Follow us on...
Follow us on Twitter Follow us on Facebook Watch us on YouTube
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: حفّارة

  1. #1

    حفّارة

    حــــــــفّارة


    أعلمُ أنّي أهملتُه طويلاً .... لكن ما الذي أيقظه الساعة؟
    أحلم بغابـــــــة النوم المنسيّة.... أرتمي على أرضها المبللة بالنعاس لأسدل ستارة أجفاني .... لكن الحفّارة بدأت تعمل....
    ضرسي قرر التمرّد على طول إهماله فثارت أعصابه بوجه لا مبالاتي ، وبدأ يصرخ ويصرخ ... وصراخه يعلو داخل دماغي...
    ألمٌ كنبض قلبِ وحشٍ جبّارٍ أو قرع طبول لقبيلة همجيّة تستعدّ لتقديم قربانٍ ما...
    يعلو ...يعلو...
    الكل نائمٌ... لا أقوى على الصراخ... لا أقوى على الحركة... ولا أملك سوى أن أنتحب داخلي بطريقة ما شاكية الى الله ما أقاسي...
    نهضت... جلبتُ علبة دواء مكتوب عليها "مسكّن للآلام" ، ابتلعتُ قرصاً وجلستُ أحدّق في الظلام...
    أحقّاً يوجدُ دواءٌ قادرٌ على تسكينِ آلامنا ؟ أحقّا توجد كيميائيات قادرة على التدخّل لوقفِ نزيف الألم في أعصابنا ؟
    أم أن الألم في زاوية أخرى وينتظر عطب أحد أعضائنا ليثور ويذكرنا بوجوده؟
    ابتلعتُ قرصاً آخر ثم انتظرت... ثم ابتلعتُ مضادّاً حيويا في محاولةٍ يائسةٍ لإقناع الجراثيم المسببة للالتهاب بأنها ستخسر المعركة وأن عليها الكف عن نهش خلاياي المهترئة ....
    وضعتٌ رأسي على الوسادة ويدي على خدّي الأيسربحنو أم على صغيرها المريض...
    لكنّ الحفارة مازالت تدقّ وتدقّ ... ومع كلّ دقّة أشعر أن يداً ما تسحبُ أعصابي وعروقي ثم تمطّها ثم تتركها ثم تمطّها ثم تتركها...
    قررت إشعاعات الألم مغادرة قواعدها في ضرسي والتمدد نحو رأسي ورقبتي وحتى كتفي... وتداعى باقي جسدي بالسهر والحمّى...
    رأسي داخل "مايكرويف" !!!
    يا لهشاشة هذا الكائنات المسكينة التي هي "نحن" !
    وأنا التي تجرّعتُ من الآلام وشاهدتُ من المآسي وسمعتُ من الآهات ما خلتني لن أتفاعل مع شئ بعدها...
    تمددتُ ... استسلمتُ للحفّارة التي تدقّ في رأسي علها تهدأ ... لكنّ رأسها بدأ ينزل وينزل...
    عاجزة حتى عن البكاء ...
    ليس هناك سوى جبروت الألم وسطوة الوجع...
    كأني انزلقتُ لحظة في أنبوب مظلم طويل خرجت من من فتحة ضيّقة الى مكان آخر...


    شوارع الأعظمية صباحاً...
    انفجار... سيّارة ملغّمة بعشرات الكيلوغرامات من المتفجّرات... وقفت على باب مدرسة للأطفال !!! ربّما لتقتل شرطيّا كان يحرس...
    تلك الهمهمات البريئة... صعدت الى السماء مثل خيط دخان رقيق لعود بخور يحترق...
    تلك الأجساد الغضّة كانت تلعب بالكرة... فقذفتها كرة الوت الى الجانب الآخر...
    أركض وسط الزحام... زجاج مكسّر..قطع اسمنت سحقت أيدٍ وأرجل...
    شرائط طفلة علقت في الحديد فلفّها الحديد المصهور والتوى وسحبها مثل أفعى جبّارة الى جحرها الناري...
    حقائب ذابت وأذابت معها أحلاماً صغيرة....


    الحفّارة تدق وتدق...
    لو أنسى تلك الصرخات الملتاعة للأمهات الراكضات الحافيات...
    لو أنسى تلك الوجوه الباحثة عن أحبتها بين الأشلاء...
    حدّقا بي لحظة... أم ملتاعة وأبٌ فزع..
    نظرتُ الى القائمة التي بيدي... وصمت...
    لم أستطع أن أنطق حرفاً...
    ماذا أقول لهما ؟ استلما جثث أولادكما الثلاثة ؟!!!
    ولدان وبنت ... اختصر الموت الأحزان المقسّطة عليهما ودفعها مرّة واحدة...
    وكان صمتي وفزعي كافيين لهما...
    هل رأيتم تلك النظرة على وجه أبوين مات أطفالهما الثلاثة للتو؟


    جلستُ على الدكّة وراقبتهما يحملان الأجساد الباردة الملطخة بالدم والحبر والألوان...
    حمل الأب الولدين... وحملت الأم البنت الصغيرة...
    وجهها كملك نائم في حديقة خضراء لا يسمع دوي الموت وصدى الصراخ...
    كان حزنهما أكبر من أي نحيب أو عويل... سرت كهاربه اليّ وأنا على الدكّة...
    إنه نحيب الروح... ألم مجيد وكبير كسطح محيط...
    أكبر من قناة الدمع...وأعمق من اهتزازات حبال الصوت...
    ألم يصعد ويهبط من قاع الروح مثل مصعد مجنون مقطوع الحبال...
    ألم يسفع القلوب بوسم لا يزول...


    طبول من جديد...
    أصعد في الأنبوب الضيّق مثل شريان متصلب تباطأ دمه المتجلّط...
    أنا في السرير... ونار تشتعل في خدي الأيسر...
    وجسدي متضامن مع ضرسي في حلف أكبر منّي... استحلتُ الى كرةٍ وعصبٌ طويل يقذفني الى الأسفل بقوة مثل الـ"يويو"...
    ابتلعتُ قرصين آخرين من باب إسقاط الفريضة !
    لماذا لم يخترعوا مضادا لآلام الروح ومضادا للقهر؟
    قال لي الطبيب مرّة: "لن أسحب العصب... ما زال هناك أمل"
    الأطباء يستخدمون عبارة "سحب العصب" كناية عن سحقه، فهم يدخلون دبّوسا صغيرا وسط السن ويهشمون العصب المشاكس الناقل للألم.
    فلماذا إذا لا نسحب أعصاب أسناننا كلها ؟
    لأننا إذا هشّمنا العصب صار السنّ ميتاً !
    سيبقى في مكانه مثل بيت عتيق خرب...
    لكنه ميت...
    ثم يصفرّ ويتآكل ويصير هشّاً...
    لا حياة بلا ألم ... ولا قوّة بلا وعي...


    هدأت الحفّارة قليلا...
    أنزلقت مرة أخرى في الأنبوب الضيّق المظلم...
    فقذفني الى بيت جارنا...
    القوّات الأمريكيّة تفرض حضر تجوال على حيّنا والشارع ملغّم بالمجنزرات والـ"همرات" والجنود البلهاء الغاضبين...
    ماتت الحاجة "زكيّة"...
    لفظت أنفاسها الأخيرة بين زوجها وبناتها الثلاثة...
    وعلى ضوء الفانوس الصغير شمّر الحاج أبو خديجة عن ساعدية وبدأ يغسّل ويكفّن رفيقة عمره...
    تألمت معه... جاعت معه في الحصار...فرحت معه بنجاح البنات...غسلت ثيابه... أعدّت طعامه..
    واليوم غادرته..
    جلس عند رأسها يبكي مثل طفل فقد أمه...
    أمسى الأربعة يحدّقون في جثمان غاليتهم ... والقوات الأمريكية تفرض حضرا على الأحياء والأموات... والحرارة لا تطاق...والميتة تنتظر إطلاق سراح جسدها ليهرب الى التراب...
    مع خيوط الفجر الأولى خرج الحاج أبو خديجة ليستأذن القوات الأمريكية في دفن الميتة...
    لا خروج...الا اذا تمكّن الميت من الذهاب للمقبرة لوحده !!
    عاد يأكله الغضب وجلس الأربعة صامتين... والبنات يأكلهن الحزن خلية خلية...
    نظر بعضهم الى بعض ثم التمعت فكرة في رأس الجميع...
    سحب السلك من بيت الجار من ثقب في الجدار ومدّة وشغّل البرّاد على مولّد الجار...
    فتح الأربعة البرّاد... سحبوا الرفوف ...وأدخلوا المرحومة فيه !!
    حشروها حشرا ... رأسها مائل... أقدامها متصلبة... أوقفوها عنوة...وأغلقوا باب البرّاد وربطوة بحبل... وجلسوا يبكون...
    قد يفتح أحدنا البرّاد المركون في انقطاع الكهرباء المستمر ليجد حبات من الطماطم أو البطاطا التالفة...لكن أن يجد أمه الحبيبة؟؟
    ثلاثة أيام والحاجة في البراد ... في النهار يمكن تشغيل المولّد لكن في الليل صوته يزعج القوات الأمريكية التي تطارد الأرهابيين في حيّنا ... يجب أن يطفأ مع مغيب الشمس...
    والليل والسكون ورائحة الجثة وقد دبّ العفن اليها...
    لم يعد يحتمل... أخذ الفأس والفانوس وخرج الى الحديقة وبدأ يحفر قبرا كالمجنون... ويصرخ: ستُدفن هنا ، لن تغادر دارهــــا أبداً...


    الحفّارة .... أم صوت ضربات فأس أبي خديجة؟
    آه يا ضرسي.... أم آه يا بلد...
    نهضتُ بسرعة الى البراد لأجلب قطعا من الثلج أضعها على خدي... خيّل اليّ أني رأيتُ الحاجة زكيّة واقفة فيه...
    لماذا يجرّ الألم الاما أخرى...
    لماذا يفتح ملفاته ويقلّبها صفحة صفحة وقد ظنناها ذهبت الى درج النسيان؟
    وضعت الثلج على خدي لأعطي معنى لكلمة "باردة الشعور" عسى أن تصبح حقيقة...
    لكنّ الثلج ذاب... وعاد ضرسي الى الصراخ..
    جاء الفجر...علّ الفرج معه...
    يا ربّ...

  2. #2
    بديع ، ورائع ..
    يارب ..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    لماذا يجرّ الألم الاما أخرى...
    لماذا يفتح ملفاته ويقلّبها صفحة صفحة وقد ظنناها ذهبت الى درج النسيان؟
    ربما لأن بعض الظن كذب يا نخيل..
    وربما لا ادري .
    المهم
    النص جميل فكرة وسرداً
    واهلا بك.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المكان
    عَلَى الرَّصيف .!
    الردود
    767
    التدوينات
    2
    .

    .

    أَمَّيزُ صَباحاتِ الفَقد
    وَ هَزيع الوَجع
    أَعرِفُ مَذاقُه
    كَما أَفَقهُ مَعنى الموت عَلَى الأرصفة وَ عَلى الضِفاف
    وَ بِـ رَصاصة أميركي ثَمل
    لا زالتْ صَرخاتُ " الأعظمية " تَدُّكُ آُذني
    لا زُلتُ أُجيدُ السَمع مَعَ كُلِّ أعضائي التَالفة

    أَتعلمين ؟!
    حَفّارتكِ موجعة كَـ حُرقةِ قَلب " أَموات " العَراق
    وَ هُمْ يَستأجرون " البَراد " كَـ قَبرٍ مؤقت
    لا أَعرِفُ أَيَّ وَجعٍ فَاجر لَمْ نُجربه بَعد ؟!!

    .

    .

    شَقيقةُ الوَجع وَ الأَرض
    مَرحى بِكَ الف وَ يزيد

    .

    .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المكان
    بين الحقيقة والخيال
    الردود
    954
    وأنا أقرأ أوجاعكم هذه يا نخيل العراق
    حفر السؤال ايّاه في عقلي والذي غالباً ما أردّده ..
    لمَ يحدثُ هذا .!
    ولأنّ الجواب مُبهم لا أملكُ الّا قول ..

    ياربّ ...
    (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفْ).

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المكان
    طملاي - منوف - المنوفية - مصر ولكن روحي نثرتها في الفضاء
    الردود
    316
    حبيبتي العراق
    هل تقبلين جثتي لحبنا صداق
    حبيتي العراق
    قلوبنا لديك تنفري
    لكنما سيوفنا عليك باتفاق

    لعن الله كل من أعان على غزو العراق

    شكراً لوجعك الذي شكَّل إبداعاً

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المكان
    بداخلي مُدن !
    الردود
    359
    يا الله....يا الله
    من فعل بنا كل هذا ؟
    وما الشيء الذي يملكونه حتى تصبح دماءنا أرخص من دماءهم بكثير
    حتى ساوى الواحد منهم غزّة كلها ؟


    جميل...وموجع..مروّع وقاس جدًا
    لا أعرف هل هناك نصّ أشدّ حزنًا من هذا النصّ في العالم ؟


    شكرًا لك
    متأكدة بأنك بكيت وأنت تكتب

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الردود
    2,099
    الى الروائع..

 

 

معلومات الموضوع

أعضاء يتصفحون هذا الموضوع

يتواجد حاليا 1 يتصفحون هذا الموضوع 0 أعضاء وَ 1 زوار

الروابط المفضلة

قوانين الكتابة

  • may لا يمكنك إضافةموضوع جديد
  • لا يمكنك إضافة ردود
  • may لايمكنك إضافة مرفقات
  • لايمكنك تعديل مشاركتك
  •