Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 20 من 20

الموضوع: مَدينيّات ..

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    مَدينيّات ..


    1


    عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وُعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: ياأبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
    كل امرئ مصبح في أهله .... والموت أدنى من شراك نعله
    وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
    ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة.... بواد حولي إذخر وخليــل
    وهل أردن يوما مياه مجنـة ....وهل يبدون لي شامة وطفيل
    قالت عائشة فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته، فقال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها لنا، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها في الجحفة)
    ..
    عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها)
    قال الحافظ ـ رحمه الله ـ : وكلّ مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبي صلى الله عليه وسلم، فيشمل ذلك جميع الأزمنة ..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    "والمدينة خيرٌ لهم" ..


    2



    عن حكاية لم تأت بمثلها الحكايات، وقصة تأتي دونها الققص، عن مكان بزّ جميع الأمكنة، ومهوى لأعشق الأفئدة، عن المدينة، عن طيبة، عن طابة، عن طيبة الطيبة..
    بدأت برؤية سيدنا: (رأيت دار هجرتكم، رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين)، لكن مخلوقا واحدا لم يعرف نهايتها، منذ أن وصل أبو سلمة ضعيفا مخذولا، مُفرّق عن أهله وولده؛ وكل المساكين يجدون فيها مأوى ومأكلا، ومنذ أن جاء صُهيب مهاجرا هاربا، كفّار مكة يطاردوه، حتى فُلت منهم بعد أن أخبرهم بكل ماله؛ وأغنياء النفس والمال يتركون كل غالي ونفيس للثم هواها. لمَنْ يحفلون بفلسفة الأمكنة في القصص، قل لهم: تعالوا إلى مكان خالد، على أنقابه ملائكة، مكان مشفوع له من كان صابرا على لأوائه وشدته، وكل الأمكنة غيره سخط وضيق على أهلها.

    عن مكان اختلف فيه، أفاضل على مكة أم مفضول، فضلها عمر وابنه ومالك، وخالفهم أبو حنيفة والشافعي، سوّى خاطر بينهما: هما عينان في رأس، "وقد أحسن بعضهم، محل الخلاف في غير الكعبة، فهي أفضل من المدينة، ماعدا ما ضمّ الأعضاء الشريفة"، فأصرّ الباجي: لكنه اختارها بعد الفتح.

    لأجلها خط السمهودي أسفار "وفاء الوفا، بأخبار دار المصطفى"، وغنم معرفتها الفيروز أبادي فكتب "المغانم المطابة"، فأكمل التنوير المطري: "التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة"، فكانت لها رفوف لرصد الفضائل، ومجلدات لحصد المعالم، فتهالكت من دونها مدن مُجدت وهي خراب، وقُدست وهي الآن تراب، لا تهلك، إلا بهلاك العالم أجمع.

    يحدّث أُحُد إني جبلٌ من الجنة، فيجيبه عقيقها: لكني واديها المبارك، يرفع صوته بقيعها: أفاضل أمتهم يتنعمون في جوفي، تضحك له جمواتها: لكنهم مروا كثيرا من حولي، يهمس بطحانها: اسألو الكتب عن فضلي، يضحك منه طريق هجرتها: وهل شهد التاريخ فرحا بقدوم مثلي، تناديهم بدر: لا تنسوا إني من زمرتكم، فيرحب لها سلعها: أنا أيضا شريف، لكن هدما أشعر في جنبي، صاح قباؤها في سمائها: عمرة بركعتين عندي، أسرّ في نفسه أريس بئرها: نسيَ أن قلبي يتنعم برقدة خاتم نبيها، عِيرها حاول التكلم، أسكتوه: صه، جبل في النار أنت، حاول: حديث ضعيف، لكن مِن حرمها صوتا طيبا شجيا تحدّث: ماذا عن قطعة الجنة التي أنا فيها مابين منبره وبيته ..

    ولم يزل حوارهم، ولم يزل، يحدث ترابها عن أقدام المؤمنين من أصقاع الأرض الذين خطوا فيها، والهواء أخبر بأنه يجرع أنفاس النبي الكريم وصحبه ويدخره أمد الآماد، والنخيل لم يتوانَ عن إخبارهم بأنه عرائس المدينة، اللاتي لم يشحبهن طويل زمان، ولم يخلين من كبير مكان، غيمها يذهل آن مروره بها، فإذا ما مرّ سكب الدموع طويلا غزيرا بعدها، قال الذي تنطّع: يبصق على الأرض بعدها..

    هنا المدينة، هنا المحبوبة والحبيبة، هنا أم المساكين، قال ابن عباس وعنده علم عن الكتاب: أي تطعم مساكينها، وذات النخل، هنا المرزوقة والكريمة، هنا الدار والإيمان، ومسكن مفلحين كانوا يؤثرون ولو كان بهم خصاصة، هنا حكايا الذين بللهم الشوق إلى الديار المحمدية، فمنهم قضى نحبه ملتاعا، ومنهم من باع أثاث بيته ليسح الدموع عند خير البرية، لأجل هنا حكام بعاد، في الأندلس قرأت، أقلقتهم دنياهم، فحالت دون الوصول إلى هنا، فأرسلو مراسيلهم، بباكي الكلام وأعطره، أفخره وأرقه، اعتذارا لحبيبهم لم يوفوه حق زيارته.. هنا سيس الدين ورسم، عقدت الرايات وانطلقت بالنصر قبل أن تحارب، ثلة مؤمنة كانت هنا، فلم يزل العون من الله عليهم يترى، حتى دوخوا الأرض وقادوها، هدَوا أهلها وأراحوها، وكتب تفسير لا تنساه أيام (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة)، فهنا أكّالة القرى.
    هنا مزامير داوود "محمد أيوب"، هنا "الحذيفي" مكرم بالإمامة من ثلاثين عاما، هنا "البدير" حيث القلب التقي متصل تماما بالعين الندية، هنا الألباني والشنقيطي، هنا أبو بكر الجزائري، هنا نسل الأفاضل، ممتد من الأوائل: ابن الزبير وابن المسيب.

    هنا الحرة الشرقية والغربية، هنا العوالي وقربان والعنبرية، هنا قباء وسيد الشهداء، هنا مكتبة عارف حكمت، هنا "الكعكي"، والشريك والفتوت والدقة، هنا الورد والعنب المديني، هنا القرمش واللدو واللبنية والفصفص، هنا "قَوَامْ يا وادْ" و "عجّل يا وِرِعْ"، هنا المبرد قال: عندما أدخل الحجاز كأنما أبشّر، هنا لواهب أبيات حسان يذود عن رسول الله، وأبو بكر يخرج يسير الجيوش، وعمر يمشي بدرته. هنا عضلات الأرض؛ سود الجبال، هنا الحرّة، وفوهة الملساء، هنا القرى تتنافس مِن أيها أكثر مرّ نبيها، سائل الروحاء والمنصرف.
    هل هذا يكفي؟، إن لم؛ فسأصرخ: هنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ...

  3. #3
    ,
    ياسلام ...!
    بما أن الحديث عن " المدينة " , فلا شك وأن لي عودة ..

    وهذة من أهل المدينة .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    3


    كانت ظلماء الطريق، ووحشة السفر، وجلوس في المقعد الخلفي لجَيب، ثم الالتفات إلى الوراء، ونسج الحزن بساطا من دموع عيني حتى المنائر الشامخة، التي تتوهج بعيدة كنرجسة في الأفق، توشك على المغيب. أنظر وأتملى، وأفجع من الحقيقة أننا فعلا ذاهبون، من مدينة الأصدقاء واللعب، من الأقارب والمتع، إلى الوحشة والمدرسة، فأسبّ الأخيرة عميقا لأنها كانت تأخذني من بلد الرسول لأشهر طويلة، فيذهب أسبوع أول من الدراسة في البكاء، والتحسر آن الليل: لو أني أعرف ما يفعلون، ثم أتخيل بيتهم ..
    يوم أن كان أبي يسرب حبها إليّ في وريقة، فأحفظها كتميمة، يسبقها تهجي خطه الصعب: "تمنيت الحجاز أعيش فيه" فمتى تأتي الإجازة، "فأعطى الله قلبي ما تمنى" بعد ماذا، لكن حمدا، "لطيبة يأرز الإيمان حبا" إي والله اسألوا "حصّة"، و"يشتاق لها القلب المعنى" والعناء كلمة بعيدة في قاموس الطفولة، فأحفظها"المغنى"، تأويلا: الذي ينشد الأغاني لها، حين اقترابه منها: طلع البدر علينا..
    يوم أن كنت أكذب كذبا مكشوفا، لا تكشفه الآذان الصغيرة، جلوسا، انتظارا للباص، لحين انصراف الأخوات الكبيرات، ولا مسلي، غير الإرجافات والتهيؤات، عن مدينتك، طيبتك، لأن لا أحد يعرفها غيرك: في المدينة، الأعياد غير، "هيلوكبتر" ترمي الألعاب صبا ـ ثم أذكر أنواعا، لم أحصل عليها ـ وأنا جمعت منها أكياسا، وأخوتي كذلك، ثم تخبرك السامعة، أن هذا لا يحصل في رياضهم للأسف ..

    كان هذا زمانا، لكن الآن المدينة أضمها من النافذة، ولا أغيب عنها إلا لأرجع، وأشهد جلال المآذن، مهيبا ساطعا كالقمر في الليل، وحين تنقل من شارع إلى شارع؛ تبرز كلوحة ثمينة معلقة في حائط السماء، لا إطار لها. وفي النهار أتزود بأُحد يظل الشهداء جنبه، ويحدث: شهدت جرح نبيكم. فحمدا يا الله ..
    أطل على المآذن حين أشعر بالحاجة، وتطل عليّ حين أهمّ "بعملة"، فأتناساها وأرتكبها، لكن فجأة جاءت المعاول والحفارات، فحفروا الأرض عميقا، ليخرجوا منها أعمدة طويلة، كانت كل يوم تطول إلى حد كريه، إلى حد فكرت أنها ستحجب السماء، لكن توقف، وقال والدي: بناء من دور، لحين يكبر الأبناء، وتوقف إلى الحد الذي أرى هالتها، ثم الوقوف على الأصابع لأرى نتفها، وفوق الكرسي أراها، لكن هذا لم يحدث إلا تجربة ..

    أقول مؤثر أن تساكن رسول الله، وتصير جواره، وسلامك أقرب له من الملايين، وروضته متاحة لك طوال العام، ثم لا تذهب، وتنسى، وتستمرئ، وتنجس أرضه وحماه، ولا تكون له سفيرا، أنت الذي سماؤك كان بها الروح القدس يتنزل بآي ربك كسفير، ولا يذكرك إلا راكبي الحافلات بنظراتهم المتلهفة بعظم هذه الأمكنة، وأفواج مسجد القبلتين اليومية بجلالة هذا المكان الذي تمر منه يوميا، وخادم من مواقف الحرم أجهشت بالبكاء، كانت زيارتها الأولى، ثم زائرة اتصلت على أهلها بجهازك، وأثناء حديثها بكت، وحدثتهم عن روعة المسجد، ومشاعر دخوله، وسلامها على النبي، وأنها دعت لهم، وفهمت ذلك، رغم جهلك لغتها، ودكتور قال أنه يتحمل تعبنا لأننا بنات المدينة، فهو يستشعر الأمانة والأجر أكثر، وآخر كان عامه الأخير، قال أبيات اعتذاره، وذكر نماذج من الفضلاء ممن تركوا المدينة، واستشهد بقول شيخه: "لن تَكون بَعد أَن تَؤوبَ مِنَ المدينة ، مثلما كُنْتَ قبْلَ أَنْ تأْتيَها" ، ثم تهدج صوته، وأكمل بخفيض صوت، وودت أن أستشعر، لكن من حولي يقلن سخيف هرج، ففاتت العبرة، وظلت الغفلة.

    وأبناء جارنا سيكبرون، وستغيب المعالم قريبا، فسلام على الحرم ، سلام على أحد، سلام على الجموات الثلاثة، وسلام علينا، وسلام على كل عبرة مسفوكة شوقا إلى الحبيب، وسلام على من ينقد الفلس تلو الفلس ليحظى بالزيارة في آخر عمره ..



    مآب:
    أكملتْ بحماس، ودت إسعاف حبها، بإشعال كلامها. تحكي أم محمد في مجلس النسوة، عن الأيام القاسية، التي تكبدتها عندما سافرت عن المدينة، فضاقت عليها البلاد بما رحبت، وحوت، واستحالت المسليات والمسرات ضجرا ونكدا، فأعلنتها قسما: لئن أعادني الله إلى المدينة، لأقبلنّ ترابها سجودا. وغضب الله عليّ إن غبت عنها أكثر من عشرا، وفعلَتْ ..
    لما نزلت من سلّم الطائرة، لم تعنِها إشارة الشرطي: إلى أين أنت متوجهة؟، لكنه سكت، عندما لاحظ أنها لم تبتعد أكثر من الخط الفاصل بين الإسفلت والتراب، فلثمت التراب.
    كانت تنضم لركب طويل من "المدايْنة"، الذين تضنيهم الأرض جميعا خارج مدينتهم، مضنين من حولهم ...

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    عين محدبة ..


    4


    الحرم النبوي ليس أرضا بيضاء ومنائر، تشاهدها من قناة مهملة، ليس بناء يأخذ بلبك، وليس منظرا لمصلين كثار، الحرم مجتمِع على أشرف مافي الأرض، ومجتمَع لطاوي قلوبهم على حب الأشرف.
    مكان يستيقظ فيه التاريخ ليقربك أو لينهرك، ليفرحك أو ليبكيك، قد تكون قريبا من المنبر، فترى الرسول واقفا يخطب، قد تتذكر أن هنا كان جذعا يبكي حنينا له، أن هنا مجالس الصحابة، وطرف الأعراب، أهل الصفة وبلبلة حدوث أمر يردوه إلى الرسول، أو شرّق قليلا، نحو البقيع، والق السلام على عشرة آلاف من الصحابة، ومن تبعهم بإحسان حتى لحظتك. أو عد إليه، تتكئ عند سارية؛ قد تجلس أنت الآن في منزل أنصاري، أتى على أهله، بحديث آي من القرآن، أو أنت الآن في زقاق، كان يلعب فيه أطفالهم، فقهاؤهم. في الأجواء كلها كان جبريل عليه السلام كثيرا، يتنزل بسور تقرأها الآن، تجلس في الساحة وترى القبة الخضراء، إذن تحدق في أكثر الأمكنة بمرور النبي حظوا، استحضر أي قصة، أي حديث، اتلوها على نفسك، فتراها بعين قلبك لا عين رأسك، من مكانها الحقيقي، فهنا كانت الأكاديمية المحمدية، لتخريج فاتحي القفار والأسوار، وفقهاء الدقائق والكبائر، وخلفاء الرحمة والبركة، ومن ثم كل مشعل نور في الأرض يمد لهذا المكان خيط من حنين، لم توهنه السنين. أو ثب إلى نفسك، وأنك أنت الآن ضيف، من ركب طويل من البائدين الذين يتأملون .

    هنا المكان العامر بالله ورسوله، من أول يوم، والخلود صفته، هل عرفت من أربعة عشر قرنا أن توقفت الخمس فيه، يجيؤه الزوار ثم يمضون، يحييه أئمته فيموتون، يقيمه مأذنوه فيخرسون، وهو هو، على لبنته الأولى، وفضله الأول. مرصوف بجباه المؤمنين الندية، ومفروش بمزَع المشتاقين اللينة، وقائمةٌ أعمدته من أحلام المجيء العنيدة، نسيمه حفيف الملائكة والسلامات المنطلِقة. غامض، تشد له الرحال للصلاة، وثَمّ وجه الله في كل مشرق، وللسلام، ويصل عنده من أيّ مغرب، وإذا ما جاء لم يفكر بتقوس ظهره، بحرارته أحيانا، بمصاريف الإقبال من بعيد، المكلف، بترك الأهل والأرض، المرهق، بل يهتاج، يبكي، يتوب، فيعود، ثم يخطط متى يؤوب.

    الحرم علم اجتماع لم يكتب بعد، وقمة إسلامية لا يعلن عنها، فيه تنشأ الصداقات العميقة، التي تبدأ بضياع سؤال وفضوله، وتنتهي بأمان إجابة وشفائها، أو تنشأ مرة واحدة بابتسامة مشتركة عند زمزم، أو باسترسال في أحاديث لدقائق، ثم تختم في الدقيقة القابلة بمعرفة رحيل الحملة بكاءً. حب المصطفى حاديهم، وحرمه قافلة لا تسير إلا سلاما في قلوبهم.

    الحرم تقرير لأحوال لم تأت بها أخبار ولا مراسلوها، الحَجة "عيشة" لم تتكلم كثيرا، لكن عرفنا منها كيف ينزف أبناء الأوطان المضيعة إلى الأبد، ابنة حارات القدس وصفت باقتضاب كما يليق بأنفة الجرح أن تنكأ، ثم من حولها يعرفون كيف التناصر الحق، بلا قمة لا يعلو فيها إلا قبة، من تحتها طاولات تجري المهانات والأكاذيب من فوقها ومن تحتها، فرفعن الحجّات أكفهن وسباباتهن، بطرد الغاشم اللعين، "ابن ستين كلب" ـ الجانبية المتكئة على العمود ما زالت تدعو، تمتمةً حاقدة.

    فاطمة، لم تقم من استلقاءتها عندما كانت تحكي عراقها، الألم أقامهم وأقعدهم دهورا، من بغداد، وأنت هراء معرفتك بها، قبل أول مرة تسمع: بغداد، هكذا صافية، من لسان أهلها، فتضيع ولا ترى غير المنصور والرشيد، والرصافة والكرك، بيت الحكمة، وفتوحات ومناقضات، و"تاريخ بغداد"، وتتوهم أنك ترى ، والسياب ومطر وطرب جابر، وما ترى؟، الهباب، أمام مستلقية، تحكي نفاد الكهرباء والماء والديزل، وشظف الحياة ولعنتها على فقرائها، وتحلل وتخبرك بالأمريكي والإيراني وكيف يعكر الأخير على الأول كيلا ينسحب فراغا له .
    أم بدر، موصليّة، وحكاية أخرى، كان يجب عليك أن تراها، ولمعان عينيها، حين تدعي أن لا يُري السنوات العجاف التي عاشتها مسلما، وبعد أن تأكدت من نيتها، أضافت: ولا كافرا، فأعادتها يقينا من مُرّ التذكر، وسماحة المتوجّع، أن تسمع حكايا المبيت بأبواب مفتوحة، بالحجاب الكامل، ودخول الأمريكي الدار، صارخا: ستاند أب، وأخذ الرجال لأعوام ـ هل يجب أن أقول كيف استحضرت الكلمة وقلدته ـ ، وابنتها مسكها جندي فتركت الدراسة عامين، ومخازي الجيش الوطني.

    الحرم يا أخي أقول لك، أرض بيضاء، وأناس يـأتون بقلوب بيضاء ولو ودا، وسرائر متنسكة ولو مؤقتا، يرسلون الصلاة على نبيهم تترى من قربهم، عجائز صالحات، يخونهم الكلام، فيرسلون النظرات، طويلا: سقوفا، جوانبا، لكن كثيرا: أرضا وتسبيحا، وتماسكا ب"روب" بعضه، ولا يفلتنه ولو للمرور، حتى الكبار يخافون الضياع. أطفال، صلاتهم لعبا صراخا، و"غمّيمة" بين الصفوف، ولا مانع من شتائم الألوان والأجناس، وما كل يمكن أن يكون بين ذلك، إن أطيافا، وإن أحوالا..
    فتشاهد السيدة المصرية الحكيمة، تفهم تلك الخصوصية التي لا تراها في نساء الدنيا، امرأة على كرسي، بسبحة ونظارة، ودعوات لطيفة، وملاحظات مؤثرة، الذي تفكر أن قلوبهن لولا الدماء لكانت بيضاء، وأن الشر دقه فضلا عن جله لم يطف عليهن، الذين تبدأ ألطافهن ب"ربنا يكرمك"، ومواعظهن ب"سيدنا النبي".
    لا أبالغ، أعرف مقصدك، حسنا، وهناك النوع الآخر، القوي، "المصارخْجي": تمشي بين الصفوف، حتى إذا أعياها المكان، سقطت في أي مكان، ولا تجد محاولات الإقناع، إعراضا" "أروح فييين ؟"، ولا تذهب إلا بشق الأنفس، بدعوات حسبنا الله ونعم الوكيل، "وربنا ينتئم منكم"، والهدوء الماليزي، الثابت في مكانه، مرتب نفسه وما حوله، يصلي ويخشع ويدعو دون خروج أصوات ملحوظة، وصفّ الشناقيط المتمدّد بعد الصلوات، والمواظبة الإيرانية على الصلاة ..



    مشهد:
    النوافذ المحيطة بالقبة ما زالت تسرب بعض النور، إذن بقي القليل على أذان المغرب، وخطوط السُّفر البيضاء مفروشة من بعد العصر، وقد انتظم الناس عليها من وقت طويل، يسبحون، ويستغفرون، ويقرأون، وتدور بعض الأحاديث الإيمانية:
    سيدة مصرية، تفاعلت من استغفار بجانبها ودعاء الرحمة يوم العرض، فعلقت بفظاعة يوم العرض، والذي نكون فيه عُراة، ومسكت طرف حجابها، ثم أكملت بأنه ذاك اليوم "محدش يعرفش أحد" وأن الزوجة لو جاءها زوجها يطلب منها حسنة واحدة، لو نصف حسنة : "الله، إنت عايز تشفطني في الدنيا والآخرة، امشي واللهي ما تزوء نتفة وحدة" ، فأثارت الضحكات من حولها، ثم رن جوالها فبحثت بلهفة بين خبايا ثوبها، وأخرجته: "ربنا يكرمك وتقلس زي دي القلسة يا محمود قنب النبي، عاملين ايه، كيفك يا منة، بخير كتير الحمد لله، محمود يا ولدي كيفكم، عاوزه عباية سمرة يا منة، من فين أحصلها لك؟، كلّم خالتك يا محمود على الموضوع، الله هو انا أكلم مين فيكم" ..

    معدم:
    رمضان شهر حافل عند "سراج الإسلام"، من قبل أشهر وهو يعِد أسرته بتحقيق كل المطالب، فقط ليصبروا عليه حتى رمضان، فهناك الاكتظاظ الذي لا يحصل مثله طوال العام، ومنه يقف عند مداخل الحرم التي منها إتيان المصلين وذهابهم، متصدقين عليه بالريالات، غير جادّ في الكنس، فقط يلحظ من يهم بدس شيئا في يده، ليقترب منه تجهزا.
    لكن رمضان هذا، انتفت حاجة الوقوف، مادامت ليست هناك أماني تنمو عطشا كل مغيب الرزق ومشرق الجوع، فالعائلة أكلها الماء، وهو الآن ينزعج من مرور الخارجين والداخلين أوقات الصلاة، يعيقونه عن عمله، يجلس عند عتبة قرب دكّان، منتظرا ذهاب ذِروة المرور ..

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    أكتبي كمان عن المدينة..
    لا تدعي شيء فيها الا وتكتبي لنا عنه،
    أكتبي عن كل صغيرة وكبيرة هناك يا لحظة..عن كل شيء.

  7. #7
    يستحق الشنق طالما انه عن طيبه الطيبه
    وصدقاً لم أقرأ كل ماجاء فقط ( 1 و 2 )
    عندي سؤال : هل تقصدين ( الكعكي ذلك السوق الذي في قباء) ؟ >>>>> زحمه يادنيا زحمه

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    اللهمّ كإيمان عجائز الحرم ! ..


    5


    الأجساد الضعيفة، بطيئة الحركة، الهرمة، تضعك في محك مع روحك، ينهرك أن: ويْحك، وأن لا معذرة لك مع الله، إذ أنت تؤدي ما يؤدون، دون جهد ولا مشقة، وبلا خشية معتبرة. وهم المنهمكون في الصلاة، المستغفرين قبلها ودبرها، الذين يذكرهم كل شيء بالله، ورفع اليدين المتغضنة كل آن: اللهم اغفر لنا، أو على طريقة خاء: اللهم أعز الإسلام والمسلمين، دعوتها الأثيرة، أو إذا أسديت لها خدمة صغيرة، كمناولة مصحف مثلا: "الله يريك ما يسرك"، آمين يا رب، أومن بالمسرة، بقربها، بتحقق وقوعها، إذا كانت رجاء من عجوز تقوم لله كل ليلة، لا تقرأ إلا القرآن، تتبعا بإصبعها، ومطوية أذكار الصباح والمساء، مهترئة من كثر استخدامها، وتنقلاتها بين المدن، ثم حفظها في جيب الروب مع كومة مناديل وسواك. خاء لا تكتفي بذلك، خاء تحب الناس كثيرا، وهذا ليس بالشيء الهين، حب الناس بأطيافهم سهل الادعاء للكثير، صعب التمثل لأغلب الجميع، جميل تمثيله في الرخاء، ادلهام تمثله في الميدان، خاء لا يستعصي عليها ذلك، ويبدو أنها لا تفكر أنها تدمن ذلك، تضاحك ميم الصغيرة وتنتظر مجيئها، تقطع تلاوتها لمضاحكتها، ثم حين تذهب، تنظر إليها حين مغيبها، وسيل من الدعوات، لا يتوقف إلا حين تعاود النظر لمصحفها، تخاف أن تؤذي الصف الخلفي بكرسيها، فتنظر كثيرا، هل قوائمه قريبة من رؤوس من خلفها، حين تذهب لدورة المياه، فكل كلامها عبرا وحمدا، تشعر بالامتنان لكل من يعمل في الحرم، لأنهم يجعلونه كذلك: "يالله إنك تجزيهم خير"، في الساحة كل الأطفال ينالون من دعوتها، وأنهم يا رب يكونوا عزّ الإسلام والمسلمين، مع أنه صعوبة في الأمر أن تدعو لهم وهم في أشد حالات الطفولة مشاغبة. خاء تنزل من السلم الكهربائي، ولا تنسى أن تقول أبدا: الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وتبتسم كثيرا لمن يمر بها، وقد تتبادل الحديث معهم، تضع يدها على كتفهم، وتقول شيئا ظريفا، ويضحكون، حتى لو كانوا لا يفهمون لغتها، أو لهجتها المحلية، قصيرة، حين تمشي يتحرك رأسها أماما وخلفا، لأنها عجوز فقط. ولأن الزمن فعلته بجسدها يؤخرها عن أداء بعض الصالحات بسرعة، كدسّ النقود في جيب عاملة، وحين تعود تفعل في وجهها أنها لم تفعل شيئا، كأن تنظر إلى الأعلى، أو للناحية الأخرى. حين أذهب تقول لي، بعد أن أقطعها عن لبس جوربها، وجلب كيسها: "ودعتك الله"، مودوعون نحن في وعظك الصامت يا خاء.

    هذا ليس باستطراد شافٍ عن خاء، خاء قصة كبيرة لطابور من الطاعات الطويلة، على السفرة، كل الأشياء مشروع هبة للجوار، مالم تمسك بخاصتك جانبك، لذا اعترفتْ اليوم عجوز مقابلة، معتكفة، أنها تحبها في الله، فخجلت خاء، رادة عليها: الله يجمعنا في الجنة، وهي ترخي رأسها على الزبادي كثيرا، العجوز التي اعترفت هذه ـ آه هنا قصة أخرى:

    من قرية نائية هذه العجوز، أتتْ للاعتكاف، لله في مسجد نبيه، مع صالحتين من ذريتها، لا تتكلم كثيرا، تعرف جيدا معنى أن يكون الإنسان معتكفا، ليتك تسمعها كيف تبكي هذه العجوز آن الدعاء، من البداية، من قبل أن يخشع الناس، ويدخلوا في جو الاتصال مع الله، تكون هي شرعت من مديد، عند طلب الإمام الفردوس الأعلى من الله، لم تكون تقول: آمين، لم تقدر، كانت تنشج فقط بحرف الميم، وعند: اجعلنا يوم الفزع الأكبر من الآمنين، آه بكت كثيرا أقول، وهي مريضة تضطر للصلاة بشرشف فوق عباءتها من البرد، وتسعل دائما، وحدثتْ أن العجوز الأخرى التي كانت بجانبها الليالي الفائتة لم تأت، وعلقت: "تعبانة هي" ..
    التعبانة تلك، كفاح صلاتها وجهاد، من خلفها كرسي، تجلس عليه، الركوع تركع، والسجود تسجد، لكن نزولا من الكرسي وصعودا، لأنها لا تستطيع أن تجلس، احتكاك عظام قالت العجوز السابقة، وحين نجلس ما بين السجدتين، تكون هي كطفل يستعد للحبوّ، فلا الوقت يسعفها للعودة إلى الكرسي، ولا الألم يسمح لها بأن تجلس، يحدث أن الروح يخونها الجسد، ولذا دائما نسقط نوما.
    ويحدث أن يورطك الجسد: امرأة لم تكن عجوزا بالمرة، فقط خطوط الوجه تتجه أكثر إلى الجنوب، مريضة بالبدانة، لم تجد كرسيا، حين بدأت الصلاة فجأة؛ صلّت كلها وقوفا، السجود والركوع إيماء بالعنق، صلت طويلا هكذا، إلى أن أسعفتها أبلا حاء بمقعد.

    لا مقعدة من اللوم ولا وقوف، لا اعتذار وكل هذا إنذار، من الذين كلما ترذلوا من العمر، تعززوا به بالقيام طويلا، بالعبرة كثيرا، والاعتبار وجودا، حين تشاهد موريتانية قديمة، من دهر أمام دولاب من مصاحف، ترى أكياسها، في الصف الأدنى، متلفلفة في شراشفها الكثيفة، لا ترى منها شيئا، لا تحاولْ مضايقتها في مكانها، أو العبور من أمامها، ستزأر فيك، بعد أن ترى وجه مخيف، منعتْ أُمما بكفاح من المرور أمامها. بعد الصلاة، إذا واتتك الفرصة لمشاهدة وجهها، ستشاهد وجها مخضبا بالدموع الغزيرة.
    كخاتمة، الساحة منها بداية النظر، ونهاية العبر، عندما كان الشارع يضرب أبواقا من الزحام، كان هناك امرأتان منحيتان من الكبر سنينا، سوداءتان، من انسدال الحجاب تماما، ولا تسمع إلا: "أوصلك يا أم خالد للكوبري"، "لا، مشكورة أقدر"، "إلا إلا"، ولا تدري من أم خالد الكبيرة ال يفترض أنها تقدر، ثم يعبران، ولستُ بذاك الحد من البلاغة، لأصف لك كيف مسنتان تعبران، وسط سيارات عجِلة، في بعضهما تخبطان.
    وتسدل الخاتمة، على عجوز تركية، من بعدهما مباشرة، وهي تنزل من الرصيف إلى الشارع، التفت ساقها، فسقطت سقطة أليمة، الحقيبة هنا، والنظارة هناك، وانكشاف عن ساقين مغطتين بجوراب طويلة، مدّ لها عجوز شديد ساعده فقامت، وإذ تظن أنه زوجها، بعدما يقومان، يفرق الله كل منهما في جهة.

    عندما يكون مؤقت الرحيل، في أعداده الأخيرة، يعرف موقوتوه بعضهم البعض كأصحاب قدامى من الصبا، يختصرون كل الأشياء البدائية، يدخلوا في بعضهم كعجينة واحدة، الحياة خرق كثيرة، استعملوا جلها، ويعرفوا أيها يصلح للتنظيف به مرة ثانية، وما يستحق أن يرمى من النافذة ـ هل يجب أن أقول كيف خاء وصويحباتها يعقدن الحديث تشاركا؟ ..



    مهلك:
    "خورشيد" رجل تقي كثيرا، من سنتين لم يتغيب عن الصلاة في الحرم، لحية سوداء كثيفة، بلباس أخضر خاص بعمال نظافة الحرم، وطاقية بيضاء عوضا عن العمّة، في الدعاء لا تتمالك قلبك من رؤيته، رغم أنه لا يفهم ما بعد : "تباركت ربنا وتعاليت"، لم يعلموه بقية الأدعية في حلقته آن كان طفلا، اليوم هو نفسه لم يتمالك نفسه من البكاء أكثر من كل مرة، سمع كلمة "باكستان" في دعاء الإمام، وفهمَ طبعا ..

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المكان
    out of service
    الردود
    4
    سلامٌ عليها حتى أعود
    فحديث الذكريات عنها في البعد يقتلني
    شكراً لكِ .

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    جمعيّة وهميّة ..


    6


    لك "باونتي" تأخذه طفلة، غُرتها لا علاقة لها بالربطة التي تمسك ببقية شعرها، من فرط طيرانها، أخذته، فأشرق وجهها ببسمة، فلم يكن الشعر غير شعاع صباحي، لشمس حنطية رائعة، رفعت ـ والبسمة لم تزل ـ يدها، لتري أمها المنحة. الظروف أقوى من الحلوى يا أخي، أمها تسارع بخطوها وهي صغيرة، فيرتج جسدها من السرعة، فرأيتُ احتضار البسمة، وندمت لأني لم أجعل بسمتها خاتمة لهذه القصة القصيرة الحافلة .

    لك "عصير" غير مُبيت النية، كُِشف أمرك، فتلتفت إلى الخلف، بحثا عن تصريف، فتجد جماعة صبية مستقبلة لهذه المهمة، من الخلف طفلة، لا تأخذ ولو امتلأت جيوب الأولاد، الأدواء، فتمده ليدها البعيدة، فتأخذه خطفا، وتجري به هربا، خوفا من أن ينشله أحدا ..

    لك "فتوت"، تشهد عجوز سلتك، فتشدك، ولشد ما يبدو الرغيف عظيما في هذه اللحظة، تخبأه في حقيبتها، كمؤنة مؤجلة، لما بعد الصغير المقسوم أمامها على السفرة .

    لك "زمزم"، تدخل مسرعا من الباب، فتسمع قسما، ليس موجها لغيرك: "والنبي تعبي دي ميه"، وفي يدها كارثة، عبارة عن قارورة طويلة، فماذا؟، تتملص، حرصا على جناب التوحيد، ادعاءً، أم لبعد المسافة وزحمة "الترامس"، تتهرّب؟، لكن العجوز معاقة، وقد تكون لك مفازة، فتحضرها، فتأخذ: "شوكرن"، في جيبك. آه لو أنها دعوة، ترتفع لتهطل غيثا في قلبك ..

    لك "دُقّة"، من النوع الجيد، غامق، لاذع، ليس بالمالح، صدقني لم تذق مثله، سألتَ عن الطريقة، فأخبرتك صاحبتها، أنها عمل أختها، لم تخبر به أحدا، عن أمها المرحومة، فتهيلها كقلاب رمل على الزبادي، لتغدو دقة بالزبادي. قبل انسكاب هذا الحلم، شامية لطيفة، ودّت تذوقا، فالصالحون حولك بكيسها وهبوها، وأنت ما زلت في حمحمة جشعك ..

    لك "قشطة" ـ المراعي لابدّ، لا بأس بنادك. طعام البورجوازية في الحرم، علبةٌ تُفتح، فتتفتق عن بدر ناصع، فتشقّ التمرة السكرية عن قلبها القاسي، لشقين، فينطلق قارب تمري بحمولة من الجنة، إليك. مبروكة، لي ولميم ولمن عن اليمين وعن اليسار جلوسا ..

    لك "قهوة": "قهوة يا حجة؟"، "قهوة يا أختي؟"، فيمكن أن لا يرد عليك أحد، ويمكن أن تخذل بأن تُرفض، بإشارة من خاشعة قطعتَ تلاوتها، ويمكن أن تنال ابتسامات عذبة، ودعوات جميلة: جزاء الخير، والشرب من حوض النبي، والسعد من الله، ويمكن أن يستيقظ المزاج دفعة واحدة، فتأتي الطلبات من هنا وهناك، ولا يظهر غير "الحثل" السخيف في كل مرة. ومرة امرأة لفظتها من كره مرارتها: "بس هيل؟"، ويمكن أن يُعرف أنها عربية صِرف: فيأتي صوت عميق، من أعماق الرأس: أممم. ويمكن أن تلحقك تركية بسبحة زهرية، كهدية.

    لك "شاي"، نشرب نخب الممنوع باختباء، وتلتقط الرؤوس الرادار الرائحة الكيف، فتمد كاسة، تلو كاسة، من بعدها كاسة، أتراك غالبا، هنود يحصل، مصرية وحام مرة واحدة.


    مفرق:
    كان كهلا على سيماه الراحة، جوربان أبيضان نظيفان، طاقية تعطي الوجه ترتيبا، وثوب حديث أخذ من طاولة الكوي، يمشي بكرسيه الكهربائي في الساحة بهدوء، لا جريا به، ولا زحفا، منظره في هذا العصر يشعرك ـ لولا الاستعاذة من هذا الشعور لأول إدراك ـ أن لو كنت مكانه في الراحة .
    على محاذاته، من الجهة الأخرى، رجل أسمر، متعب الحال، يحدق فيه افتراسا، فيه، ثم في كرسيه، ثم يبدو أنه يحدق في المحرك، ويسرع بيديه الطويلتين ـ من فرط دفع عجلتي كرسيه؛ اللحاق به، أو لم يكن يلحق، الكهل هدوء مشيه المنساب مُشعرٌ بذلك ..

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jul 2002
    الردود
    8,690
    تباً للأشياء يا شيخين .
    لم استطع إلا البكاء . سأذهب لذات الشيء أعلاه بعد دقيقة ونصف .
    ساستحضر كل هذه الأشياء في محيط التنفس .
    شكراً كثيراً .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المكان
    خارج المجره
    الردود
    1,534
    الله ع المدينة فالحديث عنها يملأ القلب حبورا
    أما ساحة الحرم فتلك حكاية أخرى تحمل الروح على بساط الريح
    لحظة فرح
    شكرا لكل المشاعر التي ملأت بها أرواحنا
    شكرا لأنك تكتبين المدينة وتسطرين هذا الكم الهائل من الجمال
    وإنا لننتظر المزيد

    تقبل الله طاعتك

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    7


    الإمام الذي بدأنا ب(الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه)، فاجأنا الليلة ب(عمّ يتساءلون). وعند السكتة القصيرة ما بين (من الجنة والناس)، و بدْأ الدعاء، عرفنا أي خسارة فادحة خسرناها الليلة.
    أهكذا رمضان، البارحة فقط، شرعنا فوانيس قلوبنا لاستقبالك، فأي خفوت الذي يحدث الليلة، إذن أنت تارك لنا ابن ـ وقد آخر فقط على وشك الحياة، ولمّا زلنا في مكارم حضورك، رمضان، هلاك أن أكلمك هكذا، وأنت لم تترك أي خيارات لرحيلك.

    كان لنا في المدينة كل يوم غيمات صغيرات يشهدن بركات الشهر على هذه الأرض، وعصر أمس اختفت كل غيمة، لماذا رمضان؟، المصاحف التي مسحنا الغبار عنها، سنعيدها ولم يمسح غبار قلوبنا، والقلوب التي استبشرت بك، ها قد أزفتَ وهي على انصرافها الأول، و"الحذيفي" لم نسمعه كما فعلت به، أفاجعة ابنه، أم فواجع تلويحك، وبعيد جدا لأن نسمع "البدير"، يبكي بألم عند: (ادخلوها بسلام)، ولا "آل الشيخ"، يشفّ صوته كالحزن كلما اشتد الليل، لا، ولا الحرم أن يغص فلا يبقى موضع لفرد، ولا أن تسأل زواياه عن معتكفيه الذين راحوا، وهم يرتجفون كلما صدح إمام: اللهم اغفر للمعتكفين.

    الآن، سينزع أصحاب المحلات الأشرعة الرمضانية، بفوانيسها، وزخارفها البهية، وسيغلقونها مبكرا، لا آخر الليل، وستخفض التنانير من أوارها، فلا مزيد حاجة لخبز، وسيعود العمال لعملهم حرا، لا ينسحبون كما فيه فجرا، والقنوات التي ذكرتنا برمضان بتفاهاتهم، هم أول من غرر بنا بإعلانات عرض ما بعده، وأن شهركم هذا قريب مغربه. وسيعجّل الآباء أبناءهم عودة إلى البيت، وستغطى "الفرفيرات" المنصوبة على زوايا الحارات، كسهرات، وانفضوّا الليلة عن المدينة ألوف، بعد أن نزحتْ ومن حولها من القرى ليشهدوا ختم كتابهم، وإذا صليت الختمة فإنه قد صلي على رمضان معها، ولا يفهم الأطفال عندئذ لما لا يكون العيد صبيحتها. وصفّ الباعة على الأرصفة تلات الأرز، ونشروا هتافات: "زكي يا صايم"، ونشرت المحلات الطاولات، لنشر عيد من حلويات، فيا بائع الحلوى، لا "المنّ" أريد، لكن بالله هبني السّلوى.

    من ساعة إعلان حلول رمضان، نعرف سريعا، بلا دربة، ولا ارتباكة، كيف نمارس رمضان، القالب لكل ممارسة وعادة، أما إذا ذهب؛ من مغرب عيده، نعرف أي واجهة من 335 سأما نقف. كل الأيام تجري ولا أحد يسأل عن أعدادها، إلا رمضان، ليلة بليلة، ويوما بيوم، يمرّ، آخذا مزعة من القلب ـ كما تصف خاء، أتكون الستّ جبرا للخواطر؟ ...


    ممرح:
    إذا قدر لزوربا أن يروى طفلا، فإن ألِفا من بوسعها أن تكون ذلك الدور. ألف فتاة تشادية، ولن تعرف ذلك، ما لم تتغلغل فيها معرفة، كأن تحدثك أن يمكن أن لا تكمل دراسة المتوسطة، لقرب انتهاء الإقامة، ما عدا ذلك فهي مدينية جدا، وابنة حاراتها القديمة، غير ذلك أمها تفرش سفرة في الحرم كوظيفة.
    وهي ظريفة، إلى حد مؤذي من الضحك ـ في الصلاة مثلا، من تلك النوعية التي لا يعلمون أنهم يضحكون، وإذا ما أضحكوا من حولهم، كأنهم يستغربون ما قالوا، ساخرة، غير عابئة، وجودها كمسرحية، لكنها ليست كل أحوالها كذلك:
    عندما أغمي على امرأة أرضا، من حولها اكتفوا بالتحلق، وإذ تبحث عن ألف، تجدها فجأة تهفّ على رأسها بعلبة مناديل، ثم تأشر لك بوجهها أنها خلاص ماتت، وأنت لا تملك إلا أن تضحك. وعندما تطلب منها حاء التسميع، تسمع لها بإخلاص كما لو أنها مدرّستها، ودعاء الختام وقفَته كله ـ رغم أنها نامت "كم تسليمة"، وبعد أن انتهت الصلاة، وصفت ركبتها بيدها من طول الوقوف، بحركة كرتونية، وأنها لم تستطع الإكمال، لكن قالت لنفسها: لازم. فوقَفته كله.



  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197

    عِيديّات ..


    8


    عيدُك سعادة، وأنْس وحلاوة. عيدك رضى، بسمة طفل، إشراقة أمل، ولقيا الصِّبا ..
    عيدُك حلوى، وطفلة كَ"نجوى"، عيدك زهرة، وجائزة ومغْفرة ..
    ..






    عيدك الحرم، من قبل الفجر؛ تفترش الساحات وتمتلأ، ملابس جديدة، وأطفال نظاف، وناس كثار. من آذان الفجر، تشتعل بهجة في جنان الأطفال لا حدّ لها، ومن خلف المآذن؛ السّيوف البرّاقة، ينسج الفرح بساطا من صباح، فيجري الأطفال، وتنهال الحلويات، وتوزع التمور.
    عيدك تمرة، من شهر لها وقت المغرب، الآن؛ تحس بوخزة، أن تأكلها عند المشرق، ماذا حلّ؟، رمضان ارتحل ..
    عيدك رمضان، راح، رأينا فلوله من الناحية الأخرى؛ تتحلّل. حزنّا، البارحة فقط كنا به نتنعّم. آه يا شهر الغفران والقرآن، والبركات والانتصارات، أستغلق الجنة أبوابها، وتفك الشياطين أصفادها؟.
    عيدك شيطان ـ حسنا، أنا أضحك، يُصلح من وضع يده القبيحة، من طول ما رصفتْ محبوسة. لما جاء، ودار، بحثا عن ما صار، أثناء الغياب، رجع لقبيله: لا داعي للخطط الخمسية، وجدناهم كما تركناهم، فانعموا في الإجازة بعض تكية.

    عيدك تكيتنا: علبة حلوى مزينة، وصرف ريالات ممشوقة، و"نسكافيه" ساخنة، وأكواب خزفية، وسماء بهية، "وكاميرا" في كفّ أخت "فوتوغرافية"، لكزا؛ صوري هذا، ولا تفوتك هذه، حتى أشهر أخ من خلفه أخوات: "لو سمحتِ". وأطفال يجرون من هنا وهناك، مرّ هذا مرتان انحناء على العلبة، لتهنكَ، ولما أعطيته ريالين، أعطى أخيه واحدا. أعطيت أخيه ريالين، فأدخلها في جيبه الاثنان، غضب السابق، أين الإيثار؟، وفكرتُ ماذا لو تاب منه في قابل. وطفلة جميلة، تلبس نظارات شمسية رخيصة، تعالي يا صغيرة، لم تأخذ حلوى ولا عيدية، هيا يا سخيفة، لسنا بهذا الثراء، أي هراء وضعتينا به لما ناديناك من طويل، ولم تلتفتين. لكن صغيرة أخرى أخذتها سريعا، حفظا في حقيبتها.

    عيدك حقيبة العيد القديمة، لا الآن، لما كنتُ صغيرة، كشيء واجب، وللبس مناسب، لجمع الحلوى والعيديات القليلة، والدوران بها في أزقة الحارة القديمة، طرقا لأبواب الجيرة: من العايدين، نفرح بالحلوى كثيرا، فيما لو كانت من النوعية الجيدة، لكن طبعا إنّا نفوس بشرية، نفرح أكثر بالأشياء النقدية، ثم أدلّ أخي، والدال على خير كفاعله: هذا الباب باب خيرات، هنيئا لك به. لمّا اليوم رأيت في بيت جدتي، أطفالا يفعلونها، دار بي الزمان، وتخيلت أي "شرشحة"، فيما لو فعل الشحاذة هذه أحد من الأخوان، فأعطيتهم تكفيرا عن كل إزعاجات الأبواب المطروقة، مع بنت خالتي "المطيورة" ..

    عيد بنت خالتي تلك، نذكر هنا مرابع الطفولة، والجلوس سخرية وضحكا، على الفساتين "المنفوشة"، والقبعات الكبيرة المارّة، "حداثيين من يومنا"، على ناصية باب صغير منخفض، تسبقه درجات ضيقة.
    عيد تلك الناصية، يوم أن دسستُ قربها علكة في التراب، كذكرى لما نعود من السفر، عدنا، وحفرت الأرض نقبا، علكتي يا أخوة، وفهمت أن بطن الأرض تأكل الأموات والعلكة .

    عيد الناصية تلك وقد سقطت من درجاتها جدتي، قبل رمضان، فأصبحت طريحة الفراش، لا خروج ولا مجيء لأغنام، فرأيتها الصباح حزينة، نظرات رغبة فهم الحديث الجاري الصاخب؛ أصبحت لا مبالية، مشغولة بنفسها العاجزة. وإثارة البسمات الذي هو ديدنها، أصبح صمتا طويلا، تعبث به يدها، على أطراف البطانية ..
    عيد بيتها العامر، وزوقه الطويل، الذي يجب أن تنتبه كي لا تدهس طفلا يجري، أو تنتبه يمنة ويسرى لخروج من الجوانب أحد يمشي، لأقارب تجمعكم ساعات في عام، فترى أبناءهم، وقد فجأة كبروا، الزاحف مشى، الماشي حديثا قد طال، الطويل قد استطال، أو أشياء جديدة، لا تعرف أسماءهم، فضلا عن أنسابهم، فلا تحتك معهم منعا من أي إحراج، فتحوقل، كيف جرى الزمان بهم، أجرى بكَ أيضا، ثم تفكر بالمرآة، أسالت للزمان تخاطيط.
    عيد الجلسة، وهرج النسوة، وتبادل البسمة، و"الكفحلة" المكررة، ثم تعريجا على رمضان: حليمته القبيحة، مواعظ "زوارة خميسه"، تفاهة أميمته ويتيماته.. فيصيبك النعاس جسدا وروحا، فتفكر تنكيدا: ماذا عن انسحاب الاستعمار من العراق، من فكّر، من درى، من اعتبر، من وعى؟ ..

    عيد العراق، ما بين طرف وارتدادته، كيف أصبح كيف أمسى، وكيف شهداؤه الأحياء، وكيف أحياؤه الشهداء. عفْوا لم أشاهد النشرة طيلة الشهر، أتصدّق؟، لكن أعرف، المواجع تُحدث.
    عيد فلسطين، لأخص: عيد الأقصى، في "بيوت الرحمن"، جعلوه الآخر، لنذكره كمآسينا الأولى. في الليلة الأخيرة، عرفنا كم عيد هالك مزيف مرّ علينا. ولم يآسفونا، صورا للجندي الغاصب، يحمل رشاشا، يراقب دخول المسلم المواطن.
    عيد "عيد بأية حال عدت يا عيد"، أو فليخرس المتنبي، قال هذه الجملة البليغة، الغليبة، كلعنة، لأنه لم ينل منحة. كيف سيقول، لو رأى توالي محننا، وإلا لخبط الوسادة في الجدار ثم في رأسه، عفة أن يجد ما يصلح للقول.
    "نكد؟، خلاص، بس شوية، على السريع" ..
    ..



    عيد عامل النظافة، لا يفرّق العيد من غيره، ولا الليل من النهار، راتبه ثمن عشاء في مطعم ليس بالفاخر. يناله في شهر، وقد يؤخر في الشهر الآخر، جوعا على الأيتام الحقيقين، لا بالمعنى المجازي. في العيد، لا عيد، ينظف، يطارد الأوراق المرمية، وتبدو له العيدية، في ألوانها الزهية.
    عيد عامل المحطّة، الذي بلا إجازة، سبعة على سبعة، مفرشه في الحياة سجاده، وظهره فيها خزان الوقود، يخرج من جيبه ـ ليرد الباقي، أموالا كثيرة، ثلثها ما يناله في ثلاثين وقفة، يعبئ الناس الوقود لسياراتهم، ولا يعبؤن ـ ولو عبئا، أي وقود لحياته.
    عيد الخادمة، الكسيرة، التي ليس بإمكانها أن تكون جميلة كثيرا، ترى تحلق الأبناء بالأم، كمثلها. تسمع الضحكات، مشاعر الحنان، والأموال المتبادلة الكثيرات. ومعيدها ومجلسها في المطبخ. إذا كان من خادمات أخريات، يجلسن ويتحدثن، ربما عن تقاليد عيد كل منهن في قريتهن، وكم أرسلنَ لأبنائهن، وأشواقهنّ، قد تسمع هذرهن سيدة بدينة، آتية من هذرة طويلة، فتتوجّس: أحاديث مثل هذه، تضر ولا تنفع، يعلمن بعضهن السحر، وما تعصي به سيدتها، فتوعز إلى حمقاء، بالتفريق، فيأتي الأمر ناصعا: "ميسيتو، ويلك، اجلسي عند عبّودي لا يغيبنَّ عن عينك" ..
    عيد ربّ الأسرة الفقيرة، كيف يصنع، كيف يتنحّل، ليدخل أنْسا من ساعة، ليليّن الآلام الصدئة، ويرطب الرغبات المهترئة، الدولة أعطت منحة من خمسمائة، وخمسة "خيشات" رز عند الباب، فيجمع أبناءه وعجوز الأيام الصغيرة، ليقصّ عن الناس القدامى، المتكاتفون وكأنهم يدٌ من غمامة.
    عيد الموتى ـ "آخر حبة"، طابورا طويلا صلينا عليهم، رجال ونساء، وكثير من الأطفال في كل ليلة: "الصلاة على الطفل يرحمكم الله"، فتنظر بهلع ألف. كيف هم في قبورهم، أكانت خيرا من دورهم، وأحباؤهم، كيف لبسهم العيد الصباح، الضيق. أي حزن جثم عليهم، وأقعدهم.
    "نرجع؟؛ نرجع"
    ..


    عيدك الحرم، والساحة الغاصّة عن بكرة أبيها، والناس النظاف، والملابس المهندمة، فتكاد ترى ورقة جِدّتها، الأشمغة المنشّاة، الأثواب المستقيمة، الأقلام اللامعة، اللأحذية التي ما بها انطباقة، العيون الكحيلة، العبايات المنمقة، الحقائب المكتنزة، الفساتين الكبيرة، التنورة المتباهية، "البكْلات" المصففة، مشاهد الحنان: أب يرفع وليدته سماءً، لينزلها ضما وتقبيلا. الأجانب اللطيفون، الجالسون بهدوء، الصفوف المديدة، كجسد واحد، يرجون جوائز العيد من ربهم.
    عيدك الجوائز، موعدة الصائمين القائمين، بشر بها نبينا ـ صلى الله عليه وسلم. ثم ننظر إلى الميسرة قليلا، القبة الخضراء ومن تحتها، يوم أن سنّ العيد، وشرطه سعيدا، وقال لأبي بكر: دعها، وسمعتْ لعب الأحباش، وخده على خدها. ورآه أنس قبل أن يخرج يأكل تمرات بعد الفجر، بأعداد وترية، ثم يخطب في الناس، ثم عرج على النساء، فأمرهنّ بالصدقة، فرجع بلال ثانيا ثوبه حملا، من فرط ما نزعوا من حليهنّ، يشترينَ الجنة، ثم يرجع من طريق آخر، ويتلقفونه أحظياء الدنيا والآخرة، سلاما عليه.





    ..
    عيدي الانطفاء، وتتبع دورة التوهج والخفوت، وخرافة الامتلاء، فأرى الذبول مبكرا في بتلة الاكتناز. قلت لهم لا تحفوا أقدامكم في الأسواق، وشهدوا على أنفسهم، أنهم كانوا من المبالغين، وأنهم يتاميلون الآن نعسانين، العيد بما هو قائم في قلوبنا، لا بالزيف معلق على أجسادنا. أصابني صداع مِنشاري، لما قصت "كم نزلة" احتاجت، تنقيبا عن جورب يلائم نقشة الفستان السفلية. وسقوطي، وكم بدا الوقت طويلا في تحول الأشياء من عمودية، إلى أفقية، وبدتْ لحظتها موضوعية، فوددت أن ألقي على نملة التحيّة.
    عيدي أخي، لله أنا كم صبرتُ على أسئلته، ومشاركته انتظاراته، وحساباته، وسهراته الصباحية، لدراسات ومخططات نومه، وما الاستراتيجية المناسبة لإيقاظه ليكون العيد نشطيا على نفسه. رمضان عنده مشروع رابح لتمرير العيدين والإجازات والمسرات، عاد اليوم يحسب كم بقي على الدراسة، وتحديدا كم يوما سندرس حتى تأتي الإجازة. ابتزّني اليوم، مشغولة كنت ـ أقسم، لكنه لم يمهلني، لاقاني عن كل زواية ومفرق، مصافحة، ونظرة التوائية، "طيب اصبر شوية بس"، لم يكفّ، ففاز، ونال بالإصرار كل ما يجعله يسعد ..
    عيدي انتهى، وأكذب ادعاءات أيامه الباقية، "أعياد بلدية احنا؟"، العيد يوم أن رأينا الشمس تتهادى في السماء، وأسراب الحمام تتمايل وتتداخل، وأننا تحولنا في ظرف ليلة من حال إلى حال، والأطفال تضحك بمكر من لحظة الهم بإخراج عيدية، حتى لقاء ندّ آخر، وإخباره بمجموع ثروته الصباحية. والدائري لبسوا أنواره، هلالي وأنت غادي، أهلاوي وأنت رائح، صحيح أنه من باكر، لكن غفرتُ، مدننا الرمادية ينقصها كثيرا من الفرح.
    عيدي نوم مفقود، وكل المفقودين أجلاف صعاب، كأعراب، لا يستردون بالمناداة ولا بالهش، ولم يفكروا بالإتيان ولو تلويحا. إلا النوم أسهل مفقود اللحظة، ف"يا واتي، هيستوب وماء اسقيني" ..
    عيدك عيدي، عيدي عيدك، عيدي أنت، عيدك أنا، يا رَبّ ...

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المكان
    باب عبدالمجيد
    الردود
    197
    أهلا جدائل. شكرا للمجيء السريع المُسعد. وهذا غصن "بشام" نضر لكِ، من مكان قريب ـ وفي رواية: "بيلسان". تتفهمين أن لا أيقونة له .
    الآن بعد لم أجد لديّ ما أودّ قوله، أسائل نفسي: أكتبت حقا المدينة، أم كتبْتُني ـ بعد الأُوَل تحديدا، ولما أشاهد الأشياء أقل: كيف أصل لجلال كبارها العظيمة، ودقة صغارها اللطيفة، أنهكني تكلفيك يا ورود، وأي هراء ما قلت ستعرفين حين تأتين ـ قريبا يا ربّ ..
    أهلا محمد بن علي، اطلع منها، سوق الكعكي؟!، الصراحة نسيت وجوده في الحياة، بغض النظر أنه كان أكشخ أسواق العالمين في نظري. لكني كنت أقصد الكعكي المخبز، لا أدري، ظننت ذكره لا يدل على غيره، من قدمه، وشهرة خبزه، وأن أسرة كاملة تسمى باسمه ـ ما يهون حلواني طيبة ..
    شكرا نجوى كثيرا ..
    مرحبا سلام، ابن الحارة القديمة "سيم سيم". تشكراتي ..
    سعيدة بك بلا ذاكرة، إتحاف كبير أنتِ، وفعلا معكِ: "ساحة الحرم حكاية أخرى، تحمل الروح على بساط الريح" ...

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المكان
    أرض تطوى تحت أقدامنا....وسحاب ترافقنا الامكنه؟
    الردود
    100
    ما احوجنا لمثل هدة الدرر المنثوره بين زحم الحروف المبعثره

  17. #17
    Quote المشاركة الأصلية بواسطة لحظة فرح عرض المشاركة

    أهلا جدائل. شكرا للمجيء السريع المُسعد. وهذا غصن "بشام" نضر لكِ، من مكان قريب ـ وفي رواية: "بيلسان". تتفهمين أن لا أيقونة له .


    أعرف البشام يافرح وأعرف بيلسانه , ولايخلو بيتي منه ...
    وبرغم روعة ماكتبتِ إلا أن جمال المدينة المعتّق بنكهة الروحانية تضيق كل الحروف أن تحويه أو تصفه ..!

    لاأدري ياصديقتي لِمَ سررت حين علمتُ أنكِ " ابنت مدينتي " ( :

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المكان
    بين ريحانتي وتاريخي وعنواني
    الردود
    84
    رائعة جميلة
    شفافة
    رقراقة
    عذبة

    رفع الله قدرك

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المكان
    في كومة من الغباء
    الردود
    151
    لحظة فرح

    شكراً لك قدر السماء
    ربما لن اخفيك بأنني دمعت من شوقي لمدينتي تباً لي كيف بعدت عنها

    عندما قابلني أحد معلمي القرآن وعرف أنني من المدينة احتضنني بحرقة وبكى كثيراً
    لن انسى ذلك المعلم

    اللهم ارجعنا اليها واقبض الروح فيها برضوانك

    اختاه شكراً

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    الى الروائع..

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •