاستعراض ؟
    وهل عاد على المرحوم من كلّ هذا الإسراف شيء ؟
    أم أننا صرنا نستغل كل مناسبة ، لإبراز جاهليتنا الأولى ، حتى مناسبة الموت ، بكلّ ما فيها من عظة وعبرة ؟!


    يتبع
    .
    .

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المكان
    فَرَادِيْسُ الشَيَاطِيْنْ
    الردود
    97
    التدوينات
    1
    وأستمر مع الطين .. أصنع فلساً ليغنيني بقراءة بسيطة و موقنة في امتلاءها في ليالي اللاشيء ليكون شيئاً



    إستمر

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    المكان
    الفضاء الفسيح
    الردود
    14
    هنا تاريخ من نوع جديد
    كتب على لوح من طين حبره عرق فلاح عتيق

    أكمل
    :
    :

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    سرد رائع .. ومختلف،

    جميل وكثيراً..

    هل هذه الأمور التي تحدثت عنها لم تزل تحدث الى الآن؟

    ..

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •