Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 11 من 11
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المكان
    في الأبيض تماماً
    الردود
    8

    ماذا أقول لـ مريم؟

    أيّتُها الأَسْئِلة

    وَحْدَها المَرَاوحُ المُعَلّقةُ بالسَّقْف

    تَمْنَحُ إجاباتٍ وافيةٍ كـَ المَوْت



    مَاذا أقولُ لِمَرْيَم؟




    " مَاذا أقولُ لِمَرْيَم ؟"


    حين فتحتٌ الباب شعرت بشخص هلاميّ يدفعني ليخرج من الغرفة، تراجعت خطوتين للخلف اثر ذلك وتيقنتٌ حين رأيت محمد وقد تدلى جسدهُ من مروحة السقف كـ عنقود عنب أن الخارج كان ملك الموت.
    سألني المحقق وهو يدوّن الملاحظات الأولية..
    _ هل أنت أول من اكتشف الأمر يا عارف؟
    _ نعم يا سيدي
    _ هل لك أن تخبرني بالتفصيل كيف تم ذلك؟
    _ كعادتي في كل صباح جئت أجرّ من خلفي المكنسة لـ أنظف الغرف، من المعتاد أن يتركوا أبواب الغرف مفتوحة حين نزولهم لـ صالة الطعام، كانت الساعة السادسة وعشر دقائق حين انتهيت من كنس الغرفة الأولى، بعدها مباشرة اتجهت لـ غرفة محمد، ما إن فتحت الباب رأيته على تلك الحالة.
    _ حسناً وماذا فعلت بعد أن شاهدته يا عارف؟
    _ كان ذلك صعبا جدا، لم يصادفني طيلة حياتي موقف كـ هذا، تلقائياً بعد أن أفقت من الصدمة صرخت أطلب المساعدة وأنا أتجه نحوه، كان قد وضع طاولة في وسط الغرفة باتجاه المروحة المعلّقة بالسقف ولأنها بسيطة الارتفاع وضع فوقها صندوقاً خشبيا كان يحتفظ فيه بأغراضه الخاصة، أول ما فعلته هو أن وضعت قدميه على كتفي في محاولة مني لرفعه، لكنه لم يرتفع بشكل مستقيم، كان قد ربط حول عنقه قميصاً أبيض من القماش الخشن وكانت يدا القميص واحدة حول عنقه مربوطة بشكل عنيف والأخرى في حامل المروحة، حين لمسته بيديّ كانت قدماه باردتين جدا لدرجة أن جسمي قد أقشعر، نظرت لوجه الذي سقط على صدره إثر ارتخاء القميص كـ إوزةٍ ذبيحة، كانت الزرقة قدّ تركت البحر وغطت ملامحه تماما.
    كنت أصرخ وأصرخ حتى جاء بقيّة العاملين وتم الاتصال بالإسعاف ثم تولّت إدارة المركز باقي الإجراءات.
    _ هل أنت معتاد أن تأتي باكرا للتنظيف؟
    _ نعم حتى يتسنى لي أن أتفرغ بعدها لتنظيف صالة الطعام وغسل أطباق الإفطار.
    _ منذ متى وأنت تعمل هنا؟
    _ أعمل في هذه الدار قرابة تسعة عشر عاماً ويزيد قليلا
    _ حسناً قد نحتاجك مرة أخرى لإقفال المحضر، سـ نستدعيك أن احتجناك.
    _ بالخدمة يا سيدي.
    اليوم يمضي متثاقلا كئيبا بـ الكاد تزحف عقارب الساعة وبؤس معتم يخيّم على الجميع وأنا أشعر أن الشخص الهلامي الذي دفعني ما تزال أثار أصابعه مغروزة في صدري، يضيق تنفسي كلما أعادت ذاكرتي هول ما رأيت. محمد هذا الملائكي الشفاف بـ مسحة الحزن التي كانت لا تفارقه رغم ابتسامته الساحرة، ساحرة للدرجة التي أجبرتني على أن أصدّق أن أجمل الابتسامات تلك التي تأتي بعيون دامعة، حزينة، أتذكر أول أيامي بهذه الدار وكيف شدّ انتباهي رغم أن الكثيرين هنا في مثل عمره لكنه استطاع أن يتميز بحزنه وبأدبه وباحترامه للجميع، هذا ما دفعني ذات يوم أن أبحث في الملفات داخل غرفة المديرة، كانت طيّبة جدا وتثق بي لدرجة أنها في كثير من الأحيان تترك الأدراج والرفوف دون أن تتأكد من قفلها. بحثت ذلك اليوم قبل أحد عشر عاماً تقريباً في الملفات الكثيرة المتراصة والقديمة المصفرّ أوراقها، عثرت أولا على ملف عبد الرحمن كان أكثر الصبية شقاوة ولم أشعر تجاهه بأي شفقة، أنا لست عالماً في الجينات لكني أجزم أنه يحمل جينات رديئة فهو هنا يتلقى ما يتلقاه محمد من تربية واهتمام.
    أتذكر حين فاجأته ذات يوم خلف دورة المياه الخارجيّة وهو يحاول التحرّش بـ عبد الله الذي يصغره بسبعة أعوام ويعاني من تخلّف عقلي بالغ، لم أتمالك نفسي من قرف المنظر باغتّه بصفعة على وجهه وشكوته عند مديرة المركز وكل ما فعلته حينذاك هو نقل عبد الله لجناح آخر. لم يفاجئني أبدا ما اكتشفته عن عبد الرحمن في إحدى أوراق الملف الذي كُتب فيها رقم الحالة 11143 / 1977 تشير تفاصيل المحضر أنه تم العثور على طفل في أحد المجمعات التجارية بمنطقة المحرّق، عثر عليه عامل النظافة في دورات المياه الخاصة بالنساء ملقى بجانب المرحاض، وتم تشخيصه من قبل الطبيب وثبت أنه يبلغ من العمر أسبوعين فقط.
    أعرف أنه مؤلم ما حدث له لكني لم استطع أن أحبّه لسوء سلوكه، حين خرج من دار الإيواء بعد أن أنهى الثانوية والتحق بالجيش لم يؤثر فينا خروجه أبدا.
    أرجعت ملفه وبدأت أبحث عن ملف محمد، الأسماء تتشابه في هذه الملفات كثيرا أغلبها عبد الرحمن وعبد الله وجدته أخيرا "محمد عبد الرحمن" تمنيت وأنا أتصفح ملفه أن يكون يتيماً فقد أهله إثر حادث ما كـ غيره من الأطفال هنا لكن قلبي انقبض حين قرأت في تفاصيل حالته المؤرخة 45789/1975 تشير تفاصيل المحضر أنه تم العثور على طفل ملقى في مكب للنفايات في منطقة العاصمة، عثر عليه عمال النظافة المختصون بـ نقل حاويات القمامة، وبعد عرضه على الطبيب العام ثبت أن عمره يبلغ ثلاثة أشهر وفي حالة صحيّة رديئة. لا أدري ما حكاية اللعنة التي تلاحق عمال النظافة الذين يتعثرون بخطايا الآخرين وكأن القاذورات لم تعد تكفيهم في هذا البلد؟.
    لِم لَم يلقوا بك يا محمد على باب مسجد؟ هكذا كنت أرى في الأفلام القديمة أم أنها الحداثة التي فعلت بك هذا؟
    يا ألله كان عمرك ثلاثة أشهر..!!،
    أتذكر أيام شقاوة الطفولة حين كنت مع أقراني نلهو في القرية نجوس النخيل بحثاً عن أعشاش البلابل، نأخذ صغارها لـ نربيها ، المرة الوحيدة التي أحسست فيها أن قلبي يؤلمني كان ذلك حين أخذت الصغار من العش وجاءت أمهم ترفّرف عليّ وتحوم حول رأسي ثم ألقت بنفسها على الأرض كـ طير ذبيح تتعفر على التراب بـ استعطاف مؤلم تنفطر له القلوب الحجريّة، كانت تنفض جناحيها وتصدر أصواتاً أستطيع أن أقول لكم أنّها كانت تصرخ، تنتحب، تولّول أيّ شيء إلا أن يكون ذاك الصوت تغريدا لـ بلبل.
    أخذت الصغار يومها وأمهم من خلفي تصرخ بحرقة ثكلى، لكن قلبي الصغير لم يستطع تجاهلها أكثر، أرخيت قبضتي و تركت صغارها يفرون من بين يدي.
    أتخيّل أم محمد، كيف لأم أبصرت صغيرها طوال هذه الفترة أن يطاوعها قلبها أن تلقي به بعدها في مكب للنفايات.؟
    أتذكر حديثي معك بالأمس حين أنهيت تنظيف غرفتك وأطفأت المكنسة كنت مُنكبا على دفاتر الجامعة لكنك في عالم آخر، صرتٌ أعرفك حين يفيض بك حزنك، لم تقاوم حين سألتك
    _ ما بك يا محمد تبكي ؟
    قلت بشيء من المداراة وأنت تمسح حزنك عن ملامحك
    _ لا أبكي يا عم عارف ، هل ترى دموع؟
    _ بعض الحزن بكاء يا محمد
    أخذت تتنفس بصعوبة وتتمتم بذات الحزن المعتاد
    _ ماذا أقول لـ مريم يا عم عارف؟ لقد كتبت لي اليوم رسالة تعترف بحبها لي وتسألني إن كنت أبادلها ذات الشعور؟.
    رأيت دموعك تنحدر ثم أخذت تشهق حين رفعت رأسك لـ تقول
    _ والله يا عم لم يكن في نيّتي أن أحبها أنه القلب وتعلم أن لا سلطان عليه.
    ثم بدأت في حالة من الهذيان تزفر بعض الغصات
    _ لِمَ أنا من دون الآخرين؟
    _ لا تكفر يا محمد
    _ ولمَ الناس لا تؤمن بي يا عم عارف؟
    أصمتٌ في وجع، مؤلم فعلا أن لا تكون لدي إجابات تطفئ الغابات المشتعلة بحرائق الأسئلة في أعماقك، تكرر ذات السؤال الذي يؤرقك
    _ ماذا أقول لـ مريم؟ لو سألتني عن والديّ؟ عن عملهما عن ملامحهما؟
    تصمت فجأة وكأنك قلت للتو آية كفر
    _ أتعلم يا عم عارف؟
    _ ماذا يا محمد
    _ ملامحنا هي ما نفعله لا ما تحمله أوصافنا، كثيرون هم من لهم ملامح بشرية لكنهم كـ أبويّ لا يمتون لجنس البشر بـ صلة.
    أتعجب أنه يعرف أصل حكايته، لم يخطر ببالي أن هناك من يخبرهم بواقعهم المرّ ، كنت أرى محمد ينام ويصحو، يأكل ويلهو لكن كما يبدو تغفو عين اللقيط لتصحو في داخله العشرات من الهواجس الوحشيّة تمنع روحه من أن تنام، لذا تظل روحه متعبة ومعذبة على الدوام.
    تباغتني بذات الحرقة
    _ ماذا أقول لـ مريم؟
    _ يا محمد أترك قلبك جانباً ما تزال في بداية حياتك، أهتم بدراستك الآن.
    تطأطئ رأسك بـ استسلام مفتعل
    _ نعم يجب أن أترك قلبي جانبا، يجب أن أوقفه عن قتلي كل يوم.
    يا الله .. ضميري يؤلمني الآن
    هل تراك سمعت نصيحتي؟
    رحمك الله يا محمد، بالغت في إجابتك أكثر مما ينبغي.
    .



    * من مجموعة "أرواح قابلة للاشتعال"

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الردود
    90
    ليس كل من أنجب هو طائر البلبل!! تملكني جدار القشعريرة عندما قرأت هذه الجملة "لا أدري ما حكاية اللعنة التي تلاحق عمال النظافة الذين يتعثرون بخطايا الآخرين وكأن القاذورات لم تعد تكفيهم في هذا البلد؟." وفقت في نقشها

  3. #3
    بداية القصة رائعة كأنها مسجلة بكاميرا شديدة الدقة والإحساس والرهافة

    :
    دمت بخير

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المكان
    في الأبيض تماماً
    الردود
    8
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة هاربة اليك عرض المشاركة
    ليس كل من أنجب هو طائر البلبل!! تملكني جدار القشعريرة عندما قرأت هذه الجملة "لا أدري ما حكاية اللعنة التي تلاحق عمال النظافة الذين يتعثرون بخطايا الآخرين وكأن القاذورات لم تعد تكفيهم في هذا البلد؟." وفقت في نقشها
    صباحك ياسمين هاربة

    ثمّة أشياء يصعب احتمالها فعلا,,

    ممتن لـ جميل عبورك

    وافر الضوء والبياض

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المكان
    البيضة
    الردود
    665
    أستاذي..
    قصة لا أقل من فريدة.. نابغة.. وكاملة لا زيادات بها..
    لك أسلوب محترف للغاية.. تتقن هذا الفن وكأنك كتبت من قبلها ألف قصة.
    في البداية لم يشدني العنوان.. أحسسته لهاوٍ أو لمراهق دفعه الحب للكتابة وليس العكس.
    لكن حين تخطيت منتصف القصة قراءةً: انتبهت إلى إن هكذا قصة لابد لها من هكذا عنوان..
    الفكرة موزّعة على الأحداث بصورة ذكيّة وبتدرّج مدروس..
    قلبي م الحامظ لاوي





    ميم دال حالياً

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    بين جدران أربع بباب وشباك صغير لا يطل الا على الجدار الخامس
    الردود
    174
    لا تترك قلبك أبدا جانبا
    فالقلب وحده يدلك الى الطريق الذي يجب عبوره
    كان عليك ان تقول لمريم ما يقوله لك قلبك عندما تراها
    مريم لم تكن لتطلب أكثر من روح تعانقها بصدق ومحبة
    ابق ساكناً قلبي ولا تُثر غبارك
    دع العالم يجد سبيله إليك
    طاغور

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المكان
    في الأبيض تماماً
    الردود
    8
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة سادين عرض المشاركة
    بداية القصة رائعة كأنها مسجلة بكاميرا شديدة الدقة والإحساس والرهافة

    :
    دمت بخير
    الشفيفة سادين

    كلنا رهن ضوء هذه الكاميرا، لكن القلّة هم من يقفوا لـ يتأملو أمام هذه الصور...

    وافر الضوء لـ روحك

    ودّ

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    يبدو أنه وجد أن أفضل حل : تعليق قلبه على شفرة مروحة..
    سرد جميل جداً

    شكراً لك.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المكان
    على رواق الورق ..
    الردود
    724
    كثيرون هم من لهم ملامح بشرية لكنهم كـ أبويّ لا يمتون لجنس البشر بـ صلة.
    أخطأوا يا محمد ، أخطأوا يا محمد !!


    آآآآآه ..

    سردٌ راقٍ .

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    18
    يا للهول..
    مرور، يسجّل هول ما رأيته هنا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    الى الروائع..

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •